Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ ==
١٩ - (بابُ زكاة الحُليّ) - حديث رقم ٢٤٨٠
على النبي وَّيره، وعليها أسورة من ذهب، فقال لنا: ((أتعطيان زكاته؟))، قالت: فقلنا:
لا، قال: ((أما تخافان، أن يسوركما اللَّه، أسورة من نار، أديا زكاتهُ)). وفي إسناده
مقال.
وقد وردت أحاديث في الباب لكنها ضعاف، وفيما ذكرناه كفايةٌ.
وقد أجاب القائلون بعدم وجوب الزكاة في الحليّ عن هذه الأحاديث بأجوبة كلها
مردودة :
(فمنها): أن هذه الأحاديث وردت حين كان التحلّ بالذهب حراما على النساء،
فلما أبيح لهنّ سقطت منه الزكاة بالاستعمال، كما تسقط زكاة الماشية بالاستعمال.
وهذا الجواب باطل. قال البيهقيّ في ((المعرفة)): كيف يصحّ هذا القول من حديث أم
سلمة، وحديث فاطمة بنت قيس، وحديث أسماء بنت يزيد رضي اللَّه عنهنّ، وفيها
التصريح بلبسه مع الأمر بالزكاة، وحديث عائشة تعرّها دخل عليّ رسول اللَّه وَلتر،
فرأى في يدي فَتَخَات من ورِقٍ ... ))، إن كان الورِق فيه محفوظًا انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّم أن حديثها المذكور صحيح. والله تعالى أعلم.
(ومنها): أن الزكاة المذكورة في هذه الأحاديث إنما كانت للزيادة على قدر الحاجة،
وهذا ادعاء محضّ، لا دليل عليه، بل في بعض الروايات ما يردّه. قال الزيلعيّ بعد ذكر
حديث عمرو بن شعيب المذكور في الباب من رواية أحمد، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن
راهويه، بلفظ: ((فأذّيا زكاة هذا الذي في أيديكما)»: ما نصّه: وهذا اللفظ يدفع تأويل من
يحمله على أن الزكاة المذكورة فيه شُرعت للزيادة فيه على قدر الحاجة انتهى (١).
(ومنها): أن المراد بالزكاة في هذه الأحاديث التطوّع، أو المراد بالزكاة العارية. قال
القاري: وهما في غاية البعد، إذ لا وعيد في ترك التطوّع، والإعارة، مع أنه لا يصحّ
إطلاق الزكاة على العارية، لا حقيقةً، ولا مجازًا انتهى (٢).
والحاصل أن الراجح قول من قال بوجوب زكاة الحليّ؛ للأدلّة التي ذكرناها. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٤٨٠- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ:
سَمِعْتُ حُسَيْنَا، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ، وَمَعَهَا بِنْتْ لَهَا، إِلَى
رَسُولِ اللَّهِ وَ لَ، وَفِي يَدِ ابْتَتِهَا مَسَكَتَانٍ، نَحْوَهُ، مُرْسَلٌ) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى)): هو الصنعاني البصري، ثقة
(١) - ((نصب الراية)) ج ٢ ص ٣٧٤.
(٢) - راجع ((المرعاة)) ج٦ ص ١٦٥ -١٦٩ .
١٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
[١٠] ٥/٥. و((الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ)): هو أبو محمد البصري، ثقةن من كبار[٩]١٠/
١٠ . والباقون تقدموا في السند الماضي.
وقوله: ((مرسلٌ)): خبر لمحذوف، أي هذا الحديث مرسل. ولفظ ((الكبرى)):
مرسلا)»، وهو منصوب على الحال.
ثم المراد بالمرسل هنا المعضل، حيث إنه سقط من الإسناد اثنان، شعيبٌ، وجدّه
عبد الله بن عمرو رَيتا، كما تبيّن ذلك من الإسناد المتقدّم.
وإطلاق المرسل على مطلق الانقطاع الشامل للإعضال وغيره مذهب كثير من أهل
الحديث، كما تقدّم غير مرّة. والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: خَالِدٌ أَثْبَتُ مِنَ الْمُعْتَمِرٍ) أشار به إلى أن رواية خالد بن
الحارث الموصولة المذكورة في السند السابق، أرجح من رواية المعتمر بن سليمان
المرسلة هذه؛ لأن خالدًا أثبت منه، فإن معتمرًا، وإن كان ثقة، فقد وصف بسوء
الحفظ، فقد قال يحيى القطّان: إذا حدّثكم المعتمر بشيء، فاعرِضوه، فإنه سيّء
الحفظ. وقال ابن خراش: صدوق يُخطىء من حفظه. (١).
وأجمعوا على حفظ خالد، وإتقانه، ولم يتكلّم فيه أحد بسوء الحفظ، بل كانوا
يسمّونه خالد الصّذْق(٢).
وحاصل ما أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى أن وصل هذا الحديث أصحّ من
إرساله.
هذا هو الظاهر من كلامه المذكور، وأما ما وقع في ((تحفة الأشراف)) ج٦ ص٣٠٩ -
من قوله: ((قال النسائيّ: خالد بن الحارث أثبت عندنا من معتمر، وحديث معتمر أولى
بالصواب انتهى. فالظاهر أنه تصَحف خالد إلى معتمر، والصواب: ((وحديث خالد
أولى بالصواب)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)).
(١) - راجع ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) ج٤ ص١١٧.
(٢) - انظر ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) ج١ ص ٥١٥.
١٨٣
٢٠- (بابُ مانع الزكاةِ) - حديث رقم ٢٤٨١
٢٠- (بَابُ مَانِعِ الزَّكَاةِ)
أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالين على تعذيب مانع الزكاة.
٢٤٨١ - (أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِيَ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَّ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (إِنَّ الَّذِي لَّا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ، يُخَيَّلُ إِلَّيْهِ مَالُهُ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، شُجَاعًا
أَقْرَعَ، لَهُ زَبِبَتَانٍ))، قَالَ: ((فَيَلْتَزِمُهُ))، أَوْ ((يُطَوَّقُهُ)) قَالَ: يَقُولُ: أَنَا كَنْزُكُ، أَنَا كَتْزُكَ))) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وقد تقدموا غير مرة.
و((الفضل بن سهل)): هو البغداديّ، خراسانيّ الأصل، وثّقه النسائيّ. و((أبو النضر
هاشم بن القاسم)): الملقّب بـ((قيصر)) البغداديّ الثبت. و((عبد العزيز بن عبد الله بن أبي
سلمة)) الماجشون المدنيّ نزيل بغداد الفقيه الثقة. و((عبد الله بن دينار)) العَدَويّ مولى ابن
عمر المدنيّ الثقة.
وقوله: ((يُخَيَّلُ إليه ماله)): بالبناء للمفعول، أي يصوّر له ماله، فالمراد بالتخييل هنا
التصوير، ويؤيّد ذلك أن في رواية أحمد بلفظ :: يُمثِّلُ اللَّه تعالى له مالَهُ))، وهو الذي
في رواية أبي هريرة الآتية بعد هذا.
وقوله: (له زَبِيبتان)): تثنية زَبِيبة -بفتح الزاي، وموحدتين- وهما الزَّبَدَتَان اللتان في
الشّدقين. وقيل: النكتتان السوداوان، فوق عينيه. وقيل: نقطتان يكتنفان فاه. وقيل:
هما في حلقه بمنزلة زَنَمَتِي الْعَنْزِ. وقيل: لحمتان على رأسه، مثل القرنين. وقيل: نابان
يخرجان من فیه.
وقوله: ((فليتزمه))، ولفظ ((الكبرى)): ((فيُلَفُّ به)).
وقوله: ((أو يَطَّوَّقُهُ)): ((أو)) للشكّ من الراوي. و((يُطَوَّقُهُ)) - بضمّ أوّله، وفتح الطاء،
وتشديد الواو -: أي يُجعل ذلك الشجاع كالطَّوْق له. وضبطه السنديّ -بفتح أوله،
وتشديد الطاء، والواو المفتوحتين -: أي يصير له ذلك الشجاع طوقًا انتهى. ونحوه في
شرح السيوطيّ(١).
وقوله: ((قال: يقول الخ)): فاعل ((قال)) ضمير الرسول وَل، وفاعل ((يقول)) ضمير
المال، أي قال ◌َله: يقول ذلك المال لصاحبه: أنا كنزك، أنا كنزك، توبيخًا وتقریعًا له.
(١) - انظر شرحي السنديّ، والسيوطيّ ج٥ص٣٩.
١٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٢٠/
٢٤٨١- وفي ((الكبرى)) ٢١/ ٢٢٦٠. وأخرجه (أحمد) في ((مسند المكثرين)) ٦٤١٢،
وقد تقدم تمام شرحه في شرح حديث أبي هريرة تَظفي برقم ٢٤٤٨/٦. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٤٨٢ - (أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، الْمَدَنِيُّ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَِّ، قَالَ: ((مَنْ أَتَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَّاتَهُ، مُثَّلَ لَهُ مَالُهُ،
يَوْمَ الْقِيَامَةِ، شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيِبَتَانٍ، يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: أَنَا مَالُكَ،
أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ.﴾ الْآيَةَ
[آل عمران: ٨٠]))) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح.
و((حسن بن موسى)): هو الأشيب البغداديّ، الثقة [٩].
و((عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار)) العَدَويّ، مولى ابن عمر المدنيّ)) صدوق
يُخطىء[٧].
قال الدُّوريّ، عن ابن معين: في حديثه عندي ضَعْفٌ، وقد حدّث عنه يحيى
القطّان، وحسبه أن يحدّث عنه يحيى. وقال عمرو بن عليّ: لم أسمع عبد الرحمن
يُحدّث عنه بشيء قط. وقال أبو حاتم: فیه لینٌ، يُکتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال ابن
عديّ: وبعض ما يرويه منكر، لا يُتابع عليه، وهو في جملة من يُكتب حديثه من
الضعفاء. وقال السُّلَميّ، عن الدارقطنيّ: خالف فيه البخاريُّ الناس، وليس بمتروك.
وقال الحاكم، عن الدارقطنيّ: إنما حدّث بأحاديث يَسيرة. وقال أبو القاسم البغويّ:
هو صالح الحديث. وقال الحربيّ: غيره أوثق. وقال ابن خلفون: سئل عنه عليّ بن
المدينيّ؟ فقال: صدوق.
أخرج له البخاريّ، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب
حديثان فقط، هذا ٢٤٨٢ و٥٢٤٥ حديث ابن عمر: ((رأيت النبيّ وَلّ يصفْر لحيته)).
وقوله: ((بلِهْزِمَتَيه)) : -بكسر اللام، والزاي، بينهما هاء ساكنة -: في ((صحيح
البخاريّ)): يعني شِذْقَيه. وقال في ((الصحاح)): هما العظمان الناتئان في اللَّخيين، تحت
الأذنين. وفي ((الجامع)): هما لحم الخدّين الذي يتحرّك إذا أكّل الإنسان. انتهى (١).
(١) - انظر شرح السيوطيّ ج٥ص٣٩ - ٤٠.
١٨٥
٢١- (زكَاةُ التَّمْر) - حديث رقم ٢٤٨٣
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم للمصنّف في -
٢٤٤٨/٦ - وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب».
٢١- (زَكَاةُ التَّمْرِ)
٢٤٨٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ،
عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ أَمَيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْتِى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ يَخْتِى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي
سَعِيدِ الْخُذْرِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ(١)، مِنْ حَبِّ،
أَوْ تَمْرٍ صَدَقَةٌ))) .
قالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الحديث كلهم رجال الصحيح.
وتقدّموا غير مرّة. و((مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ)): هو المخرِّمي البغدادي الثقة
الحافظ [١١]. و((وكيع)): هو ابن الجرّاح الكوفي الثقة الثبت [٩]. و((سفيان)): هو
الثوري الإمام [٧]. و((إسماعيل بن أمية)): هو الأموي الثقة الثبت [٦]. و((محمد بن
يحيى)): هو ابن حبان بن منقذ الأنصاري المدني الثقة الفقيه [٤]. و((يحيى بن عمارة)):
هو ابن أبي حسن الأنصاري المدني الثقة [٣].
ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، فإنه يدلّ على وجوب الزكاة في التمر.
[فإن قيل]: إنه إخبار عن عدم الصدقة فيما دون خمسة أوسق، من حبّ، أو تمر،
فكيف يدلّ على الوجوب؟.
[قلت]: المراد به الإخبار بوجوب الزكاة فيما كان خمسة أوسق، فما فوقها، بدليل
الأدلّة الأخرى، كقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ
اُلْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]، وقوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ الآية
[الأنعام: ١٤١]، وكحديث: ((فيما سقت السماء العشر))، وحديث معاذ رَّه ((أمرني
رسول الله والتر أن آخذ مما سقت السماء العشر ... ))، وغير ذلك.
(١) -وفي نسخة: ((أوسُق)).
١٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وقوله: ((أو تمر)) يحتمل أن تكون ((أو)) للشكّ من الراوي، ويحتمل أن تكون بمعنى
الواو، وهذا الاحتمال أولى للروايةِ الآتية من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان
بلفظ: ((ليس في حبّ، ولا تمر))، فيكون من عطف الخاصّ على العام.
ثم رأيت في هامش ((النسخة الهندية)) أشار إلى أن في بعض النسخ ((وتمر)) بالواو.
[تنبيه]: ذكر الحافظ أبو الحجاج المزّيّ رحمه الله تعالى في ((تحفته)) جـ٣ ص٤٨١
بعد ذكر سند المصنّف هذا: ما نصّه: وقال -يعني النسائيّ -: لا نعلم أحدًا تابع
إسماعيل بن أُميّة على قوله: ((من حبّ))، وهو ثقة انتهى.
وغرضه بهذا أن تفرّد إسماعيل بن أَميّة عن سائر الرواة بزيادة: ((من حبّ)»، لا يضرّه،
لأنه ثقة ثبت، فتكون زيادته مقبولة. والله تعالى أعلم.
ثم إن الكلام الذي نقله الحافظ المزيّ عن المصنّف لم أره، لا في ((المجتى))، ولا
في ((الكبرى))، ولعله لاختلاف النسخ، والله تعالى أعلم.
والحديث متفق عليه، وقد تقدّم للمصنّف في -٢٤٤٥/٥ - وتقدّم شرحه هناك،
فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
٢٢- (بَابُ زَكَاةِ الْحِنْطَةِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الحِنْطَة)) - بكسر المهملة، وسكون النون، بعدها
طاء مهملة- والقَمْح - بفتح، فسكون- والبرّ، والطعام واحد، وبائع الحنطة حَنّاطٌ، مثلُ
البزاز، والعطّار، والنسبة إليه على لفظه حَنّاطيّ. أفاده في ((المصباح)). والله تعالى أعلم
بالصواب.
٢٤٨٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَنِعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ
الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي (١) عَمْرُو بْنُ يَخْتِى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِّي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ، عَنْ
رَسُولِ اللّهِ، قَالَ: ((لَا يَحِلُّ فِي الْبُرِّ، وَالتَّمْرِ زَكَاةٌ، حَتَّى تَبْلُغَ (٢) خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَلَا يَحِلُّ
فِي الْوَرِقِ زَكَاةٌ، حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَةً أَوَاقٍ، وَلَا يَجِلْ فِي إِلِ زَكَاةٌ، حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَ ذَوْدٍ)).
(١) -وفي نسخة: ((حدّثنا)).
(٢) -وفي نسخة: ((يبلغ)).
١٨٧
٢٣- (بابُ زكاة الحُبُوب) - حدیث رقم ٢٤٨٥
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه
((إسماعيل بن مسعود)) الْجَحْدَريّ البصريّ الثقة، فإنه من أفراده. و((يزيد بن زُريع))
الحجة الثبت، ريحانة البصرة.
و((رَوْح بن القاسم)) التميميّ العنبريّ البصريّ الحافظ الثقة.
وقوله: ((لا يحلّ)) بكسر الحاء المهملة: أي لا يجب، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْ أَرَدِّتُمْ أَنْ
يَجِلَ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الآية [طه: ٨٦]. أي يجب عليكم، على قراءة الكسر،
ومنه حَلَّ الدين حُلُولًا. وأما الذي بمعنى النزول، فبضمّ الحاء، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَ
تَحُلُ قَرِيبًا مِنِ دَارِهِمْ﴾ الآية [الرعد: ٣١]. قاله السنديّ(١).
قلت: الذي في (المصباح المنير)) أن مضارع حلّ العذابُ يَحلّ حُلُولًا بالوجهين،
ومضارع حلّ الشيُّ حِلًا: ضدّ حرُم، وحَلّ الدينُ حُلُولًا: بمعنى انتهى أجله، وحَلّ
الحقّ حِلًّا، وحُلُولًا: بمعنى وجبَ، وحَلّ المحرمُ بمعنى خرج من إحرامه، وحَلّ
الهديُ بمعنى وصل الموضع الذي يُنحَر فيه، وحَلّت اليمين بمعنی بَرَّتْ، كله بالكسر
فقط، وكلها أفعالٌ لازمة.
وأما حَلّ البلدَ: إذا نزل به، وحَلّ العُقْدَة، وحَلّ اليمينَ: إذا فَعَل ما يخرُجُ عن
الْحِنْثِ، فإن مضارعها بالضمّ لأنها متعدّية.
والحديث صحيح، وقد تقدّم الكلام عليه في الذي قبله، ودلالته على الترجمة
واضحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
٢٣- (بَابُ زَكَاةَ الْحُبُوب)
جمع حبّ بالفتح، سيأتي الكلام عليه بعد باب، إن شاء الله تعالى.
٢٤٨٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَمَيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ يَخْتِى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ يَخْتَى بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي
سَعِيدِ الْخُذْرِيٍّ، أَنَّ النَّبِيِّ نَِّ، قَالَ: (لَيْسَ فِي حَبِّ، وَلَا تَمْرِ صَدَقَةٌ، حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَةً
أَوْسُقٍ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ)) .
(١) - ((شرح السنديّ)) ج٥ص ٤٠-٤١.
١٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
وتقدموا غير مرّة. و((عبد الرحمن)): هو ابن مهديّ. و((سفيان)): هو الثوريّ.
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم الكلام عليه قبل حديث. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)).
٢٤- (الْقَدْرُ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على بيان القدر الذي تجب فيه الزكاة.
والظاهر أنه أراد بيان أقلّ النصاب في الأشياء المذكورة في حديث أبي سعيد الخدريّ
رَّ، أما نصاب الذهب، والفضّة، والإبل، فقد سبق تمام البحث فيها فيما مضى من
الأبواب، وأما نصاب الحبوب فسيأتي الكلام عليه في الباب التالي، إن شاء الله تعالى
والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٤٨٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، قَالَ: حَدَّثَنَا
إِذْرِيسُ الْأَوْدِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَّ: ((لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ))) .
قال الجامع عفا الله تعالى: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، وتقدّموا غير:
١- (إدريس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ الزَّعَافريّ، وهو أخو داود، أبو
عبد الله الكوفيّ، ثقة [٧].
قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). روى له
الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا ٢٤٨٦ و٣٠٠٢ حديث: عمر تعطله
في آية ﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٣].
و((أبي الْبَخْتَريّ)) -بفتح الموحّدة، والمثنّاة، بينهما معجمة- اسمه: سعيد بن فيروز،
وهو ابن أبي عمران الطائيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقة ثبت، فيه تشيّعٌ قليل، كثير
الإرسال [٣].
وثّقه ابن معين، وأبو زرعة، وفي رواية عن ابن معين، قال: ثبت، ولم يسمع من
عليّ شيئًا. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق. وقال أبو داود: لم يسمع من أبي سعيد. وقال
١٨٩
٢٤- (القَدْرُ الذَّي تِجَبُ فِيهِ الصَّدَقَةَ) - حديث رقم ٢٤٨٧
فِطر بن خليفة، عن حبيب بن أبي ثابت: اجتمعت أنا، وسعيد بن جبير، وأبو
البَخْتَريّ، فكان الطائيّ أعلمنا، وأفقهنا. وقال هلال بن خبّاب: كان من أفاضل أهل
الكوفة. وقال ابن سعد: قُتل بدُجَيل مع ابن الأشعث سنة (٨٣)، وكان كثير الحديث،
يُرسل حديثه،، ويروي عن الصحابة، ولم يسمع من كثير أحد، فما كان من حديثه
سماعًا، فهو حسنٌ، وما كان غيره فهو ضعيف. وقال ابن أبي حاتم في ((المراسيل))،
عن أبيه: لم يُدرك أبا ذرّ، ولا أبا سعيد، ولا زيد بن ثابت، ولا رافع بن خَدِيج، وهو
عن عائشة مُرسل. وقال أبو زرعة: هو عن عمر مرسل. وقال العجليّ: تابعيّ، ثقة،
فيه تشيّع. ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نُمير. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، فقال:
سعيد بن فَيروز، ويقال: سعيد بن عمران، وقيل: غير ذلك.
روى له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب خمسة أحاديث.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إسناد هذا الحديث فيه انقطاع، كما تبيّن من ترجمة
أبي البَخْتَريّ المذكور آنفًا، فإنه لم يُدرك أبا سعيدٍ، لكن الحديث صحيح، فقد تقدّم
ويأتي من رواية يحيى بن عمارة، عن أبي سعيد تَظّثه ، ومن طريقه أخرجه الشيخان،
وغيرهما، كما تقدّم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
٢٤٨٧ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ يَخْتَى بْنِ سَعِيدٍ،
وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَخْتِى، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ
وَهِ، قَالَ: (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ
فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ))).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و((أحمد بن عبدة)): هو الضبيّ البصريّ، ثقة رمي بالنصب [١٠]. و((حمّاد)):
هو ابن زيد. و((يحيى بن سعيد)): هو القطّان. و((عبيدالله بن عمر)): هو العمريّ الفقيه
الحجة المدنيّ.
والحديث متفق عليه، وقد مرّ الكلام عليه غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب» .
١٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
٢٥- (بَابُ مَا يُوجِبُ الْعُشْرَ، وَمَا
يُوجِبُ نِصْفَ الْعُشْرِ)
٢٤٨٨ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْهَيْثَمِ، أَبُو جَعْفَرِ الْأَيْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ
وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي (١) يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
وَّهِ، قَالَ: ((فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ، وَاَلْأَنَّهَرُ، وَالْعُيُونُ، أَوْ كَانَ بَعْلًا، الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ
بِالسَّوَانِي، وَالنَّضْحِ، نِصْفُ الْعُشْرِ))) .
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (هارون بن سعيد بن الْهَيْثَم) بن محمّد بن الهيثم بن فَيْرُوز التميميّ السعديّ
مولاهم، أبي جعفر الأَيْلِيّ(٢)، نزيل مصر، ثقة فاضل [١٠].
قال أبو حاتم: شيخٌ. وقال النسائيّ: لا بأس به. وقال في موضع آخر: ثقة. وذكره
ابن حبّان في ((الثقات)). وقال أبو عمر الكنديّ: كان فقيهًا، من أصحاب ابن وهب.
وقال مَسلَمة بن قاسم: كان مقدّمًا في الحديث فاضلًا. وقال ابن يونس: توفّي في ربيع
الأول سنة (٢٥٣)، وكان مولده سنة (١٧٠) وكان ثقةً، وكان قد ضَعُفَ، ولزم بيته.
روى عنه مسلم، وأبو داود، والمصنّف، وابن ماجه، روى عنه المصنف في هذا
الكتاب أربعة أحاديث برقم ٢٤٨٨ و٢٥٥٧ و٣٠٨٧ و٤٩١٧ .
٢- (ابن وهب) عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصري، ثقة حافظ
عابد [٩]٩/٩.
٣- (يونس) بن يزيد الأيلي، أبو يزيد، ثقة، من كبار[٧]٩/٩.
٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني الإمام الحجة الثبت [٤]١/١.
٥- (سالم) بن عبد الله بن عمر العدوي المدني الفقيه الثقة الثبت [٣]٤٩٠/٣٢.
٦ - (أبوه) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما ١٢ / ١٢ والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
(١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٢) - بفتح الهمزة، وسكون الياء التحتانيّة، آخره لام: نسبة إلى أَيْلَةَ بلد بساحل بحر القلزم، مما يلي
ديار مصر. قاله في ((اللباب)ج١ ص٩٨ .
١٩١
٢٥- (بَابُ مَا يُوجِبُ الْعُشْرَ، وَمَا ... - حديث رقم ٢٤٨٨
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريّين إلى ابن شهاب، ومنه مدنيّون. (ومنها): أن
فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، ابن شهاب، عن سالم، ورواية الابن، عن أبيه، وفيه أحد
الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو سالم، وفيه أحد العبادلة الأربعة، وأحد
المكثرين السبعة، وهو عبد الله بن عمر بن الخطّاب تؤاتها، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَالِم) بن عبد الله (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطّاب ◌َّنَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
وَّهِ، قَالَ: ((َفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ) أي المطر، أو الثلج، أو البرد، أو الطلّ، من باب ذكر
المحلّ، وإرادة الحالّ (وَالْأَنَّهَارُ) جمع نَّر - بفتحين- قال الفيّوميّ رحمه اللّه تعالى:
النَّهْرُ: الماء الجاري المتْسِعُ، والجمع نُرّ - بضمّتين- وأنُهُرٌ، والنَّهَر -بفتحتين - لغةٌ،
والجمع أنهارٌ، مثلُ سَبَبٍ وأسباب، ثم أطلق النهرُ على الأُخْدُود مجازًا للمجاورة،
فيقال: جرى النهرٌ، وجَفّ النهر، كما يقال: جَرَى الميزابُ، والأصل جَرَى ماء النّهر
انتهى (١) (وَالْعُيُونُ) جمع عين، وهي يَنْبُوعُ الماءِ، وتُجمع أيضًا على أعيُنِ (أَوْ كَانَ بَعْلًا) -
بفتح الموحّدة، وسكون المهملة، آخره لام -: النخل يَشرب بعروقه، فيَستغني عن
السقي. وقال أبو عمر: البَعْلُ، والْعِذْيُ -بالكسر - واحدٌ، وهو ما سقته السماء. وقال
الأصمعيّ: البَعْلُ ما يشرب بعروقه، من غير سقي، ولا سماءٍ، والْعِذْيُ ما سقته
السماء. قاله في ((المصباح)).
ولفظ البخاريّ: ((أو كان عَثَرِيّا)). قال في ((الفتح)) : -بفتح المهملة، والمثلّثة، وكسر
الراء، وتشديد التحتانيّة، وحُكِي عن ابن الأعرابيّ تشديد المثلثة، وردّه ثعلبٌ. وحكى
ابن عديس في المثلّث فيه ضمّ أوله، وإسكان ثانيه. قال الخطّابيّ: هو الذي يشرب
بعروقه، من غير سقي. وقال ابن قُدَامة، عن القاضي أبي يعلى: هو الماء الْمُستَنْقِعُ في
بِرْكَة أونحوها، يَصُبِّ إليه ماء المطر في سَوَاقٍ، تُشَقُّ له، فإذا اجتمع سُقي منه،
واشتقاقه من العاتُور، وهي الساقية التي يجري فيها الماء؛ لأنها يَعْثُر بها من يَمُرّ بها.
قال: ومنه الذي يَشرَب من الأنهار بغير مؤونة، أو يَشرب بعروقه، كأن يُغرّس في
أرض يكون الماء قريبًا من وجهها، فيصل إليه عروق الشجر، فيستغني عن السقي.
قال الحافظ: وهذا التفسير أولى من إطلاق أبي عُبيد أن العثريّ ما تسقيه السماء؛
لأن سياق الحديث يَدُلّ على المغايرة. وكذا من فسّر الْعَثَريّ بأنه الذي لا حِمْلَ له؛ لأنه
(١) - ((المصباح المنير)) في مادّة نهر.
١٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
لا زكاة فيه. قال ابن قُدَامة: لا نعلم في هذه التفرقة التي ذكرناها خلافًا انتهى(١).
وقوله (الْعُشْرُ) مبتدأ مؤخّر، خبره الجارّ والمجرور قبله، أي العشر واجب فيما سقته
السماء، والعيون، أو كان بَعْلًا، والمراد ما لا يحتاج في سقيه إلى مؤونة، أو فاعل لفعل
محذوف، أي يجب العشر فيما ذُكر (وَمَا سُقِيَ) بالبناء للمجهول، وهو مجرور عطفًا على
قوله: «ما سقت السماء)) (بِالسَّوَانِي) جمع سانية، وهي بعير، يُستَقَى عليه من البئر، ومثله في
الحكم البقر، ونحوها، فإن المراد به ما يحتاج في سقيه إلى مؤونة (وَالنَّضْحِ) -بفتح النون،
وسكون الضاد المعجمة، بعدها حاء مهملة- هو السقي بالرشا، والغَرْبَ، والدالية. وفي
نسخة: ((أو النواضح)) ب((أو)) وصيغةِ الجمع، ((أو)) للشكّ من الرواي، و((النواضح)): جمع
ناضح، يقال: نَضَحَ البعيرُ الماء: حَمَّلَه من نهر، أو بئر، لسقي الزرع، فهو ناضح، والأنثى
ناضحة بالهاء، سُمّي ناضحًا؛ لأنه يَنضَحُ العطش: أي يبُلُّه بالماء الذي يحمله. هذا أصله،
ثم استُعمل الناضح في كلّ بعير، وإن لم يحمل الماء. وفي الحديث: ((أطعمه ناضحك)):
أي بعيرك. أفاده في ((المصباح)) وقوله: (نِصْفُ الْعُشْرِ))) بالرفع عطفًا على قوله: ((العشرُ))
ففيه عطف المعمولين على معمولي عاملين مختلفين، وفيه خلاف بين النحاة. ويحتمل أن
يكون مبتدأ مؤخرًا، خبره قوله: ((وما سُقِي)) بتقدير حرف جرّ لدلالة ما قبله عليه، أي فيما
سُقِي بالسواني نصفُ العشر، فيه دليلٌ على التفرقة بين ما سُقي بالسواني، ونحوها، وبين ما
سقته السماء، ونحوها، وقد أجمع العلماء على ذلك.
قال الخطّابيّ رحمه الله تعالى: إنما كان وجوب الصدقة مختلف المقادير في النوعين؛
لأنّ ما عمّت منفعته، وخفّت مُؤْنته كان أحمل للمواساة، فأُوجِب فيه العشرُ، توسعةً على
الفقراء، وجُعل فيما كثُرت مؤونته نصف العشر؛ رِفْقًا بأرباب الأموال انتهى.
وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: ما حاصله: كلّ ما سُقي بكُلْفة ومُؤنة، من دالية،
أو سانية، أو دُولاب، أو ناعورة(٢)، أو غير ذلك، ففيه نصف العشر، وما سُقي بغير
مُؤنة ففيه العشر، لا نعلم في هذا خلافًا، وهو قول مالك، والثوريّ، والشافعيّ،
وأصحاب الرأي، وغيرهم؛ لما روينا من الخبر، ولأن للكُلفة تأثيرًا في إسقاط الزكاة
جُملةً؛ بدليل المعلوفة، فبأن يؤثّر في تخفيفها أولى؛ ولأن الزكاة إنما تجب في المال
النامي، وللكلفة تأثيرٌ في تقليل النماء، فأثّرت في تقليل الواجب فيها، ولا يؤثّر حفر
الأنهار، والسواقي في نقصان الزكاة؛ لأن المؤنة تقلّ؛ لأنها تكون من جملة إحياء
الأرض، ولا تتكرّر كلّ عام، وكذلك لا يؤثّر احتياجها إلى ساق يَسقيها، ويُحوّل الماء
(١) - ((فتح)) ج٤ ص ١١٤ - ١١٥ .
(٢) - هي المنجنون التي يُديرها الماء، والجمع نواعير. سمّيت بذلك لنعيرها، أي تصويتها. أفاده
في ((المصباح)).
٢٥- (بَأَبُ مَا يُؤْجِبُ الْعُشْرَ، وَمَاَ
.. - حديث رقم ٢٤٨٨
١٩٣
في نواحيها؛ لأنّ ذلك لا بدّ منه في كلّ سقي بكلفة، فهو زيادة على المؤنة في
التنقيص، فجرى مجرى حرث الأرض، وتحسينها، وإن كان الماء يجري من النهر في
ساقية إلى الأرض، ويستقرّ في مكان قريب من وجهها، لا يَضْعَدُ إلا بغَرْف، أو
دُولاب، فهو من الكلفة المسقطة لنصف الزكاة، على ما مرّ؛ لأن مقدار الكلفة، وقُرب
الماء، وبعده لا يُعتبر، والضابط لذلك هو أن يَحتاج في ترقية الماء إلى الأرض بآلة،
من غَزْفٍ، أو نَضْح، أو دالية، وقد وُجِد انتهى كلام ابن قدامة رحمه الله تعالى(١) وهو
بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن عمر رَرؤيتها أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٤٨٨/٢٥- وفي («الكبرى»٢٢٦٧/٢٦. وأخرجه (خ) في ((الزكاة))
١٤٨٣ (د) في ((الزكاة)) ١٥٩٦ (ت) في ((الزكاة)) ٦٤٠ (ق) في ((الزكاة)) ١٨١٧. والله
تعالى أعلم.
[تنبيه]: ذكر الحافظ أبو الحجاج المزّيّ رحمه الله تعالى في ((تحفته)) بعد عزوه
الحديث إلى المصنّف: ما نصّه: قال النسائيّ: رواه نافع عن ابن عمر قولَهُ. واختَلَف
سالم، ونافعٌ عن ابن عُمر في ثلاثة أحاديث، هذا أحدها. والثاني: ((من باع عبدًا، وله
مالٌ)). قال سالم، عن أبيه، عن النبيّ وَّرَ، وقال نافع، عن ابن عمر، عن عمر قولَه.
وقال سالم، عن أبيه، عن النبيّ وَّهِ: (تَخْرُج نارٌ من قِبَل اليمن))، وقال نافع، عن ابن
عمر، عن كعب قَوْلَه. وسالم أجلّ من نافع، وأحاديث نافع الثلاثة أولى بالصواب
انتهى (٢) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الكلام الذي عزاه الحافظ المزّيّ إلى المصنّف لم
أره، لا في ((المجتبى))، ولا في ((الكبرى))، ولعلّه لاختلاف النسخ، والله تعالى أعلم.
وقد عزا هذا الكلام إلى المصنّف أيضا الحافظُ ابن رجب رحمه الله تعالى في ((شرح
علل الترمذيّ)): ونصّه:
ورجّح النسائيّ، والدار قطنيّ قول نافع في وقف ثلاثة أحاديث: ((فيما سقت السماء
(١) - ((المغني)) ج٥ ص ١٦٥ - ١٦٦.
(٢) - ((تحفة الأشراف)) ج٥ص٤٠٢-٤٠٣.
١٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
العشر))، وحديث: ((من باع عبدًا، له مالٌ))(١)، وحديث تخرج نار من قبل اليمن(٢).
وحكى الأثرم عن غير أحمد أنه رجّح قول نافع في هذه الأحاديث، وفي حديث:
((الناس كابل مائة))(٣) أيضًا. وذكر ابن عبد البرّ أن الناس رجّحوا قول سالم في رفعها.
قال: وسُئل أحمد إذا اختلفا - أي سالمٌ ونافع- فلأيهما تقضي؟ فقال: كلاهما ثبتٌ،
ولم يُرد أن يقضي لأحدهما على الآخر. نقله عنه المرُّوذيّ. ونقل عثمان الدارميّ عن
ابن معين نحوه. مع أنّ المرّوذيّ نقل عن أحمد أنه مال إلى قول نافع في حديث: ((من
باع عبدًا، وله مالٌ))، وهو وقفه. وكذلك نقل غيره عن أحمد أنه رجّح قول نافع في
وقف حديث: ((فيما سقت السماء العشر)). انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله
تعالى بتصرّف (٤).
وقد نظمت في ((ألفيّة العلل)) ما ذُكر، فقلت:
أَشْهَرُ مَنْ رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرِ ابْنُهُ سَالِمٌ وَنَافِعٌ دُرِي
فِي الرَّفْعِ وَالْوَقْفِ أَحَارَ مَنْ نَظَرْ
وَاخْتَلَفَا فِي عَدَدٍ مِنَ الْخَبَزْ
كَذَاكَ عَنْ يَخْيَى أَتَاكَ بَا أُخَيْ
سُئِلَ أَحْمَدُ فَلَمْ يَقْضِ بِشَيْ
((فِيمَا سَقَتْ)) ((مَنْ بَاعَ عَبْدًا)) فَاسْمَعِ
وَمَالَ أَحْمَدُ لِوَقْفِ نَافِعٍ
وَقْفَهُ فِي ثَلَاثَةٍ وَأَقْصَحَا
وَالنَّسِئِي وَالدَّارَقُطْنِي رَجَّحَا
(١) - أخرجه الشيخان، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وأحمد، وغيرهم، بألفاظ
متقاربة. ولفظ الترمذيّ ٥٣٨/٣- من رواية نافع، عن ابن عمر، أنه قال: ((من باع عبدًا، وله
مالٌ، فماله للبائع، إلا أن يشترط المبتاع)). قال الترمذيّ: هكذا رواه عُبيدالله بن عمر، وغيره،
عن نافع. وقد روى بعضهم عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ وَّ أيضًا. وأخرجه الترمذيّ
ج ٣ ص ٥٣٧ أيضًا من طريق الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبيّ وَّر: ((من باع نخلاً بعد
أن تؤبّر، فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع، ومن باع عبدًا، وله مالٌ، فماله للذي باعه، إلا
أن يشترط المبتاع)). وأخرجه مسلم ١١٧٣/٣ من طريق الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ
وَل: ((من ابتاع نخلا ... وكذلك أخرجه أحمد ٩/٢ والنسائيّ ٢٦١/٧ والدارميّ ١٦٩/٢.
(٢) - أخرجه الترمذيّ ٤٩٨/٣- من طريق أبي قلابة، عن سالم، عن أبيه، قال: قال رسول الله
وَلَّهُ: ((تخرُجُ نارٌ من حضرموت))، أو ((من نحو حضرموت قبل يوم القيامة، تحشر الناس)). انتهى.
وأخرجه مسلم ٢٢٢٥/٤. وأحمد ٦/٤. وأبو داود ٤٢٩/٢ .
(٣) - أخرجه الشيخان، والترمذيّ، ما وأحمد، ولفظ البخاريّ في ((كتاب الرقاق: ((إنما الناس،
كالإبل المائة، لا تجد فيها راحلة)). ولفظ أحمد: ((إنما الناس كإبل مائة، لا تكاد ترى فيها
راحلة، أو متى ترى فيها راحلة)».
(٤) - شرح علل الترمذيّ ج٢ ص٢٥٩ - ٢٦٠ تحقيق صبحي السامرائيّ.
.. - حديث رقم ٢٤٨٨
٢٥ - (بَابُ مَا يُؤْجِبُ الْعُشْرَ، وَمَا
١٩٥
مِنْ نَخوٍ حَضْرَمَوْتَ نَارٌ تُزْعِجُ
((فِيمَا سَقَتْ)) ((مَنْ بَاعَ)) ثُمَّ ((تُخْرُجُ))
كَالإِبِلِ الْمِائَةِ بِئْسَ الْقَاسُ(١)
وَبَعْضُهُمْ زَادَ حَدِيثَ ((النَّاسُ
وَبَعْضُهُمْ رَجَّحَ قَوْلَ سَالِم فِي رَفْعِهَا فَاحْفَظُهُ حِفْظَ نَاهِم
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان ما يوجب عشر ما خرج من
الأرض، وهو كونه مما سقته السماء، والأنهار، والعيون، أو كان بَعْلًا، وهو ما يشرب
بعروقه من الأرض، وما يوجب نصف العشر، وهو كونه مما سُقي بكُلْفة، كالسواني.
(ومنها): وجوب زكاة الخارج من الأرض (ومنها): رأفة اللَّه تعالى بعباده، حيث
خفّف عنهم في محلّ الكلفة، فأوجب عليهم النصف.
(ومنها): أن فيه بيان الحكمة البالغة في الشريعة السمحة، حيث راعت حقوق جميع
المسلمين، أغنيائهم، وفقرائهم، فأوجبت على الأغنياء القليل من الكثير مما يمتلكونه،
لئلا يتضرّروا، وأوجبت للفقراء، في أموال الأغنياء ما يواسونهم به، لئلا تنكسر
قلوبهم، ويحملوا على الأغنياء، حقدًا، وحسدًا، فبهذا تجتمع قلوب الجميع، وتتآلف،
ولا يحصل بينهم تحاسدٌ، ولا تباغضٌ، ولا تدابرٌ، ولا تقاطع، بل يكونون إخوانًا
متحابّين، فيتحقق فيه معنى قوله وَلّفي الحديث الصحيح: ((مثلُ المؤمنين في توادهم،
وتراحمهم، وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسَّهَر
والحمّى)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): دلّت أحاديث الباب على وجوب الزكاة في الزروع والثمار. قال
ابن قدامة رحمه اللّه تعالى: والأصل في ذلك الكتاب، والسنّة، والإجماع، أما الكتاب
فقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيْبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ
اُلْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧] والزكاة تُسمّى نفقةً، بدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣٤]. وقال تعالى:
﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] قال ابن عبّاس ◌َوّ: حقّه الزكاة المفروضة.
وقال مرّةً: العشر، ونصف العشر. ثم ذكر ابن قدامة الأحاديث التي أوردها المصنّف
رحمه الله تعالى في هذا الباب، ثم قال: وأجمع أهل العلم على أن الصدقة واجبة في
الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب. قاله ابن المنذر، وابن عبد البرّ انتهى كلام ابن قدامة
(١) - القاس: القدر، أي بئس هذا المثال.
١٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
رحمه الله تعالى(١) وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط النصاب لوجوب زكاة الزروع
والثمار:
ذهب الجمهور إلى أنه لا تجب الزكاة في شيء من الزروع والثمار حتى تبلغ خمسة
أوسق. وممن قال به عبد الله بن عمر، وجابرٌ، وأبو أمامة بن سهل، وعمر بن
عبد العزيز، وجابر بن زيد، والحسن، وعطاء، ومكحول، والحكم، والنخعيّ،
ومالك، وأهل المدينة، والثوريّ، والأوزاعيّ، وابن أبي ليلى، والشافعيّ، وأبو
يوسف، ومحمد، وجمهور أهل العلم(٢).
وذهب وأبو حنيفة إلى أنه لا يُشترط النصاب لوجوب الزكاة فيما يَخرُج من الأرض،
فیجب عنده العشر، أو نصف العشر في کثیر الخارج، وقليله، وهو مرويّ عن إبراهيم
النخعيّ، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز(٣)، أخرج ذلك عنهم عبد الرزاق، وابن أبي
شيبة في ((مصنّفيهما))؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا
كَسَبْتُمْ وَمِنَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧]، وقوله: وَّهِ: ((فيما سقت
السماء العشر))، قالوا: إن الآية، والحديث عامان، فإن ((ما)) من ألفاظ العموم، فتشمل
ما كان خمسة أوسق، أو أقلّ، أو أكثر، ولأنه لا يُعتبر له حولٌ، فلا يُعتبر له نصابٌ.
واحتجّ الجمهور بقوله {وَل ـ: ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)). متفقٌ عليه.
قالوا: هذا خاص یجب تقدیمه علی العام، فیخصص به عموم ما أوردوه، کما خصصنا
بلا خلاف قولَه وَل: ((في سائمة الإبل الزكاة)) بقوله: «ليس فيما دون خمس ذَوْدٍ
صدقة))، وقولَه وَ له: ((في الرقة ربع العشر)) بقوله: ((ليس فيما دون خمس أواق صدقة)).
ولأنه مالٌ تجب فيه الصدقة، فلم تجب في يسيره، كسائر الأموال الزكوية، وإنما لم يُعتبر
فيه الحول؛ لأنه يكمل نماؤه باستحصاده لا ببقائه، واعتبر الحول في غيره؛ لأنه مظنة
لكمال النماء في سائر الأموال، والنصابُ اعتُبر ليبلغ حدًّا يحتمل المواساة منه، فلهذا
اعتبر فيه. قاله ابن قدامة رحمه الله تعالى(٤) .
وقال الإمام ابن القيم رحمه اللّه تعالى في ((إعلام الموقعين)) جـ١ ص٢٨٣: لا
تعارض بين الحديثين بوجه من الوجوه، فإن قوله وقالفيه: ((فيما سقت السماء العشر)) إنما
(١) - ((المغني)) ج٥ص١٥٤.
(٢) - ذكر ذلك ابن قدامة في ((مغنيه)) ج٥ ص١٦١ - ١٦٢.
(٣) - تقدم عن إبراهيم، وعمر بن عبدالعزيز مثل قول الجمهور أيضًا.
(٤) - ((المغني)) ج٥ص١٦١ - ١٦٢.
٢٥ - (بابُ مَا يُوجِبُ العُشْرَ، وَمَا ... - حديث رقم ٢٤٨٨
١٩٧ =
أُريد به التمييز بين ما يجب فيه العشر، وبين ما يجب فيه نصفه، فذَكَرَ النوعين مُفرِّقًا
بينهما في مقدار الواجب، وأما مقدار النصاب فسكت عنه في هذا الحديث، وبيّنه نصًّا
في الحديث الآخر، فكيف يجوز العدول عن النّصّ الصحيح الصريح المحكم الذي لا
يحتمل غير ما دلّ عليه البتّة إلى المجمل المتشابه الذي غايته أن يُتعلّق فيه بعموم لم
يُقصد، وبيانه بالخاصّ المحكم المبيّن، كبيان سائر العمومات بما يخصّصهاً من
النصوص انتهى.
قال صاحب ((المرعاة)): ذهب جمهور الأصوليين، وعامّتهم إلى جواز تخصيص عموم
القرآن بخبر الواحد الصحيح، وهو الحقّ، واحتجّ لذلك في ((المحصول)) بأن العموم،
وخبر الواحد دليلان متعارضان، وخبر الواحد أخصّ من العموم، فوجب تقديمه على
العموم.
قال الشوكانيّ: وأيضًا يدلّ على جواز التخصيص دلالة بيّنة واضحة ما وقع من أوامر
اللَّه عز وجل باتباع نبيّه ◌َ ل﴿ من غير تقييد، فإذا جاء عنه الدليل كان اتباعه واجبًا، وإذا
عارضه عموم قرآنيّ كان سلوك طريقة الجمع ببناء العامّ على الخاصّ متحتّمًا، ودلالة
العامّ على أفراده ظنيّةٌ، لا قطعيّة، فلا وجه لمنع تخصيصه بالأخبار الصحيحة الآحادية
انتھی .
ثم قال ابن القيّم: ويا للَّه العجب، كيف يخصّون عموم القرآن والسنّة بالقياس الذي
أحسن أحواله أن يكون مختلفًا في الاحتجاج به، وهو محلّ اشتباه، واضطراب، إذ ما
من قياس، إلا وتمكن معارضته بقياس مثله، أو دونه، أو أقوى منه، بخلاف السنّة
الصحيحة الصريحة، فإنها لا يُعارضها إلا سنّةٌ ناسخةٌ معلومة التأخّر والمخالفة.
ثم يقال: إذا خصصتم عموم قوله: ((فيما سقت السماء العشر)) بالقصب والحشيش،
ولا ذكر لهما في النصّ، فهلّا خصصتموه بقوله: ((لا زكاة في حبّ، ولا ثمر حتى يبلغ
خمسة أوسق))، وإذا كنتم تخصّون العموم بالقياس، فهلّا خصّصتم هذا العامّ بالقياس
الجليّ الذي هو من أجلى القياس، وأصحّه على سائر أنواع المال الذي تجب فيه الزكاة،
فإن الزكاة الخاصّة لم يشرعها الله عز وجل، ولا رسوله بَّر في مال إلا وجعل له
نصابًا، كالمواشي، والذهب، والفضّة. ويقال: أيضًا: هلّا أوجبتم الزكاة في قليل
مال، وكثيره؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَةٌ﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، ويقوله
وَالقر: ((ما من صاحب إبل، ولا بقرٍ، لا يؤدّي زكاتها، إلا بُطح له بقاع قَرْقَرٍ ... ))،
وبقوله: ((ما من صاحب ذهب، ولا فضّة، لا يؤدّي زكاتها إلا صُفّحت له يوم القيامة
صفائح من نار ... ))، وهلّا كان هذا العموم عندكم مقدّمًا على أحاديث النصب
١٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
الخاصّة، وهلّا قلتم هناك تعارض مسقطٌ، وموجبٌ، فقدّمنا الموجب احتياطًا، وهذا
في غاية الوضوح انتهى.
وقد اتضح بهذا كلّه كلّ الاتضاح أنه يجب تخصيص عموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا
لَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِّ﴾ الآية، وحديث ابن عمر المذكور في الباب بحديث الأوساق الذي تقدم
في الأبواب السابقة، كما خُصْص قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةً﴾ بالأخبار التي
دلّت على كون الزكاة منحصرة في أشياء مخصوصة، وقوله تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ يَكْثِرُونَ
الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بأحاديث النُّصُب الخاصّة، وقوله ◌َّ: ((في
سائمة الإبل الزكاة)) بقوله: ((ليس فيما دون خمس ذود صدقة))، وقوله: ((في الرّقّة ربع
العشر)) بقوله: ((ليس فيما دون خمس أواق صدقة)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن ما ذهب إليه الجمهور من اشتراط
النصاب، في زكاة الزروع والثمار، وهو خمسة أوسق، هو الحقّ؛ لوضوح أدلّته، كما
تقدم بيانها .
وقد بالغ صاحب ((المرعاة)) في تتبّع متمسّكات الحنفيّة في عدم وجوب النصاب،
والإجابة عليها بما لا تجده مجموعًا في كتاب غيره، فراجعه في ج٦ ص٦٨ -٧٥
تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ما حاصله: لا نعلم
خلافًا أن العشر يجب فيما سُقي بغير مؤنة، ونصف العشر فيما سُقي بالْمُؤنة.
هذا إذا كان السقي المذكور بنوعيه كلّ السّنة، وأما إذا سُقي نصف السنة بكُلفة،
ونصفها بغير كلفة، ففيه ثلاثة أرباع العشر.
وهذا قول مالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا؛ لأن كلّ واحد
منهما لو وجد في جميع السنة لأوجب مقتضاه، فإذا وُجد في نصفها أوجب نصفه، وإن
سُقي بأحدهما أكثر من الآخر اعتُبر أكثرهما، فوجب مقتضاه، وسقط حكم الآخر، أي
كان حكم الأقلّ تبعًا للأكثر، نصّ عليه أحمد، وهو قول عطاء، والثوريّ، وأبي حنيفة،
وأحد قولي الشافعيّ. وقال ابن حامد: يؤخذ بالقِسْط، وهو القول الثاني للشافعيّ؛
لأنهما لو كانا نصفين أخذا بالحصّة، فكذلك إذا كان أحدهما أكثر، كما لو كانت الثمرة
نوعين .
ووجه الأول أن اعتبار مقدار السقي، وعدد مراته، وقدر ما يُشرَب في كلّ سَقْيَة
يَشُقْ، ويَتَعَذّر، فكان الحكم للأغلب منهما كالسوم في الماشية.
وإن جُهل المقدار غلّبنا إيجاب العشر احتياطًا، نصّ عليه أحمد، في رواية ابنه
٢٥ - (بابُ مَا يُوجِبُ الْعُشْرَ، وَمَا ... - حديث رقم ٢٤٨٨
١٩٩
عبد الله؛ لأن الأصل وجوب العشر، وإنما يَسقط بوجود الكُلْفة، فما لم يتحقّق
المسقط يَبقى على الأصل؛ ولأن الأصل عدم الكلفة في الأكثر، فلا يثبت وجودها مع
الشكّ فيه، وإن اختلف الساعي، وربّ المال في أيهما سُقي به أكثر، فالقول قول ربّ
المال بغير يمين، فإن الناس لا يُستحلفون على صدقاتهم انتهى (١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي حقّقه ابن قدامة رحمه الله تعالى حسنٌ
جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم فيما تجب فيه الزكاة من الثمار والحبوب:
قال أبو إسحاق الشيرازيّ رحمه اللّه تعالى في ((المهذّب)): تجب الزكاة في كلّ ما
تُخرجه الأرض، مما يُقتات، ويُدَّخَر، ويُنبته الآدميّون، كالحنطة، والشعير، والدُّخْن،
والذُّرَة، والْجَاوَزْس، والأرز، وما أشبه ذلك. (٢).
وقال ابن قدامة في ((المغني)): وقال مالك، والشافعيّ: لا زكاة في ثمر إلا التمر،
والزبيب، ولا في حبّ، إلا ما كان قوتًا في حال الاختيار، إلا في الزيتون على
اختلاف(٣).
وذهب أبو حنيفة أنها تجب في كلّ ما يُقصد بزراعته نماء الأرض، إلا الحطب،
والقصب الفارسيّ، والحشيش، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وأبي بردة بن أبي
موسى، وحمّاد، وإبراهيم. واحتجّوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِّ﴾
الآية [البقرة: ٢٦٧]، وبعموم قوله وَ لجر: ((فيما سقت السماء العشر)).
وتُعُقّب بأن عموم ما ذُكر يُخصّ بحديث أبي سعيد الخدريّ رَّ المتقدّم: ((ليس
في حبّ، وتمر صدقة ... ))، فيقيّد عموم ((ما أخرجنا لكم))، و((ما سقت السماء))
بالحبوب التي يقتات بها الآدميّون على ما فسره به أهل اللغة كما سيأتي إن شاء الله
تعالی .
وإلى قول أبي حنيفة، ومن معه ذهب داود الظاهريّ، إلا أنه قال: إن كلّ ما يدخل
فيه الكيل يُراعى فيه النصاب، وما لا يدخل، ففي قليله وكثيره الزكاة. قال الحافظ:
وهذا نوع من الجمع بين الحدیثین.
وذهب أحمد إلى أنها تجب فيما جمع الكيل، والبقاء، واليبس،، من الحبوب،
والثمار، مما يُنبته الآدميّون، إذا نبت في أرضه، سواء كان قوتًا، كالحنطة، والشعير،
(١) - المغنى ج٥ص١٦٦ -١٦٧.
(٢) - ((المهذّب)) ج٥ص٤٦٨ بشرح ((المجموع)).
(٣) - ((المغني)) ج٤ ص١٥٦.
٢٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
والسُّلْت، والأرز، والذّرة، والدُّخْن، أو من الْقِطْنيّات(١)، كالباقلًا، والعَدَس،
والماش، ونحوها، أو البزور، كبِزْر الكتّان، والقثّاء، والخيار، ونحوها، أو حبّ
البقول، كالفُجْل، والسمسم، وسائر الحبوب.
وحكي عنه لا زكاة إلا في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، وهو قول موسى بن
طلحة، والحسن البصريّ، وابن سيرين، والشعبيّ، والحسن بن صالح، وابن أبي
ليلى، وابن المبارك، وأبي عُبيد، ورجحه الصنعانيّ، والشوكانيّ.
واستُدلّ لهذا القول بأن ما عدا هذه لا نصّ فيها، ولا إجماع، ولا هو في معناها في
غلبة الاقتيات بها، وکثرة نفعها، ووجودها، فلم يصحّ قیاسه علیها، ولا إلحاقه بها،
فيبقى على النفي الأصليّ.
وأما عموم الآية، والحديث فهو مخصوص بأحاديث الخضروات، وبالأحاديث
الواردة بصيغة الحصر في الأقوات الأربعة. قالوا: وهي مرويّةٌ بطرق متعدّدة يقوّي
بعضها بعضًا، فتنتهض لتخصيص هذه العمومات.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وتعقّب بأن أحاديث الخضروات، وأحاديث الحصر
في الأربعة، لا تصحّ أصلا، ولا تتقوّى، فلا تُعارض عموم الآية، والحديث المذكور،
فقد احتجوا بأحاديث كثيرة على الحصر في الأشياء الأربعة، ولكنّها كلّها لا تثبت:
(فمنها): ما روى الدارقطنيّ (ص٢٠١) والحاكم (جـ١ ص٤٠١) والبيهقيّ ١٢٥/٤
والطبرانيّ من طريق طلحة بن يحيى، عن أبي بردة، عن أبي موسى، ومعاذ بن جبل أن
رسول اللَّه وَله بعثهما إلى اليمن، فأمرهما أن يُعَلِّمَا الناس أمر دينهم، وقال: ((لا تأخذوا
في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر)). قال
الحاكم: إسناد صحيح، ووافقه الذهبيّ. وقال البيهقيّ: رجاله رجال الصحيح. ونقل
الحافظ في ((التلخيص)) ٣٢٢/٢- عن البيهقيّ، أنه قال: رواته ثقات، وهو متّصل.
وقال في ((الدراية)) ص١٦٤ : في الإسناد طلحة بن يحيى مختلف فيه، وهو أمثل ما في
الباب انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: تصحيح الحاكم، وموافقة الذهبيّ له، غير صحيح،
لأن الحدیث فيه ثلاث علل:
(أحدها): عنعنة سفيان الثوريّ، فإنه معروف بالتدليس، وهذه العلّة بمفردها تكفي
(١) - بالكسر، حكاه ابن قتيبة بالتخفيف، وأبو حنيفة بالتشديد: الحبوب التي تدخر. وذكره في
((اللسان)) بضم القاف ضبط قلم، وقال: ما كان سوى الحنطة، والشعير، والزبيب، والتمر. أو
هو اسم جامع للحبوب التي تُطبخ. أفاده في هامش ((المغني)) ج٤ ص ١٥٥.