Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٥- (بَأَبُ إِعْطَاءِ السَّيِّدِ الْمَالَ بِغَيْرِ ... - حديث رقم ٢٤٦٢
١٤١ =
لبنّا خالصًا، فالمحض بالحاء المهملة، والضاد المعجمة: اللبن الخالص (وَشَخْمًا،
فَأَخْرَجْتُهَا إِلَيْهِمَا، فَقَالًا) هكذا في النسخة ((الهنديّة))، و((الكبرى)) بضمير التثنية، ووقع
في النسخ المطبوعة من ((المجتبى)): ((فقال))، وله وجه صحيح، أي قال كلٍّ من الرجلين
(هَذِهِ الشَّافِعُ) يعني التي معها ولدها، سميت به لأن ولدها شَفَعَها، وشَفَعَتْهُ هي،
فصارت شفعًا. وقيل: الشافع هي الحامل التي يتبعها ولدها، يقال: شاة شافعٌ إذا كان
في بطنها ولدها، ويتبعها ولد آخر. أفاده ابن الأثير(١).
والمعنى الأول هو الذي بيّنه بعض الرواة مفسّرًا بقوله (وَالشَّافِعُ الْحَائِلُ) أي غير
الحامل، وقال في ((اللسان)): وناقةٌ حائلٌ: حُمل عليها فلم تَلْقَخ. وقيل: هي الناقة التي لم
تَحمِل سنةً، أو سنتين، أو سنوات. وكذلك كلّ حامل ينقطع عنها الحمل سنة، أو سنوات
حتى تحمل، والجمع حِيّالٌ، وحُولٌ، وحُوَّلٌ، وحُولَلٌ، والأخير اسم للجمع انتهى.
(وَقَدْ نَّانَا رَسُولُ اللَّهِ بِ، أَنْ تَأْخُذَ شَافِعًا) زاد في رواية أبي داود: ((قلت: فأيَّ شيء
تأخذان؟ قالا: عناقًا جَذَعَة، أو ثَنِيّةً)).
و «العَنَاقُ» : -بفتح المهملة، بعدها نون- هي الأنثى من ولد المعز، لم يتمّ لها سنة.
و((الْجَذَّعُ)) - بفتحتين- ما ألقى مقدّم أسنانه، وقد يكون ذلك لسنتين، أو دونها. قال في
((المصباح)) نقلاً عن ابن الأعرابيّ: العناق تُجذع لسنة، وربما أجذعت قبل تمامها
للخِصْب، فَتَسمَن، فيُسرع إجذاعها، فهي جَذَعَة، ومن الضأن إذا كان من شابین یُجذع
لستة أشهر إلى سبعة، وإذا كان من هَرِمَين أجذع من ثمانية إلى عشرة انتهى.
وقوله: ((أو ثنية)) عطف على ((عناق)). و((الثنيّ)) من الضأن والمعز ما له سنة.
(قَالَ) سَعْرٌ (فَأَعْمِدُ) ولفظ أبي داود: ((فعمدت)) (إِلَى عَنَاقٍ، مُعْتَاطٍ) -بضم الميم،
بصيغة اسم الفاعل، كالمختار، وهي التي فسّرها الراوي بقوله (وَالْمُغْتَاطُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ
وَلَدًا، وَقَدْ حَانَ وِلَادُهَا) أي وقد قرُب أوان ولادتها.
قال ابن الأثير: ((المعتاط)) من الغنم التي امتنعت عن الحمل لِسِمَنها، وكثرة
شحمها. وهي في الإبل التي لا تحمل سنوات من غير عُقْر، يقال للناقة إذا طرقها
الفحل، فلم تحمل. وقد اعتاطت اعتياطًا، فهي مُعتاطٌ. قال: وأصلها من الياء أو الواو،
والميم والتاء زائدتان.
قال: والذي في سياق الحديث أن المعتاط التي لم تلد، وقد حان ولادها. وهذا بخلاف ما
تقدّم، إلا أن يريد بالولاد الحملَ، أي أنها لم تحمل، وقد حان أن تحمل، وذلك من حيث معرفةُ
(١) - ((النهاية)) ج٢ ص ٤٨٥.

١٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
سنّها، وأنها قد قاربت السن التي يَحمِلُ مثلُها فيها، فَسَمَّى الحملَ بالولادة. انتهى(١).
(فَأَخْرَجْتُهَا إِلَيْهِمَا، فَقَالَا: نَاوِلْنَاهَا) أي ارفعها إلينا على البعير حتى نحملها (فَرَفَعْتُهَا
إِلَيْهِمَا، فَجَعَلَاهَا مَعَهُمَا عَلَى بَعِيرِهِمَا، ثُمَّ انْطَلَقًا) غَرَض سَعْر من سوق هذه القصّة بيان
أن خيار المال لا يجب دفعها في الزكاة، وإنما الواجب هو الوسط، كما أشار إليه
بالعناق المعتاط. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سعر بن سوادة، عن مُصَدِّقي النبيّ وَ إ هذا ضعيف؛ لجهالة مسلم بن ثَفِئَة،
أو -ابن شعبة - كما تقدّم. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٥ / ٢٤٦٢ و٢٤٦٣ - وفي ((الكبرى)) ٢٢٤٢/١٦ و٢٢٤٣ . وأخرجه
(د) في ((الزكاة)) ١٥٨١ (أحمد) في ((مسند المكيين)) ١٥٠٠٠ و١٥٠٠١. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(أَخْبَرَنَا(٢) هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيًّا بْنُ إِسْحَاقَ،
قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ شُعْبَةَ، أَنَّ ابْنَ عَلْقَمَةَ،
اسْتَعْمَلَ أَبَاهُ عَلَى صَدَقَةٍ قَوْمِهِ ... وَسَاقَ الْحَدِيثَ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن هذا الإسناد ساقه المصنّف رحمه الله
تعالى بعد الإسناد الأول لبيان الاختلاف في اسم أبي مسلم، فقد سماه وكيع ثَفِنَة، كما
في الإسناد السابق، وهو خطأ، لمخالفته الجماعة، فقد سماه رَوْحٌ، وأبو عاصم، وبِشْرُ
بن السَّرِيّ فقالوا: ((مسلم بن شعبة))، وهو الصواب.
فما وقع في نسخ ((المجتبى)) هنا في هذا السند من قوله: ((مسلم بن ثفنة)) فإنه
تصحيف بلا شكّ، لأن روحًا لم يقل: ((ابن ثفنة)) أصلًا، بل تفرّد به وكيع، فقال:
((مسلم بن ثَفِنَة))، وقد تقدّم أن المصنّف قال: لا أعلم أحدًا تابع وكيعًا على قوله: ((ابن
ثَفِنة))، فلا يمكن أن يذكر هنا رَوْحًا ممن قال: ((ابن ثَفِنَة)). راجع ((تهذيب الكمال)) جـ١٠
ص٣٢٦ وجـ٢٧ ص ٤٥٣ - ٤٥٤. و(تهذيب التهذيب)) ج٤ ص ٦٥ -٦٦.
والحاصل أن رَوْح بن عُبَادة إنما قال: ((مسلم بن شعبة))، لا مسلم بن ثفنة، فتنبه.
(١) - ((النهاية)) ج٤ ص٣٤١.
(٢) - وفي نسخة: ((أخبرني)).

١٤٣ =
١٥- (بِأَبُ إِعْطَاءِ السَّيِّدِ الْمَالَ بِغَيْرِ ... - حديث رقم ٢٤٦٤
وقوله: ((وساق الحديث)) الضمير لروح: أي ساق روح الحديث كما ساقه وكيع.
ویحتمل أن یکون الضمير لهارون: أي ساق هارون الحدیث کما ساقه محمد بن عبد الله بن
المبارك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٤٦٤ - (أَخْبَرَنِ(١) عِمْرَانُ بْنُ بَكَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي(٢) أَبُو الزُّنَادِ، مِمَّ حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ، مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ
أَبَا هُرَيْرَةَ، يُحَدِّثُ، قَالَ: وَقَالَ عُمَرُ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ بِصَدَقَةٍ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ،
وَخَالِدُ ابْنُ الْوَلِيدِ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: (مَا يَثْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ،
إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا، فَأَغْنَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ اخْتَبَسَ
أَدْرَاعَهُ، وَأَعْتُدَهُ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطْلِبٍ، عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ، فَهِيَ
عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عمران بن بكّار) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقة [١١]١٥٤١/٨. من أفراد
المصنف .
٢- (عليّ بن عيّاش) الألهانيّ الحمصيّ ثقة ثبت [٩]١٨٢/١٢٣.
٣- (شعيب) بن أبي حمزة الحمصي، ثقة عابد [٧] ٨٥/٦٩.
٤ -أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني، ثقة فقيه [٥] ٧/٧.
٥- (عبد الرحمن الأعرج) ابن هرمز المدني، ثقة ثبت [٣]٧/ ٧.
٦- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنين غير علي،
وشعيب، فحمصيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أبو هريرة تَظّيه
أكثر من روى الحديث في دهره. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن شعيب بن أبي حمزة الحمصيّ ، أنه قال (حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان
(مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ) متعلّق بحال مقدّر، أي حال كون هذا الحديث من جملة
(١) -وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٢) - وفي نسخة: ((حدثنا)).

١٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
الأحاديث التي حدّثه بها عبد الرحمن بن هرمز الأعرج (مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ
يُحَدِّثُ) أي من جملة الأحاديث التي ذكر عبد الرحمن الأعرج، أنه سمع أبا هريرة .
يحدّث بها (قَالَ) أبو هريرة ◌َّهِ (وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطاب تَّه. هكذا في رواية
المصنف رحمه الله تعالى بزيادة عمر في السند.
قال الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)): والمحفوظ أنه من مسند أبي هريرة، وإنما
جرى لعمر فيه ذكرٌ فقط انتهى (١). وسيأتي التنبيه من المصنّف رحمه اللّه تعالى على هذا
في الرواية التالية، إن شاء الله تعالى.
(أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ بِصَدَقَةٍ) وفي رواية مسلم من طريق وَزْقَاء، عن أبي الزناد:
((بعث رسول اللَّه وَ ل عُمر ساعيًا على الصدقة)). وهو مشعر بأنه صدقة الفرض؛ لأن
صدقة التطوّع لا يُبعَث عليها السُّعَاةُ .
وهذا هو الصحيح المشهور، نقله القرطبيّ عن الجمهور. وقال ابن القصّار
المالكيّ: الأليق أنها صدقة التطوّع؛ لأنه لا يُظنّ بهؤلاء الصحابة أنهم منعوا الفرض.
وتُعُقّب بأنهم ما منعوه كلهم جحدًا، ولا عنادًا، أما ابن جميل، فقد قيل: إنه كان
منافقًا، ثم تاب بعد ذلك. كذا حكاه المهلّب، وجزم القاضي حسين في ((تعليقه)) أن فيه
نزلت: ﴿وَمِنْهُم مَنْ عَهَدَ اَللَّهَ﴾ الآية [التوبة: ٧٥]. انتهى. والمشهور أنها نزلت في
ثعلبة. وأما خالد، فكان متأوّلًا بإجزاء ما حبسه عن الزكاة، وكذلك العبّاس؛ لاعتقاده
ما سيأتي التصريح به، ولهذا عَذَر النبيّ وَ ل ◌َّ خالدًا والعبّاس، ولم يعذر ابن جميل.
وقال ابن الملقّن رحمه الله تعالى: ويبعد أن يراد بها صدقة التطوّع لوجوه:
(أحدها): أن المتبادر إلى الذهن خلافه.
(ثانيها): أنه وَلو إنما كان يبعث في الزكاة المفروضة، على ما نُقل.
(ثالثها): قوله: ((وأما العبّاس فهي عليّ))، و((عليّ)) من ألفاظ الوجوب انتهى (٢).
(فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَميلٍ) قائل ذلك عمر، كما سيأتي في حديث ابن عباس رًَّا في
الكلام على قصّة العباس. ووقع في رواية ابن أبي الزناد عند أبي عُبيد: ((فقال بعض من
يَأْمِز)» أي يَعيب.
وابن جميل قال الحافظ: لم أقف على اسمه في كتب الحديث. لكن وقع في تعليق
القاضي الحسين المروزيّ الشافعيّ، وتبعه الرويانيّ أن اسمه ((عبد الله)). ووقع في
شرح الشيخ سراج الدين ابن الملقّن أن ابن بزيزة سمّاه ((حميدًا))، ولم أر ذلك في كتاب
(١) - ((فتح) ج٤ ص ٩٤ .
(٢) - ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)» ج٥ص٧٥ .

١٤٥
١٥ - (بَأَبُ إِعْطَاءِ السَّيِّدِ الْمَالَ بِغَيْرِ ... - حديث رقم ٢٤٦٤
ابن بزيزة. ووقع في رواية ابن جريج ((أبو جهم بن حذيفة)) بدل ابن جميل، وهو خطأ؛
لإطباق الجميع على ((ابن جميل))، وقول الأكثر: إنه كان أنصاريًا، وأبو جهم بن حذيفة،
قرشيّ، فافترقا. وذكر بعض المتأخرين أن أبا عبيد ذكر في ((شرح الأمثال)) له أنه «أبو
جهم بن جمیل)).
(وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ) بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم، سيف الله، يكنى
أبا سليمان، من كبار الصحابة، وكان إسلامه بين الحديبية والفتح، وكان أميرًا على
قتال أهل الرّة وغيرها من الفتوح، إلى أن مات سنة (٢١هـ) أو بعدها (وَعَبَّاسُ بْنُ
عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ) بن هاشم، عم النبيّ ◌َِّ توفي سنة (٣٢) أو بعدها، وهو ابن (٨٨)
سنة (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: مَا يَنْقِمُ ابْنُ جميلٍ) -بفتح القاف وكسرها- أي ما يعيب،
أوما يُنكر، أو ما يَكرَه. يقال: نَقَمت عليه أمره، ونَقَمتُ منه نَقْمًا، من باب ضرب،
ونُقُومًا، ونَقِمْتُ أَنقَمُ، من باب تَعِبَ لغةٌ: إذا عِبْتَهَ، وكرهته أشدّ الكراهة لسوء
فعله، وفي التنزيل: ﴿وما تنقِم منّا﴾ [الأعراف: ١٢٦] على اللغة الأولى: أي ما
تطعَنُ فينا، وتَقْدَحُ. وقيل: ليس لنا عندك ذنب، ولا ركِبنَا مكروهًا. قاله في
((المصباح)).
وفي ((اللسان)): نَقِمْتُ الأمرَ بالكسرِ، ونَقَمْتُهُ: إذا كِرَهْتَهُ. وقال أيضًا: معنى نقمتُ
بالغت في كراهته. انتھی.
وقال الإمام ابن الملقّن رحمه اللّه تعالى: واختلف في معناه على ثلاثة أقوال:
(أحدها): يُنكِر. (وثانيها): يَكرَه. (وثالثها): يَعيب. وقد فُسّر قوله تعالى: ﴿هَلّ
تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ الآية [المائدة : ٥٩] بایکرهون)) و ((ینکرون)). فإن فسّرناه باینکر)» فإن معناه:
أنه لا عُذر له في المنع إذ لم يكن موجبه إلا أن كان فقيرًا، فأغناه اللَّه، وذلك ليس
بموجب له، فلا موجب البتّة، وهذا من وادي قوله [من الطويل]:
وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُونَهُمْ بِنَّ قُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
فيقصدون النفي على سبيل المبالغة في الإثبات، إذ المعنى أنه لم يكن لهم عيبٌ إلا
هذا، وهذا ليس بعيبٍ، فلا عيب فيهم البتّة، وكذلك المعنى هنا إذا لم يُنكر ابن جميل
إلا كون اللَّه أغناه بعد فقره، فلم ينكر مُنكَرًا أصلًا، فلا عذر له في المنع. وكذلك إن
فسّرناه بـ((يَكره))، أي ما يكره إخراج الزكاة على ما تقدّم.
ويقال: نقم الإنسان: إذا جعله مؤذّيًا إلى كفره النعمة، فالمعنى أن غناه أداه إلى كفر
نعمة الله تعالى بالمنع، فما ينقم ، أي ما يكره إلا أن يكفر النعمة. وأما تفسيره بـ«يَعِيبُ))

١٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
ففيه بُعْدٌ انتهى كلام ابنِ الملقّن(١) .
(إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا، فَأَغْنَاهُ اللَّهُ) زاد في رواية البخاريّ: ((ورسوله)). قال في ((الفتح)):
إنما ذكر رسول اللّه وَ ل نفسه لأنه كان سببًا لدخوله في الإسلام، فأصبح غنيًا بعد فقره
بما أفاء الله على رسوله وَ لّر، وأباح لأمته من الغنائم. وهذا السياق من باب تأكيد المدح
بما يُشبه الذّمّ؛ لأنه إذا لم يكن له عذرٌ إلا ما ذُكر من أن اللَّه أغناه، فلا عُذر له، وفيه
التعريض بكفران النعم، والتقريع بسوء الصنيع في مقابلة الإحسان. انتهى (٢).
(وَأَمَّا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا) الخطاب للعمّال على الصدقة حيث لم
يحتسبوا له بما أنفق في الجهاد من الجند والْعُدّة؛ لأنهم طلبوا منه زكاة أعتاده ظنًا منهم
أنها للتجارة، وأن الزكاة فيها واجبة، فقال لهم: لا زكاة لكم عليّ، فقالوا للنّبيّ ◌َّ: إن
خالدًا منع الزكاة، فقال: ((إنكم تظلمون خالدًا))؛ لأنه حبسها، ووقفها في سبيل اللّه قبل
الحول عليها، ولا زكاة فيها. قاله النوويّ في ((شرحه)). (٣).
ويحتمل أن يكون المراد لو وجبت عليه زكاةٌ لأعطاها، ولم يَشحّ بها؛ لأنه قد وقف
أمواله للّه تعالى متبرّعًا، فكيف يشخّ بواجب عليه.
ويحتمل أنه لم يقفها، بل رفع يده عنها، وخلّى بينها وبين الناس في سبيل اللّه؛ لا
أنه احتبسها وقفًا على التأبيد؛ لأنه صرفها مصرفها حيث تعيّنت للجهاد، وقد جعل الله
للجهاد حظًا من الزكاة، فرأى صرفها فيه، فاشترى بها ما يصلح له، كما يفعله الإمام،
فلما تحقّق النبيّ وَّر ذلك، قال: ((إنكم تظلمون خالدًا))، فإنه صرفها مصرفها، وأجاز له
ذلك. وبه جزم القرطبيّ في ((شرحه)) (٤).
وقيل: يجوز أن يكون ولو أجاز لخالد أن يحتسب ما حبسه من ذلك فيما يجب عليه
من الزكاة؛ لأنه في سبيل الله. حكاه القاضي عياض(٥) .
(قَدِ احْتَبَسَ) أي وقف، ويحتمل أن يكون معناه إبانة اليد عن الملك لله تعالى كما
يفعل المهدي لبيت الله تعالى فيها بالتخلية بينها وبين مستحقيها. قال الأصبهانيّ:
واحتبس لغة في حبس(٦) (أذرَاعَهُ) جمع درع، ويكون من الحديد وغيره (وَأَعْتُدَهُ فِي
(١) - ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ج٥ص٧٧ -٧٨ .
(٢) - ((فتح)) ج٤ ص٩٥ .
(٣) - ((شرح مسلم)) ج٧ ص٥٩ - ٦٠ .
(٤) - ذكر القرطبي رحمه الله تعالى معنى هذا الكلام في ((المفهم)) ج٣ ص١٦.
(٥) - «إکمال إكمال المعلم) ج٣ص١١٥ .
(٦) - راجع ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)» ج٥ص٨٣ .

١٤٧
١٥- (بَأَبُ إِعْطَاءِ السَّيِّدِ الْمَالَ بِغَيْرِ ... - حديث رقم ٢٤٦٤
سَبِيلِ اللَّهِ) ((الأَعتُدُ)) -بضمّ المثناة، جمع عَتَدَ - بفتحتين - ووقع في رواية مسلم: ((أعتاده))
وهو جمعه أيضًا. قيل: هو ما يُعِدُّه الرجل من الدواب، والسلاح. وقيل: الخيل
خاصّة، يقال: فرسٌ عَتِيد، أي صَلْبٌ، أو مُعَدٍّ للركوب، أو سَريع الوثوب، أقوال.
وقيل: إن لبعض رواة البخاريّ: ((وأعبده)) -بالموحّدة- جمع ((عبد))، حكاه عياض،
والأول هو المشهور. قاله في ((الفتح)) (١) .
وقال الإمام ابن الملَقْن رحمه الله تعالى: هذه اللفظة رُويت على أوجه:
(أحدها): ((أعتاده))، وأنكره بعضهم، وهي ثابتة في ((صحيح مسلم)).
(ثانيها): ((أعتُده)) بالتاء المثنّة فوق. وحكى الدارقطنيّ أن أحمد بن حنبل قال:
أخطأ عليّ بن حفص في هذا، وصَحَّفَ، وإنما هو ((أعبده)) يعني بالباء الموحّدة. وقال
عبد الحقّ في ((الجمع بين الصحيحين)): وقع في رواية للبخاريّ: ((وأعبده))، والصحيح
((وأعتُده)) بالتاء المثنّة فوقُ.
قال ابن الملقّن: وهي ((الأعتاد)) جمع قلّة لعَتَد بفتح العين والتاء، وهو الفرس
الصَّلْب. وقيل: الْمُعَدّ للركوب. وقيل: السريع الوَثْبِ. وقال الهرويّ والخطّابيّ: هو
ما أعدّه الرجل من سلاح، وآلة، ومركوب للجهاد، وبه جزم الشيخ تقيّ الدين، وعزاه
النوويّ إلى أهل اللغة، ولم يذكر غيره.
(ثالثها): ((عَتَاده)) ويُجمَع على ((أعتد)) بكسر التاء وضمّها.
(رابعها): ((أعبده)) بالباء الموحّدة، جمع قلّة للعبد، وهو الحيوان العاقل، هذا هو
الظاهر.
م.
قال: وروي ((فقد احتبس رقيقه ودوابّه)). وروي ((عقاره) بالقاف والراء، وهو
الأرض، والضياع، والنخل، ومتاع البيت. انتهى كلام ابن الملقّن باختصار(٢).
(وَأَمَّا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ، عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، فَهِيَ عَلَيْهِ) وفي نسخة: ((عليّ))
(صَدَقَةٌ، وَمِثْلُهَا مَعَهَا))) قال في ((الفتح)): كذا في رواية شعيب، ولم يقل ورقاء، ولا
موسى بن عُقبة: ((صدقة)). فعلى الرواية الأولى يكون ◌َلقر ألزمه بتضعيف صدقته؛
ليكون أرفع لقدره، وأَنْبَهَ لذكره، وأنفى للذّمّ عنه. فالمعنى فهي صدقة ثابتة عليه
سيتصدّق بها، ويُضيف إليها مثلها كَرَمًا. ودلّت رواية مسلم على أنه يَّ التزم بإخراج
ذلك عنه لقوله: ((فهي عليّ))، وفيه تنبيه على سبب ذلك، وهو قوله: ((إن العمّ صنو
الأب))، تفضيلًا له، وتشريفًا.
(١) - ((فتح) ج٤ ص ٩٥ .
(٢) - ((الإعلام)) ج٥ ص٨٢-٨٦ .

١٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
ويحتمل أن يكون تحمّل عنه بها، فيُستفاد منه أن الزكاة تتعلّق بالذمّة، كما هو أحد
قولي الشافعيّ.
وجمع بعضهم بين رواية ((عليّ)) ورواية ((عليه)) بأن الأصل رواية ((عليّ))، ورواية
((عليه)) مثلها إلا أن فيها زيادة هاء السكت. حكاه ابن الجوزيّ، عن ابن ناصر.
وقيل: معنى ((عليّ)) أي هي عندي قرض؛ لأنني استسلفت منه صدقة عامين. وقد
ورد ذلك صريحًا فيما أخرجه الترمذيّ وغيره من حديث عليّ، وفي إسناده مقال. وفي
الدار قطنيّ من طريق موسى بن طلحة: أن النبيّ وَلوقال: ((إنا كنا احتجنا، فتعجّلنا من
العبّاس صدقة ماله سنتين)). وهذا مرسل. وروى الدار قطنيّ أيضًا موصولًا بذكر طلحة
فيه، وإسناد المرسل أصح. وفي الدارقطنيّ أيضًا من حديث ابن عبّاس ◌َلَّهَا: أن النبيّ
وَلّ بعث عمر ساعيًا، فأتى العبّاسَ، فأغلظ له، فأخبر النبيِّي وَلَّ، فقال: ((إن العبّاس قد
أسلَفَنا زكاة ماله العام، والعام المقبل)). وفي إسناده ضعف. وأخرجه أيضًا هو،
والطبرانيّ من حديث أبي رافع ◌َزّه نحو هذا. وإسناده ضعيف أيضًا. ومن حديث ابن
مسعود رَّ: ((أن النبيّ وَل ﴿ل تعجّل من العباس صدقة سنتين)). وفي إسناده محمد بن
ذكوان، وهو ضعيف. ولو ثبت لكان رافعًا للإشكال، ولرجّح به سياق رواية مسلم على
بقيّة الروايات، وفيه ردّ لقول من قال: إن قصّة التعجيل إنما وردت في وقت غير الوقت
الذي بعث فيه عمر لأخذ الصدقة.
قال الحافظ: وليس ثبوت هذه القصّة في تعجيل صدقة العباس ببعيد في النظر
بمجموع هذه الطرق. والله أعلم.
وقيل: المعنى استسلف منه قدر صدقة عامين، فأمر أن يُقاصّ به من ذلك. واستُبعد
ذلك بأنه لو كان وقع لكان ◌َ ﴿ أعلم عمرَ بأنه لا يطالب العباس. وليس ببعيد.
وَمَعْنَى ((عليه)) على التأويل الأول: أي لازمة له، وليس معناه أنه يقبضها؛ لأن
الصدقة عليه حرام؛ لكونه من بني هاشم.
ومنهم من حمل رواية الباب على ظاهرها، فقال: كان ذلك قبل تحريم الصدقة على بني
هاشم. ويؤيّده رواية موسى بن عُقبة، عن أبي الزناد، عند ابن خُزيمة بلفظ: ((فهي له))، بدل
((عليه)). وقال البيهقيّ: اللام هنا بمعنى ((على))؛ لتتّفق الروايات. قال الحافظ: وهذا
أولى؛ لأن المخرج واحد، وإليه مال ابن حبّان. وقيل: معناها فهي له، أي القدر الذي كان
يُراد منه أن يُخرجه لأنني التزمت عنه بإخراجه. وقيل: إنه أخّرها عنه ذلك العام إلى عام
قابل، فيكون عليه صدقة عامين. قاله أبو عُبيد. وقيل: إنه كان استدان حين فادى عَقيلًا
وغيره، فصار من جملة الغارمين، فساغ له أخذ الزكاة بهذا الاعتبار.

١٤٩
١٥- (بِأَبُ إِعْطَاءِ السَّيِّدِ الْمَالَ بِغَيْرِ ... - حديث رقم ٢٤٦٤
وأبعد الأقوال كلها قول من قال: كان هذا في الوقت الذي كان فيه التأديب بالمال،
فألزم العبّاس بامتناعه من أداء الزكاة بأن يؤذي ضعف ما وجب عليه؛ لعظمة قدره،
وجلالته، كما في قوله تعالى في نساء النبيّ وَّهِ: ﴿يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنٍ﴾ الآية
[الأحزاب: ٣٠]. وقد تقدّم بعضه في أول الكلام انتهى ما في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي قول من قال: إنه رسل* ألزمه
بتضعيف صدقته؛ ليكون أرفع لمنزلته، وأنبه لذكره، وأنفى للذّمّ عنه، ثم إنه ◌َّ تحمّلها
عنه؛ احترامًا له، ومبرّةً وإكراما، يؤيّد ذلك رواية مسلم: ((فهي عليّ، ومثلها معها))، ثم
قال ◌َ له: ((يا عُمر، أما شعرت أن عمّ الرجل صِنو أبيه))، فإن في هذه الجملة إشعارًا بما
ذُكر، فإن كونه صنو أبيه يناسب تحمّل ما عليه. (٢).
[تنبيه]: معنى قوله تعالي: ((عم الرجل صنو أبيه)» أي يرجع مع أبيه إلى أصل واحد،
فيتعيّن إكرامه، كما يتعيّن إكرام الأب، ومنه قوله تعالى: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ الآية
[الرعد: ٤]. وأصله في النخلتين، والثلاث، والأربع، التي ترجع إلى أصل واحد،
فكلّ واحدة منهنّ صِنْوٌ، والاثنان صِنْوَانٍ، والثلاث صِنْوَانٌ برفع النون، فالصنوان جمع
صنو، كقنو وقنوان، ويُجمع على أصناء، كأسماء.
وعن ابن الأعرابيّ: أن الصنو المثل، أي مثل أبيه، وذكر ذلك ◌َلهول لعمر تعظيمًا لحقّ
العمّ، وهو مقتضٍ، ومناسبٌ لأن يُحمَل قوله: ((هي عليّ)) أنه تحمّلها عنه؛ احترامًا،
ومبرّةً، وإكرامًا حتى لا يتعرّض له بطلبها أحدٌ إذا تحمّلها عنه رسول اللَّه وَلّ أفاده ابن
الملقّن(٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث :
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة رَّه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا٢٤٦٤/١٥ و٢٤٦٥ - وفي («الكبرى»٢٢٤٣/١٦ و٢٢٤٤.
وأخرجه (خ) في ((الزكاة)) ١٤٦٨ (م) في ((الزكاة)) ٩٨٣ (د) في ((الزكاة)) ١٦٣٣ (ت)
في ((المناقب)) ٣٧٦١ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين))٨٠٨٥. والله تعالى أعلم.
(١) - ((فتح)) ج ٤ ص ٩٥ - ٩٦ .
(٢) - ((إحكام الأحكام)) ج٣ص٣٠٦ .
(٣) - ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ج٥ص٩٣ .

=
١٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو جواز إعطاء سيد المال خيار ماله
من غير أن يختار المصَدّق، ووجه ذلك أنّ النبيّ وَ لَمّا أَخبر أنّ العباس يدفع صدقته
ومثلها معها، وتحمّل عنه ذلك، وقام بالدفع نيابةً عنه، دلّ على أن زيادة المالك في
الصدقة باختياره، من غير طلب المصدّق جائز. والله تعالى أعلم.
(ومنها): أنه استُدلّ بقصّة خالد على جواز إخراج مال الزكاة في شراء السلاح،
وغيره، من آلات الحرب، والإعانة بها في سبيل اللّه تعالى؛ بناءً على أنه وَّ أجاز
لخالد أن يحاسب نفسه بما حبسه فيما يجب عليه، وهذه طريقة البخاريّ رحمه الله
تعالی .
وأجاب الجمهور عنه بأجوبة:
(أحدها): أن المعنى أنه وَ لولم يقبل إخبار من أخبره بمنع خالد؛ حملاً على أنه لم
يصرّح بالمنع، وإنما نقلوه عنه بناءً على ما فهموه، ويكون قوله وَليقول: ((تظلمونه)) أي
بنسبتكم إياه إلى المنع، وهو لا يمنع، وكيف يمنع الفرض، وقد تطوّع بتحبيس
سلاحه، وخيله؟ .
(ثانيها): أنهم ظنّوا أنها للتجارة، فطالبوه بزكاة قيمتها، فأعلمهم وَ لقر بأنه لا زكاة عليه
فيما حبس. قال الحافظ: وهذا يحتاج لنقل خاصّ، فيكون فيه حجّة لمن أسقط الزكاة
عن الأموال المحبّسة، ولمن أوجبها في عروض التجارة.
(ثالثها): أنه كان نوى بإخراها عن ملكه الزكاة عن ماله لأن أحد الأصناف سبيلُ
الله، وهم المجاهدون. وهذا يقوله من يُجيز إخراج القيم في الزكاة، كالحنفيّة، ومن
يُجيز التعجيل، كالشافعيّة.
(ومنها): استُدلّ بقصة خالد رَّ أيضًا على مشروعيّة تحبيس الحيوان والسلاح،
وأن الوقف يجوز بقاؤه تحت يد محتبسه.
(ومنها): جواز إخراج العُرُوض في الزكاة، وهو مذهب الإمام البخاريّ رحمه الله
تعالى، حيث قال في ((صحيحه)): وقال طاوس: قال معاذ رَزّ لأهل اليمن: انتوني
بِعَرْضٍ ثيابٍ، خَمِيصٍ، أو لَبِيس، في الصدقة مكان الشعير والذّرَة، أهون عليكم،
وخيرٌ لأصحاب النبيّ وَله بالمدينة. وقال النبيّ وَّر: ((وأما خالد احتبس أدراعه، وأعتده
في سبيل اللّه)) انتهى.
قال ابن رُشيد: وافق البخاريُّ في هذه المسألة الحنفيّةَ مع كثرة مخالفته لهم، لكن
قاده إلى ذلك الدليل انتهى.

١٥- (بَأَبُ إِعْطَاءِ السَّيِّدِ الْمَالَ بِغَيْرِ ... - حديث رقم ٢٤٦٤
١٥١=
قال في ((الفتح)): وقوله: ((في الصدقة)): يردّ قول من قال: إن ذلك كان في الخراج.
وحكى البيهقيّ أن بعضهم قال فيه: ((من الجزية)) بدل الصدقة، فإن ثبت ذلك سقط
الاستدلال، لكن المشهور الأول. وقد رواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن الثوريّ، عن
إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس: ((أن معاذًا كان يأخذ العَرْض في الصدقة)).
وأجاب الإسماعيليّ باحتمال أن يكون المعنى ائتوني به آخذه منكم مكان الشعير
والذُّرَة الذي آخذه شراءً بما آخذه، فيكون بقبضه قد بلغ محلّه، ثم يأخذ مكانه ما يشتريه
مما هو أوسع عندهم، وأنفع للآخذ. قال: ويؤيّده أنها لو كانت من الزكاة لم تكن
مردودة على الصحابة، وقد أمره النبيّ ◌َ ل# أن يأخذ الصدقة من أغنيائهم، فيردها على
فقرائهم .
وأجيب بأنه لا مانع من أنه كان يحمل الزكاة إلى الإمام ليتولّى قسمتها.
وقد احتجّ به من يُجيز نقل الزكاة من بلد إلى بلد، وهي مسألة خلافية أيضًا. وقيل
في الجواب عن قصّة معاذ: إنها اجتهاد منه، فلا حجّة فيها. وفيه نظر؛ لأنه كان أعلم
الناس بالحلال والحرام، وقد بيّن له النبيّ وَ لَّ لما أرسله إلى اليمن ما يَصنَعُ.
وقيل: كانت تلك واقعةً حال، لا دلالة فيها؛ لاحتمال أن يكون عَلِمَ بأهل المدينة
حاجة لذلك، وقد قام الدليل على خلاف عمله ذلك.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وفي قوله: واقعة حال نظر لا يخفى، إذ الظاهر أنها
تدلّ على جواز نقلها، إذا دعت الحاجة إليه، وسيأتي تمام البحث في ذلك في بابه -
٢٥٢٢/٤٦- إن شاء الله تعالى.
وقال القاضي عبد الوهاب المالكيّ: كانوا يُطلقون على الجزية اسمَ الصدقة، فلعلّ
هذا منها.
وتُعُقّب بقوله: ((مكان الشعير والذرة))، وما كانت الجزية حينئذ من أولئك من شعير،
ولا ذُرَة، إلا من النقدين(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن أرجح الأقوال في المسألة ما ذهب إليه
البخاريّ، وهو جواز أخذ الْعَرْض بدل الصدقة إن رأى الْمُصَدِّق ذلك خيرًا، وأنفعَ
للفقراء، كما عَمِل به معاذ رَّه . والله تعالى أعلم.
(ومنها): جواز صرف الزكاة إلى صنف واحد، وهو قول العلماء كافّة، خلافًا
للشافعيّ في وجوب قسمتها على الأصناف الثمانية. وتعقّب ابن دقيق العيد بأن القصّة
(١) - راجع ((الفتح)) ج ٤ ص٦٨ -٦٩ .

١٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
واقعة عين، محتملة لما ذُكر وغيره، فلا ينهض الاستدلال بها على ذلك. وفيه ما مرّ
قريبًا. والله تعالى أعلم.
(ومنها): بعث الإمام العُمّالَ لجباية الزكاة، وكونهم أمناء، فقهاء، ثقات عارفين،
حيث بعث وَ ل عمر رَي عليها (ومنها): تنبيه الغافل على ما أنعم الله به عليه من نعمة
الغنى بعد الفقر؛ ليقوم بحقّ اللَّه عز وجل عليه (ومنها): جواز العَتْبِ على من منع
الواجب، وذِكْره في غيبته بذلك، ولا يكون من الغيبة المحرّمة (ومنها): تحمُّل الإمام
عن بعض رعيّته ما يجب عليه، وجواز اعتذاره عنه بما يسوغ الاعتذار به. والله تعالى
أعلم بالصوابِ، وإليهِ المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٤٦٥- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَقْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ
طَهْمَانَ، عَنْ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ(١) عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهِ بِصَدَقَةٍ، مِثْلَهُ، سَوَاءٌ) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنّف رحمه اللّه تعالى بهذا بيان الخلاف
في كون الحديث من مسند عمر، أو من مسند أبي هريرة رؤيا، وقد تقدّم أن الراجح
كونه من مسند أبي هريرة ◌َظمثله، وأما عمر ◌َظّه ، فله ذكر فقط. والله تعالى أعلم.
و((حفص)): هو ابن عبد الله بن راشد قاضي نيسابور، صدوق [٩]٤٠٩/٧.
و((موسى)): هو ابن عُقبة بن أبي عيّاش المدنيّ الفقيه الثقة الإمام في المغازي
[٥]١٢٢/٩٦. وقوله: ((مثله)) منصوب على الحال، أي حال كون هذه الرواية مثل
الرواية السابقة. وقوله: ((سواء)) حال مؤكّدة للحال قبلها. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٤٦٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم،
قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ هِلَالِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ، فَقَالَ: كِدْتُ أُقْتَلُ بَعْدَكَ، فِي
عَنَاقٍ، أَوْ شَاةٍ، مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: ((لَوْلَا أَنَّا تُعْطَى فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ، مَا أَخَذْتُهَا))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائيّ، ثقة ثبت [١١]١٤٧/١٠٨.
٢- (محمود بن غيلان) أبو أحمد المروزيّ نزيل بغداد، ثقة [١٠]٣٧/٣٣.
٣- (أبو نُعيم) الفضل بن دُكين، واسم دكين عمرو بن حماد بن زهير الملائي
(١) -وفي نسخة: ((حدثني)).

١٥٣=
١٥- (بَأَبُ إِعْطَاءِ السَّيِّدِ الْمَالَ بِغَيْرِ ... - حديث رقم ٢٤٦٦
الكوفي، ثقة ثبت [٩]٥١٦/١١ .
٤- (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة الثبت [٧]٣٧/٣٣.
٥- (إبراهيم بن ميسرة) الطائفيّ، نزيل مكة، ثقة حافظ [٥]١١ / ٤٦٩.
٦- (عثمان بن عبد الله بن الأسود) الطائفيّ، مقبول [٥].
روى عن عبد الله بن هلال. وعنه إبراهيم بن ميسرة. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)).
انفرد به المصنّف، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط.
٧- (عبد الله بن هلال) بن عبد الله بن همّام الثقفيّ، يُعدّ في المكْبين. روى عن
النبيّ وَّر في الزكاة، ولم يذكر سماعًا، ولا رؤية. وعنه عثمان بن الأسود. قال ابن
عبد البر: حديثه عندهم مرسل. وقال ابن منده: عداده في أهل الطائف. وقال
العسكريّ: اختلف في صحبته. وقال ابن حبان: له صحبة. انفرد به المصنّف، وله
عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه عمرو، وعثمان بن عبد الله، وعبد الله بن هلال، فقد تفرد بهم
المصنف. (ومنها): أن صحابيه من المقلين، فليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث
عند المصنف. (ومنها): أن عثمان، وعبد الله هذا محل ذكرهما من الكتاب. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِلَالِ الثَّقَفِيَّ) أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ: كِدْتُ) أي
قاربت (أُقْتَلُ بَعْدَكَ) ببناء الفعل للمفعول، أي بعد مفارقتي لك (فِي عَنَاقٍ) أي بسبب
عَنَاق، ف((في)) للسبيّة، والعَنَاقُ: الأنثى من ولد المعز، قبل استكمالها الحول، وجمعها
أعنُقْ، وعُنُوقٌ (أَوْ) للشكّ من الراوي (شَاةٍ، مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ) بَرِ (لَوْلَا أَنَّا تُعْطَى
فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ، مَا أَخَذْتُهَا) قال السنديّ رحمه اللَّه تعالى: ما حاصله: كأن الرجل
شكى أن العامل شدّد عليه في الأخذ، وكاد يفضي ذلك إلى قتل رب المال بعده وَله،
فإنه إذا كان الحال في وقته ذاك، فكيف بعده.
وحاصل الجواب أن الزكاة شُرعت لِتُصرَف في مصارفها، ولو لا ذلك لما أخذت
أصلًا، وليست مما لا فائدة في أخذها، فليس لربّ المال أن يُشدّد في الإعطاء حتى
يفضي ذلك إلى تشديد العامل.

١٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
ويحتمل أن هذا الشاكي هو العامل يشكو شدّة أرباب الأموال في الإعطاء حتى
يُخاف أن يؤدي ذلك إلى القتل.
ومعنى ((بعدك)) أي بعد غيبتي عنك، وذهابي إلى أرباب الأموال.
وحاصل الجواب أنه لولا استحقاق المصارف لما أخذنا الزكاة، بل تركنا الأمر إلى
أصحاب الأموال، والنظر للمصارف يدعو إلى تحمّل المشاقّ، فلا بُدّ من الصبر عليها.
وهذا الوجه أنسب بترجمة المصنّف، وموافقة لفظ الحديث للوجهين غير خفيّة انتهى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لا يخفى بُعْدُ الاحتمال الأول من سياق الحديث،
فالوجه هو الاحتمال الثاني.
وفيه دليلٌ لمن قال بجواز نقل الزكاة من بلد إلى بلد، لكن الحديث ضعيف؛ لما
تقدّم من جهالة عثمان بن عبد الله بن الأسود، وللاختلاف في صحبة عبد الله ابن هلال
الثقفيّ، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٢٤٦٦/١٥ - وفي
((الكبرى)) ٢٢٤٥/١٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٦- (بَابُ زَكَاةِ الْخَيْلِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الْخَيْلُ: جماعة الأفراس، لا واحد له، أو واحده
خائلٌ؛ لأنه يختال، جمعه أَخْيَالٌ، وخُيُول، ويُکسرُ، والفُزْسان، ومنه ما روي: ((یا خيل
الله اركبي))، أي يا رُكاب خيل اللَّه. أفاده في ((القاموس)).
وقال في ((المصباح)): الْخَيْلُ: معروفة، وهي مؤنّثةٌ، ولا واحد لها من لفظها،
والجمع خُيُولٌ. قال بعضهم: وتطلق الخيل على العِرَاب، وعلى الْبَرَاذِين، وعلى
الفُرْسَان، وسميت خيلًا؛ لاختيالها، وهو إعجابها بنفسها مَرَحًا، ومنه يقال: اختال
الرجلُ، وبه خُيّلاءُ، وهو الكبر والإعجاب. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٤٦٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا(٣) وَكِيعُ، عَنْ شُعْبَةَ،
وَسُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ أَبِي
(١) - ((شرح السنديّ)) ج٥ص٣٤-٣٥.
(٢) - راجع ((القاموس))، و((المصباح المنير)) في مادة خال.
(٣) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).

١٥٥
١٦- (بابُ زکاةِ الْخیل) - حديث رقم ٢٤٦٧
هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: (لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ، وَلَا فَرَسِهِ(١) صَدَقَةٌ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية :
١- (عبد الله بن دينار) أبو عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر، ثقة [٤]١٦٧/ ٢٦٠ .
٢- (سليمان بن يسار) الهلالي المدني، مولى ميمونة، ثقة فاضل، أحد الفقهاء، من
كبار [٣]١٢٢ /١٥٦ .
٣- (عراك بن مالك) الغفاري الكناني المدني، ثقة فاضل [٣]٢٠٧/١٣٤ والباقون
تقدموا في الباب الماضي، وقبله بباب . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمديين من عبد الله بن دينار. (ومنها): أن فيه ثلاثة
من التابعين، يروي بعضهم عن بعض: عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن
عراك بن مالك، وكلهم مدنيّون. (ومنها): أن سليمان أحد الفقهاء السبعة، وأبو هريرة
رَّ أحفظ من روى الحديث في دهره . والله تعالى أعلم.
شرح الحدیث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَّيِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: (لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ) خصّ
المسلم، وإن كان الصحيح من أقوال العلماء أن الكافر مكلّف بالفروع؛ لأَنَّه ما دام
كافرًا لا تُقبل منه حتى يُسلم، وإذا أسلم سقطت منه؛ لأن الإسلام يَجُبّ ما قبله(٢) (فِي
عَبْدِهِ) أي رقيقه، ذكرًا كان أو أنثى، ونفَى الصدقة في العبد مطلقًا، لكنه مقيّدٌ بما ثبت
في ((مسند الإمام أحمد))، و((صحيح مسلم)): (ليس في العبد صدقة، إلا صدقة الفطر)).
ولأبي داود: ((ليس في الخيل، والرقيق زكاة، إلا زكاة الفطر)).
(وَلَّا فَرَسِهِ) الشامل للذكر والأنثى، وجمعه الخيل، من غير لفظه (صَدَقَّةٌ) أي زكاة.
قال في ((الفتح)): عند قول البخاريّ رحمه اللّه تعالى: ((باب ليس على المسلم في
فرسه صدقة)): قال ابن رُشيد: أراد بذلك الجنس في الفرس، والعبد، لا الفرد
الواحد؛ إذ لا خلاف في ذلك في العبد المتصرّف، والفرس المعدّ للركوب، ولا
خلاف أيضًا أنها لا تؤخذ من الرقاب، وإنما قال بعض الكوفيين: يؤخذ منها بالقيمة.
(١) -وفي نسخة: ((ولا في فرسه)).
(٢) - راجع ((المرعاة)) ج ٦ س ٩٠ .

١٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
مرفوعًا: ((قد عفوت عن الخيل،
ولعلّ البخاريّ أشار إلى حديث عليّ
والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة)). أخرجه أبو داود، وغيره(١) وإسناده حسن.
والخلاف في ذلك عن أبي حنيفة إذا كانت الخيل ذُكرانًا وإناثًا نظرًا إلى النسل، فإذا
انفردت فعنه روايتان، ثمّ عنده أن المالك يتخيّر بين أن يخرج عن كلّ فرس دینارًا، أو
يقوّم، ويُخرج ربع العشر.
واستُدِلّ عليه بهذا الحديث. وأُجيب بحمل النفي فيه على الرقبة، لا على القيمة.
واستَدَلّ به من قال: من أهل الظاهر بعدم وجوب الزكاة فيهما مطلقًا، ولو كانا للتجارة.
وأجيبوا بأن زكاة التجارة ثابتة بالإجماع، كما نقله ابن المنذر وغيره، فيخصّ به عموم
هذا الحديث. انتهى (٢) .
وتعقّب بعضهم دعوى الإجماع المذكور، فقال: كيف الإجماع مع خلاف
الظاهرية؟ .
قال: وأجيبوا بأن زكاة التجارة متعلّقها القيمة، لا العين، فالحديث يدلّ على عدم
التعلّق بالعين، فإنه لو تعلّقت الزكاة بالعين من العبيد والخيل لثبتت ما بقيت العين،
وليس كذلك، فإنه لو نوى القنية لسقطت الزكاة، والعين باقية، وإنما الزكاة متعلّقة
بالقيمة بشرط نيّة التجارة.
قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: هذا الحديث أصل في أنّ أموال القنية لا زكاة فيها،
وأنه لا زكاة في الخيل والرقيق، إذا لم تكن للتجارة. وبهذا قال العلماء كافّة، من
السلف والخلف، إلا أبا حنيفة، وشيخه حماد بن أبي سليمان، وزفر، فأوجبوا في
الخيل على تفصيل سيأتي قريبًا، قال النوويّ: وليس لهم حجة في ذلك، وهذا الحديث
صريح في الرّدّ عليهم انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة تَثّ هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٤٦٧/١٦ و٢٤٦٨ و٢٤٦٩ و٢٤٧٠ و٢٤٧١/١٧ و٢٤٧٢ - وفي
(١) - سيأتي للمصنّف بعد باب ٢٤٧٧ و٢٤٧٨.
(٢) - (فتح) ج٤ ص٨٧ .

١٦ - (بابُ زَكَاةِ الْخيل) - حديث رقم ٢٤٦٧
١٥٧ ==
((الكبرى)) في ٢٢٤٦/١٧ و٢٢٤٧ و٢٢٤٨ و٢٢٤٩ و٢٢٥٠/١٨ و٢٢٥١ .
وأخرجه (خ) في ((الزكاة)) ١٤٦٣ و١٤٦٤ (م) في ((الزكاة)) ٩٨٢ (د) في ((الزكاة)) ١٥٩٤
و١٥٩٥ (ت) في ((الزكاة)) ٦٢٨ (ق) في ((الزكاة)) ١٨١٢ (أحمد) في ((مسند المكثرين))
٧٢٥٣ و٧٣٤٩ و٧٤٠ ٧٦٩٩ و ٩٠٢٨ و٩٠٥٩ و٩١٥٩ و٩٢٩٥ و٩٧١٢ (الموطأ) في
((الزكاة)) ٦١٢ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الزكاة في الخيل:
ذهب جمهور العلماء من السلف والخلف إلى أنه لا زكاة في الخيل إلا إذا كانت
للتجارة.
وذهب أبو حنيفة، وشيخه حماد بن أبي سليمان، وزفر فأوجبو فيها الزكاة، إذا كانت
إناثًا، أو ذكورًا وإناثًا، في كلّ فرس دينارًا، وإن شاء قوّمها، وأخرج عن كلّ مائتي
درهم خمسة دراهم.
احتجّ الجمهور بحديث أبي هريرة رَّ المذكور في الباب، وبحديث عليّ رَّه
الآتي بعد باب.
قال أبو عُبيد في ((كتاب الأموال)) ص٤٦٥ -: إيجاب الصدقة في سائمة الخيل التي
يبتغي منها النسل ليس على اتباع السنّة، ولا على طريق النظر، لأن رسول اللَّه وَله قد
عفا عن صدقتها، ولم يستثن سائمة، ولا غيرها، وبه عملت الأئمة، والعلماء بعده فهذه
السنّة. وأما في النظر فكان يلزمه إذا رأى فيها صدقة أن يجعلها كالماشية؛ تشبيها بها؛
لأنها سائمة مثلها، ولم يَصِر إلى واحد من الأمرين، على أن تسمية سائمتها قد جاءت
عن غير واحد من التابعين بإسقاط الزكاة منها. ثم روى عن إبراهيم، والحسن، وعمر
ابن عبد العزيز.
وأجاب الحنفيّة عن حديث أبي هريرة تنظيم بأنه محمول على فرس الركوب،
والحمل، والجهاد في سبيل الله، لما روي أن زيد بن ثابت تنثم لما بلغه حديث أبي
هريرة رضيالله قال: صدق، إنما أراد رسول اللّه ◌َ لل فرس الغازي. ذكره صاحب
((الهداية)) تبعًا لأبي زيد الدبوسيّ.
قال الحافظ في ((الدراية)) -ص١٥٨ -: تبع صاحب ((الهداية)) في ذلك أبا زيد
الدبوسيّ، فإنه نقله عن زيد بن ثابت بلا إسناد انتھی.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تبیّن بما ذكر أن الصواب ما ذهب إليه الجمهور من
عدم وجوب الزكاة في الخيل، والرقيق، لحديث الباب.
وقد ذكر العلّامة عبيدالله بن محمد المباركفوريّ، صاحب ((مرعاة المفاتيح شرح

١٥٨ =
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
مشكاة المصابيح)) رحمه الله تعالى أدلة الحنفيّة وناقشها كلها، فأجاد، وأفاد، بما لا
تجده في كتاب غيره، فجزاه الله تعالى خيرًا، فإن شئت فراجعه في ج٦ ص ٩٠ - ٩٦-
تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الو کیل.
٢٤٦٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ حَرْبِ الْمَزْوَزِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُخْرِزُ بْنُ
الْوَضَّاحِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ - وَهُوَ ابْنُ أُمَيَّةَ- عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَا زَكَاةَ عَلَى الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ، وَلَا فَرَسِهِ))) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((محمد بن عليّ بن حَرَب المروزيّ)) المعروف
بالتُّرْك، ثقة [١١]١٠٩/ ١٤٨. من أفراد المصنّف.
و((مُخْرِز بن الوضّاح)) بن محرز المروزيّ، ثقة(١) [٩].
روى عن أبيه، وإسماعيل بن أَميّة، ومحمد بن ثابت قاضي مرو، ورَبّاح بن عُبيدالله
ابن عمر. وعنه محمد بن عليّ بن حرب، ومحمد بن يحيى بن أيوب، ومحمود بن
غيلان، ومُصعب بن بشير المروزيّون.
قال عبد الله بن محمد، عن محمود بن غيلان: حدّثنا مُحرز بن الوضّاح، وقال:
كان مقبول القول، ثقة. وقال مصعب بن بَشير: حدثنا مُحرز، وكان جارنا في السوق،
وكان ما علمته صَدُوقًا. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). تفرّد به المصنّف، له عنده في
هذا الكتاب أربعة أحاديث: هذا ٢٤٦٨ و٢٥١١ حديث: ((فرض رسول اللّه وَله صدقة
الفطر .. )) الحديث، و٣٠١٩ حديث: ((السكينة السكينة عشية عرفة))، و٤٤٦٩
حديث: ((المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا .. )) الحديث.
[تنبيه]: وقع في نسخة: ((محمد)) بدل ((محرز))، وهو تصحيف فاحش، فتنبه.
و((إسماعيل بن أميّة)) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أميّة بن عبد شمس الأمويّ،
ابن عمّ أيوب بن موسى، ثقة ثبتٌ [٦].
قال عليّ بن المدينيّ، عن ابن عيينة: لم يكن عندنا قرشيّان مثل إسماعيل بن أمية،
وأيوب بن موسى. وقال عليّ أيضًا: سمعت سفيان، قال: كان إسماعيلُ حافظًا للعلم،
مع ورع وصدق. وقال أحمد: إسماعيل أكبر من أيوب، وأحبّ إليّ. وفي رواية أقوى
وأثبت. وقال ابن معين، والنسائيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، زاد أبو حاتم: رجل
صالح. وقال العجليّ: مكيّ ثقة. وقال الزبير بن بكّار: كان فقيه أهل مكة. وقال ابن
(١) - قال في ((ت)): مقبول قلت: بل هو ثقة، كما يتبيّن قول أهل العلم المذكور في ترجمته بعدُ.

١٥٩
١٦ - (بابُ زِكَاةِ الْخيل) - حديث رقم ٢٤٧٠
سعد: كان ثقة كثير الحديث، مات سنة (١٤٤). وقال غيره: سنة (١٤٩). روى له
الجماعة، وله عند المصنف ستة عشر حديثًا.
و ((مكحول)) أبو عبد الله الشامي، ثقة فقيه، كثير الإرسال [٥]٦٣٠/٤. والباقيان
تقدما في السند الماضي.
والحديث متفق عليه، وقد تقدّم شرحه، والكلام على مسائله في الذي قبله. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٤٦٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ
مُوسَى، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَرْفَعُهُ
إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ، قَالَ: ((لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ، وَلَا فِي فَرَسِهِ صَدَقَّةٌ)) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمد بن منصور)): هو الجوّاز المكيّ. و((سفيان)):
هو ابن عيينة. و((أيوب بن موسى)): هو أبو موسى الأمويّ المكيّ، ثقة [٦]٢٤١/١٥٠
. وتقدم ذكره في ترجمة إسماعيل بن أمية، في الحديث السابق.
والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٤٧٠ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، عَنْ خُثَيْمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
أَبِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ، قَالَ: ((لَيْسَ عَلَى الْمَرْءِ فِي فَرَسِّهِ، وَلَا (١) فِي
مَمْلُوكِهِ صَدَقَةٌ))) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح:
و((عبيدالله بن سعيد)): هو أبو قُدَامة السرخسيّ الحافظ الثبت. و(يحيى)): هو ابن
سعيد القطّان.
و(خُفَيم)) - بمثلّثة، مصغّرًا- ابن عِرَاك بن مالك الغفاريّ المدنيّ، لا بأس به[٦].
قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال العقيليّ: ليس به بأس.
وقال الأزديّ: منكر الحديث. وقال ابن حزم: لا تجوز الرواية عنه.
قال الحافظ: وهي مجازفة صعبة، ولعلّ مستند من وهّاه ما ذكره أبو عليّ الكرابيسيّ
في ((كتاب القضاء)): حدّثنا سعيد بن زنبر، ومصعبٌ الزبيريّ، قالا: استفتى أمير المدينة
مالكًا عن شيء، فلم يُفته، فأرسل إليه ما منعك من ذلك؟ فقال مالك: لأنك ولّيتَ
خُثيم بن عِرَاك بن مالك على المسلمين، فلما بلغه ذلك عَزَلَه. انتهى. روى له
(١) -سقطت كلمة ((لا)) من بعض النسخ.

١٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّکاةِ
البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث، وأعاده بعد
حدیث .
و((أبوه)): هو عراك بن مالك الغفاريّ الكنانيّ المدنيّ، ثقة فاضل [٣]٢٠٧/١٣٤.
والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٧- (بَابَ زَكَاةِ الرَّقِيقِ)
قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: ((الرِّقّ)) - بالكسر -: العبوديّة، وهو مصدرُ رَقَّ
الشخصُ يَرِقّ، من باب ضرب، فهو رَقِيق، ويتعدّى بالحركة، وبالهمزة، فقال: رقَقتُه
أرُقُهُ، من باب قتل، وأرققته، فهو مَرْقُوقٌ، ومُرَقٌّ، وأمةٌ مَرْقُوقَةٌ، ومُرَقَّةٌ. قاله ابن
السُّكْيت. ويُطلق الرقيق على الذكر والأنثى، وجمعه أَرقّاء، مثل شَحيح وأشِخاء، وقد
يُطلق على الجمع أيضًا، فيقال: عَبِيدٌ رَقيق. ((وليس في الرقيق صدقة)): أي في عَبِيد
الخدمة انتهى كلام الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٤٧١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ -
وَاللَّفْظُ لَهُ - عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ
يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ، قَالَ: ((لَيْسَ عَلَى
الْمُسْلِمِ، فِي عَبْدِهِ، وَلَا (١) فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ))) .
قالَ الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، غير شيخه
الحارث، وهو مصريّ ثقة، حافظ. و((ابنُ القاسم)): هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصريّ
الفقيه، صاحب مالكِ الإمام.
والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه في الباب الماضي، ودلالته على ما ترجم له
المصنّف رحمه الله تعالى، واضحة، فإنه يدلّ على عدم وجوب الزكاة في العبيد، لكن
(١) -سقطت كلمة ((لا)) من بعض النسخ.