Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١=
١٠- (بابُ زكاة الغتم) - حديث رقم ٢٤٥٥
فالراجح اعتباره هنا. انتهى(١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تقدّم البحث عن اشتراط السوم وعدمه مستوفّى في
شرح الحديث -٢٤٤٩/٧- في المسألة الثانية منه، ورجحت مذهب الجمهور القائلين
باشتراطه، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٤٥٥ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّسَائِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُرَيْجُ بْنُ
النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَسِ
ابْنِ مَالِكِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، كَتَبَ لَهُ: ((إِنَّ هَذِهِ فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ، الَّتِي فَرَضَ
رَسُولُ اللَّهِ لَّهِ عَلَّى الْمُسْلِمِينَ، الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ نَّهِ فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ
الْمُسْلِمِينَ، عَلَى وَجْهِهَا، فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا، فَلَا يُعْطِهِ.
فِيمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْإِلِ، فِي خَمْسٍ ذَوْدٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ،
فَفِيهَا بِئْتُ مَخَاضٍَ، إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِيَنَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنِ ابْنَهُ مَخَاضٍ، فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، فَإِذَا
بَلَغَتْ سِتَّةً وَثَلَاثِيَنَ، فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ، إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا بَلَّغَتْ سِنَّةً وَأَرْبَعِينَ، فَفِيهَا
حِقّةٌ، طَرُوقَةُ الْفَحْلِ، إِلَى سِتْيْنَ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِخْدَى وَسِتْيْنَ، فَفِيهَا جَذَعَةٌ، إِلَى خَمْسَةٍ (٢)
وَسَبْعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِنَّةً وَسَبْعِينَ، فَفِيهَا ابْتَتَا لَبُونٍ، إِلَى تِسْعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى
وَتِسْعِينَ، فَفِيهَا حِقَّتَانٍ، طَرُوقَتَا الْفَحْلِ، إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ،
فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ، ابْنَةُ لَبُونٍ، وَفِي كُلَّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، فَإِذَا تَبَايَنَ أَسْتَانُ الْإِلِ، فِي فِرَائِضٍ
الصَّدَقَاتِ، فَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَّةُ الْجَذَعَةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ
مِنْهُ الْحِقَّةُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنٍ، إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ
الْحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلَّا جَذَّعَةٌ، فَإِنَّا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، أَوْ
شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ ابْنَهُ لَيُونٍ، فَإِنَّا تُقْبَلُ مِنْهُ،
وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنٍ، إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمَا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِنْتِ لَبُونٍ،
وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلَّ حِقَّةٌ، فَإِنَّا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدْقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، أَوْ شَاتَيْنٍ، وَمَنْ
بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِنْتِ لَبُونٍ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنَّا تُقْبَّلُ مِنْهُ،
وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنٍ، إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتَ عِنْدَهُ صَدَقَةُ ابْنَةٍ
مَخَاضٍ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلَّ ابْنُ لَيُونٍ، ذَكَرٌ، فَإِنَّ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ، وَمَنْ(٣) لَمْ يَكُنْ
عِنْدَهُ إِلَّا أَرْبَعَةٌ مِنَ الْإِلِ، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٍ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا.
(١) - (فتح) ج٤ ص٧٥ .
(٢) -وفي نسخة: ((خمس)).
(٣) - وفي نسخة: (وإن)).

١٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وَفِي صَدَقَةِ الْغَثَمِ فِي سَائِمَتِهَا، إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا شَاةٌ، إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِذَا
زَادَتْ وَاحِدَةً، فَفِيهًا شَاتَانٍ، إِلَى مِائَتَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً، فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاءِ، إِلَى
ثَلَاثِمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً، فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ.
وَلَا تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسُ الْغَنَمِ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَّدِّقُ،
وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ،
فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْتَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَإِذَا كَانَتَّ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً، مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً
وَاحِدَةً، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٍ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَجَا.
وَفِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَالُ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً، فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٍ، إِلَّا أَنْ
يَشَاءَ رَبُّهَا)) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير ((عُبيد الله بن
فَضَالة بن إبراهيم)): وهو أبو قُديد النسائي الثقة الثبت [١١] فإنه من أفراد المصنف.
و ((سُريج بن النعمان)) بن مروان الجوهري اللؤلؤي، أبو الحسين ، ويقال: أبو الحسن
البغدادي، أصله من خراسان، ثقة يهم قليلاً، من كبار[١٠].
روى عن فليح بن سليمان، والحمادين، وحشرج بن نباتة، ونافع بن عمر
الجمحي، ومحمد بن مسلم الطائفي، والحكم بن عبد الملك، وابن أبي الزناد،
وهشیم، وغيرهم.
وعنه البخاري، وروى الأربعة له بواسطة محمد بن رافع، وأبي شيبة، وأحمد بن
منيع، والفضل بن سهل الأعرج، ومحمد بن عامر المصيصي، وأبو خيثمة، وأبو
زرعة، وأبو حاتم، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن سنان القطان، وعمرو الناقد،
وإسماعيل سمويه، وغيرهم.
قال المفضل الغلابي عن ابن معين: ثقة، وسريج بن يونس أفضل منه. وقال
العجلي: ثقة. وقال أبو داود: ثقة، حدثنا عنه أحمد بن حنبل غلط في أحاديث، وقال
النسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد كان ثقة. وقال حنبل بن إسحاق وغيره: مات
يوم الأضحى سنة سبع عشرة ومائتين. وقال الحاكم عن الدار قطني: ثقة مأمون. وقال
ابن حبان في ((الثقات)): يكنى أبا الحارث. أخرج ه البخاريّ، والأربعة، وله في هذا
الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث رقم (٣٩٢٠) .
[تنبيه]: وقع في بعض النسخ ((شريح بن النعمان)) بالشين المعجمة، وآخره حاء
مهملة، وهو تصحيف فاحش، والصواب ((سريج)) بالمهملة، والجيم آخره، كما في
النسخة ((الهندية))، فأما شريح بن النعمان، فإنه تابعيّ، وليس ممن يروي عن حماد بن

١١- (بابُ مانع زكاة الفتم) - حديث رقم ٢٤٥٦
=
١٢٣
سلمة، روى عن عليّ رَّهِ ، أخرج له أصحاب السنن، حديثًا واحدًا في الأضحية،
وليس له عندهم غيره، انظر ترجمته في (تهذيب التهذيب)) ٢/ ١٦٢.
وأما سريج بن النعمان بالسين المهملة فإنه من شيوخ البخاريّ، وروى له أيضا
أصحاب السنن، وله أحاديث كثيرة، فتنبّه.
والحديث صحيحٌ، وقد تقدّم سندًا ومتنا في -٢٤٤٧/٥- وتقدّم شرحه، والكلام
على مسائله، وأذكر هنا ما لم يتقدّم بحثه هناك، فأقول:
(مسألة): في مذاهب أهل العلم في نصاب الغنم:
قال العلامة ابن رُشد رحمه اللّه تعالى: أجمعوا من هذا الباب على أن في سائمة الغنم
إذا بلغت أربعين شاةً شاةٌ، إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على العشرين ومائة، ففيها
شاتان إلى مائتين، فإذا زادت على المائتين، فثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فإذا زادت على
الثلاثمائة ففي كل مائة شاةٌ، وذلك عند الجمهور، إلا الحسن بن صالح، فإنه قال: إذا
كانت الغنم ثلاثمائة شاةٍ وشاةً واحدةً أن فيها أربع شياه، وإذا كانت أربعمائة شاةٍ وشاةً،
ففيها خمس شياه. ورُوِي قولُهُ هذا عن منصور، عن إبراهيم. والآثارُ المرفوعة في
كتاب الصدقة على ما قال الجمهور. انتهى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أنّ ما ذهب إليه الجمهور هو الحقّ؛ لموافقته
النصوص الواردة في أحاديث الباب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
١١- (بَابُ مَانِعِ زَكَاةِ الْغَثَم)
أي باب ذكر الحديث الدّالّ على عقوبة مانع زكاة الغنم.
٢٤٥٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، قَالَ: حَدَّثَنَا
الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، مَا مِنْ صَاحِبٍ
إِيلِ، وَلَا بَقَرٍ، وَلَا غَمَ، لَا يُؤَدِّيٍ زَكَاتَّا، إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَعْظَمَ مَا كَانَتْ،
وَأَسْمَتَهُ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، وَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا، عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا،
(١) - راجع ((بداية المجتهد)) ج١ ص٢٦٢.

١٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا.
والسند مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فبغداديّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
والحديث متفقٌ عليه، وقد تقدّم سندًا ومتنا في - ٢/ ٢٤٤٠ - وتقدّم شرحه، والكلام
على مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: ((تنطحه)) بكسر الطاء، وفتحها.
وقوله: (نَفِدَت)) -بفتح النون، وكسر الدال المهملة، أو بفتح النون، والذال
المعجمة- قال النوويّ: ضبطناه بالدال المهملة، وبالمعجمة، وفتح الفاء، وكلاهما
صحيح انتهى.
وقوله: ((عادت)) ووقع في بعض النسخ: ((أُعيدت)) بالبناء للمفعول، وهو صحيح
أيضًا. ووقع في أخرى: ((أعادت)) بزيادة الهمزة، وهو غلط. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)).
١٢- (بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُتَفَرِّقِ،
وَالتَّقْرِيقِ بَيْنَ الْمُجْتَمِع)
٢٤٥٧ - (أَخْبَرَنَا هَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّبٍ، عَنْ مَيْسَرَةَ أَبِي
صَالِحٍ، عَنْ سُوَيْدٍ بْنٍ غَفَلَةَ، قَالَ: أَتَانَا مُصَدْقُ الْنِّيِّ نَّهِ، فَأَتَتُهُ، فَجَلِّسْتُ إِلَيْهِ، فَسَمِعْتُهُ
يَقُولُ: إِنَّ فِي عَهْدِيَ، أَنْ لَا تَأْخُذَ رَاضِعَ لَيَنٍ، وَلَّا نَجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا نُفَرِّقَ بَيْنَ
مُجْتَمِعٍ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ كَوْمَاءَ، فَقَالَ: خُذْهًا، فَأَبَّى) .
رجال هذا الإسناد ستة :
١- (هنّاد بن السّريّ) التميميّ، أبو السريّ الكوفيّ، ثقة [١٠]٢٥/٢٣.
٢- (هُشيم) بن بشير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقة ثبت كثير
الإرسال والتدليس الخفيّ [٧]١٠٩/٨٨.
٣- (هلال بن خَبّاب)، أبو العلاء البصريّ، نزيل المدائن، صدوق تغيّر
بآخره [٥]١٠١٣/٨١ .

١٢- (بَأَبُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُتَفَرَقِ، ... - حديث رقم ٢٤٥٧
١٢٥ =
٤- (ميسرة أبو صالح) مولى كندة الكوفيّ، مقبول [٣].
روى عن عليّ بن أبي طالب، وسُويد بن غَفَلة. وعنه عطاء بن السائب، وهلال بن
خَبّاب، وسلمة بن كُهيل. ذكره ابن حبّان في ((الثقات)). انفرد به المصنّف، وأبو داود،
له عندهما هذا الحديث فقط .
٥- (سُوَيد بن غَفَلَةَ) - بفتح المعجمة والفاء - أبو أمية الجعفي مخضرم ثقة من كبار
التابعين، قدم المدينة يومَ دُفِنَ النبي ◌َّرَ، وكان مسلمًا في حياته، ثم نزل الكوفة، ومات
سنة ٨٠ وله ١٣٠ سنة [٢] ١١٨٧/٦٣. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ) أنه: (قَالَ: أَتَانَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ) وفي نسخة: (رسول اللَّه)) (وَّ)
أي الذي أرسله النبيّ ◌َلهوآخذًا للصدقات، والمصدّق -بتخفيف الصاد، وتشديد الدال-
: اسم فاعل، من صدّق: إذا أخذ الصدقة (فَأَتَيْتُهُ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ فِي
عَهْدِي) أي فيما عَهِدَ إليّ النبيّ ◌َّز، والمراد ما كتبه له، وفي رواية لأبي داود من طريق
أبي ليلى الكِنْدِيّ، عن سُوَيدُ بن غَفَلَة: ((أتانا مصدّق النبيّ وَّرَ، فأخذت بيده، وقرأت
في عهده ... )). وللدارقطنيّ: «قدم علينا مصدّق رسول اللّه وَ لإل قال: فقرأت في كتابه:
لا يجمع بين متفرّق ... « الحديث.
(أَنْ لَّا تَأْخُذَ رَاضِعَ لَبَنِ) هكذا نسخ ((المجتبى)) ((راضع لبن)). ووقع في ((الكبرى)):
((من راضع لبن)) بزيادة ((من))، وهو الذي في ((سنن أبي داود)) ((من)) زائدة، أي لا نأخذَ
صغيرًا يَرْضَع اللبن.
ويحتمل أن يكون المعنى أنها إذا كانت كلها صغارًا لا آخذ منها شيئًا، ويؤيّده ما في
رواية الدارقطني: ((أن لا آخذ من راضع لبن شيئًا)).
وإنما نهاه وَ ل﴿ عن أخذ الصغير لأنه يضرّ بمصلحة الفقراء، فإن حقّهم في الأوساط،
وفي الصغار إخلال بحقّهم. أو المراد ذات لبن، بتقدير مضاف، أي ذات راضع لبن،
وإنما نهاه لأنها من خيار المال، فتضرّ بالمالك. وقيل: المعنى أن ما أُعدّت للدّرّ لا
يؤخذ منها شيء.
ويحتمل أن يكون المعنى أن لا نعُدّ الصغارَ في نصاب الزكاة. ويؤيّد هذا المعنى ما
في رواية الدارقطنيّ بلفظ: ((أن لا آخذ من راضع لبن شيئًا»، كما تقدّم قريبًا.
وعليه يكون الحديث حجّة لأبي حنيفة ومحمد في أن الصغار من الإبل، والغنم،
والبقر لا زكاة فيها استقلالًا، فلو ملك خمسًا وعشرين من الإبل، وقد وضعت خمسًا
وعشرين فصيلًا، ومات الكبار كلها قبل تمام الحول، وتمّ الحول على الصغار، فلا

١٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
زكاة فيها. أما لو بقي من الكبار ولو واحدة، فإنها تُزكّى تبعًا للأصل، لا قصدًا. وعند
أبي يوسف يجب في الصغار واحدة منها، إذا تمّ لها حول(١) .
(وَلَا نَجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرُّقٍ) وفي نسخة: ((مفترق)) (وَلَا تُفَرِّقَ بَيْنَ مُجْتَمِع) تقدّم شرحه
مستوفّى في -٢٤٤٧/٥- زاد في رواية أبي داود: «وكان إنما يأتي المياه حين ترد
الغنم، فيقول: أدّوا صدقات أموالكم. قال: فعمد رجل منهم إلى ناقة كوماء، قال:
قلت: يا أبا صالح ما الكوماء؟ قال: عظيمة السنام ... )) الحديث (فَأَتَاهُ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ
كَوْمَاءَ) -بفتح الكاف، وسكون الواو- أي مشرفة السنام، عاليته. وفي رواية ابن ماجه:
١٨٠١ ((فأتاه رجل بناقة، عظيمة، مُلَمْلَمَة، فأبى أن يأخذها، فأتاه بأخرى دونها،
فأخذها، وقال أيُّ أرض تُقِلُّني، وأيُّ سماء تظلني، إذا أتيت رسول اللَّه ◌َّرِ، وقد
أخذت خيار إبل رجل مسلم)). و((الْمُلَمْلَمَةُ)): هي المستديرة سِمَنًا، من اللَّمّ، بمعنى
الضمّ والجمع.
(فَقَالَ) ذلك الرجل للمصدّق (خُذْهَا، فَأَبَى) أي امتنع المصدّق من قبول تلك الناقة
الكَوْماء؛ لكونها من خيار ماله، وقد نهاه النبيّ وَلّ من أخذ خيار المال.
وفي رواية أبي داود: ((فأبى أن يقبلها، قال: إني أحبّ أن تأخذ خير إبلي، قال:
فأبى أن يقبلها، قال: فخطم له أخرى، دونها، فأبى أن يقبلها، ثم خطم له أخرى(٢)
دونها، فقبلها، وقال: إني آخذها، وأخاف أن يَجِدَ عليّ رسول اللَّه وَ لَه يقول: عَمَدت
إلى رجل، فتخيّرت عليه إبله)) انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سويد بن غَفَلَة، عن مصدّق النبيّ ◌َّر صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ وفيه ميسرة أبو صالح، وقال عنه في ((التقريب)): مقبول.
يعني أنه يحتاج إلى متابع؟ .
[قلت]: لم ينفرد به، بل تابعه أبو ليلى الكنديّ سلمة بن معاوية. وقيل: معاوية بن
سلمة الكوفي، وهو ثقة.
فقد أخرجه أبو داود، وابن ماجه من طريق شريك، عن عثمان بن أبي زرعة، عن
(١) - انظر ((المنهل)) ج٩ ص١٧٦ .
(٢) - أي قاد له ناقة أخرى بخطامها، وهو الحبل الذي تقاد به الدّابّة.

١٢ - (بَابُ الْجَمْع بَيْنَ الْمُتفرقِ، ... - حديث رقم ٢٤٥٨
١٢٧=
أبي ليلى الكنديّ، عن سُويد بن غَفَّلة، قال: ((أتانا مصدّق النبيّ بَّو ... )) الحديث.
والحاصل أن الحديث صحيح. والله تعالى أعلم .
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٤٥٧/١٢- وفي ((الكبرى)) ٢٢٣٧/١٢. وأخرجه أبو داود في
((الزكاة)) ١٥٧٩ (ق) ١٨٠١ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٨٣٥٨ (الدارميّ) في
((الزكاة)) ١٦٣٠. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو النهي عن الجمع بين المتفرّق،
والتفريق بين المجتمع، خشية الصدقة، وقد تقدّم بيانه (ومنها): النهي عن أخذ الرضيع
في الزكاة (ومنها): النهي عن أخذ خيار المال (ومنها): أن الزكاة شُرعت لمواساة
الفقراء، فلا ينبغي إضرار أحد الجانبين، لا المالكِ بأخذ خيار ماله، ولا الفقيرِ بأخذ
أردإ المال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل .
٢٤٥٨ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ يَزِيدَ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي الزَّرْقَاءِ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي،
قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِم بْنٍ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َرِ،
بَعَثَ سَاعِيًّا، فَأَتَى رَجُلًا، فَاتَّهُ فَصِيلًاً مَخْلُوْلًاَ، فَقَالَ النَّبِيِّ وَهِ: (بَعَثْنَا مُصَدِّقَ اللَّهِ
وَرَسُولِهِ، وَإِنَّ فُلَانَا أَعْطَاهُ فَصِيلًا مَخْلُولًا، اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ، وَلَا فِي إِلِهِ))، فَبَلَّغَ ذَلِكَ
الرَّجُلَ، فَجَاءَ بِنَاقَةٍ حَسْنَاءَ، فَقَالَ: أَّتُوبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِلَى نَبِيِّهِ وَِّ، فَقَالَ النَّبِيُّ
وَلِ: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ، وَفِي إِلِهِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (هارون بن زيد بن يزيد بن أبي الزَّرْقَاء) الموصليّ، نزيل الرَّمْلة،
صدوق [١٠]٥٠/ ٨٥١.
(أبوه) زيد بن أبي الزرقاء)) الموصليّ، نزيل الرملة، ثقة [٩]٨٥١/٥٠.
٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة الثبت [٧]٣٧/٣٣.
٤- (عاصم بن كُلیب) الكوفيّ، صدوق رمي بالإرجاء [٥]٨٨٩/١١.
٥- (كُليب بن شهاب) صدوق [٢] ووهم من ذكره في الصحابة.
٦-٠ (وائل بن حجر)-بضم المهملة، وسكون الجيم- ابن سعد بن مسروق
الحضرميّ، الصحابيّ الجليل، كان من ملوك اليمن، ثم سكن الكوفة، ومات في خلافة
معاوية رَّتَ ٨٧٩/٤. والله تعالى أعلم.

1
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
١٢٨
:
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، وشيخ شيخه، فإنهما من رجال المصنف، وأبي داود، وغير
كليب، فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، وشيخ شيخه
فإنهما موصليان، ثم رمليان. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي، عن تابعي.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ النَّبِيِّ وَِّ، بَعَثَ سَاعِيّا) اسم فاعل،
من سَعَى في الصدقة يَسعَى سَعْيًا: إذا عمل في أخذها من أربابها(١) (فَأَتَى رَجُلًا، فَآتَاهُ)
بالمدّ، كأعطاه وزنًا ومعنَى (فَصِيلًا) -بفتح، فكسر -: ولد الناقة، سمي به لأنه يُفصَل
عن أمّه، فهو فَعِيل بمعنى مفعول، والجمع فُضلان -بضمّ الفاء، وكسرها- وقد يُجمع
على فِصال -بالكسر- كأنهم توهّموا فيه الصفة، مثل كريم وكِرَام. قاله الفيّوميّ
(مَخْلُولًا) قال ابن الأثير: أي مهزولًا، وهو الذي جُعِل في أنفه خِلَالٌ؛ لئلّا يرضع أمه،
فَتُهْزَلَ. وقيل: المخلول: السَّمِين، ضدّ المهزول، والمهزول إنما يقال له: خَلِّ،
ومُخْتَلِّ. والأول الأوجه. ومنه يقال لابن مخاض: خَلِّ؛ لأنه دقيق الجسم انتهى(٢).
وقال ابن منظور: وأما ما جاء في الحديث أنه يَّهِ أُتي بفصيل مَخْلُول، أو مَحْلُول،
فقيل: هو الْهَزِيل الذي قد خَلَّ جسمه. ويقال: أصله أنهم كانوا يَخُلُّون الفَصِيل لئلا
يَرتضع، فَتُهزَلَ لذلك. وفي ((التهذيب)): وقيل: هو الفصيل الذي خُلَّ أَنفُهُ لئلّا يَرْضَع
أمه، فتُهْزَلَ. قال: وأما المهزول فلا يقال له: مخلول؛ لأن المخلول هو السَّمِين، ضدّ
المهزول. والمهزول: هو الْخَلُّ والْمُخْتَلُّ، والأصحّ في الحديث أنه المشقوق اللسان
لئلا یرضع. ذكره ابن سیدَهُ.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الحاصل أن ذلك الفصيل مَعِيب بالْهُزَال بسبب عدم
ارتضاعه لأمه. والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: (بَعَثْنَا مُصَدِّقَ اللَّهِ) عز وجل (وَرَسُولِهِ) وَّهِ (وَإِنَّ فُلَانَا أَعْطَاهُ فَصِيلًا
مَخْلُولًا، اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ، وَلَا فِي إِلِهِ) إنما دعا علیه ◌َليز بأن لا يبارك الله تعالى فيه،
ولا في إبله، لبخله عن أداء ما أوجبه الله تعالى عليه من الزكاة التي بسسبها يزكو المال،
(١) - راجع ((المصباح المنير)) في مادّة سعى.
(٢) - ((النهاية)) ج٢ ص٧٣ .

٣١- (بَأَبُ صَلَاةِ الإِمَام عَلَى صَاحِبِ الصَّدقة) -حديث رقم ٢٤٥٩
١٢٩ =
ويكثر، والتي هي سبب لتطهير صاحبها، وتزكيته، وصلاة النبيّ وَّر عليه كما قال
تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَّهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ الآية
[التوبة: ١٠٣]، فلمّا أعرض عن ذلك كلّه استحقّ الدعاء عليه، كما أنه إذا أتاه شخص
بصدقته عن طيب نفس، وسخاء، وآتاه من طيبات ما آتاه اللَّه من المال صلّى عليه،
ودعا له بالبركة؛ عملًا بما أمره الله تعالى به في الآية.
وفيه أن من أعطى في الزكاة رديء ماله يستحقّ أن يدعو عليه الإمام بنزع البركة عنه
وعن ماله. والله تعالى أعلم.
(فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ، فَجَاءَ بِنَاقَةٍ حَسْنَاءَ، فَقَالَ: أَتُوبُ) وفي نسخة: ((تبت)) (إِلَى اللَّهِ
عَزَّ وَجَلَّ، وَإِلَى نَبِيْهِ نَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ، وَفِي إِيلِهِ))) لأنّ من تاب
تاب الله عليه.
وفيه أن من أعطى في الصدقة النوع الطيب ينبغي للإمام أن يدعو له بأن يبارك الله
تعالى فيه، وفي ماله.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث وائل بن حجر رَّ هذا صحيح الإسناد،
وهو من أفراد المصنف رحمه اللّه تعالى، أخرجه هنا -٢٤٥٨/١٢ - وفي ((الكبرى))
٢٢٣٨/١٢ .
ثم إن إيراده في هذا الباب فيه بُعْدٌ، إذ لا مناسبة بينهما، كما لا يخفى. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)).
٣١- (بَابُ صَلَاةِ الإِمَامِ عَلَى
صَاحِبِ الصَّدَقَةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعيّة صلاة الإمام لصاحب الصدقة، أي
قوله عند دفعه الصدقةَ اللَّهم صلّ على فلان، وقدّمنا في ((كتاب الصلاة)) عند شرح
الصلاة الإبراهيميّة أن الأصحّ في معنى صلاة اللَّه على عبده ثناؤه عليه في الملأ
الأعلى. وقيل: رحمته.

١٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه اللَّه تعالى في ((صحيحه)) بقوله: ((باب صلاة الإمام
ودعائه لصاحب الصدقة، وقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ﴾ إلى قوله: ﴿سَكَنٌ لَّمْ﴾ .
قال الزين ابن المنيّر رحمه الله تعالى: عَطَفَ الدعاء على الصلاة في الترجمة ليبيّن أن
لفظ الصلاة ليس مُحَتَّمًا، بل غيره من الدعاء بمنزلته انتهى.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: ويؤيّد عدم الانحصار في لفظ الصلاة ما أخرجه
النسائيّ من حديث وائل بن حُجر أنه وَ لّ قال في رجل بعث بناقة حسنة في الزكاة:
((اللّهمّ بارك فيه، وفي إبله)). وأما استدلاله بالآية لذلك فكأنه فهم من سياق الحديث
مُداومة النبيّ وَّر على ذلك، فحمله على امتثال الأمر في قوله تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾ .
ورَوَى ابن أبي حاتم وغيره بإسناد صحيح عن السدّيّ في قوله تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾
قال: ادع لهم.
وقال ابن المنير في ((الحاشية)): عبّر المصنّف في الترجمة بالإمام ليُبطل شبهة أهل
الرّة في قولهم للصدّيق: إنما قال اللّه لرسوله وَّله: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ
لَُّمْ﴾، وهذا خاصّ بالرسول وَلغيره، فأراد أن يبيّن أن كلّ إمام داخل في الخطاب
انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٤٥٩ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بُهْزُ بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ:
عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ أَخْبَرَنِي، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ مَِّ،
إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلانٍ))، فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ
صَلِّ عَلَى آلٍ أَبِي أَوْفَى))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عمرو بن يزيد) أبو بُريد الجَزْمي البصريّ، صدوق [١١]١٣٠/١٠٠ من أفراد
المصنف .
٢- (بهز بن أسد) العمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقة ثبت [٩]٢٨/٢٤.
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧]٢٧/٢٤.
٤- (عمرو بن مرّة) بن عبد الله بن طارق الجَمّليّ الكوفي الأعمى، ثقة
عابد[٥]٢٦٥/١٧١.
٥- (عبد الله بن أبي أوفى) علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي، صحابيّ شهد
الحُدَيبية، وعُمِّرَ بعد النبيّ ◌َِّيز دهرًا، ومات سنة (٨٧) رضي اللَّه تعالى، تقدّمت ترجمته
(١) - ((فتح)) ج٤ ص ١٣١.

١٣١
٣١- (بَأَبُ صَلَاةِ الإِمَام عَلَى صَاحِبِ الصَّدقة) -حديث رقم ٢٤٥٩
في -٤٠٢/٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسیات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجالہ کلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة،
والباقيان كوفيان. (ومنها): أن عمرو بن مرّة تابعي صغير، لم يرو من الصحابة إلا من
عبد الله بن أبي أوفى ◌َّه، وأنه كان لا يدلّس كما وصفه بذلك شعبة. (ومنها): أن
صحابيه آخر من مات من الصحابة بالكوفة، مات سنة (٨٧). والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن شعبة أنه (قال: عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ أَخْبَرَنِي) فاعل ((قال)) ضمير شعبة، و((عمرو بن
مرّة)) مبتدأٌ، خبره جملة: ((أخبرني)). يعني أن شعبة قال: أخبرني عمرو (قَالَ) عمرو
(سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى) رضي اللَّه تعالى عنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، إِذَا أَتَاهُ
قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ صَلُّ عَلَى آلِ فُلَانٍ))) وفي رواية للبخاريّ: ((اللَّهم صلّ على
فلان .
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: لما أمر الله تعالى نبيّه وَلّو بأخذ الصدقة من الأموال،
والدعاء للمتصدّق بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَةً .... ) الآية [التوبة: ١٠٣]
امتثل ذلك، فکان یدعو لمن آتاه بصدقته، ولذلك کان یقول لهم: اللُّھم صلّ علیھم»
أي ارحمهم انتهى(١) .
(فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى))) يريد أبا أوفى نفسَهُ؛ لأن
الآل يطلق على ذات الشيء، كقوله في قصّة أبي موسى: ((لقد أوتي مِزْمَارًا من مزامير
آل داود)». وقيل: لا يُقال ذلك إلا في حقّ الرجل الجليل القدر. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبد الله بن أبي أوفى رَّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٤٥٩/١٢- وفي ((الكبرى)) ٢٢٣٩/١٤. وأخرجه (خ) في ((الزكاة))
(١) - ((المفهم)) ج٣ص١٣١ - ١٣٢ .

١٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
١٤٩٨ وفي ((المغازي))٤١٦٦ وفي ((الدعوات)) ٦٣٣٢ و٦٣٥٩ (م) في ((الزكاة)) ١٠٧٨
(د) في ((الزكاة)) ١٥٩٠ (ق) في ((الزكاة)) ١٧٩٦ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٨٦٣٢
و١٨٦٣٦ و١٨٦٥٤ و١٨٩١٥ و١٨٩٢٤. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو مشروعيّة صلاة الإمام لمعطي
الصدقة (ومنها): أنه لا يتعيّن لفظ الصلاة، بل لو دعا له بالبركة أصاب السنّة، كما دلّ
عليه حديث وائل بن حجر تَّه المتقدّم في الباب الماضي.
قال النوويّ: وقد استحبّ الشافعيّ في صفة الدعاء أن يقول آجرك اللّه فيما أعطيت،
وجعله طهورًا لك، وبارك لك فيما أبقيت انتهى (١) .
(ومنها): جواز الصلاة على غير الأنبياء، وكرهه مالك والجمهور. قال ابن التين:
وهذا الحديث يعكر عليه. وقد قال جماعة من العلماء: يدعو آخذ الصدقة للمتصدّق بهذا
الدعاء؛ لهذا الحديث. وأجاب الخطّابيّ عنه بأن أصل الصلاة الدعاء إلا أنه يختلف
بحسب المدعوّ له، فصلاة النبيّ وَّلهر على أمته دعاء لهم بالمغفرة، وصلاة أمته عليه
دعاء له بزيادة القربى والزلفى؛ ولذلك كان لا يليق بغيره انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: القول بكراهة الصلاة على غير الأنبياء مما لا يقوم
عليه دليل، فالحقّ أن الصلاة على غيرهم جائزة؛ لحديث الباب وغيره، وقد قدمت
تحقيق البحث في ذلك في ((كتاب الصلاة)) في أبواب الصلاة على النبيّ وَّ في التشهّد،
فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): اختلف في حكم الدعاء للمتصدّق:
ذهب الجمهور إلى أن الدعاء لدافع الزكاة سنة مستحبّة، وليس بواجب.
وذهب أهل الظاهر إلى أنه واجب. قال النوويّ رحمه الله تعالى: وبه قال بعض
أصحابنا، حكاه أبو عبد الله الحناطيّ -بالحاء المهملة- واعتمدوا الأمر في الآية، قال
الجمهور: الأمر في حقّنا للندب؛ لأن النبيّ وَ لبعث معاذًا وغيره لأخذ الزكاة، ولم
يأمرهم بالدعاء. وقد يُجيب الآخرون بأن وجوب الدعاء كان معلومًا لهم من الآية
الكريمة. وأجاب الجمهور أيضًا بأن دعاء النبيّ وَل ﴿ وصلاته سكن لهم، بخلاف
غيره(٢) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح؛ لأن ما
(١) - ((شرح مسلم)) ج٧ ص ١٨٤.
(٢) - ((شرح مسلم)) ج٧ص ١٨٤ .

١٤- (بَابٌّ إِذاَ جَاوَزَ فِي الصَّدقةِ) - حديث رقم ٢٤٦٠
١٣٣ ===
احتجوا به كافٍ في صرف الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب، فتأمّل. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٤- (بَابٌ إِذَا جَاوَزَ فِي الصَّدَقَةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر تبويب المصنّف رحمه الله تعالى يدلّ على أنه
إذا جاوز الْمُصَدِّق الواجب، فأخذ أكثر منه، يجب دفع ما طلبه، وإرضاؤه، لظاهر
حدیث الباب.
لكن الذي يظهر لي أن هذا محمول على ما إذا كان المصدّق معروفًا بالورع، لا يظلم
الناس، ولكنّ صاحب المال لحرصه ظنّ أنه يظلمه، وأما إذا طلب فوق الواجب من
دون تأويل، فلا يجب إرضاؤه، لحديث أنس ◌َّ المتقدّم: ((فمن سئلها من المسلمين
على وجهها فليعط، ومن سُئل فوق ذلك، فلا يعط)).
وخلاصة القول: أنه رَجَ عَلِمَ أن عامليه لا يظلمون الناس، ولكنّ أرباب الأموال
لشدّة محبّتهم للأموال يعدّون الأخذ ظلمًا، فقال لهم: ((أرضوا مصدقيكم))، أي وإن
ظلموكم في زعمكم، فليس فيه تقرير للعاملين على الظلم، ولا تقرير للناس على الصبر
عليه، وعلى إعطاء الزيادة على ما حدّه اللّه تعالى في الزكاة.
والحاصل أن الجمع بين الحديثين بما ذكر متعيّنٌ. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٤٦٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا
يَخْتِى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: قَالَ جَرِيرٌ، أَتَّى
النَّبِيَّ نَّهِ نَاسٌ، مِنَ الْأَعْرَابِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، يَأْتِينَا نَاسٌ مِنْ مُصَدْقِيكَ،
يَظْلِمُونَ، قَالَ: ((أَرْضُوا مُصَدْقِيَكُمْ))، قَالُوا: وَإِنْ ظَلَمَ؟ قَالَ: ((أَرْضُوا مُصَدَّقِيكُمْ))، ثُمَّ
قَالُوا: وَإِنْ ظَلَمَ؟ قَالَ: ((أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ))، قَالَ جَرِيرٌ: فَمَا صَدَرَ عَنِّي مُصَدِّقٌ، مُنْذُ
سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ بِّهِ، إِلَّا وَهُوَ رَاضٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن المثنى) أبو موسى العنزيّ البصري. ثقة حافظ [١٠]٦٤/ ٨٠.
٢- (محمد بن بشار) أبو بكر بندار البصري، ثقة [١٠]٢٧/٢٤.

١٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
٣- (يحيى) بن سعيد القطان الإمام الحجة [٩]٤/٤.
٤- (محمد بن أبي إسماعيل) واسم أبي إسماعيل راشد الأسلميّ المدنيّ، ثقة [٥].
قال ابن معين، والنسائيّ ثقة. وقال أبو حاتم: محمد بن راشد أخو عمر،
وإسماعيل، ويُعرفون ببني أبي إسماعيل، محمد أحبّهم إليّ. وقال يحيى بن آدم، عن
شريك: أنه سئل عن امرأة وَلَدت في بطن أربعة، فقال: قد رأيت بني أبي إسماعيل
أربعة وُلِدُوا في بطن واحد، وعاشوا. قال البخاريّ: عامتهم محدّثون. وذكره ابن حبّان
في ((الثقات)). قال البخاريّ: قال يحيى: مات سنة (٢٤٢). أخرج له مسلم، وأبو
داود، والمصنّف، له عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥- (عبد الرحمن بن هلال) العبسيّ -بالموحّدة - الكوفيّ، ثقة [٣].
قال النسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)).
وفي الطبرانيّ من طريق مُجالد عنه قال: بعثني أبي إلى جرير، فسألته. أخرج له
البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والباقون، سوى الترمذيّ، وله عند المصنف في هذا
الكتاب هذا الحديث فقط .
٦- (جرير) بن عبد الله بن جابر البجلي الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه ٤٣/
٥١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أن عبد الرحمن، ومحمد بن أبي إسماعيل هذا أول محل ذكرهما
من الكتاب. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ) العبسيّ، أنه (قَالَ: قَالَ جَرِيرٌ) بن عبد اللَّه ◌َالَتْ (أَتَّى
النَّبِيَّ) بالنصب مفعول مقدم (وَّ نَاسٌ) بالرفع فاعل مؤخّر (مِنَ الْأَعْرَابِ) بالفتح يريد
أهل البادية، وواحد الأعراب أعرابيّ، والفرق بين الأعرابيّ والعربيّ أن من نزل البادية،
وجاور البادين، وظعن بظَعْنِهم، فهو من الأعراب، ومن نزل بلاد الرِّيفِ، واستوطن
الْمُدُن، والقرى العربيّة، وغيرها ممن ينتمي إلى العرب، فهو من العرب، وإن لم يكن
فصیحًا.
(فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَأْتِينَا نَاسٌ مِنْ مُصَدْقِيكَ) وفي نسخة: ((من مصدقكم))، وهو
جمع مُصَدّق - بتخفيف الصاد، وتشديد الدال- أي من السُّعَاة الذين ترسلهم لأخذ

١٤- (بَأَبِّ إِذَاَ جَاوَزَ فِي الصَّدقةِ) - حديث رقم ٢٤٦٠
١٣٥
الصدقات (يَظْلِمُونَ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: لا شكّ أن أهل البادية أهل جفاء
وجهل غالبًا؛ ولذلك قال تعالى: ﴿اَلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُواْ حُدُودَ
مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٩٧] ولذلك نَسَبُوا الظلم إلى مصدّقي النبيّ وَّه
وإلى فضلاء أصحابه، فإنه وَّ﴿ ما كان يَستعمل على ذلك إلا أعلم الناس، وأعدلهم؛
لكن لجهل الأعراب بحدود اللَّه ظنّوا أن ذلك القدر الذي كانوا يأخذونه منهم هو ظلم،
فقال لهم وَله: ((أرضوا مصدقيكم، وإن ◌ُلِمتم)) أي على زعمكم وظنّكم، لا أنّ النبيّ
وَّ ر سوّغ للعمّال الظلم، وأمر الأعراب بالانقياد لذلك؛ لأنه كان يكون ذلك منه إقرارًا
على منكرٍ، وإغراءً بالظلم، وذلك مُحالٌ قطعًا، وإنما سلك النبيّ وَّر مع هؤلاء هذا
الطريق، دون أن يبيّن لهم أن ذلك الذي أخذه المصدّقون ليس ظلمًا؛ لأن هذا يحتاج
إلى تطويل وتقريرٍ، وقد لا يَفْهَم ذلك أكثرهم. وأيضًا فَلْيَحصُل منهم الانقياد الكلّيّ
بالتسليم، وترك الاعتراض الذي لا يحصل الإيمان إلا بعد حصوله، كما قال تعالى:
﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيَ أَنفُسِهِمْ حَرَبًا
◌ِّمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. انتهى كلام القرطبيّ(١).
(قَالَ) وَ (أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ) قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: المصدّق الساعي،
ومقصود الحديث الوَصَاية بالسُّعَاة، وطاعةِ ولاة الأمور، وملاطفتِهِم، وجمعُ كلمة
المسلمين، وصلاح ذات البين. وهذا كلّه ما لم يطلب جَوْرًا، فإذا طلب جَورًا، فلا
موافقة له، ولا طاعة؛ لقوله وَالهر في حديث أنس رَّ المتقدّم: ((فمن سئلها على
وجهها، فليعطها، ومن سئل فوقها، فلا يعط)).
قال: واختلف أصحابنا في معنى قوله وَله: ((فلا يُعط)) فقال أكثرهم: لا يُعطي
الزيادة، بل يعطي الواجب. وقال بعضهم: لا يعطه شيئًا أصلًا؛ لأنه يفسق بطلب
الزيادة، وينعزل، فلا يُعطَى شيئًا. والله تعالى أعلم انتهى كلام النوويّ(٢).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ما قاله الأكثرون هو الأقرب. والله تعالى أعلم.
(قَالُوا: وَإِنْ ظَلَمَ؟ قَالَ: ((أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ) زاد في رواية لأبي داود: ((وإن ظُلمتم)).
وفي حديث بشير ابن الْخَصَاصيّة رَّه قال: قلنا: يا رسول الله إن أهل الصدقة
يعتدون علينا، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ فقال: ((لا)). رواه أبو داود،
وفي إسناده مجهول.
(١) - ((المفهم)) ج٣ ص ١٣٣ - ١٣٤.
(٢) - ((شرح مسلم)) ج٧ص ١٧٤ - ١٨٥.

١٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وفي حديث جابر بن عَتِيك ◌َّ: أن رسول اللَّه وَالر قال: ((سيأتيكم ركبٌ
مُبَغّضون، فإذا جاؤوكم، فرحّبوا بهم، وخلّوا بينهم، وبين ما يبتغون، فإن عَدَلُوا
فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم، فإن تمام زكاتكم رضاهم، وليدعوا لكم)).
رواه أبو داود أيضًا، وفي إسناده مجهول أيضًا(١).
(ثُمَّ قَالُوا: وَإِنْ ظَلَمَ؟ قَالَ: ((أَرْضُوا مُصَدْقِيَكُمْ))، قَالَ جَرِيرٌ) بن عبد اللّه ◌َيُه (فَمَا
صَدَرَ عَنِي مُصَدِّقٌ) أي ما رجع من عندي سَاعٍ. يقال: صدَرَ عن الموضع صَدْرًا، من
باب قتل: إذا رجع، قال الشاعر [من البسيط):
وَلَيْلَةٍ قَدْ جَعَلْتُ الصُّبْحَ مَوْعِدَهَا صَدْرَ الْمَطِئَّةِ حَتَّى تَعْرِفَ السَّدَفَا (٢)
(مُنْذُ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهَ، إِلَّ وَهُوَ رَاضٍ) يعني أنه ما رجع من عنده ساع بعد
سماعه هذا الحديث من رسول اللَّه و لتر إلا وهو راضٍ عنه؛ لكونه أعطاه ما طلب. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث جرير رَزي هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١٤/ ٢٤٦٠ و٢٤٦١ - وفي ((الكبرى)) ٢٢٤٠/١٥ و٢٢٤١ . وأخرجه
(م) في ((الزكاة)) ٩٨٩ (د) في ((الزكاة)) ١٥٨٩ (ت) في ((الزكاة)) ٦٤٧ (ق) في
((الزكاة)) ١٨٠٢ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٨٧٢٤ (الدارميّ) ١٦٦٠. والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان حكم ما إذا جاوز الساعي
في الصدقة القدرَ الواجبَ، وهو أنه يجب إرضاؤه، وقد تقدّم الجمع بينه وبين حديث
أنس ◌َّهِ: ((ومن سئل فوقها، فلا يعط)) أولَ الباب، فتنبه.
(ومنها): أن الإنسان مجبول على الحرص في ماله، ولذا يَظُنّ أحيانًا المصدّق ظالمًا
له، ولهذا أمر النبيّ وَ ﴿ بإرضاء المصدّق، لأنه لا يظلم، حيث إنه وَلّ لا يرسل إلا
العالم الورع، ومع ذلك يوصيه بتوقّي كرائم أموال الناس، وإنما حِرْصُ صاحب المال
(١) - راجع ((المنهل)) ج٩ ص ١٨٧ - ١٨٩.
(٢) - راجع ((المصباح المنير)) في مادة صدر. والسَّدَفُ مُحَرَّكَةً: الصبح، وإقباله، وسواد الليل. قاله
في ((القاموس)).

١٣٧
١٥- (بَابُ إِعْطَاءِ السَّيِّدِ الْمَالَ بِغَيْرِ ... - حديث رقم ٢٤٦٢
يحمله على اتهامه بذلك (ومنها): بيان فضل جرير بن عبد الله، بل وسائر الصحابة
حيث إنهم إذا سمعوا من النبيّ وَلِّ أمرًا بادروا إلى امتثاله، واستمرّوا عليه حتى
يموتوا، وذلك لصدق إيمانهم، وكمال محبّتهم للَّه تعالى، ولرسوله وَّله. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٤٦١- (أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- قَالَ: أَنْبَأَنَا
دَاوُدُ، عَنِ الشَّغْيِيِّ، قَالَ: قَالَ جَرِيرٌ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((إِذَا أَتَاكُمُ الْمُصَّدِّقُ،
فَلْيَصْدُرْ، وَهُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ))) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح.
و((زياد بن أيوب)): هو المعروف بدَلُّويه)). و((داود)): هو ابن أبي هند.
والحديث أخرجه مسلم، كما تقدم بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)).
١٥- (بَابُ إِعْطَاءِ السَّيِّدِ الْمَالَ بِغَيْرِ
اخْتِيَارِ الْمُصَدِّقِ)
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: المراد بـ(السيّد)) صاحب المال، و((المالَ)) منصوب
على أنه مفعول أولُ لـ((إعطاء))، والثاني محذوف، أي المصدّقَ))، وإضافة ((إعطاء)) إلى
((السيّد)) من إضافة المصدر إلى فاعله. وفي ((الكبرى)) ((باب إعطاء سيّد المالِ))، وعليه
ف«المال» مجرور بإضافة ((سید» إلیه.
وغرض المصنّف رحمه اللّه تعالى بهذا أن المالك إذا أعطى من خيار ماله باختياره،
من غير أن يَطلب المصَدِّق منه ذلك جاز؛ لأن النهي عن أخذ خيار المال كان لحقّ
المالك، فإذا ترك حقّه، وآثر جزيل الأجر، وعظيم الثواب بإعطاء خيار ماله، قبل منه
ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٤٦٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعْ، قَالَ: حَدَّثَنَا
زَكَرِيًّا ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ ثَفِنَةَ، قَالَ: اسْتَعْمَلَ ابْنُ عَلْقَمَةَ

١٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
أَبِي، عَلَى عِرَافَةٍ قَوْمِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُصَدْقَهُمْ، فَبَعَثَنِي أَبِي، إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ، لِآَتِيَهُ بِصَدَقَتِهِمْ،
فَخَرَجْتُ، حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى شَيْخِ كَبِيرٍ، يُقَالُ لَهُ: سَغْرٌ، فَقُلْتُ: إِنَّ أَبِي بَعَثَنِي إِلَيْكَ،
لِتُؤَدِّيَ صَدَقَّةَ غَنَمِكَ، قَالَ: ابْنَ أَخِي، وَأَيُّ نَحْوٍ تَأْخُذُونَ، قُلْتُ: نَخْتَارُ، حَتَّى إِنَّا لَتَشْبُرُ
ضُرُوعَ الْغَنَمِ، قَالَ: ابْنَ أَخِي، فَإِنِّي أُحَدِّثُكَ، أَنّي كُنْتُ فِي شِعْبٍ مِنْ هَذِهِ الشِّعَابِ، عَلَى
عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، فِي غَنَم لِي، فَجَاءَنِي رَجُلَانٍ، عَلَى بَعِيرٍ، فَقَالَا: إِنَّا رَسُولَا رَسُولٍ
اللّهِ وَّهِ إِلَيْكَ، لِتُؤَدِّيَ صَدَقَةٌ غَنَمِكَ، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا عَلَيَّ فِيَهَا؟ قَالَا: شَاةٌ، فَأَعْمِدُ إِلَى
شَاةٍ، قَدْ عَرَفْتُ مَكَانها، مُمْتَلِئَةٍ مَخْضًا، وَشَخْمًا، فَأَخْرَجْتُهَا إِلَيْهِمَا، فَقَالَا: هَذِهِ الشَّائِعُ -
وَالشَّافِعُ الْحَائِلُ - وَقَدْ نَّانَا رَسُولُ اللَّهِ مَ، أَنْ تَأْخُذَ شَافِعًا، قَالَ(١): فَأَعْمِدُ إِلَى عَنَاقٍ
مُعْتَاطِ، وَالْمُعْتَاطُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ وَلَدَا، وَقَدْ حَانَ وِلَادُهَا، فَأَخْرَجْتُهَا إِلَيْهِمَا، فَقَالَا: نَاوِلْنَاهَا،
فَرَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا، فَجَعَلَاهَا مَعَهُمَا، عَلَى بَعِيرِهِمَا، ثُمَّ انْطَلَقًا) .
رجال هذا الإسناد: ستة :
١- (محمد بن عبد الله بن المبارك) المخرّمي، أبو جعفر البغدادي، ثقة
حافظ [١١]٥٠/٤٣ .
٢- (وكيع) بن الجرّاح الحافظ الحجة الكوفي [٩]٢٥/٢٣.
٣- (زكريا بن إسحاق) المكي، ثقة رمي بالقدر [٦]٦٠ /٨٦٥.
٤ - (عمرو بن أبي سفيان) بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية الجمحيّ المكي، ثقة [٥].
قال عبد الله بن شُعيب الصابونيّ، عن يحيى بن معين: حنظلة بن أبي سفيان،
وعمرو بن أبي سفيان جمحيّان ثقتان. وقال أبو حاتم: مستقيم الحديث، أُراه أخا
حنظلة. وقال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)).
روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده
في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥- (مسلم بن ثَفِنَة) ويقال: ابن شعبة، وهو أصخ، البكريّ، ويقال: اليشكريّ،
حجازيّ، مقبول [٣].
روى عن سَعْرِ الدُّؤَلِيّ. وعنه عمرو بن أبي سفيان الْجُمَحِيّ. قال وكيع عن زكريّا بن
إسحاق، عن عمرو بن أبي سفيان، عن ابن ثَفِئَة. وقال رَوْح بن عُبَادة، وغير واحد،
عن زكريّا، عن عمرو، عن مسلم بن شعبة. قال أحمد بن حنبل: أخطأ فيه وكيعٌ، قال
بشر بن السريّ، متعجّبًا من قول وكيع: هؤلاء وُلْدُهُ ههنا - يعني بمكة. وقال البخاريّ:
(١) - سقطت لفظة ((قال)) من بعض النسخ.

١٣٩
١٥- (بَأَبُ إِعْطَاءِ السَّيِّدِ الْمَالَ بِغَيْرِ ... - حديث رقم ٢٤٦٢
قال وكيعٌ: مسلم بن ثَفِنة، ولا يصحّ. وقال النسائيّ(١): لا أعلم أحدًا تابع وكيعًا على
قوله: ابن ثفنة. وقال الدارقطنيّ: وَهِمَ وكيعٌ، والصواب مسلم بن شعبة.
قال الذهبيّ: لا يُعرف. قال الحافظ: كذا قال، وحكاية أحمد عن بشر تدلّ على
شهرته، وفي سياق حديثه عند أحمد وغيره أنه كان عَريف قومه، ولفضله استعمله ابن
علقمة على عِرَافة قومه؛ لِيُصَدِّقَهم، كما قال ابنه: فبعثني أبي لآتيه بصدقتهم. انتهى.
انفرد به أبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٦ - (سَغْر) - بفتح أوله، وآخره راء- ابن سَوَادة، أو ابن دَيْسَم العامريّ الكنانيّ، ويقال:
الدُّؤَليّ، قدم الشام تاجرًا في الجاهليّة، وأسلم. وروى عن مصدِّقَين للنبيّ وَّ. وعنه ابنه
جابر، ومسلم بن شعبة، وأبو عُتْوَارة الخفاجيّ. قال الدارقطنيّ: له صحبة. وذكره ابن
حبّان في ((الصحابة)) أيضًا(٢). وقال في ((ت)): مخضرم وقيل: له صحبة. انتهى . انفرد به
أبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها) أنه مسلسل بالمكيين من
زكريا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي وصحابي عن صحابيين، إن ثبتت صحبة
سعر، وإلا ففيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُسْلِم بْنِ ثَفِئَةَ) تقدّم أن الصواب: ابن شعبة (قَالَ: اسْتَعْمَلَ ابْنُ عَلْقَمَةَ) بالرفع
على الفاعلية، وهو نافع ابن علقمة بن صفوان الكنانيّ، كان عبدُالملك بن مروان أمّره
على مكّة، وهو خال مروان والدِ عبد الملك، فإن أَمَّ مروان هي أم عثمان آمنة بنت
علقمة بن صفوان المذكور. قاله في ((الإصابة))(٣) (أَبِي) مفعول (استعمل)) (عَلَى عِرَافَةٍ
قَوْمِهِ) -بكسر العين المهملة- و((العَرِيف)) القائم بأمور القبيلة، أو الجماعة من الناس،
يتولى أمورهم، ويتبيّن الأمير منه أحوالهم.
قال الفيّوميّ رحمه اللّه تعالى: يقال: عَرَفت على القوم أَعرُفُ، من باب قتل،
عِرَافةٌ، فأنا عارف: أي مدبر أمرهم، وقائم بسياستهم. وعَرُفتُ عليهم بالضمّ لغة، فأنا
عريفٌ، والجمع عُرَفَاء. قيل: العَريفُ يكون على نَفِير، والْمَنْكِبُ يكون على خمسة
(١) -لم أجد هذا الكلام للمصنّف في ((المجتبى))، ولا في ((الكبرى))، والذي في ((الكبرى)): قال أبو
عبدالرحمن: يقولون مسلم بن شعبة، ولكن قال: هذا ابن ثفنة، والصواب شعبة. والله تعالى أعلم.
(٢) - وفي ((ت)): مخضرم، وقيل: له صحبة.
(٣) - ((الإصابة)) ج١٠ ص١٣٣ .

== ١٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
عرفاء، ونحوها، ثم الأمير فوق هؤلاء انتهى(١).
(وَأَمَرَهُ أَنْ يُصَدِّقَهُمْ) أي يأخذ زكاة أموالهم. قال مسلم بن شعبة (فَبَعَثَنِي أَبِي، إِلَى
طَائِفَةٍ مِنْهُمْ، لِآَتِيَهُ بِصَدَقَتِهِمْ، فَخَرَجْتُ، حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى شَيْخِ كَبِيرٍ، يُقَالُ لَهُ: سَعْرٌ) -
بفتح السين، وسكون العين المهملتين، آخره راء مهملّة- كما في ((الإصابة))،
و((التقريب))، وضبطه بعضهم بكسر السين- ابن سَوَادة، أو ابن دَيسَم. ووقع في ((شرح
السنديّ)) ((سعد)) بالدال بدل الراء، وهو تصحيف، فتنبه.
(فَقُلْتُ: إِنَّ أَبِي بَعَثَنِي إِلَيْكَ، لِتُؤَدَِّ صَدَقَةَ غَنَمِكَ، قَالَ) سَعْرٌ (ابْنَ أَخِي) بحذف
حرف النداء، أي يا ابن أخي، وسماه ابن أخيه تلطّفًا وإكرامًا (وَأَيُّ نَحْوِ تَأْخُذُونَ) أي أيّ
صنف من أصناف الغنم تأخذون؟ فـ(أيَّ)) اسم استفهام بالنصب على أنه مفعول مقدم
وجوبًا ل((تأخذون))، ويحتمل الرفع على الابتداء وجملة ((تأخذون)) بحذف العائد خبره أي
تأخذونه. والله تعالى أعلم. (قُلْتُ: نَخْتَارُ) وفي رواية لأحمد: ((نأخذ أفضل ما نجد))
(حَتَّى إِنَّا لَتَشْبُرُ ضُرُوعَ الْغَنَم) أي نقيسها بالشبر؛ لنتبیّن حالها، فنعلم جيّدها من رديئها،
من شَبَرْتُ الشيءِ، من بابَ قتل: قِسْتُه بالشِّبْر. وهو - بكسر، فسكون -: ما بين طرفي
الخنصر والإبهام بالتفريج المعتاد، والجمع أشبار، مثلُ حِمْلٍ وأحمال. قاله في
(المصباح)). وفي بعض النسخ: ((لنصبر)) بالصاد بدل السين، والظاهر أنه تصحيف.
وفي ((الكبرى)) ((لنُشِير)) بالياء بعد الشين، والظاهر أنه تصحيف أيضًا.
وقال في ((المنهل)): وفي بعض نسخ أبي داود: ((نسبر)) بالسين المهملة، وضمّ الباء
الموحدة: أي نختبر، ونتعرّف، فهو من باب قتل، يقال: سبرت الشيء تعرّفته انتهى.
(قَالَ) سَعْرِ (ابْنَ أَخِي، فَإِنِّي أُحَدِّثُكَ، أَنِّي كُنْتُ فِي شِعْبٍ مِنْ هَذِهِ الشِّعَابِ) ((الشعب))
بكسر المعجمة، وسكون المهملة -: الطريق. وقيل: الطريق في الجبل، والجمع شِعَاب
بالكسر (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَله) أي في حياته (فِي غَتَم لي) متعلّق بحال مقدر، أي حال
كوني كائنًا في رعاية غنمي (فَجَاءَنِ رَجُلَانٍ، عَلَى بَعِيرٍ) أي حال كونهما راكبين على بعير
(فَقَالَا: إِنَّا رَسُولَا رَسُولِ اللَّهِنَّهِ إِلَيْكَ، لِتُؤَدَِّ صَدَقَّةَ غَتَمِكَ، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا عَلَيَّ فِيهَا؟)
أي أيّ شيء يجب عليّ في غنمي (قَالَا: شَاةٌ) والظاهر أن غنمه لا تزيد على مائتين (فَأَعْمِدُ
إِلَى شَاةٍ) المضارع هنا بمعنى الماضي، أي فَعَمَدتُ: أي قصدت إلى شاة.
وإنما عبّر بالمضارع استحضارًا للصورة الماضية. ولفظ أبي داود: ((فعمدت إلى شاة)).
(قَدْ عَرَفْتُ مَكَانَهَا) أي محلّها من الجودة، كما بيّن ذلك بقوله (مُمْتَلِئَةٍ مَخْضًا) أي
(١) - انظر ((المصباح المنير)).