Indexed OCR Text
Pages 101-120
٦- (بابُ مانع زکاة الإِبل) - حديث رقم ٢٤٤٨ ١٠١ = النفقة في الجهاد، وكذلك قرى الضيف، فهو واجب بالسنة الصحيحة. قال: وهو فرض كفاية، فمن غلب على ظنه أن غيره لا يقوم به تعيّن عليه انتهى كلام شيخ الإسلام بتصرّف(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وهذا القول الأخير الذي اختاره ابن حزم، وابن تيميّة هو الحقّ عندي؛ لظواهر النصوص الدالّة على أن في المال حقًّا سوى الزكاة، كأحاديث الباب. وأما قولهم: إنه كان قبل الزكاة، فنسخ بها، فغير صحيح، لأن الحديث من رواية أبي هريرة ◌َّ ، وهو متأخّر الإسلام عن وجوب الزكاة بيقين، فإنه أسلم عام خيبر، وفرض الزكاة کان قبل ذلك بزمان، کما تقدّم بیانه. والحاصل أن الصواب وجوب الحقّ في المال سوى الزكاة إذا دعت الحاجة إليه، كفكّ الأسير، وإطعام المضطرّ، والمواساة في العسرة، وصلة القرابة، وتكفين الميت، وتجهيزه، ودفنه، إذا لم يوجد من يقوم به، ونحو ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: أخرج الترمذيّ في ((جامعه))، وابن ماجه في ((سننه)) عن فاطمة بنت قيس رضي اللّه تعالى عنها، عن النبيّ وَّر، قال: ((إن في المال حقًا سوى الزكاة)). ولفظ ابن ماجه: ((في المال حق سوى الزكاة))، وفي بعض نسخه: ((ليس في المال حق سوى الزكاة)) . وهو ضعيف جدًّا، لا يصلح للاحتجاج به، لأن في إسناده أبا حمزة ميمون الأعور القضاب، قال أحمد: متروك الحديث. وقال الترمذيّ: هذا حديث إسناده ليس بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يُضعّف، ورَوَى بيانٌ، وإسماعيل بن سالم عن الشعبيّ هذا الحديث قولَهُ، وهذا أصحّ انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): اختُلِفَ في معنى ((الكنز)) في قوله وَلّر: ((یکون کنز أحدكم الخ)»، وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِرُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا﴾ الآية [التوبة: ٣٤]: قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ رحمه اللّه تعالى: ما معناه: اختلف في المراد بالكنز في قوله تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ يَكْفِرُونَ الذَّهَبَ وَاَلْفِضَّةَ﴾، وما في معناه، فالجمهور على أنه ما لم تؤدّ زكاته، وعليه جماعة فقهاء الأمصار، ثم ذكر ذلك عن عمر، (١) - راجع ((مختصر الفتاوى المصريّة)) ص٢٤٧. وراجع ((تيسير الفقه الجامع للاختيارات الفقهية)) لشيخ الإسلام ابن تيمية، تأليف د/ أحمد موافي ج١ ص ٤١٥ . (٢) - راجع ((جامع الترمذيّ)) ج٣ص٣٢٦-٣٢٧. بنسخة ((تحفة الأحوذيّ)). ١٠٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ وابنه عبد الله، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وابن عباس، ثم استشهد لذلك بما رواه عن أم سلمة رَّها، قالت: كنت ألبس أوضاحًا من ذهب، فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ قال: ((ما بلغ أن تُؤَدَّى زكاتُهُ، فَزُكِّيَ فليس بكنز)). أخرجه أبو داود، قال الحافظ ابن عبد البرّ: وفي إسناده مقال. وقال الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)): إسناده جيد، رجاله رجال الصحيح. قال ابن عبد البرّ: ويشهد لصحّته حديث أبي هريرة ◌َوفيه أن النبيّ وَلّر قال: ((إذا أَدَّيتَ زكاة مالك، فقد قضيت ما عليك)). رواه الترمذيّ، وقال حسنٌ غريب، والحاكم في ((مستدركه))، وقال: صحيح من حديث المصريين، وذكر العراقيّ أنه على شرط ابن حبّان في ((صحیحه)). وفي معناه أيضًا حديث جابر مرفوعًا: ((إذا أديت زكاة مالك، فقد أذهبت عنك شرّه)). رواه الحاكم في ((مستدركه))، وصححه على شرط مسلم، ورجّح البيهقيّ وقفه على جابر، وكذلك ذكره ابن عبد البرّ، وكذا صحح أبو زرعة وقفه على جابر، وذكره بلفظ: «ما أدي زكاته فليس بكنز)). وروي البيهقيّ عن ابن عمر، مرفوعًا: ((كلّ ما أدّي زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونًا تحت الأرض، وكلّ ما لا يؤدى زكاته فهو كنز، وإن كان ظاهرًا». وقال البيهقيّ: ليس بمحفوظ، والمشهور وقفه. وفي ((سنن أبي داود)) عن ابن عباس رَؤيتها: لما نزلت هذه الآية: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضّة﴾ قال: كبر ذلك على المسلمين، فقال عمر: أنا أفرّج عنكم، فانطلق، فقال للنبيّ وَله: يا نبيّ اللّه، إنه كبر على أصحابك هذه الآية، فقال رسول اللّه وَله: ((إن الله لم يَفرض الزكاة إلا لتطييب ما بقي من أموالكم ... )) الحديث. وفيه ضعف(١). قال ابن عبد البرّ: والاسم الشرعيّ قاضٍ على الاسم اللغويّ، وما أعلم مخالفًا في أن الكنز ما لم تؤدّ زكاته، إلا شيئًا عن عليّ، وأبي ذرّ، والضحّاك، ذهب إليه قوم من أهل الزهد، قالوا: إن في المال حقوقًا سوى الزكاة. أما أبو ذرّ تَّه ، فقد ذهب إلى أن كلّ مال مجموع يفضل عن القوت، وسداد العيش، فهو كنزٌ، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك. وأما عليّ رَزّه ، فروي أنه قال: (١) - هذا الحديث إسناده ثقات، إلا أن فيه انقطاعًا، فقد ثبت عن شعبة أنه قال: لم يسمع جعفر عن مجاهد شيئًا، بل من صحيفة. انظر ترجمته في (تهذيب التهذيب)) ج١ ص٣٠٠-٣٠١- فعلى هذا ففيه انقطاع، فتنبّه . ١٠٣ ٦۔ (بابُ مانع زکاة الإِبل) - حدیث رقم ٢٤٤٨ أربعة آلاف نفقة، فما فوقها فهو كنز. وأما الضّخاك، فقال: من ملك عشرة آلاف درهم، فهو من الأكثرين الأخسرين إلا من قال بالمال هكذا، وهكذا. وكان مسروق يقول في قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ اُلْقِيَمَةُ ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٠] هو الرجل يرزقه الله المال، فيمنع قرابته الحقّ الذي فيه، فيُجعل حيّة يُطَوَّقها. قال ابن عبد البرّ: وهذا ظاهر أنه غير الزكاة، ويحتمل أنه الزكاة. قال: وسائر العلماء، من السلف والخلف على ما تقدّم في الكنز، قال: وما استدلّ به من الأمر بإنفاق الفضل، فمعناه أنه على الندب، أو يكون قبل نزول الزكاة، ونُسِخَ بها، كما نسخ صوم عاشوراء برمضان، وعاد فضيلةً بعد أن كان فريضةً. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: تقدم في المسألة السابقة أن الراجح بقاء وجوب الحقّ سوى الزكاة، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، من مواساة أصحاب الحاجة والضرورة. فتنبّه. والله تعالى أعلم. قال: على أن أبا ذرّ أكثر ما تواتر عنه في الأخبار الإنكارُ على من أخذ المال من السلاطين لنفسه، ومنع منه أهله، فهذا ما لا خلاف عنه في إنكاره، وأما إيجاب غير الزكاة، فمختلف عنه فيه. وتأول القاضي عياض أيضًا كلام أبي ذرّ على نحو ذلك، فقال: الصحيح أن إنكاره إنما هو على السلاطين الذين يأخذون لأنفسهم من بيت المال، ولا ينفقونه في وجوهه. قال النوويّ: وهذا الذي قاله باطلٌ؛ لأن السلاطين في زمنه أبو بكر، وعمر، وعثمان ، وتوفي في زمن عثمان سنة اثنتين وثلاثين انتهى. قال وليّ الدين رحمه الله تعالى: لعله أراد بالسلاطين بعض نوّاب الخلفاء، كمعاوية، وقد وقع بينه وبين أبي ذرّ بسبب هذه الآية تشاجُرٌ، أوجب انتقال أبي ذرّ إلى المدينة، كان معاوية يقول: هي في أهل الكتاب خاصّةً، وقال أبو ذرّ: هي فينا، وفيهم، على أن عبارة ابن عبد البرّ ليست صريحة في أن الإنكار على السلاطين، كعبارة القاضي عياض، بل هي محتملة لأن يكون المراد الإنكار على الآحاد الذين يأخذون الأموال من السلاطين، وهم غير محتاجين إليها، فيجمعونها عندهم، وقد يؤدي ذلك إلى منع من هو أحقّ منهم. والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: تمثيله بمعاوية رضي لمن يأخذ من بيت المال ظلمًا، فيه سوء أدب مع صحابيّ جليل، من أصحاب رسول اللَّه وَّل، فليُتنبّه، واللّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال: ولما حَكَى ابن العربيّ قول الضحاك، قال: وإنما جعله أوّل حدّ الكثرة؛ لأنه ١٠٤ : شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ قيمة النفس المؤمنة، وما دونه في حدّ القلّة، وهو فقه بالغ. وقد رُوي عن غيره، وإني لأستحبّه قولًا، وأصوّبه رأيًا انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن ما أدي زكاته فليس بكنز، لكن هذا لا ينافي ما تقدّم من ثبوت الحقّ في المال لحاجة المحتاجين، لثبوت الأدلة على ذلك، فمن أنكر ذلك فقد تناقض، فإنه قد ثبت الإجماع على وجوب أنواع الكفارات، من القتل، والظهار، واليمين، والجماع في رمضان، وكذا النذور، وأداء ديون الناس، وغير ذلك من الحقوق، وكلها سوى الزكاة، فمن أوجب هذه الأشياء في المال، وهي سوى الزكاة، فكيف ينكر وجوب صلة ذوي الأرحام، ومواساة الفقراء،، وغيرهم من أصحاب الضرورة؟، إن هذا لهو العجب العجاب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)» . ٧- (بَابُ سُقُوطِ الزَّكَاةِ عَنِ الإِبِلِ إِذَا كَانَتْ رِسْلًا لأَهْلِهَا، وَلِحَمُولَتِهِمْ) قال السنديّ رحمه الله تعالى: قوله: ((إذا كانت رِسْلًا لأهلها)) - بكسر الراء- بمعنى اللبن، وكذا ما كان من الإبل والغنم من عشر إلى خمس وعشرين. والظاهر أنه أراد المعنى الأول، أي إذا اتخذوها في البيت لأجل اللبن، وأخذ الترجمة من مفهوم: ((في كلّ إبل سائمة)). ويحتمل على بُعْد أنه أراد الثاني، أي إذا كانت دون أربعين، فأخذ من قوله: ((من كلّ أربعين)) أنه لا زكاة فيما دون أربعين، لكن هذا مخالف لسائر الأحاديث، وقد تقدّم حمل الحديث على ما يندفع به التنافي بين الأحاديث. انتهى. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قوله: ((ويحتمل أنه أراد الثاني الخ)) هذا غلط، فإن ضبط الثاني إنما هو بفتحتين، لا بكسر، فسكون، راجع ((النهاية)) ج٢ ص٢٢٢ . وكذا كتب اللغة. وأيضًا إرادة المعنى الثاني هنا غير صحيح، لمنافاته ما ثبت في الأحاديث الصحيحة (١) - راجع ((طرح التثريب)) ج٤ ص٧-٩ . ٧- (بَابُ سُقُوطِ الزَّكَاةِ عَن الإِبل إِذاً ... - حديث رقم ٢٤٤٩ ١٠٥ المتقدّمة، من إيجاب الزكاة فيما دون خمس وعشرين، في كلّ خمس من الإبل شاةً، إلى خمس وعشرين، ففيها بنت مخاض، فلا ينبغي حمل كلام المصنّف على هذا المعنى، فتبصّر، ولا تتحيّر. / بل مراده رحمه الله تعالى أنه لا تجب الزكاة في الإبل، إذا كانت مُعَدَّة لمهمّات أهلها، يحتاجون إلى لبنها، وإلى حمل أمتعتهم عليها. و((الحمولة)) : -بفتح الحاء المهملة -: البعير، يُحمَّل عليه، وقد يُستعمل في الفرس، والبغل، والحمار. وقد تطلق الْحَمُولة على جماعة الإبل. قاله في ((المصباح)). وفي ((القاموس)): ((والْحَمُولَة)): ما احتَمَلَ عليه القوم من بعير، وحمارٍ، ونحوه، كانت عليه أثقالٌ، أو لم تكن، والأَحمَال بعينها. انتهى. والظاهر أن اللام زائدة، و((حَمُولتهم)) عطف على ((رِسْلًا. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٤٤٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ بَهْزَ بْنَ حَكِيم، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((فِي كُلِّ إِيلٍ سَائِمَةً، مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ، ابْنَةُ لَبُونٍ، لَا تُفَرَّقُ(١) إِلٌ، عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطَاهَا، مُؤْتَجِرًا، لَهُ أَجْرُهَا (٢)، وَمَنْ مَنَعَهَا، فَإِنَّا آخِذُوهَا، وَشَطْرَ إِبِلِهِ (٣)، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لَا يَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ، وَّهِ مِنْهَا شَيْءٍ))) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم في - ٤/ ٢٤٤٤ - رواه هناك عن عمرو بن عليّ الفلاس، عن يحيى القطّان، عن بهز بن حكيم، وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك، ونتكلّم هنا على ما لم يتقدّم الكلام عليه، وهما مسألتان: (المسألة الأولى): ذهب المصنف رحمه الله تعالى إلى عدم وجوب الزكاة في الإبل الرُّسْل، والْحَمُولة، وهو مذهب الجمهور، فقد أخرج ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى في (مصنّفه)) عن عليّ ◌َّ أنه قال: ((ليس في البقر العوامل صدقة)). وأخرج عن معاذ رَّ أنه كان لا يأخذ من البقر العوامل صدقة. وأخرج عن جابر رَظنّه قال: لا صدقة في المثيرة(٤). وأخرج عن إبراهيم، ومجاهد أنهما قالا: ليس في البقر العوامل صدقة. وعن عمر بن عبد العزيز، قال: ليس في البقر العوامل صدقة. وعن سعيد بن جبير، (١) -وفي نسخة: ((يفرّق)). (٢) -وفي نسخة: ((فله)). (٣) -وفي نسخة: ((شطر ماله)). (٤) - الذي يثير الأرض. شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ قال: ليس على جمل ظعينة(١)، ولا على ثور عامل صدقة. وعن الضحاك قال: ليس على البقر العوامل، ولا على الإبل النواضح التي يُستقى عليها، ويُغزَى عليها في سبيل اللَّه صدقة. وعن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: الحمولة، والمثيرة فيها صدقة؟ قال: (٢) . وقال الإمام ابن قُدامة رحمه الله تعالى في ((المغني)): ما معناه: لا زكاة في المعلوفة، والعوامل عند أكثر أهل العلم، وحكي عن مالك أن في الإبل النواضح، والمعلوفة الزكاةَ لعموم قوله وََّ: ((في كلّ خمسٍ شاةٌ)). قال أحمد: ليس في العوامل زكاة، وأهل المدينة يرون الزكاة، وليس عندهم في هذا أصل. ولنا قول النبيّ وَّ: ((في كلّ سائمة، في كلّ أربعين بنت لبون)) في حديث بهز بن حكيم، فيقيّده بالسائمة، فدلّ على أنه لا زكاة في غيرها، وحديثهم مطلقٌ، فيحمل على المقيّد، ولأن وصف النماء معتبر في الزكاة، والمعلوفة يَستغرق علفها نماءها، إلا أن يُعِدَّها للتجارة، فيكون فيها زكاة التجارة انتهى كلام ابن قدامة رحمه اللّه تعالى(٣). وقال الإمام النوويّ رحمه الله تعالى في ((شرح المهذّب)): السائمة إذا كانت عاملة، كالإبل التي يُحمل عليها، أو كانت نواضح، والبقر التي يُحرَث عليها، ففيها وجهان: (الصحيح) : -وبه قطع صاحب ((المهذّب))، والجمهور- لا زكاة فيها، لأن العوامل والمعلوفة لا تُقْتَنَى للنماء، فلم تجب فيها الزكاة، كثياب البدن، وأثاث الدار. (والثاني): تجب فيها الزكاة، حكاه جماعات من الخراسانيين، وقطع به الشيخ أبو حامد في كتابه ((المختصر))، لوجود السوم، وكونها عاملة زيادة انتفاع لا يمنع الزكاة، بل هي أولى بالوجوب. والمذهب الأول. والله تعالى أعلم انتهى كلام النوويّ بتصرّف(٤) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من عدم وجوب الزكاة في الرّسل، والعوامل، والحوامل هو الأرجح؛ لأن هذه الأشياء ما استَغنى عنها صاحبها، وقد ثبت عن النبيّ وَله أنه قال: ((لا صدقة إلا عن ظهر غنى)). رواه أحمد بإسناد صحيح، وعلّقه البخاريّ بصيغة الجزم. ولقوله ◌َ لجر: ((فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وتردّ على فقرائهم)). متفق عليه. وروي: ((ليس في العوامل (١) - الجمل الذي يوضع عليه الهودج. (٢) - راجع ((مصنّف أبي بكر بن أبي شيبة)) ج٣ ص ١٣٠-١٣١. (٣) - «المغني» ج٤ ص١٢. (٤) - ((المجموع)) ج٥ ص٣٢٥ . ١٠٧ == ٧- (بابُ سُقُوطِ الزكاةِ عن الإِبل إِذاَ ... - حديث رقم ٢٤٤٩ شيء)). والصحيح أنه موقوف، لكن يقويه ما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): احتجّ أكثر أهل العلم بقوله وَ له: ((في كلّ إبل سائمة))، وقوله: ((وفي سائمة الغنم)) على اشتراط السوم في وجوب الزكاة، منهم: الأئمّة: أبو حنيفة، والشافعيّ، وأحمد رحمهم الله تعالى، قالوا: يشترط في الماشية التي تزكَّى أن تكون سائمة، حتى لو عُلفت نصف الحول لا تجب فيها الزكاة، قال الشافعيّ: لو علفها زمنًا لا تعيش مثله بدون علف، أو تعيش لكن يلحقها الضرر البيّن، أو قصد ذلك الزمن قطع السوم لا زكاة فيها. وذهب مالك، والليث، وربيعة إلى أن الزكاة تجب في الماشية مطلقًا، معلوفة، أم لا، عاملة، أو لا، متى بلغت النصاب، واستدلوا بالأحاديث المطلقة، كقوله في الحديث المتقدّم: ((ليس فيما دون خمس ذود صدقة))، وفي الحديث الآتي في الباب التالي، أنه وَ له: ((أمر معاذًا لما وجهه إلى اليمن أن يأخذ من البقر، من كلّ ثلاثين تبيعًا، أو تبيعةً، ومن كلّ أربعين مُسنّة)). وأجابوا عن حديث الباب بأن التقييد بالسائمة فيه خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، على حدّ قوله تعالى: ﴿وَرَبَِّبُكُمُ الَّتِى فِى حُجُورِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٣]، فإن الربيبة تحرم، ولو لم تكن في الحجر. وقال الباجيّ: يحتمل أن يكون ذكر السائمة لأنها كانت عامّة الغنم وقتئذ، ولا تكاد أن تكون فيها غير سائمة، ولذا ذكر السائمة في الغنم، ولم يذكرها في الإبل والبقر (١). ويحتمل أنه وَالّ نصّ على السائمة ليكلّف المجتهد الاجتهاد في إلحاق المعلوفة بها، فیحصل له أجر المجتهدین انتھی. وأجاب الجمهور عن هذا بأن الأصل في القيود في كلام الشارع اعتبارها، فلا يُتْرَك ظاهرها، والعمل بمفهومها إلا لدليل، ولا دليل يقتضي بعدم اعتبار القيد. قال الحافظ ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدًا قال بقول مالك، والليث من فقهاء الأمصار انتهى. واختلف القائلون باشتراط السوم، فقال أبو حنيفة، وأحمد متى كانت سائمة أكثر الحول وجبت فيها الزكاة، ولا عبرة بعلفها أقلّ الزمن لأن اليسير منه لا يمكن الاحتراز عنه، إذ لا يوجد المرعى في كلّ السنّة. والصحيح عند الشافعيّة أنها إن علفت قدرًا تعيش بدونه وجبت الزكاة، وإن عُلفت قدرًا لا يبقى الحيوان بدونه لم تجب. قالوا: (١) - هذا فيه نظر لا يخفى، فقد تقدم أنه ذكر في الإبل أيضًا. فتبصّر. -١٠٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ والماشية تصبر اليومين، ولا تصبر الثلاثة(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي ما ذهب إليه الجمهور من اشتراط السوم الذي دلّ عليه حديث الباب، والأحاديث الأخرى التي تقدّم ذكرها، ثم إن القول باعتبار أكثر الحول في السوم هو الأشبه؛ إعطاءً للأكثر حكم الكلّ، ولئلا يكون وسيلة للاحتيال في إسقاط الزكاة بأن يعلفها أيامًا، فيقول: لا تجب علي فيها الزكاة لكونها عَلُوفة، كما تقدم بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)). ٨- (بَابُ زَكَاةِ الْبَقَرَ) أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالّة على نصاب البقر. وأخر زكاة البقر؛ لعله لكونها أقلَّ النعم عندهم وجودًا ونُصُبًا. و(البقر)): اسم جنس. قال الجوهريّ: وتطلق البقرة على الذكر والأنثى، وإنما دخلت الهاء لأنه واحد من الجنس، وجمعها بقرات. وبَقَرْتُ الشيءَ بَقْرًا، من باب قتل: شققته، وبقرتُهُ: فتحته، وهو باقرُ علم، وتَبَقّر في العلم والمال، مثلُ توسّعَ وزنًا ومعنىّ. قاله في ((المصباح)). وقال في ((الفتح)): البقر اسم جنس يكون للمذكر والمؤنّث، اشتُقّ من بقرتُ الشيء: إذا شققته؛ لأنها تبقر الأرض بالحراثة. وقال ابن منظور رحمه الله تعالى في ((لسان العرب)): البقر اسم جنس. قال ابن سِيدَه: البقرة من الأهليّ والوحشيّ، يكون للمذكّر والمؤنّث. وقال غيره: وإنما دخلته الهاء على أنه واحدٌ من جنس، والجمع البَقَرَاتُ. وقال ابن سِيدَهْ: والجمع بَقَرٌ، وجمع البقر أَبْقُرْ، كزَمَنِ وأزمُنٍ. وأنشد لمُقبِل بن خُوَيلد الْهُذَليّ [من الطويل]: كَأَنَّ عَرُوضَّيْهِ مَّحَجَّةُ أَبْقُرٍ لَهُنَّ إِذَا مَا رُخْنَ فِيهَا مَذَاعِقُ فأما بَقَرٌ، وباقِرٌ، وبَقِيرٌ، وبَيْقُورٌ، وباقُورٌ، وباقورةٌ، فأسماء للجمع؛ زاد الجوهريّ، وبَوَاقِرُ. وقال الأصمعيّ: وأنشدني ابن أبي طَرَفَة [من الطويل]: (١) - راجع ((المنهل العذب المورود)) ج٩ ص١٤٦- ١٤٧. ١٠٩ ٨- (بابُ زكاة البقرَ) - حديث رقم ٢٤٥٠ وَسَكِّنْتُهُمْ بِالْقَوْلِ حَتَّى كَأَتُهُمْ بَوَاقِرُ جُلْحٌ أَسْكَنَتْهَا الْمَرَاتِعُ وأنشد غيرُ الأصمعيّ في ((بَيْقُورِ)) [من الخفيف]: سَلَعْ مَّا وَمِثْلُهُ عُشَرٌ مَّا عَائِلٌ مَّا وَعَالَتِ الْبَيْقُورَا وأنشد الجوهريّ لِلْوَرَلِ الطائيّ [من البسيط]: لَا دَرَّ دَرْ رِجَالٍ خَابَ سَغْيُهُمُ يَسْتَمَطِرُونَ لَدَى الأَزْمَاتِ بِالْعُشَرِ ذَرِيعَةٌ لَكَ بَيْنَ اللَّهِ وَالْمَطَرِ أَجَاعِلٌ أَنْتَ بَيْقُورًا مُسَلْعَةٌ وإنما قال ذلك لأن العرب كانت في الجاهليّة إذا استسقَوا جعلوا السَّلَعَة والعُشَرَ في أذناب البقر، وأشعلوا فيه النار، فتضِجُ البقرمن ذلك، ويُمطّرُون. وأهل اليمن يسمّون البقر باقورةٌ انتهى المقصود من كلام ابن منظور(١) . وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى في ((صحيحه)) بمثل ترجمة المصنّف رحمه اللَّه تعالى، ثم أورد حديث أبي ذرّ ◌َّه المتقدم في -٢٤٤٠/٢ -. قال الزين ابن المنيّر رحمه الله تعالى: ولم يذكر البخاريّ في الباب شيئًا مما يتعلّق بنصابها لكون ذلك لم يقع على شرطه. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٤٥٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ- وَهُوَ ابْنُ مُهَلْهَلٍ - عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ مُعَاذٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمِ دِينَارًا، أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ، وَمِنَ الْبَقَرِ، مِنْ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا، أَوْ تَبِيعَةٌ، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً)). رجال هذا الإسناد : سبعة: ١- (محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة عابد[١١] ١١٤/٩٢. ٢- (يحيى بن آدم) أبو زكريّا الكوفيّ، مولى بني أميّة، ثقة حافظ فاضل، من كبار [٩]١/ ٤٥١ . ٣- (مفضّل بن مُهَلْهَل) السعديّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة ثبت نبيلٌ عابد [٧]١٢٤٠/٢٥. ٤- (الأعمش) سليمان بن مهران الثقة الثبت لكنه يدلس [٥]١٨/١٧. ٥- (شقيق) بن سلمة، المعروف بـ((أبي وائل)) الكوفي مخضرم ثقة ثبت [٢]٢/٢. ٦- (مسروق) بن الأجدع بن مالك الهداني، أبو عائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد (١) - ((لسان العرب)) في مادّة بقر. (٢) - ((فتح)) ج٤ ص ٨٣ . شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ ١١٠ === مخضرم[٢]٩٠/ ١١٢ . ٧- (معاذ) بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه ٥٨٧/٤٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، إلا أن فيه اتقطاعًا، فإن مسروقًا لم يلق معاذًا رَّه (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فنيسابوري، ومُعَاذًا، فمدني، ثم يمني، ثم شامي. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، ورواية الأخيرين من رواية الأقران. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُعَاذٍ) بن جبلِ رَِّ () أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِّهِ، بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ) أي أرسله عاملًا على الزكاة وغيرها (وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلُ حَالِمِ دِينَارًا) أي من كلّ بالغ بالسنّ، أو غيره. يقال: حَلَم الصبيُّ يَخْلُمُ، من باب قَتَلَ،" حُلُمًا -بضمتين، وإسكان الثاني تخفيفًا- واحتلم: أدرك، وبلغ مبالغ الرجال، فهو حالم، ومحتلم. أفاده في ((المصباح)). والمعنى أنه وم لير أمره أن يأخذ من كلّ بالغ ذكر، من أهل الذمّة دينارًا جزية. وفيه دلالة على أنه لا جزية إلا على الرجال البالغين من أهل الذمّة، ولم يُصرّح في الحديث به لكونه معلومًا (١) . (أَوْ عِذْلَهُ) بفتح العين المهملة، وكسرها: الْمِثْلُ. وقيل: بالفتح ما عادل الشيءَ من جنسه، وبالكسر: ما عادله مما ليس من جنسه. وقيل: بالعكس (٢) (مَعَافِرَ) وفي نسخة : ((معافريًّا)). قال ابن الأثير: هي بُرُود باليمن، منسوبة إلى معافر، وهي قبيلة باليمن، والميم زائدة انتهى(٣) . وقال الفيّوميّ: ومعافر، قيل: هو مفرد، على غير قياس، مثلُ حَضَاجر، وبَلَاذر، فتكون الميم أصليّة. وقيل: هو جمع مَعْفَر، سُمّ به معافر بن مُرّ، فتكون الميم زائدة، وينسب إليه على لفظه، فيقال: ثوب معافريّ، ثم سميت القبيلة باسم الأب، وهي حيّ من أحياء اليمن، قالوا: ولا يقال: مُعافر، بضمّ الميم انتهى (٤). (١) - راجع ((المنهل)) ج٩ ص١٧٣ . (٢) - ((النهاية)) ج ٣ ص١٩١. (٣) - ((النهاية)) ج٣ص ٢٦٢. (٤) - ((المصباح المنير)) في مادّة عفر. ١١١= ٨- (بابُ زکاة البقر) - حدیث رقم ٢٤٥٠ وقال ابن منظور: ومَعَافر: بلد باليمن، وثوبٌ معافريّ؛ لأنه نُسب إلى رجل، اسمه معافر، ولا يقال بضمّ، وإنما هو مَعافر غيرَ منسوب، وقد جاء في الرجز الفصيح منسوبًا. قال الأزهريّ: بُرْدٌ مَعافريّ منسوبٌ إلى مَعافر اليمن، ثم صار اسمًا لها بغير نسبة، فيقال: مَعافر. انتهى كلام ابن منظور (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أفاد كلام الأزهريّ أنه يجوز أن يقال بُرْدٌ مَعَافريٍّ، بياء النسبة، ومَعَافِرُ بدونها، وقد وقع في معظم نسخ ((المجتبى)) بدون ياء، ووقع في بعضها بها. (وَمِنَ الْبَقَرِ، مِنْ ثَلَاثِينَ) الجار والمجرور الأول معطوف على قوله: ((من كلّ حالم))، والثاني بدل من الأول. وقوله (تَبِيعًا) معطوف على قوله: ((دينارًا))، وفيه عطف المعمولين على معمولي عامل واحد، وهو جائز. والمعنى أنه وَالقر أمره أن يأخذ من كلّ ثلاثين من البقر تبيعًا. والتَّبِيع بفتحٍ، فكسر- كما قال الفيّوميّ: ولدُ البقرة في السنة الأولى، والأنثى تبيعة، وجمع المذكر أَتْبِعَةٌ، مثلُ رغيفٍ وأرغفة، وجمع الأنثى تِبَاعٌ، مثلُ مَلِيحَة ومِلَاح، وسمي تبيعًا؛ لأنه يتبع أمه، فهو فعيلٌ بمعنى فاعل انتهى (٢). وقال في ((لسان العرب)): قال أبو فَقْعَسِ الأَسَديّ: ولدُ البقرة أوّلَ سنةٍ تَبِيعٌ، ثم جَذَعٌ، ثم ثَنِيّ، ثم رَبَاعٌ، ثم سَدَسٌ، ثم صالغٌ. وقال الليث: التبيعُ العجلُ الْمُذْرِكُ، إلا أنه يَتْبَع أمه بعدُ؛ قال الأزهريّ: قول الليث: التبيع المدرك وَهَمْ؛ لأنه يُدركُ إذا أثنى، أي صار ثنيًا. والتبيعُ من البقريُسمّى تبيعًا حين يستكمل الحول، ولا يُسمّى تبيعًا قبل ذلك، فإذا استکمل عامین، فهو جذَّعٌ، فإذا استوفى ثلاثة أعوام، فهو ثَنيّ، وحينئذ مُسِنّ، والأنثى مُسِنّة، وهي التي تؤخذ في أربعين من البقر انتهى (٣). وقال النوويّ: وسمّي تبيعًا لأنه يتبع أمه. وقيل: لأن قرنيه يتبعان أذنيه، وهو ضعيف، والأنثى تبيعة، ويقال لهما: جَذَعٌ، وجَذَعَةٌ، والمسنّة لزيادة سنّها، ويقال لها: ثَنِيّةٌ. قال: والتبيع: ما استكمل سنة، ودخل في الثانية، والمسنّة: ما استكملت سنتين، ودخلت في الثالثة. هذا هو الصواب المعروف للشافعيّ والأصحاب. وشدّ الجرجانيّ، فقال في كتابه («التحرير»: التبيع: ما له دون سنة. وقيل: ما له سنة. والمسنّة: ما لها سنة، وقيل: سنتان. وكذا قول صاحب ((الإبانة)): التبيع ما استكمل سنة. وقيل: الذي (١) - لسان العرب في مادّة عفر. (٢) - ((المصباح المنير)) في مادة تبع. (٣) - لسان العرب في مادّة تبع. ١١٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ يتبع أمّه، وإن كان له دون سنة. وقال الرافعيّ: وحكى جماعة أن التبيع له ستة أشهر، والمسنة لها سنة. وهذا كله غلطً، ليس معدودًا من المذهب انتهى كلام النوويّ(١). (أَوْ تَبِيعَةً) هي أنثى التَّبِيع (وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً))) إعرابه كسابقه. يعني أنه أمره أن يأخذ من كلّ أربعين من البقر مسنة، وهي من ولد البقر: ما استكملت السنتين، ودخلت في الثالثة . وفيه دليل على أن المسنّ لا يجزىء، بخلاف التبيع، وهو الصحيح، وأما ما أخرجه الطبرانيّ عن ابن عباس تؤ، مرفوعًا: ((في كلّ ثلاثين تبيعٌ، أو تبيعة، وفي كلّ أربعين مسنّ، أو مسنّة)). ففي إسناده ليث بن أبي سُليم، قال الهيثميّ: وهو ثقة، لكنّه مدلسٌ انتھی . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: بل هو متروك الحديث، قال في ((التقريب)): صدوق اختلط أخيرًا، ولم يتميّز حديثه، فتُرِك. انتهى. فالحديث ضعيفٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث معاذ رضي هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفيه أن مسروقًا لم يلق معاذًا، فيكون منقطعًا؟. [قلت]: إنما صحّ بشواهده، فإن له شواهد، من رواية إبراهيم النخعي، عن معاذ، وهي عند المصنّف، في هذا الباب، والدارميّ، والبيهقيّ. ومن رواية أبي وائل، عند المصنّف في هذا الباب أيضًا، وأحمدَ، وأبي داود. ومن رواية طاوس، عن معاذ، أخرجها مالك، في ((الموطإ)). وصحح الحديث ابن حبّان، والحاكم، وأقرّه الذهبيّ، وحسّنه الترمذيّ. وقال ابن عبد البرّ في ((التمهيد))، و((الاستذكار)): إسناده متصلٌ، صحيح، ثابت. وكذا قال ابن بطّال، كما في ((الفتح)). وأعلّه عبد الحقّ في ((أحكامه))، فقال: مسروق لم يلق معاذًا. وقال الحافظ في ((الفتح)): في الحكم بصحته نظر، لأن مسروقًا لم يلق معاذًا، وإنما حسّنه الترمذيّ لشواهده. (١) - ((المجموع)) ج٥ص٣٨٤-٣٨٥. ٨- (بابُ زکاة البقر) - حدیث رقم ٢٤٥٠ ١١٣ وبالغ ابن حزم في ((المحلّى)) (١) أوّلًا في تقرير كونه منقطعًا، ثم استدرك في آخر المسألة(٢). ورجع عن رأيه هذا، حيث قال: ثم استدركنا، فوجدنا حديث مسروق، إنما ذكر فيه فعل معاذ باليمن في زكاة البقر، وهو بلا شكّ، قد أدرك معاذًا، وشهد حكمه، وعمله المشهور المنتشر، فصار نقله لذلك، ولأنه عن عهد رسول اللّه وَاليت نقلًا عن الكافّة عن معاذ بلا شك، فوجب القول به. انتهى. وقال ابن القطّان: لا أقول: إن مسروقًا سمع من معاذ إنما أقول: إنه يجب على أصولهم أن يُحكم بحديثه عن معاذ بحكم حديث المتعاصرين الذين لم يُعلم انتفاء اللقاء بينهما، فإن الحكم فيه أنه له الاتصال عند الجمهور. وشرط البخاريّ، وابن المدينيّ أن يُعلم اجتماعهما، ولو مرّة واحدة، فهما إذا لم يعلما لقاء أحدهما للآخر لا يقولان في حديث أحدهما عن الآخر: منقطع، إنما يقولان: لم يثبت سماع فلان من فلان، فإذن ليس في حديث المتعاصرين إلا رأيان: أحدهما أنه محمول على الاتصال. والآخر أن يقال: لم يُعلم اتصال ما بينهما، فأما الثالث، وهو أنه منقطع فلا انتهى(٣). وقال الترمذيّ رحمه الله تعالى بعد أن حسّن الحديث: ورَوَى بعضهم هذا الحديث عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق: ((أن النبيّ وَلِّ بعث معاذًا إلى اليمن، فأمره أن يأخذ ... )) وهذا أصحّ (8)انتھی. قال العلامة الصنعاني رحمه الله تعالى: وإنما رجح الترمذيّ الرواية المرسلة؛ لأن رواية الاتصال اعتُرضت بأن مسروقًا لم يلق معاذًا. وأجيب بأن مسروقًا همدانيّ النسب، من وَدَاعَةً، يمانيّ الدار، وقد كان في أيام معاذ باليمن، فاللقاء ممكن بينهما، فهو محكوم باتصاله على رأي الجمهور. انتهى (٥). وقال الشافعيّ رحمه الله تعالى: وطاوس عالم بأمر معاذ، وإن كان لم يلقه؛ لكثرة من لقيه ممن أدرك معاذًا، وهذا مما لا أعلم من أحد فيه خلافًا انتهى. وقال البيهقيّ: طاوس، وإن لم يلق معاذًا إلا أنه يمانيّ، وسيرة معاذ بينهم مشهورة انتھی . وللحديث شواهد من حديث ابن مسعود، عند الترمذيّ، وابن ماجه، والبيهقيّ، (١) - راجع ((المحلّى)) ج٦ ص١١ . (٢) - راجع ((المحلى)) ج٦ ص١٦. (٣) - راجع ((المرعاة)) ج٦ ص ١٤٤. (٤) - وكذا رجّح الدارقطنيّ في ((العلل)) الرواية المرسلة. وهذه الرواية المرسلة أخرجها ابن أبي شيبة ج٣ص ١٢، وأبو عبيد في ((الأموال)) ص٣٧٨ بسنديهما. قاله في ((المرعاة)). ج٦ ص ١٤٥. (٥) - ((سبل السلام)) ج٢ ص٢١٣ . ١١٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ وهو منقطع، ورواه ابن الجارود في ((المنتقى)) موصولًا. ومن حديث طاوس، عن ابن عبّاس، عند الدار قطنيّ، والبيهقيّ، والبزّار، وابن حزم، وهو ضعيف. ولابن عباس حديث آخر عند الطبرانيّ، والدارقطنيّ، من طريق ليث، عن مجاهد، وطاوس، عن ابن عباس. ومن حديث أنس عند البيهقيّ، واختلف في وصله، ورجّح الدارقطنيّ الإرسال. ومن حديث عمرو بن حزم الطويل عند الحاكم، والبيهقيّ، والطبرانيّ. ومن حديث علي، وهو ضعيف. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأحاديث، وإن كانت فيها ضعف إلا أن مجموعها يصلح للاستشهاد به، فيتقوّى بها حديث معاذ رضي الله عنه. والحاصل أن حديث معاذ رَّه المذكور في الباب صحيح. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٨/ ٢٤٥٠ و ٢٤٥١ و ٢٤٥٢ و ٢٤٥٣- وفي «الكبرى)) ٢٢٣٠/٨ و٢٢٣١ و٢٢٣٢ و٢٢٣٣. وأخرجه (د) في ((الزكاة)) ١٥٧٦ (ت) في ((الزكاة)) ٦٢٣ (ق) في ((الزكاة)) ١٨٠٣ (أحمد) في ((مسند الأنصار)) ٢١٥١٥ و٢١٥٣٢ و٢١٥٧٩ (مالك في ((الموطا))) في ((الزكاة)) ٥٩٨ (الدارميّ)) في ((الزكاة)) ١٦٢٣. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان وجوب الزكاة في البقر. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: صدقة البقر واجبة بالسنة والإجماع، ثم أورد حديث أبي ذرّ ◌َظّه المتقدّم في ٢٤٤٠/٢ - وحديث معاذ رَّه المذكور في الباب، ثم قال: وأما الإجماع فلا نعلم اختلافًا في وجوب الزكاة في البقر. قال أبو عبيد: لا أعلم الناس يختلفون فيه اليوم. انتهى(١). (ومنها): أن الزكاة لا تجب في أقلّ من ثلاثين من البقر، وهو مذهب الجمهور. وقال سعيد بن المسيّب، والزهريّ: يجب في كلّ خمس شاة؛ قياسًا على الإبل. ورُدّ بأن النصاب لا يثبت بالقياس، وأنه لا قياس مع النصّ. ففي رواية المصنّف الآتية من حديث معاذ رَّ: قال: أمرني رسول اللَّه ◌َ ل حين بعثني إلى اليمن أن لا آخذ من البقر شيئًا حتى تبلغ ثلاثين (ومنها): أن الواجب في ثلاثين تبيعٌ ذكر، أو تبيعة أنثى، وفي أربعين مسنّة أنثى (ومنها): وجوب الجزية على أهل الكتاب (ومنها): أنها لا تؤخذ إلا من الذكور البالغين، دينارًا، أو قيمته ثوبًا معافريّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) - ((المغني)) ج ٤ ص ٣٠-٣١. ١١٥ == ٨- (بَابُ زَكَاةِ البُقَرَ) - حديث رقم ٢٤٥٠ (المسألة الرابعة): فيما قاله أهل العلم في نصاب البقر: قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: لا خلاف بين العلما أن السنّة في زكاة البقر ما في حديث معاذ رَظّه هذا، وأنه النصاب المجمع عليه فيها. قال: وعلى ذلك جماعة الخلفاء، ولم يختلف في ذلك العلماء، إلا شيء روي عن سعيد بن المسيب، وأبي قلابة، والزهريّ، وعمر بن عبد الرحمن بن أبي خلدة المزنيّ، وقتادة، ولا يُلتفت إليه لخلاف الفقهاء من أهل الرأي والآثار بالحجاز، والعراق، والشام له، وذلك لما قدّمنا عن النبيّ وَلـ، وأصحابه، وجمهور العلماء، وهو يردّ قولهم؛ لأنهم يرون في كلّ خمس من البقر شاةً إلى ثلاثين، واعتلّوا بحديثٍ لا أصل له، وهو حديث حبيب بن أبي حبيب، عن عمرو بن حَزْم، ذكره بإسناده أنه في كتاب عمرو بن حزم. انتهى(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصواب عندي ما ذهب إليه الجمهور من أن نصاب البقر ثلاثون، وأما ما نقل عن ابن المسيب ومن ذُكِرَ معه فمما لا يُلْتَفَتُ إليه؛ لعدم استناده إلى دليل معتبر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم فيما زاد على الأربعين من البقر: قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى: ذهب مالك، والشافعيّ، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، والطبريّ، وجماعة أهل الفقه، من أهل الرأي والحديث إلى أن لا شيء فيما زاد على الأربعين من البقر حتى تبلغ ستّين ففيها تبيعان إلى سبعين، فإذا بلغت سبعين، ففيها تبيعٌ، ومسنّةٌ، إلى ثمانين، فيكون فيها مسنّتان إلى تسعين، فيكون فيها ثلاث تبائع، إلى مائةٍ، فيكون فيها تبيعان ومسنّة، ثم هكذا أبدًا في كلّ ثلاثين تبيعًا، وفي كلّ أربعين مسنّة. وبهذا أيضًا كلّه قال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن. وذهب أبو حنيفة: إلى أن ما زاد على الأربعين من البقر فبحساب ذلك. هذه هي الرواية المشهورة عن أبي حنيفة. وقد روى أسد بن عمرو عن أبي حنيفة مثل قول أبي يوسف، ومحمد، والشافعيّ، وسائر الفقهاء. وكان إبراهيم النخعيّ يقول: من ثلاثين بقرةً تبيع، وفي أربعين مسنّة، وفي خمسين مسنّةٌ، وفي ستين تبيعان. وكان الحكم وحماد یقولان: إذا بلغت خمسين فبحساب ما زاد. قال أبو عمر: لا أقول في هذا الباب إلا ما قاله مالكٌ، ومن تابعه، وهم الجمهور الذين بهم تجب الحجّة على من خالفهم، وشذّ عنهم إلى ما فيه عن النبيّ بَّ، وأصحابه مما تقدّم في هذا الباب ذكره. انتهى كلام ابن عبد البرّ بتصرّف (٢). (١) - ((الاستذكار)) ج٩ ص١٥٦ - ١٦١ . (٢) - المصدر السابق. ١١٦ : شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا. وحاصله أنه لا شيء فيما زاد على الأربعين إلى أن يبلغ ستين ففيها تبيعان إلخ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٥١ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْلَى -وَهُوَّ ابْنُ عُبَيْدٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، وَالْأَعْمَشُ، عَنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: قَالَ مُعَاذٌ: ((بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَهِ إِلَى الْيَمَنِ، فَأَمَرَنِي أَنْ آَخُذَ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ، بَقَرَةً ثَنِيَّةً، وَمِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا، وَمِنْ كُلِّ حَالِمِ دِينَارًا، أَوْ عِذْلَهُ مَعَافِرَ))) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غیر شیخه، فهو من أفراده، وهو رُهَاويّ ثقة حافظ [١١]٤٢/٣٤. و((إبراهيم)): هو ابن يزيد النخعي. وقوله: ((والأعمش)) بالرفع عطفًا على ((الأعمش)) الأولِ، فالأعمش يروي هذا الحديث عن طريقين : إحداهما: عن شقيق، وهو ابن سلمة أبو وائل، عن مسروق، عن معاذ، وهذه تقدم الخلاف في اتصالها، وانقطاعها، والراجح أنها متّصلة . والثانية: عن إبراهيم، عن معاذ، وهذه منقطعة بلا شكّ، لكنها تتقوى بالأولى. وقوله: ((بقرة ثنيّة)) هي المسنّة المذكورة في الذي قبله. قال في ((المصباح)): و(الثّنيّ)) الذي يُلقِي ثَنِيَّتَهُ يكون من ذوات الظلف والحافر في السنة الثالثة، ومن ذوات الخفّ في السنة السادسةِ، وهو بعد الْجَذَع، والجمعُ ثِنَاءُ - بالكسر، والمدْ- وثُنْيَانٌ، مثلُ رَغِيف ورُغْفَان. وأَثْنَى: إذا ألقى ثنيّته، فهو فَعِيل بمعنى الفاعل انتهى. والحديث صحيح، كما سبق بيانه، في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٥٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَزْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ مُعَاذٍ، قَالُ: ((لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ إِلَىَ الْيَمَنِ، أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ، مِنْ كُلِّ ثَلاثِينَ، مِنَ الْبَقَرِ تَبِيعًا، أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ كُلِّ حَالِم دِينَارًا، أَوْ عِذْلَهُ مَعَافِرَ))) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فهو من أفراده، وهو موصليٍّ صدوق [١٠]١٣٥/١٠٢. والحديث صحيح، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٨- (بابُ زکاة البقر) - حدیث رقم ٢٤٥٣ ١١٧ = ٢٤٥٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورِ الطُّوسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ مُعَاذٍ بْنِ جَبَّلِ، قَالَ: ((أَمَرَنِي رَسُولُ اللّهِ وَهِ، حِينَ بَعَثَنِي إِلَى الْيَمَّنِ، أَنْ لَا آخُذَ مِنَ الْبَقَرِ شَيْئًا، حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ ثَلَاثِينَ، فَفِيهَا عِجْلٌ، تَابِعٌ،َ جَذَّعْ، أَوْ جَذَعَةٌ، حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ، فَفِيهَا بَقَرَةٌ مُسِنَّةٌ))) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فهو من أفراده، وأفراد أبي داود، وهو أبو جعفر البغداديّ العابد، ثقة، من صغار[١٠]٤٦/ ٧٤١ . و((يعقوب)): هو ابن إبراهيم الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩]٣١٤/١٩٦. و(«أبوه)): هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨]٣١٤/١٩٦. وقوله: ((عِجْلٌ)) -بكسر، فسكون -: ولدُ البقرة، والأنثى عِجْلَةٌ، والجمع عُجُولٌ - بالضمّ - وعِجَلَة، مثل عِنَبَةٍ(١). وقوله: ((تابعٌ)) صفة لعِجْلٍ، أي تابع لأمه في المرعى، وهو المسمّى فيما تقدّم بالتبيع . وقوله: ((جَذَعْ، أو جَذَعَةٌ)) -بفتحتين -: أي ذكرٌ، أو أنثى، وهو في معنى قوله فيما سبق: «تبيع أو تبيعة. قال ابن الأعرابيّ: إذا طَلَع قرنُ العجل، وقُبِضَ عليه، فهو عَضَبٌ، ثم هو بعد ذلك جَذَعْ، وبعده ثَنيّ، وبعده رَبَاٌ. وقيل: لا يكون الجذّعُ من البقر حتی یکون له سنتان، وأوّل يوم من الثالثة. ذكره في ((اللسان)). والحديث صحيح، وتقدّم الكلام عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)) . (١) - راجع ((المصباح المنير)). ١١٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ ٩- (بَابُ(١) مَانِعِ زَكَاةِ الْبَقَرِ) ٢٤٥٤ - (أَخْبَرَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ فُضَيْلِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالْ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَا مِنْ صَاحِبٍ إِيلٍ، وَلَا بَقَرِ، وَلَا غَنَمِ، لَّا يُؤَدِّي حَقَّهَا، إِلَّا وُقِفَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بِقَاعِ قَرْقَرٍ، تَطَؤُّهُ ذَاتُ الْأَظْلَافِ بِأَظْلَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ ذَاتُ الْقُرُونِ بِقُرُونِهَا، لَيْسَ فِيهَا يَوْمَئِذٍ جَمَاءُ، وَلَا مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ))، قُلْنَاَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَاذَا حَقُّهَا؟ قَالَ: ((إِطْرَاقُ فَحْلِهَا، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا صَاحِبٍ مَالٍ، لَا يُؤَدِّي حَقَّهُ، إِلَّا يُخَيَّلُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَّامَةِ، شُجَاعٍ أَقْرَعُ، يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ، وَهُوَ يَتَّبِعُهُ، يَقُولُ لَهُ: هَذَا كَنْزُكَ، الَّذِي كُنْتَ تَبْخَلُ بِهِ، فَإِذَا رَأَى، أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، أَدْخَلَ يَدَهُ فِي فِيهِ، فَجَعَلَ يَقْضَمُهَا، كَمَا يَقْضَمُ الْفَخْلُ))). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: رجال هذا الحديث رجال الصحيح، وتقدّموا. و((واصل بن عبد الأعلى)) كوفيّ، ثقة [١٠]٨٣١/٣٩. و((ابن فُضيل)): هو محمد بن فُضيل بن غزوان الكوفيّ، صدوق عارف، رُمي بالتشيع [٩]١٨ /٧٩٩ . و((عبد الملك بن أبي سليمان)): هو الْعَزْزميّ الكوفيّ، صدوق له أوهامٌ [٥] ٧/ ٤٠٦ . و ((أبو الزبير)): هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوق، يدلّس [٤]٣٥/٣١. [تنبيه]: هذا الحديث أخرجه مسلم في «صحيحه)) من طريقين: (إحداهما): طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي الزبير هذه، رواها عن محمد ابن عبد الله بن ثُمّير، عن أبيه، عن عبد الملك به. (والثانية): طريق ابن جُريج، عن أبي الزبير، رواها عن إسحاق بن إبراهيم، ومحمد ابن رافع، كلاهما عن عبد الرزاق، قال أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله الأنصاريّ، يقول: سمعت رسول اللّه وَ ل يقول: ((ما من صاحب إبل ... )) الحديث. فقد تابع ابن جُریج عبدالملك، فتقوّی به، وصرّح ابن جريج بإخبار أبي الزبير له، وأبو الزبير بسماعه من جابر، فزال ما يُخشى من التدليس. والله تعالى أعلم. (١) -سقط لفظ ((باب)) من بعض النسخ. ١١٩ ٩- (بابُ مانع زکاة البقر) - حدیث رقم ٢٤٥٤ وقوله: ((جماء)) بفتح الجيم، وتشديد الميم: هي التي لا قرن لها. وقوله: ((وما ذا حقّها)) قال السنديّ رحمه الله تعالى: ظاهره الحقّ الواجب الذي فيه الكلام، لكن معلوم أن ذلك الحقّ الواجب هو الزكاة، لا المذكور في الجواب، فينبغي أن يجعل السؤال عن الحقّ المندوب، وتركوا السؤال عن الجواب الذي كان فيه الکلام؛ لظهوره عندهم انتھی. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: فيما قاله السنديّ نظرٌ لا يخفى، فقد قدّمنا أن الصواب أن الواجب ليس مقصورًا على الزكاة فقط، بل ما ذُكر في الحديث من إطراق الفحل، وإعارة الدلو، والحمل في سبيل اللّه، وحلبها يوم وردها أحيانًا تكون من حقوق المال الواجبة، وذلك عند وجود المضطرّين، والمحتاجين، وكونها فاضلة من حاجة صاحبها. فتبصّر بإنصاف، ولا تتهوَّر بتقليد ذوي الاعتساف. وقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري تَظّه قال: بينما نحن في سفر، مع النبي وَلّ، إذ جاء رجل على راحلة له، قال: فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا، فقال رسول اللَّه وَله: ((من كان معه فضل ظهر، فليَعُدْ به على من لا ظهر له، ومن كان له فضلٌ من زاد، فليعد به على من لا زاد له))، قال: فذكر من أصناف المال، ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل. وأما إذا كان صاحب المال محتاجًا إليه، فلا يجب عليه شيء، لحديث: ((لا صدقة إلا عن ظهر غنى))(١) . والحاصل أن الوجوب لا يختصّ بالزكاة فقط، بل هناك واجبات تتعلّق بالمال، كما قدّمنا بيانها في شرح -٢٤٤/٦ - في المسألة الثانية، فراجعه تستفد. والله تعالى وليّ التوفيق. وقوله: ((إطراق فحلها)): أي إعارته للضراب. وقوله: ((وإعارة دلوها)): أي لإخراج الماء من البئر لمن يحتاج إليه، ولا دلوَ معه. وقوله: ((يُخيَّل له)) -بالبناء للمفعول: أي يُمَثَّل له. وقوله: ((يَقضِمها)) -بفتح الضاد المعجمة، وكسرها- يقال: قَضِمَتِ الدّابَةُ الشعيرَ تَقْضَمه، من باب تَعِبَ: كَسَرَتْهُ بأطراف أسنانها، وقَضَمَتْ قَضْمًا، من باب ضَرَب لغةٌ، ومنه يُقال على الاستعارة: قضمتُ يَدَه: إذا عَضَضْتَهَا. قاله في ((المصباح)). و ((الفَخلُ)): الذكر من الحيوان، جمعه فُحُول، وفُحُولةٌ، وفِحال. (١) -رواه أحمد بإسناد صحيح، وعلّقه البخاريّ بصيغة الجزم. ١٢٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ وتقدّم ما تبقّى من شرح الحديث مُستوفىّ في -٢/ ٢٤٤٢ وفي - ٢٤٤٨/٦ - وبالله التوفيق، وله الحمد، والمنّة. وأخرجه المصنّف هنا-٢٤٥٤/٩- وفي ((الكبرى)) ٢٢٣٤/٩. وأخرجه (م) في ((الزكاة)) ٩٨٨ (أحمد) في باقي ((مسند المكثرين)) ١٤٠٣٣ (الدارميّ) في ((الزكاة» ١٦١٦. وباقي مسائله تقدّمت بالرقم المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنیب)) . ١٠- (بَابُ زَكَاةِ الْغَنَم) قال المجد اللغويّ رحمه اللَّه تعالى: ((الغَنَم)): محرَّكةً: الشاءُ، لا واحد لها من لفظها، الواحدة شاةٌ، وهو اسم مؤنثٌ للجنس يقع على الذكور والإناث، وعليهما جميعًا، جمعه أغنامٌ، وغُنُومٌ، وأغانم انتهى(١) . وقال في ((المصباح)): (الغَنَمُ)): اسم جنس، يطلق على الضأن والمعز، وقد تُجمع على أغنام، على معنى قُطَعَانات من الغنم، ولا واحد للغنم من لفظها. قاله ابن الأنباريّ. وقال الأزهريّ أيضًا: الغنمُ الشاءُ، الواحدة شاةٌ، وتقول العرب: رَاحَ على فلان غَنَمَان، أي قَطِيعَانِ من الغنم، كلّ قطيع منفردٌ بمرعىّ، وراع. وقال الجوهريّ: الغنم اسمٌ مؤنّثٌ، موضوعٌ لجنس الشاء، يقع على الذكور والإناث، وعليهما، ويُصغّر، فتدخل الهاء، ويقال: غنيمةٌ؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين، وصُغّرت، فالتأنيث لازمٌ لها انتهى(٢). وقال الزين ابن المنيّر رحمه الله تعالى عند قول البخاريّ رحمه اللّه تعالى: ((باب زكاة الغنم)): حَذَفَ وصفَ الغنم بالسائمة، وهو ثابت في الخبر، إما لأنه لم يعتبر هذا المفهوم، أو لتردّده من جهة تعارض وجوه النظر فيه عنده. وهي مسألة خلافية شهيرة، والراجح في مفهوم الصفة أنها إن كانت تناسب الحكم مناسبة العلّة لمعلولها اعتُبِرت، وإلا فلا، ولا شكّ أن السوم يُشعِر بخفّة المؤونة، ودرء المشقّة، بخلاف العَلَف، (١) - ((القاموس)) في مادة غنم. (٢) - ((المصباح المنير)) في مادّة غنم.