Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
۔۔ (بابُ زکاةِ الإِبل) - حدیث رقم ٢٤٤٧
عمرو بن حزم إلا مثل روايتنا، رواها الزهريّ، وابن المبارك، وأبو أويس، كلهم عن
أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدّه، مثل قولنا. ثم لو تعارضت
الروايتان عن عمرو بن حزم بقيت روايتنا عن أبي بكر الصديق تظلّه ، وهي في
((الصحيح))، وبها عَمِلَ الخلفاءُ الأربعة.
وقال البيهقيّ في ((السنن)) جـ٤ص٩٤: هذا منقطع بين أبي بكر بن حزم إلى النبيّ
وَلخير، وقيس بن سعد أخذه عن كتاب، لا عن سماع، وكذلك حماد بن سلمة أخذه عن
كتاب، لا سماع، وقيس بن سعد، وحماد بن سلمة، وإن كانا من الثقات، فروايتهما
هذه بخلاف رواية الحفّاظ عن كتاب عمرو بن حزم وغيره، وحماد بن سلمة ساء حفظه
في آخر عمره، فالحفّاظ لا يحتجون بما يخالف فيه، ويتجنّبون ما ينفرد به عن قيس بن
سعد خاصّة، وأمثاله، وهذا الحديث قد جمع الأمرين، مع ما فيه من الانقطاع.
وقال في ((معرفة السنن)): الحفّاظ، مثل يحيى القطّان وغيره يُضعّفون رواية حماد،
عن قيس بن سعد، ثم أسند عن أحمد بن حنبل، قال: ضاع كتاب حماد بن سلمة، عن
قيس بن سعد، فكان يحدّثهم من حفظه، ثم أسند عن ابن المدينيّ نحو ذلك.
قال البيهقيّ: ويدلّ على خطأ هذه الرواية أن عبد الله بن أبي بكر بن بن محمد بن
عمرو بن حزم، رواه عن أبيه، عن جدّه بخلافه، وأبو الرجال محمد بن عبد الرحمن
الأنصاريّ رواه بخلافه، والزهريّ مع فضل حفظه رواه بخلافه في رواية سليمان بن داود
الْخَوْلانيّ، عنه موصولًا، وفي رواية غيره مرسلًا، وإذا كان حديث حماد عن قيس
مرسلًا، وخالفه عددٌ، وفيهم ولد الرجل، والكتابُ بالمدينة، يتوارثونه بينهم، فأخبروا
بما وجدوا فيه، ويعرف عنه عمر بن عبد العزيز، وأمر بأن يُنسخ له، فوُجد مخالفًا ما
رواه حماد، عن قيس، وموافقًا لما في كتاب أبي بكر، وما في كتاب عمر، وكتابُ أبي
بكر في ((الصحيح))، وكتاب عمر أسنده سفيان بن حسين، وسليمان بن كثير، عن
الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ ◌َّز، ولم يكتبه عمر عن رأيه، إذ لا مدخل
للرأي فيه، وعَمِلَ به، وأَمَرَ عُمّاله، فعملوا به، وأصحاب النبيّ وََّ متوافرون، وأقرأ
ابنَه عبد الله بن عمر، وأقرأه عبد الله ابنَه سالمًا، ومولاه نافعًا، وكان عندهم حتى قرأه
مالك بن أنس، أفما يدلّ ذلك كله على خطأ تلك الرواية التي انفردت عن سائر
الروايات، وأن الأخذ بغيرها أولى انتهى كلام البيهقيّ رحمه اللّه تعالى في ((المعرفة))
بتصرّف(١).
(١) - ((المعرفة)) ج٣ ص٢٢٣ -٢٣٠ .

٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى في ((المغني)) بعد الإشارة إلى كتاب أبي بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم الذي استدلّ به الحنفيّة: ولنا أن في حديثَي الصدقات الذي
كتبه أبو بكر لأنس، والذي كان عند آل عمر بن الخطّاب مثلُ مذهبنا، وهما صحيحان،
وقد رواه أبو بكر عن النبيّ وَّل بقوله: ((هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول اللَّه وَلول
على المسلمين)) .
وأما كتاب عمرو بن حزم، فقد اختلف في صفته، فرواه الأثرم في ((سننه)) مثل
مذهبنا، والأخذ بذلك أولى لموافقته الأحاديث الصحاح، وموافقته القياس، فإن المال
إذا وجب فيه من جنسه لم يجب من غير جنسه، كسائر بهيمة الأنعام، ولأنه مال احتمل
المواساة من جنسه، فلم يجب من غير جنسه، كالبقر والغنم، وإنما وجب في الابتداء
من غير جنسه لأنه ما احتمل المواساة من جنسه، فعدلنا إلى غير الجنس ضرورةً، وقد
زال ذلك بزيادة المال، وكثرته، ولأنه عندهم ينتقل من بنت مخاض إلى حقّة بزيادة
خمس من الإبل، وهي زيادة يسيرة، لا تقتضي الانتقال إلى حقّة، فإنا لم ننتقل في
محلّ الوفاق من بنت مخاض إلى حقّة إلا بزيادة إحدى وعشرين انتهى كلام ابن
قُدامة(١) .
وقال ابن حزم رحمه الله تعالى: والعجب أنهم يدعون أنهم أصحاب قياس، وقد
خالفوا في هذا المكان النصوص والقياس، فهل وجدوا فريضةً تعود بعد سقوطها؟،
وهل وجدوا في أوقاص الإبل وقصًّا من ثلاثة وثلاثين من الإبل؟ إذ لم يجعلوا بعد
الإحدى والتسعين حكمًا زائدًا إلى خمسة وعشرين ومائة، وهل وجدوا في شيء من
الإبل حكمين مختلفين في إبل واحدة، بعضها يزكّى بالإبل، وبعضها يُزكّى بالغنم؟،
وهَلّ إذ ردوا الغنم وبنت المخاض بعد إسقاطهما ردوا أيضًا في ست وثلاثين زائدة على
العشرين ومائة بنت اللبون؟، فإن قالوا: منعنا عن ذلك قولهتعالَّلُ ((في كلّ خمسين
حقّة))، قيل لهم: فهلّا منعكم من ردّ الغنم قوله ظلَّل: ((وفي كلّ أربعين بنت لبون))
انتھی کلام ابن حزم. (٢) .
واحتج الحنفيّة أيضًا بما روى ابن أبي شيبة عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن أبي
إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن عليّ رَّه، قال: ((إذا زادت الإبل على عشرين
ومائة يُستقبل بها الفريضة)) انتهى(٣)
(١) - ((المغني)) ج٤ ص٢٢ .
(٢) - ((المحلّى)) ج٦ ص٤١ .
(٣) - ((مصنف ابن أبي شيبة)) ج٣ ص ١٢٥ ..

٨٣
٥- (بَابُ زکاةِ الإِبل) - حديث رقم ٢٤٤٧
ورواه البيهقيّ بلفظ: ((إذا زادت على عشرين ومائة، فبحساب ذلك يُستأنف بها
الفرائض))(١). قال الحافظ في ((الدراية)): إسناده حسن، إلا أنه اختلف على أبي إسحاق
انتهى. ورواه أبو عبيد بلفظ: ((استُؤنف بها الفريضة بالحساب الأول))(٢).
وأجيب عن هذا بما قال البيهقيّ -جـ٤ص٩٢ -: قد أنكر أهل العلم هذا على عاصم
ابن ضمرة؛ لأن رواية عاصم بن ضمرة على خلاف كتاب آل عمرو بن حزم، وخلاف
كتاب أبي بكر، وعمر تخطئها .
وقال أيضًا -ص ٩٣ -: واستدلّوا على خطئه بما فيه من الخلاف للروايات المشهورة
عن النبيّ وَّر، ثم عن أبي بكر، وعمر، تَّ في الصدقات. وقال أيضًا في (ص٩٤)
بعد ماروى من طريق عاصم بن ضمرة، والحارثِ، عن عليّ: ((في خمس وعشرين
خمسٌ من الغنم، فإذا زادت واحدة ، ففيها بنت مخاض)): ما لفظه: وفيه وفي كثير من
الروايات عنه: ((في خمس وعشرين خمس شياه))، وقد أجمعوا على ترك القول به
المخالفة عاصم بن ضمرة والحارث، عن عليّ الروايات المشهورة، عن النبيّ وَلآ،
وعن أبي بكر وعمر في الصدقات في ذلك، كذلك رواية من روى عنه الاستئناف
مخالفة لتلك الروايات المشهورة، مع ما في نفسها من الاختلاف والغلط، وطَعْنٍ أئمة
أهل النقل فيها، فوجب تركها، والمصير إلى ما هو أقوى منها انتهى (٣).
ونقل الخطّابيّ في ((المعالم)) عن ابن المنذر أنه قال: ليس هذا النقل بثابت عن عليّ
رَاليه .
وروى البيهقيّ -جـ٤ص٩٣- من طريق شريك- وشعبة- وابنُ حزم -ج٦ ص٣٨-
من طريق معمر - كلهم عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن عليّ رَّهِ، قال:
((إذا زادت على عشرين ومائة، ففي كلّ خمسين حقّةٌ، وفي كلّ أربعين ابنة لبون))،
موافقًا للروايات المشهورة، عن النبيّ وَّ.
وقال الحازميّ في ((كتاب الاعتبار)) -ص١٠ -: (الوجه الثامن عشر) من الترجيحات
أن يكون أحد الحديثين قد اختلفت الرواية فيه، والثاني لم يُختلف فيه، فيُقَدّم الذي لم
يُختلف فيه، وذلك نحو ما رواه أنس في زكاة الإبل: ((إذا زادت على عشرين ومائة،
ففي كلّ أربعين بنت لبون، وفي كلّ خمسين حقّة)). وهو حديث مخرّج في ((الصحيح))
من رواية ثُمامة، عن أنس، ورواه عن ثمامة ابنه عبد الله، وحماد بن سلمة، ورواه
(١) - ((السنن الكبرى)) ج٤ ص ٩٢ .
(٢) - ((كتاب الأموال)) ص٣٦٣.
(٣) - ((السنن الكبرى للبيهقي)) ج٤ ص ٩٢ -٩٤ .

=
٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
عنهما جماعة كلهم قد اتفقوا عليه من غير اختلاف بينهم.
ثم ذكر الاختلاف في رواية أبي إسحاق، عن عاصم، عن عليّ رَّه ، ثم قال:
فحديث أنس لم تختلف الرواية فيه، وحديث عليّ اختلفت الرواية فيه، كما ترى،
فالمصير إلى حديث أنس أولى؛ للمعنى الذي ذكرناه، على أن كثيرًا من الحفّاظ أحالوا
الغلط في حديث عليّ على عاصم، وإذا تقابلت حجتان، فما سَلِمَ منهما من المعارض
أولى، كالبيّنات إذا تقابلت، فإن الحكم فيها كذلك انتهى كلام الحازميّ.
وقال الشافعيّ بعد ذكر رواية شريك، عن أبي إسحاق، موافقًا لحديث أنس كما
قدّمنا: وبهذا نقول، وهو موافق للسنّة، وهم -يعني العراقيين- لا يأخذون بهذا،
فيخالفون ما روي عن النبيّ وَّر، وأبي بكر، وعمر، والثابت عن عليّ عندهم إلى قول
إبراهيم -النخعيّ - وشيء يغلط به عن عليّ رَّه انتهى.
وقد تصدّى الحنفيّة، وتمخّلوا لإثبات أن رواية سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم
ابن ضمرة، عن عليّ، مسندة مرفوعة. وقد ردّ عليهم ابن حزم، فأجاد، من أحبّ
الوقوف عليه رجع إلى ((المحلّى)) ج٦ ص ٣٧-٣٨ -.
واحتجّوا أيضًا بما رواه الطحاويّ عن خُصَيف، عن أبي عبيدة، وزياد بن أبي مريم،
عن ابن مسعود ◌َّه قال: «فإذا بلغت العشرين ومائة، استقبلت الفريضة بالغنم، في
كلّ خمس شاةٌ، فإذا بلغت خمسًا وعشرين، ففرائض الإبل)).
واعترضه البيهقيّ بأنه موقوف، ومنقطع بين أبي عُبيدة، وزياد، وبين ابن مسعود،
قال: وخُصيف غير محتجّ به. انتهى(١) .
وقال الخطّابيّ رحمه اللّه تعالى: وقال محمد بن جرير الطبريّ: هو مخيّر إن شاء
استأنف الفريضة إذا زادت الإبل على مائة وعشرين، وإن شاء أخرج الفرائض لأن
الخبرین جميعًا، قد رُویا.
قال الخطابيّ: وهذا قول لا يصحّ، لأن الأمة قد فرّقت بين المذهبين، واشتهر
الخلاف فيه بين العلماء، فكلّ من رأى استئناف الفريضة لم ير إخراج الفرائض، ومن
رأى إخراج الفرائض لم يُجِز استئناف الفريضة، فهما قولان متنافيان. على أن رواية
عاصم بن ضمرة عن عليّ رَّه عنه لا تقاوم لضعفها روايةَ حديث أنس، وهو حديث
صحيح، ذكره البخاريّ في ((جامعه)) عن محمد بن عبد الله الأنصاريّ، عن أبيه، عن
ثمامة، عن أنس، عن أبي بكر الصدّيق رَؤيته، وفي حديث عاصم بن ضمرة كلام
(١) - ((معرفة السنن)) ج٣ص٢٢٤ .

٨٥ ==
٥- (بابُ زکاةِ الإِبل) - حديث رقم ٢٤٤٧
متروك بالإجماع، غير مأخوذ به في قول أحد من العلماء، وهو أنه قال: ((في خمس
وعشرين من الإبل خمس شياه)). وروى أبو داود الحديثين معًا في هذا الباب، وذكر أن
شعبة وسفيان لم يرفعا حديث عاصم بن ضمرة، ووقفاه على عليّ ◌َمثله انتهى كلام
الخطابيّ رحمه اللَّه تعالى(١) .
قال صاحب ((المرعاة)) بعد ذكر الأقوال وأدلتها: ما نصّه:
وقد ظهر بما حرّرنا فسادُ قول الحنفيّة، وخلافهم للروايات المرفوعة المشهورة،
ولأبي بكر، وعمر، وعليّ، وأنس، وابن عمر، وسائر الصحابة، والتابعين، دون أن
يتعلّقوا برواية صريحة صحيحة عن أحد منهم بمثل قولهم، إلا عن إبراهيم النخعيّ
وحده. انتھی.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أرجح المذاهب في هذه المسألة مذهب
الجمهور القائلين بمقتضى حديث أنس رضي المذكور في هذا الباب؛ لوضوح حجته.
وحاصله أنه إذا زادت الشياه على مائة وعشرين وجب في كلّ أربعين بنت لبون،
وفي كلّ خمسين حقّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): اختلفوا في قوله والقر: ((ويجعل معها شاتين، إن استيسرتا، أو
عشرين درهما)) :
فذهب إلى ظاهر الحديث إبراهيم النخعيّ، والشافعيّ، وأصحاب الحديث،
والظاهرية .
وذهب سفيان الثوريّ إلى ما روي عن عليّ رَّه أنه يَرُدّ عشرة دراهم، أو شاتين.
قال ابن حزم: وروي أيضًا عن عمر ◌َّه ، وإليه ذهب أبو عُبيد.
وقال مالك: لا يُعطي إلا ما وجب عليه، بأن يبتاع للساعي السنّ الذي وجب له،
ولا يعطي سنّا مكان سنّ بردّ شاتين، أو عشرين درهمًا.
وقال أبو حنيفة: يأخذ قيمة السنّ الذي وجب عليه، وإن شاء أخذ أفضل منها، ورد
عليه فيه دراهم، وإن شاء أخذ دونها، وأخذ الفضل دراهم، ولم يُعيّن عشرين درهمًا،
ولا غيرها، فجبران ما بين السنّين غير مقدّر عنده، ولكنه بحسب الغلاء والرخص،
وحمل هذا الحديث على أن تفاوت ما بين السّنّين كان ذلك القدر في تلك الأيام، لا أنه
تقدير شرعيّ، بدليل ما روي عن عليّ رَّم أنه قدّر جبران ما بين السّنّين بشاتين، أو
عشرة دراهم، وروي أيضًا عن عمر رَّم .
(١) - ((معالم السنن)) ج٢ ص١٧٩.

=
٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وتعقّب هذا بأنه لا حجّة في قول أحد دون رسول اللَّه رَظليته .
وأجاز أبو حنيفة أيضًا أداء القيمة من العُرُوض وغيرها بدل الزكاة الواجبة، وإن كان
المأمور بأخذه ممكنًا (١) .
وأجاب الجمهور الذين لم يقولوا بجواز أداء القيمة في الزكاة عن ذلك بأنه لو كان
كذلك لكان ينظر إلى ما بين السنّين في القيمة، فكان العرض يزيد تارة، وينقص
أخرى؛ لاختلاف ذلك في الأمكنة والأزمنة، فلما قدّر الشارع التفاوت بمقدار معيّن لا
يزيد، ولا ينقص كان ذلك هو الواجب في الأصل في مثل ذلك.
قال الخطابيّ في ((المعالم)): وأصحّ هذه الأقاويل قول من ذهب إلى أن كلّ واحد من
الشاتين، والعشرين درهمًا أصل في نفسه، وأنه ليس له أن يعدل عنهما إلى القيمة، ولو
كان للقيمة فيها مدخل لم يكن لنقله الفريضة إلى سنّ فوقها، وأسفل منها، ولا لجبران
النقصان فيهما بالعشرين، أو بالشاتين معنىّ.
قال: ويشبه أن يكون النبيّ وَله إنما جعل الشاتين، أو العشرين درهمًا تقديرًا في
جبران النقصان، والزيادة بين السّنّين، ولم يَكِلِ الأمرّ في ذلك إلى اجتهاد الساعي،
وإلى تقديره؛ لأن الساعي إنما يحضر الأموال على المياه، وليس بحضرته حاكمٌ، ولا
مُقَوِّمٌ يحمله وربَّ المال عند اختلافهما على قيمة يرتفع بها الخلاف، وتنقطع معها مادّة
النزاع، فجُعِلت فيها قيمة شرعيّة، كالقيمة في المصرّاة، والجنين حسمًا لمادة الخلاف،
مع تعذّر الوصول إلى حقيقة العلم بما يجب فيها عند التعديل انتهى (٢). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): اختلفوا في معنى قوله وَله: ((وما من خليطين، فإنهما يتراجعان
بينهما بالسوية)) :
(اعلم): أن الْخُلطة -بضمّ الخاء المعجمة، وسكون اللام- على نوعين: خُلْطة
اشتراك، وخُلطة جِوَار، وقد يُعبّر عن الأول بخلطة الأعيان، وخلطة الشيوع، وعن
الثاني بخلطة الأوصاف.
والمراد بالأول أن لا يتميّز نصيب أحد الرجلين، أو الرجال عن نصيب غيره،
كماشية ورثها قوم، أو ابتاعوها معًا. وبالثاني أن يكون مال كلّ واحد معيّنًا.
(١) - سيأتي إن شاء الله تعالى ترجيح هذا المذهب إذا رأى الساعي ذلك أنفع للفقراء، كما فعل معاذ
ابن جبل تميّ مع أهل اليمن، وهو مذهب الإمام البخاري رحمه الله تعالى، وإليه يميل شيخ
الإسلام ابت تيمية رحمه الله تعالى.
(٢) - ((معالم السنن) ج٢ ص ١٨٠ - ١٨١.

٨٧
۔۔ (ہابُ زکاةِ الإِبل) - حدیث رقم ٢٤٤٧
=
واختلف في المراد بالخليط في هذا الحديث:
فذهب أبو حنيفة إلى أنه الشريك؛ لأن الخليطين في اللغة العربيّة هما الشريكان
اللذان اختلط مالهما، ولم يتميّز، كالخليطين من النبيذ، وما لم يختلط مع غيره فليسا
بخليطين، وإذا تميّز مال كلّ واحد منهما من مال الآخر، فلا خُلطة.
وذهب الجمهور إلى أن المراد بالخليط المخالط، وهو أعمّ من الشريك، وحكم
الخليطين عندهم أَنْ تُصدَّق ما شيتهما كأنها لرجل واحد. والخلطة عندهم أن يجتمعا
فِي الْمَسْرَح، والمبيت، والفحل.
واعتُرِض على أبي حنيفة بأن الشريك لا يَعرِف عين ماله، وقد قال: إنهما يتراجعان
بينهما بالسويّة. ومما يدلّ على أن الخليط لا يستلزم أن يكون شريكًا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ
كِرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ الآية [ص: ٢٤] وقد بيّنه قبل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِى لَهُ تِسْعُ وَتَسْعُونَ
نَعْجَةً وَلَِ نَعْجَةٌ وَحِدَةٌ﴾ الآية. [ص: ٢٣].
واختلف أيضًا في أن الخلطة مؤثّرة في الزكاة أم لا؟ :
فذهب الجمهور إلى كونها مؤثّرة. وقال أبو حنيفة: لا تأثير للخلطة، سواء كانت
خلطة شيوع واشتراك في الأعيان، أو خلطة أوصاف وجوار في المكان، فلا يجب على
أحد الشريكين، أو الشركاء إلا مثل الذي كان يجب عليه لو لم يكن خليطًا.
وتعقّبه ابن جرير بأنه لو كان تفريقها مثل جمعها في الحكم لبطلت فائدة الحديث،
وإنما نهي عن أمر لو فعله كانت فيه فائدة قبل النهي، ولو كان كما قال لما كان لتراجع
الخليطين بينهما بالسويّة معنى.
واعتذر بعضهم عن الحنفيّة بأن الأصل قوله ◌َ الحجر: ((ليس فيما دون خمس ذود
صدقة))، وحكم الخلطة يغيّر هذا الأصل، فلم يقولوا به.
ورُدّ بأن ذلك مع الانفراد، وعدم الخلطة، لا إذا انضمّ ما دون الْخَمْس إلى عدد
الخليط يكون به الجميع نصابًا، فإنه يجب تزكية الجميع؛ لهذا الحديث، وما ورد في
معناه، ولا بدّ من الجمع بهذا.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: بل الأحسن الجمع بما قاله الحنفيّة، كما سيأتي
قريبًا، إن شاء الله تعالى.
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في ((المغني)): ما حاصله: إن الْخُلْطة في
السائمة تجعل مال الرجلين كمال الرجل الواحد في الزكاة، سواء كانت خلطة أعيان،
وهي أن تكون الماشية مشتركة بينهما لكلّ واحد منهما نصيب مشاع، مثل أن يرثا
نصابًا، أو يشترياه، أو يوهب لهما، فيُبْقِيَّاه بحاله. أو خُلْطة أوصاف، وهي أن يكون

٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
مال كل واحد منهما متميّزًا، فخلطاه، واشتركا في الْمَسْرَح، والمبيت، والْمَحلَب،
والْمَشْرَب، والفحل، وسواء تساويا في الشركة، أو اختلفا، مثل أن يكون لرجل شاة،
ولآخر تسعة وثلاثون، أو يكون لأربعين رجلاً أربعون شاةً، لكلّ واحد منهم شاة. نصّ
عليهما أحمد.
وهذا قول عطاء، والأوزاعيّ، والشافعيّ، والليث، وإسحاق. وقال مالك: إنما
تؤثّر الخلطة إذا كان لكلّ واحد من الشركاء نصاب. وحكي ذلك عن الثوريّ، وأبي
ثور، واختاره ابن المنذر. وقال أبو حنيفة: لا أثر لها بحال؛ لأن ملك كلّ واحد دون
النصاب، فلم يجب عليه زكاة؛ كما لو لم يختلط بغيره.
ولأبي حنيفة فيما إذا اختلطا في نصابين أنّ كل واحد منهما يملك أربعين من الغنم،
فوجبت عليه؛ لقوله وقالغيره: ((في أربعين شاة شاة)).
ولنا ما روى البخاريّ في حديث أنس ◌َّه: ((لا يُجمع بين متفرّق، ولا يُفَرَّق بين
مجتمع، خشية الصدقة، وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بالسويّة)). ولا يجيء
التراجع إلا على قولنا في خلطة الأوصاف. وقوله: ((لا يُجمع بين متفرّق)) إنما يكون
هذا إذا كان لجماعة، فإن الواحد يضمّ ما له بعضه إلى بعض، وإن كان في أماكن،
وهكذا لا يفرّق بين مجتمع. ولأن للخلطة تأثيرًا في تخفيف المؤنة، فجاز أن تؤثّر في
الزكاة، كالسوم، والسقي، وقياسهم مع مخالفة النصّ غير مسموع انتهى كلام ابن
قُدامة(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قوله: ((قياسهم مع مخالفة النصّ الخ فيه نظر لا
يخفى، وسيأتي في كلام ابن حزم ما يرذه، إن شاء اللّه تعالى.
وقد حقّق أبو محمد ابن حزم المسألة تحقيقًا حسنًا، ورجّح ما ذهب إليه الحنفيّة،
ودونك خلاصة ما قاله في كتابه ((المحلّى))، قال رحمه الله تعالى:
والخلطة في الماشية، أو غيرها لا تُحيل حكم الزكاة، ولكلّ أحد حكمه في ماله
خالط، أو لم يخالط، لا فرق بين شيء من ذلك. قال: وقد اختلف الناس في تأويل
خبر: ((لا يجمع بين مفترق، ولا يفرّق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين
فإنهما يتراجعان بينهما بالسويّة)).
فقالت طائفة: إذا تخالط اثنان، فأكثر في إبل، أو في بقر، أو في غنم، فإنهم تؤخذ
من ماشيتهم الزكاة، كما كانت تؤخذ لو كانت لواحد، والخلطة عندهم أن تجتمع
(١) - ((المغني)) ج ٤ ص ٥١-٥٣.

٨٩
۔۔ (بابُ زکاةِ الإِبل) - حديث رقم ٢٤٤٧
الماشية في الراعي، والمراح، والمسرح، والمسقى، ومواضع الحلب عامًا كاملًا
متصلًا، وإلا فليست خلطة؛ وسواء كانت ماشيتهم مُشاعة، لا تتميّز، أو متميّزة، وزاد
بعضهم الدلو، والفحل.
قال أبو محمد: وهذا القول مملوء من الخطأ.
أول ذلك أن ذكرهم الراعي كان يُغني عن ذكر المسرح والمسقى؛ لأنه لا يمكن البتّة
أن يكون الراعي واحدًا، وتختلف مسارحها، ومساقيها، فصار ذكر المسرح والمسقى
فضولًا .
وأيضًا فإن ذكر الفحل خطأ؛ لأنه قد يكون لإنسان واحد فحلان، وأكثر؛ لكثرة
ماشيته، وراعيان، وأكثر لكثرة ماشيته، فينبغي لهم إذا أوجب اختلاطهما في الراعي
والعمل أن يزكيها زكاة المنفرد، وأن تجمع ماشية إنسان واحد إذا كان له راعيان
وفحلان، وهذا لا تخلّص منه.
ونسألهم إذا اختلطا في بعض هذه الوجوه: ألهما حكم الخلطة أم لا؟ فأتي ذلك
قالوا، فلا سبيل أن يكون قولهم إلا تحكّما، فاسدًا، بلا برهان، وما كان هكذا فهو باطل
بلا شك.
قال: وهذا قول الليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، والشافعيّ، وأبي بكر بن داود
فيمن وافقه من أصحابنا. حتى إن الشافعيّ رأى حكم الخلطة جاريا كذلك في الثمار،
والزروع، والدراهم، والدنانير، فرأى في جماعة بينهم خمسة أوسق فقط أن الزكاة فيها،
وأن جماعة يملكون مائتي درهم فقط، أو عشرين دينارًا فقط، وهم خلطاء أن الزكاة
واجبة في ذلك، ولو أنهم ألف، أو أكثر، أو أقلّ.
وقالت طائفة: إن كان يقع لكلّ واحد من الخلطاء ما فيه الزكاة زَكَّوا حينئذ زكاة
المنفرد، وإن كان لا يقع لكلّ واحد منهم ما فيه الزكاة، فلا زكاة عليهم، ومن كان منهم
يقع له ما فيه الزكاة، فعليه الزكاة، ومن كان غيره منهم لا يقع له ما فيه الزكاة فلا زكاة
عليه. فرأى هؤلاء في اثنين فصاعدًا يملكان أربعين شاة، أو ستين، أو ما دون الثمانين،
أو ثلاثين من البقر، أو ما دون الستين، وكذلك في الإبل، فلا زكاة عليهم، فإن كان
ثلاثة يملكون مائة وعشرين شاة، لكلّ واحد منهم ثلثها، فليس عليهم إلا شاة واحدة
فقط، وهكذا في سائر المواشي. ولم ير هؤلاء حكم الخلطة إلا في المواشي فقط.
وهو قول الأوزاعيّ، ومالك، وأبي ثور، وأبي عبيد، وأبي الحسن بن المغلس من
أصحابنا (١).
(١) - يعني الظاهرية .

٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وقالت طائفة: لا تُحيل الخلطة حكم الزكاة أصلًا، لا في الماشية، ولا في غيرها،
وكلّ خليط ليزكي ما معه كما لو لم يكن خليطًا، ولا فرق، فإن كان ثلاثة خلطاء لكلّ
واحد أربعون شاةً، فعليهم ثلاث شياه، على كلّ واحد منهم شاة، وإن كان خمسة لكلّ
واحد منهم خمس من الإبل، وهم خلطاء، فعلى كلّ واحد شاة، وهكذا القول في كلّ
شيء. وهو قول سفيان الثوريّ، وأبي حنيفة، وشريك بن عبد الله، والحسن بن حيّ.
قال أبو محمد: لم نجد في هذه المسألة قولة لأحد من الصحابة، ووجدنا أقوالًا عن
عطاء، وطاوس، وابن هرمز، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، والزهريّ فقط.
روينا عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن طاوس أنه كان يقول: إذا كان
الخليطان يعلمان أموالهما، فلا تجمع أموالهما في الصدقة، قال ابن جريج: فذكرت هذا
لعطاء من قول طاوس، فقال: ما أراه إلا حقًا. وروينا عن معمر، عن الزهريّ، قال:
إذا كان راعيهما واحدًا، وكانت ترد جميعًا، وتروح جميعًا، صُدِّقَت جميعًا. ومن طريق ابن
وهب، عن الليث، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ أنه قال: إن الإبل إذا جمعها الراعي،
والفحل، والحوض، تصدّق جميعًا، ثم يتحاصّ أصحابها على عدّة الإبل في قيمة
الفريضة التي أخذت من الإبل، فإن كان استودعه إياها لا يريد مخالطته، ولا وضعها
عنده يريد نتاجها، فإن تلك تُصَدّق وحدها. وعن ابن هرمز مثل قول مالك.
قال أبو محمد: احتجت كلّ طائفة لقولها بحكم رسول الله لتر الذي صدّرنا به،
فقال من رأى الخلطة تُحيل الصدقة، وتجعل مال الاثنين فصاعدًا بمنزلة ما لو كان لواحد
أن معنى قوله ◌َالَثَلُ: ((لا يفرّق بين مجتمع، ولا يجتمع بين مفترق، خشية الصدقة)» هو
أن يكون لثلاثة مائة وعشرون شاة، لكلّ واحد منهم ثلثها، وهم خلطاء، فلا يجب
عليهم إلا شاة واحدة، فنهى المصدّق أن يفرّق بينها ليأخذ من كلّ واحد نصفها، فيجبَ
عليهما ثلاث شياه، والرجلان يكون لهما مائتا شاة، وشاتان، لكل واحد نصفها،
فيجب عليهما ثلاث شياه، فيفرّقانها، خشية الصدقة، فليزم كلّ واحد منهما شاة، فلا
يأخذ المصدّق إلا شاتین.
وقالوا: معنى قوله ◌َّ ر: ((وما كان من خليطين يتراجعان بينهما بالسوية)) هو أن يعرفا
ما أخذ الساعي، فیقع علی کلّ واحد حصّته على حسب عدد ما شیته، كاثنين لأحدهما
أربعون شاة، وللآخر ثمانون، وهما خليطان، فعليهما شاة واحد، على صاحب
الثمانين ثلثاها، وعلى صاحب الأربعين ثلثها.
وقال من رأى أن الخلطة لا تحيل حكم الصدقة: معنى قوله وَطاهر: ((لا يفرّق بين
مجتمع، ولا يجمع بين مفترق، خشية الصدقة)): هو أن يكون لثلاثة مائة وعشرون

٩١
ہ۔ (بابُ زکاةِ الإِبل) - حديث رقم ٢٤٤٧
=
شاة، ولكلّ واحد ثلثها، فيجب على كلّ واحد شاة، فنهوا عن جمعها، وهي متفرّقة في
ملكهم تلبيسًا على الساعي أنها لواحد، فلا يأخذ إلا واحدة، والمسلم يكون له مائتا شاة
وشاتان، فيجب عليه ثلاث شياه، فيفرقها قسمين، ويلبس على الساعي أنها لاثنين؛ لئلا
يعطي منها إلا شاتين، وكذلك نهى المصدّق أيضًا عن أن يجمع على الاثنين، فصاعدًا
مالهم ليكثر ما يأخذ، وعن أن يفرّق مال الواحد في الصدقة، وإن وجده في مكانين
متباعدين ليكثر ما يأخذ.
وقالوا: معنى قوله:َالَّلهُ: ((كلّ خليطين يترادان بينهما بالسويّة)): هو أن الخليطين
في اللغة التي بها خاطبنافعّالَّلهُ هما ما اختلط مع غيره، فلم يتميّز، ولذلك سمّي
الخليطان من النبيذ بهذا الاسم، وأما ما لم يختلط مع غيره فليسا خليطين، هذا ما لا
يشكّ فيه، قالوا: فليس الخليطان في المال إلا الشريكين فيه اللذين لا يتميّز مال
أحدهما من الآخر، فإن تميّز فليسا خليطين، قالوا: فإذا كان خليطان كما ذكرنا، وجاء
المصدّق ففرضٌ عليه أن يأخذ من جملة المال الزكاة الواجبة على كلّ واحد منهما في
ماله، وليس عليه أن ينتظر قسمتهما لمالهما، ولعلهما لا يريدان القسمة، وإن كانا
حاضرين، فليس له أن يُجبرهما على القسمة، فإذا أخذ زكاتيهما، فإنهما يترادّان
بالسويّة، كاثنين لأحدهما ثمانون شاةً، وللآخر أربعون، وهما شريكان في جميعها،
فيأخذ المصدّق شاتين، وقد كان لأحدهما ثلثا كلّ شاة منهما، وللآخر ثلثها، فيترادان
بالسويّة، فيبقى لصاحب الأربعين تسع وثلاثون، ولصاحب الثمانين تسع وسبعون.
قال أبو محمد: فاستوت دعوى الطائفتين في ظاهر الخبر، ولم تكن لإحداهما مزيّةٌ
على الأخرى في الخبر المذكور.
فنظرنا في ذلك، فوجدنا تأويل الطائفة التي رأت أن الخلطة لا تُحيل حكم الزكاة
أصحّ؛ لأن كثيرًا من تفسيرهم المذكور متفقٌ من جميع أهل العلم على صحّته، وليس
شيء من تفسير الطائفة الأخرى مجمعًا عليه، فبطل تأويلهم لتعرّيه من البرهان، وصحّ
تأويل الأخرى؛ لأنه لا شكّ في صحة ما اتفق عليه، ولا يجوز أن يضاف إلى رسول
اللَّهِ وَال﴿ل قول لا يدلّ على صحته نصّ، ولا إجماع، فهذه حجة صحيحة.
ووجدنا أيضًا الثابت عن رسول اللّه ◌َالتر قوله: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة))،
وأن من لم يكن له إلا أربع من الإبل فلا صدقة عليه، ((وليس فيما دون أربعين شاة
شيء))، وسائر ما نصّه عنه ظلَّله في صدقة الغنم، والإبل من أن في أربعين شاة شاة،
وفي خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض، وغير ذلك.
ووجدنا من لم يُحِلْ بالخلطة حكم الزكاة قد أخذ بجميع هذه النصوص، ولم

٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
يُخالف شيئًا منها. ووجدنا من أحال بالخلطة حكم الزكاة يرى في خمسة لكلّ واحد
منهم خمس من الإبل أن على كلّ واحد منهم خُمُس بنت مخاض، وأن ثلاثة لهم مائة
وعشرون شاة على السواء بينهم أن على كل امرىء منهم ثُلُث شاة، وأن عشرة رجال
لهم خمس من الإبل بينهم، فإن بعضهم يوجب على كلّ واحد منهم عُشْر شاة، وهذه
زكاة ما أوجبها اللَّه تعالى قط، وخلاف لحكمه تعالى، وحكم رسوله وَّر انتهى
المقصود من كلام ابن حزم رحمه اللّه تعالى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي حرّره ابن حزم رحمه الله تعالى من ترجيح
تفسير الخليطين بالشريكين، هو الذي يترجّح عندي؛ لما قرّره في كلامه المذكور آنفًا .
والحاصل أن ما ذهب إليه الثوريّ، وأبو حنفيّة، وشريك بن عبد الله، والحسن بن
حيّ، أرجح المذاهب، لما ذُكر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه
أنیب)).
٦- (بَابُ مَانِعِ زَكَاة الإِبِلِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على عقاب مانع زكاة الإبل.
٢٤٤٨ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ بَكْارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا(١)
شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزَّنَادِ (٢)، مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ، مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ
أَبَا هُرَيْرَةَ، يُحَدِّثُ بِهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِ: (تَأْتِي الَّإِلُ عَلَى رَبَّا، عَلَى خَيْرِ مَا
كَانَتْ، إِذَا هِيَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَأْتِي الْغَتَمُ عَلَى رَبَا، عَلَى خَيْرِ مَا
كَانَتْ، إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُّهُ بِأَظْلَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا))، قَالَ: ((وَمِنْ حَقُّهَا أَنْ
◌ُحَلَبَ عَلَى الْمَّاءِ، أَلَا لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَعِيرٍ، يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، لَهُ رُغَاءٌ،
فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَذَ بَلَّغْتُ، أَلَا لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ، يَوْمَ
الْقِيَامَةِ بِشَاةٍ، يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ، لَهَا يُعَارٌ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ
شَيْئًا، قَدْ بَلَّغْتُ))، قَالَ: ((وَيَكُونُ كَنْزُ أَحَدِهِمْ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، شُجَاعًا أَتْرَعَ، يَفِرُّ مِنْهُ
(١) -وفي نسخة: ((حدثني)).
(٢) -وفي نسخة: ((أبو الزناد في حديث عبد الرحمن الأعرج ما ذكر أنه سمع)).

٩٣
٦۔ (بابُ مانع زکاة الإِبل) - حديث رقم ٢٤٤٨
صَاحِبُهُ، وَيَطْلُبُهُ، أَنَا كَنْزُكَ، فَلَا يَزَالُ حَتَّى يُلْقِمَهُ أُضْبُعَهُ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمران بكّار) بن راشد الكلاعيّ البرّاد الحمصي المؤذِّن، ثقة [١١]١٥٤١/١٧.
٢- (عليّ بن عيّاش) الألهانيّ الحمصيّ، ثقة ثبت [٩]١٨٢/١٢٣.
٣- (شعيب) بن أبي حمزة دينار الحمصيّ، ثقة عابد [٧]٨٥/٦٩.
٤- (أبو الزناد) عبد الله بن ذكون القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقة فقيه [٥]
٧/ ٧ .
٥- (عبد الرحمن الأعرج) ابن هرمز، أبو داود المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣]٧/ ٧ .
٦- (أبو هريرة) رضي اللّه تعالى عنه١/١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن النصف الأول منه حمصیون،
والنصف الثاني مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أبا
هريرة أكثر الصحابة رواية للحديث، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن شعيب بن أبي حمزة، أنه (قال: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ، مِمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ
الْأَعْرَجُ) متعلّق بـ((حدثني))، و((من)) للتبعيض، أي بعض ما حدّثه عبد الرحمن بن هُزْمز
الأعرج (مِمَّا ذَكَرَ) ((من)) متعلّق بحال مقدّر، أي حال كونه من جملة ما ذكر (أَنَّهُ سَمِعَ
أَبَا هُرَيْرَةَ) رَّ (يُحَدِّثُ بِهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من أبي هريرة (قَالَ)
أبو هريرة رضي (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((تَأْتِي الإِلُ) يعني يوم القيامة، كما صرّح به في
رواية أخرى (عَلَى رَبِّهَا) أي صاحبها، ومالكها، والربّ هنا بمعنى المالك، وله معان
أُخر، ويستعمل في غير اللَّه تعالى مضافًا، كما في هذا الحديث، ولا يستعمل مع
الإطلاق إلا في حقّ اللّه تعالى.
[فإن قلت]: كيف أطلق الربّ على المالك في هذا الحديث، وحديثٍ ضالّة الإبل:
((حتى يلقاها ربّها))، وحديثٍ أشراط الساعة: ((أن تلد الأمة ربها))، وكلها في
(الصحيحين))، مع ورود النهي في حديث أبي هريرة تَّثه المتفق عليه، فقد روى
الشيخان، عن محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، أنه
سمع أبا هريرة، رضي الله عنه، يحدث عن النبي ◌َّةِ، أنه قال: ((لا يقل أحدكم: أطعم

٩٤
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
ربك، وَضِّئ ربك، اسق ربك، وليقل: سيدي، مولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي،
أمتي، وليقل: فتاي، وفتاتي، وغلامي)). هذا لفظ البخاريّ.
ولفظ مسلم: ((لا يقل أحدكم: اسق ربك، أطعم ربك، وضئ ربك، ولا يقل
أحدكم: ربي، وليقل: سيدي، مولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي، أمتي، وليقل:
فتاي، فتاتي، غلامي)).
[قلت]: أجاب عنه العلماء، فقال ابن الأثير: إن البهائم غير متعبّدة، ولا مخاطبة،
فهي بمنزلة الأموال التي يجوز إضافة مالكيها إليها، وجعلهم أربابًا لها. قال: فأما قوله
تعالى: ﴿أَذْكُرْنِ عِندَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]، فإنه خاطبهم على المتعارف عندهم،
وعلى ما كانوا يسمونهم به، ومثله قول موسىعَلََّلُ للسامريّ: ﴿وَأَنْظُرْ إِلَ إِلَهِكَ﴾
[طه: ٩٧] أي الذي اتخذته إلهًا انتهى كلام ابن الأثير بتصرّف(١).
وقال في ((الفتح)) عند شرح حديث النهي المذكور: ما نصّه: والسبب في النهي أن
حقيقة الربوبيّة للَّه تعالى؛ لأن الربّ هو المالك، والقائم بالشيء، فلا توجد حقيقة ذلك
إلا لله تعالى.
قال الخطّابيّ: سبب المنع أن الإنسان مربوب متعبّد بإخلاص التوحيد للَّه، وترك
الإشراك معه، فكره له المضاهاة في الاسم؛ لئلا يدخل في معنى الشرك، ولا فرق في
ذلك بين الحرّ والعبد ، فأما ما لا تعبّد عليه من سائر الحيوانات، والجمادات، فلا يكره
إطلاق ذلك عليه عند الإضافة، كقوله: (ربّ الدار))، و((رب الثوب)).
وقال ابن بطّال: لا يجوز أن يقال لأحد غير اللَّه ربّ، كما لا يجوز أن يقال له إله.
انتھی .
والذي يختصّ باللّه تعالى إطلاق الربّ بلا إضافة، وأما مع الإضافة، فيجوز إطلاقه،
كما في قوله تعالى حكاية عن يوسف فى الثلا: ﴿أَذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]،
وقوله: ﴿أَرْجِعْ إِلَى رَيْكَ﴾ [يوسف: ٥٠]، وقوله وَ له في أشراط الساعة: ((أن تلد الأمة
ربها))، فدلّ على أن النهي في ذلك محمول على الإطلاق.
ويحتمل أن يكون النهي للتنزيه، وما ورد من ذلك فلبيان الجواز. وقيل: هو
مخصوص بغير النبيّ وَّطهر، ولا يرد ما في القرآن، أو المراد النهي عن الإكثار من ذلك،
واتخاذ استعمال هذه اللفظة عادة، وليس المراد النهي عن ذكرها في الجملة انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أقرب الأجوبة عندي حمل النهي على التنزيه. والله
(١) - ((النهاية)) ج٢ ص١٧٩ .
(٢) - ((فتح)) ج٥ ص ٤٨٧-٤٨٨. ((كتاب العتق)) رقم ٢٥٥٢.

٩٥
٦- (بابُ مانع زكاة الإِبل) - حديث رقم ٢٤٤٨
=
تعالى أعلم بالصواب.
(عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ) أي من العِظَم، والسِّمَن، ومن الكثرة؛ لأنها تكون عنده على
حالات مختلفة، فتأتي على أكملها ليكون ذلك أنكى له لشدّة ثقلها (إِذَا هِيَ لَمْ يُعْطِ)
بالبناء للفاعل، والضمير ل((ربها)). ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، والنائب عن
الفاعل ((حقّها))، والأول أوضح (فِيهَا) أي منها، فـ((في)) بمعنى ((من)) (حَقَّهَا) أي لم يؤدّ
زكاتها، أو ما هو أعمّ، وهذا أولى بدليل قوله: ((ومن حقها أن تُحلب الخ)) (تَطَؤُهُ)
مضارع وَِئَهُ - بالكسر -: إذا داسه، أي تدُوسه تلك الإبل (بِأَخْفَافِهَا) جمع خفّ بالضمّ:
وهو مَجْمَعُ فِرْبِنِ البعير، وقد يكون للنعام، أو الخفُّ لا يكون إلا لهما. قاله في
(القاموس)) (وَتَأْتِي الْغَتَمُ عَلَى رَبِهَا، عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ
بِأَظْلَافِهَا) جمع ظِلْف - بكسر، فسكون- بمنزلة القدم للإنسان، ويكون للبقر، والشاة،
والظبي، ونحوها (وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا) بكسر الطاء، وفتحها، من بابي مَنَعَ، وضَرَبَ.
(قَالَ: وَمِنْ حَقُّهَا) أي المندوب على ما قاله الجمهور، أو الواجب على ما قاله
بعضهم، وهو الحقّ على ما يأتي بيانه، و((من)) للتبعيض (أَنْ تُحُلَبَ) بحاء مهملة، مبنيا
للمفعول، أي لمن يحضرها من المساكين. وذكره الداوديّ -بالجيم- وفسّره بالإحضار
إلى المصدّق. وتعقّبه ابن دحية، وجزم بأنه تصحيف.
ولفظ مسلم: ((حلبها)). قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: هو بفتح اللام على اللغة
المشهورة، وحكي إسكانها، وهو غريب ضعيف، وإن كان هو القياس انتهى(١).
(عَلَى الْمَاءِ) أي في محلّ سقيها الماء. ولفظ مسلم: ((يوم وردها)) -بكسر الواو. أي
إتيانها إلى الماء، أو نوبة الإتيان إلى الماء، فإن الإبل تأتي الماء في كلّ ثلاثة أيام، أو
أربعة، وربما تأتي في ثمانية.
وإنما خصّ الحلب بموضع الماء ليكون أسهل على المحتاجين من قصد المنازل،
وأرفق بالماشية. قاله في ((الفتح)).
ولأنه حالة كثرة لبنها؛ ولأن الفقراء يحضرون هناك لذلك. وفي هذا دليل لمن يرى
في المال حقوقًا غير الزكاة. قاله في ((طرح التثريب)).
وقال الطيبيّ: معناه أن يُسقى ألبانها المارّة، ومن ينتاب المياه من أبناء السبيل.
وقيل: أمر أن يحلبها صاحبها عند الماء ليصيب ذوو الحاجة منه، وهذا مثل نهيه وَل عن
الجذاذ بالليل، أراد أن يُصرَمَ بالنهار ليحضره الفقراء انتهى.
(١) - ((شرح مسلم)) ج٧ ص ٦٧ .

٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
وقال ابن بطال: يريد حقّ الكَرَم، والمواساة، وشريفِ الأخلاق، لا أن ذلك فرضٌ،
قال: وكانت عادة العرب التصدّق باللبن على الماء، فكان الضعفاء يرصدون ذلك
منهم، قال: والحقّ حقّان: فرض عين، وغيره، فالحلب من الحقوق التي هي من
مكارم الأخلاق.
وقال إسماعيل القاضي: الحقّ المفترض هو الموصوف المحدّد، وقد تحدث أمورٌ لا
تُحدّ، فتجب فيها المواساة للضرورة التي تنزل، من ضعيف مضطرّ، أو جائع، أو عارٍ،
أو ميت ليس له من يُواريه، فيجب حينئذ على من يمكنه المواساة التي تزول بها
الضرورات. وقال ابن التين: وقيل: كان هذا قبل فرض الزكاة انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث يردّ قول من قال: إنه من مكارم الأخلاق،
وليس من الواجب، وقول من قال بالنسخ، ويدلّ دلالة واضحة لمن يرى في المال حقًا
سوى الزكاة على ما سنبينه، وهو مذهب غير واحد من التابعين، وهو الحقّ، وسيأتي
تحقيق الخلاف في هذا، في المسألة الثانية، إن شاء الله تعالى.
(أَلَّا) أداة استفتاح وتنبيه (لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَعِيرٍ) أي لا يجوز لأحدكم
أن يمنع بعيرًا من زكاة الإبل، فيأتي به يوم القيامة (يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، لَهُ رُغَاءٌ) بضم
الراء، ومعجمة: صوت الإبل.
وفيه أن الله تعالى يحيى البهائم ليعاقب بها مانع الزكاة، وفي ذلك معاملة له بنقيض
قصده؛ لأنه قصد بمنع حقّ اللّه منها الارتفاق، والانتفاع بما يمنعه منها، فكان ما قصد
الانتفاع به أضرّ الأشياء عليه.
والحكمة في كونها تعاد كلها مع أن حقّ اللَّه فيها إنما هو في بعضها؛ لأن الحقّ في
جميع المال غير متميّز؛ ولأن المال لما لم يُخرَج زكاته غيرُ مطهّر. قاله في ((الفتح))(١).
(فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ) نداء للنبي وَّ ليشفع له في تخليصه من التعذيب بالحمل المذكور
(فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا) من الشفاعة حتى يعفو اللَّه تعالى عنك (قَدْ بَلَّغْتُ) هذا تعليل
لعدم ملكه له شيئًا، وذلك لأنه الجاني على نفسه، حيث بّغه النبيّ ◌َّ ما أوجب الله تعالى
عليه، وعلم ذلك، ثم فرّط فيه، فلو لم يعلم به لعُذر بالجهل (أَلَّا لَا يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ، يَوْمَ
الْقِيَامَةِ بِشَاةٍ، يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ، لَهَا يُعَارٌ) بتحتانيّة مضمومة، ثم مهملة: صوت المعز.
قال في ((الفتح)): وفي رواية المستملي، والكشميهني هنا: (ثُغَاءٌ)) بضم المثلثة، ثم
معجمة، بغير راء، ورجحه ابن التين، وهو صِيَاحُ الغنم. وحكى ابن التين عن القزاز أنه
(١) - ((فتح)) ج٤ ص ١٣ .

=
٩٧
٦- (بابُ مانع زکاة الإبل) - حديث رقم ٢٤٤٨
رواه «تعار)» بمثناة، ومهملة، وليس بشيء. انتهى.
(فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ بَلَّغْتُ))) ما أُمرتُ ببيانه،
وعصيتَ، فلا أشفع لك عند اللَّه تعالى.
(قَالَ) وَّرِ (وَيَكُونُ كَثْزُ أَحَدِهِمْ) قال في ((الصحاح): الكنز المال المدفون. وفي
((المحكم)): أنه اسم للمال، ولما يُخزن فيه. وفي ((المشارق)): أصله ما أُودع الأرضَ،
من الأموال. وفي الحديث: ((ما لم يُؤَدِّ زكاتَهُ، وغيّبه عن ذلك)). وقال في ((النهاية)):
الكنز في الأصل: المال المدفون تحت الأرض، فإذا أخرج منه الواجب لم يبق کنزًا،
وإن كان مكنوزًا، قال: وهو حكم شرعيّ، تُجوّز فيه عن الأصل(١).
وقال ابن عبد البرّ: الكنز في لسان العرب: هو المال المجتمع المخزون، فوق
الأرض كان، أو تحتها. ذكره صاحب ((العين)) وغيره بمعناه. انتهى (٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: سيأتي بيان اختلاف العلماء في المراد بالكنز في هذا
الحديث، ونحوه، وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية
[التوبة: ٣٤]، في المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى.
(يَوْمَ الْقِيَامَةِ) متعلّق بـ((يكون)) (شُجَاعًا) منصوب على الخبرية ل((يكون))، قال
السنديّ: وكتابته بلا ألف كما في بعض النسخ مبنيّ على عادة أهل الحديث في كتابة
المنصوب بلا ألف أحيانًا انتهى (٣).
و((الشجاع)) -بضم الشين المعجمة، وتكسر، بعدها جيم -: الحيّة الذكر. وقيل:
الذي يقوم على ذنبه، ویواثب الفارس، وتقدّم بأكثر من هذا في شرح حديث ابن مسعود
٤ - ٢٤٤١/٢ - (أَقْرَعَ) قيل: هو الذي تقرّع رأسه، أي تمغط لكثرة سمه. وفي «كتاب
أبي عُبيد)): سمي أقرع لأن شعر رأسه يتمعّط لجمعه السمّ فيه. وتعقّبه القزّاز بأن الحيّة
لا شعر برأسها، فلعله يذهب جلد رأسه. وفي ((تهذيب الأزهريّ)): سمي أقرع لأنه
يَقرِي السمّ، ويجمعه في رأسه، حتى تتمغط فروة رأسه، قال ذو الرُّمّة [من الطويل]:
قَرَى السُّمَّ حَتَّى انْمَارَ فَرْوَةُ رَأْسِهِ عَنِ الْعَظْمِ صَلَّ قَاتِلِ اللَّسْعِ مَارِدُه
وقال القرطبيّ: الأقرع من الحيّات الذي ابيض رأسه من السمّ، ومن الناس الذي لا
شعر برأسه. انتهى.
(يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ، وَيَطْلُبُهُ، أَنَا كَنْزُكَ) ولفظ البخاريّ: ((ثم يقول: أنا مالك، أنا
(١) - ((النهاية)) ج٤ ص٢٠٣ .
(٢) - راجع طرح التثريب ج٤ ص ٧-٩ .
(٣) - ((شرح السنديّ)) ج٥ص٢٤-٢٥ .

٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
كنزك)). قال في ((الفتح)): وفائدة هذا القول الحسرة، والزيادة في التعذيب، حيث لا
ينفعه الندم، وفيه نوع من التهكّم (فَلَا يَزَالُ حَتَّى يُلْقِمَهُ أَصْبُعَهُ») بضم حرف المضارعة،
من ألقمه الحجرَ: إذا أدخله في فيه.
وفي حديث ثوبان رَّه عند ابن حبان: ((يتبعه، فيقول: أنا كنزك الذي تركتَهُ بعدَك،
فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده، فيمضغها، ثم يتبعه سائر جسده)). ولمسلم في حديث
جابر وَالثّه: ((يتبع صاحبه حيث ذهب، وهو يفرّ منه، فإذا رأى أنه لا بدّ منه، أدخل يده
في فيه، فجعل يَقضَمُهَا(١) كما يَقضَمُ الفحل)). وللطبرانيّ في حديث ابن مسعود
دَا: ((ينقر رأسه)).
والحديث ظاهر في أن اللَّه تعالى يصيّر نفس المال بهذه الصفة. وفي حديث جابر
رَّه عند مسلم: ((إلا مثل له)) قال القرطبيّ: أي صُوّر، أو نُصِب، وأقيم، من قولهم:
مثَلَ قائمًا: أي منتصبا انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حديث أبي هريرة تَظمي هذا متفق عليه، وقد تقدّم
تخريجه، والكلام على مسائله في ٢٤٤٢/٢- وأتكلّم هنا على ما لم يُذكَر هناك من
المسائل، فأقول:
(المسألة الأولى): قال الحافظ العراقيّ رحمه اللّه تعالى: الظاهر أن قوله: ((ومن
حقها حلبها يوم وردها)) مدرج من قول أبي هريرة، قال: وكأن أبا داود أشار إلى ذلك
في ((سننه)) من غير تصريح، فإنه لما ذكر هذه الزيادة روى بعدها من حديث أبي عمر
الغدانيّ، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللّه وَله نحو هذه القصّة، فقال له يعني
لأبي هريرة: فما حقّ الإبل؟، قال: تُعطي الكريمة، وتَمنَح الغزيرة، وتُفقر الظهر،
وتُطرِق الفحل، وتَسقي اللبن. قال: ففي هذه الرواية أن هذا من قول أبي هريرة تعظمفيه.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: دعوى الإدراج المذكور غير صحيحة، فقد أخرج
الحديث البخاريّ في («صحيحه))، فقال:
١٤٠٢ حدثنا الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، أن عبد الرحمن بن
هرمز الأعرج، حدثه أنه سمع أبا هريرة، رَّه، يقول: قال النبي ◌َّر: ((تأتي الإبل
على صاحبها، على خير ما كانت، إذا هو لم يعط فيها حقها، تطؤه بأخفافها، وتأتي
الغنم على صاحبها، على خير ما كانت، إذا لم يعط فيها حقها، تطؤه بأظلافها،
(١) - يقال: قضم الشيءَ يقضمه، من بابي تَعِبَ، وضرب: إذا كسر بأطراف الأسنان. كما في
((المصباح)).

٩٩
٦- (بابُ مانع زکاة الإِبل) - حديث رقم ٢٤٤٨
وتنطحه بقرونها، وقال: ((ومن حقها أن تحلب على الماء))، قال: ((ولا يأتي أحدكم يوم
القيامة بشاة، يحملها على رقبته لها يُعَار، فيقول: یا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئا،
قد بلغت، ولا يأتي ببعير يحمله على رقبته، له رُغَاء، فيقول: يا محمد، فأقول: لا
أملك لك من الله شيئا، قد بلغت)).
فهذا ظاهرٌ في كون الكلّ مرفوعًا، وأصرح من هذا أن البخاريّ روى الزيادة فقط من
حديث أبي هريرة رَّه ، فقال في ((كتاب المساقاة)) من ((صحيحه)):
٢٣٧٨ حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا محمد بن فليح، قال: حدثني أبي، عن
هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، وَلَّه، عن النبي ◌َّ،
قال: ((من حق الإبل، أن تُحلَب على الماء)).
فهذا صريح في رفع هذا الكلام إلى النبيّ بَله بحيث لا يحتمل الإدراج.
وأخرج مسلم في ((صحيحه)) من حديث أبي الزبير، عن جابر وَنَّه: ((ما من
صاحب إبل، ولا بقر، ولا غنم، لا يؤدّي منها حقّها ... )) الحديث، وفيه: فقلنا: يا
رسول الله وما حقّها؟ قال: ((إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنحتها، وحلبها على
الماء، وحمل عليها في سبيل الله)). وذكر الحديث.
وهذا أيضًا صريح في رفع هذا الكلام إلى النبيّ وَّ. فتنبه.
وقد ادعى العراقيّ أيضًا هنا الانقطاع في هذه الزيادة، بأن مسلما أخرجه في بعض
طرقه دون الزيادة، ثم قال أبو الزبير: سمع عبيد بن عمير يقول هذا القول، ثم سألنا
جابر بن عبد الله، فقال مثل قول عبيد بن عمير، قال أبو الزبير: وسمعت عبيد بن عمير
يقول: قال رجل: يا رسول الله، ما حقّ الإبل؟ قال: ((حلبها على الماء ... ))
الحدیث.
قال العراقيّ: فقد تبيّن بهذا أن هذه الزيادة إنما سمعها أبو الزبير من عبيد بن عمير
مرسلة، لا ذكر لجابر فيها انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذه الدعوى غير صحيحة أيضًا، لأن الانقطاع في
طريق لا يستلزم الانقطاع في جميع الطرق، فأبو الزبير سمعه من جابر تَّه ، مرفوعًا،
وسمعه من عُبيد بن عمير مرسلًا، فحدث بالطريقين، وقد نبّه مسلم بإخراجه من كلا
الطريقين على أن الإرسال هنا لا يضرّ الاتصال، على أن الحديث قد صحّ من رواية أبي
هريرة تظلّه عند البخاريّ كما قدّمته قريبًا.
والحاصل أن ادعاء الإدراج في مثل هذه الزيادة غير صحيح؛ إذ لو فتح مثل هذا
الباب لارتفعت الثقة بروايات الثقات، ولا سيما ما اعتمده الشيخان، وأورداه في

١٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الزَّكَاةِ
((صحيحيهما))، فإن هذا هو الفساد العريض. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الثانية): اختلف أهل العلم في وجوب حقّ في المال سوى الزكاة:
قال المازريّ رحمه اللّه تعالى: يحتمل أن يكون هذا الحقّ في موضع تتعيّن فيه
المواساة. وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: هذه الألفاظ صريحة في أن هذا الحقّ
غير الزكاة. قال: ولعل هذا كان قبل وجوب الزكاة.
وقد اختلف السلف في معنى قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَّذِينَ فِىَّ أَمْوَلِمْ حَقٌ مَعْلُومٌ لِلِسَّيِلِ
وَالْمَعْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥]. فقال الجمهور: المراد به الزكاة، وأنه ليس في المال حقّ
سوى الزكاة. وأما ما جاء غير ذلك فعلى وجه الندب، ومكارم الأخلاق، ولأن الآية
إخبار عن وصف قوم أثني عليهم بخصال كريمة، فلا يقتضي الوجوب، كما لا يقتضيه
قوله تعالى: ﴿كَانُواْ قَلِلًا مِنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧].
وقال بعضهم: هي منسوخة بالزكاة، وإن كان لفظه لفظ خبر، فمعناه أمر.
قال: وذهب جماعة، منهم: الشعبيّ، والحسن، وطاوسٌ، وعطاءٌ، ومسروقٌ،
وغيرهم إلى أنها محكمة، وأن في المال حقًا سوى الزكاة، من فكّ الأسير، وإطعام
المضطرّ، والمواساة في العسرة، وصلة القرابة انتهى (١).
وقال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: إنه مذهب أبي ذرّ، وغير واحد من
التابعين (٢).
وقال أبو محمد ابن حزم رحمه اللّه تعالى: من قال: إنه لا حقّ في المال غير الزكاة،
فقد قال الباطل، ولا برهان على صحّة قوله، لا من نصّ، ولا إجماع، وكلّ ما أوجبه
رسول اللّه وَليل في الأموال فهو واجب. ونسأل من قال هذا، هل تجب في الأموال كفارة
الظهار، والأيمان، وديون الناس، أم لا؟ فمن قولهم: نعم، وهذا تناقض منهم. وأما
إعارة الدلو، وإطراق الفحل، فداخل تحت قول الله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾
(٣)
[الماعون: ٧]. انتهى"
وهذا المذهب هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى، فإنه رجّح القول
بأن في المال حقًّا سوى الزكاة، وذلك مثل صلة الرحم من النفقة الواجبة، وحمل العقل
عن المعقول عنه، ومثل إطعام الجائع، وكسوة العاري، وكالإعطاء في النوائب، مثل
(١) - ((شرح مسلم)) للنوويّ ج٧ص٧٣ - ٧٤.
(٢) - ((طرح التثريب)) ج٤ ص١١ .
(٣) - ((المحلّى)) ج٦ ص٥٠ .