Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
٦٤- ( وَضْعُ الصِّيام عن الحائض) - حديث رقم ٢٣١٩
٦٤- ( وَضْعُ الصِّيَامِ عَنِ الْحَائِضِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أراد بوَضْع الصيام إسقاطَ وجوب أدائه عنها حال
الحيض، لا إسقاط وجوبه أصلاً، فإنه يجب عليها قضاؤه إذا طهرت بخلاف الصلاة.
وقد ذكر العلماء في الفرق بين الصلاة والصيام، حيث إن الصيام وُضع عن الحائض
إلى بدل، بخلاف الصلاة، لأنها تتكرّر، فلم يجب قضاؤها للحرج، بخلاف الصيام.
والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٣١٨ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبِأَنَا (١) عَلِيٍّ - يَعْنِي ابْنَ مُسْهِرٍ - عَنْ سَعِيدٍ،
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ، أَنَّ امْرَأَةَ سَأَلَتْ عَائِشَةَ، أَتَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ، إِذَا
طَهُرَتْ، قَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ، كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهَِهِ، ثُمَّ نَظْهُرُ، فَيَأْمُرُنَا
بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا يَأْمُرْنَا بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ).
قال الجامَع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا
غير مرّة. و(سعيد)): هو ابن أبي عروبة.
وقوله: ((أمرأة سألت الخ)) السائلة المبهمة هي معاذة نفسها، فقد بينه مسلم في
رواية: ((قالت: سألتُ عائشةً ... )).
وقولها: ((أحرورية أنت)) -بفتح الحاء المهملة، وضم الراء الأولى -: أي أمنهم
أنتِ؟، وهم طائفة من الخوارج، نُسبوا إلى حروراء بالمدّ والقصر، وهو موضع قريب
من الكوفة، وكان عندهم تشدّد في أمر الحيض شبَّهتها بهم في تشدّدهم في أمرهم،
وكثرة مسائلهم، وتعنّتهم بها. وقيل: أرادت أنها خرجت عن السنّة كما خرجوا عنها،
ولعلّ عائشة زعمت أن سؤالها تعنت؛ لظهور الحكم عند الخواصّ والعوام، فأغلظت
عليها الجواب، والله تعالى أعلم بالصواب.
وهذا الحديث تقدّم شرحه، وبيان مسائله في ((كتاب الحيض والاستحاضة))، رقم
٣٨٢/١٧، فقد رواه هناك عن عمرو بن زرارة، عن إسماعيل ابن عليّة، عن أيوب،
عن أبي قلابة، عن مُعَاذة، عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها، فراجعه تزدد علمًا. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣١٩- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ سَعِيدٍ،
(١) - وفي نسخة: ((حدثنا))، وفي أخرى: ((أخبرنا)).

٢٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّام
قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ((إِنْ كَانَ لَيَكُونُ عَلَيَّ الصِّيَامُ، مِنْ
رَمَضَانَ، فَمَا أَقْضِيهِ حَتَّى يَجِيءَ شَعْبَانُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عمرو بن عليّ) الفلّاس الصيرفيّ، أبو حفص البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/٢.
٢- (يحيى) بن سعيد القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت حجة [٩] ٤/٤.
٣- (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقة ثبت [٥]
٢٣/٢٢.
٤- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١/١.
٥- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها٥/ ٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذين روى الجماعة عنهم بلا
واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ
شيخه، فبصريّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء
السبعة على بعض الأقوال، وفيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها من المكثرين السبعة،
روت(٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: ((إِنْ كَانَ) ((إن)) مخففة من الثقيلة،
ولذا دخلت اللام في خبرها، واسمها ضمير الشأن محذوفًا، أي إن الشأن، قال السنديّ
رحمه الله تعالی: وأحد الکونین زائد انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: لا يلزم ذلك، بل يحتمل أن يكون ((يكون)) تاما بمعنى
(يجب))، أو ((يثبت)) (لَيَكُونُ) وفي نسخة: ((فيكون)) بالفاء بدل اللام، وهو تصحيف (عَلَيَّ
الصِّيَّامُ، مِنْ رَمَضَانَ) أي بسبب تركها لأجل الحيض (فَمَا أَقْضِيهِ حَتَّى يَجِيءَ شَعْبَانُ) قال
الحافظ رحمه الله تعالى: استدلّ به على أن عائشة راثها كانت لا تتطوّع بشيء من
الصيام، لا في عشر ذي الحجة، ولا في عاشوراء، ولا غير ذلك. وهو مبنيّ على أنها
كانت لا ترى جواز صيام التطوّع لمن عليه دينٌ من رمضان، ومن أين لقائله ذلك؟.
زاد البخاريّ في آخر هذا الحديث: ما نصّه: قال يحيى: الشغلُ من النبيّ ◌َّرَ، أو
بالنبيّ مَ ل# انتهى.

٦٤- ( وَضْعُ الصِّيام عن الخَائِض) - حديث رقم ٢٣١٩
٢٢٣ =
وهو خبر لمحذوف، أي المانع لها الشغل، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي الشغل هو
المانع لها .
قال في ((الفتح)): وفي قوله: ((قال يحيى)) تفصيل لكلام عائشة من كلام غيرها.
ووقع في رواية مسلم مدرجًا، لم يقل: قال يحيى، فصار كأنه من كلام عائشة، أو من
روى عنها. وكذا أخرجه أبو عوانة من وجه آخر، عن زهير، عن يحيى بن سعيد.
وأخرجه مسلم من طريق سليمان بن بلال، عن يحيى مدرجًا أيضًا، ولفظه: ((وذلك
المكان رسول اللَّه مَ لَّ)). وأخرجه من طريق ابن جريج، عن يحيى، فبيّن إدراجه،
ولفظه: ((فظننت أن ذلك لمكانها من رسول اللَّه ◌َ لآت)) يحيى يقوله. وأخرجه أبو داود من
طريق مالك، والنسائيّ من طريق يحيى القطّان، وسعيد بن منصور، عن ابن شهاب
وسفيان، والإسماعيليّ من طريق أبي خالد كلهم عن يحيى بدون الزيادة. وأخرجه
مسلم من طريق محمد بن إبراهيم التيميّ، عن أبي سلمة بدون هذه الزيادة، لكن فيه ما
يشعر بها، فإنه قال فيه: ما معناه: ((فما أستطيع قضاءها مع رسول اللَّه ◌َ)). ويحتمل
أن يكون المراد بالمعيّة الزمان، أي أن ذلك كان خاصًا بزمانه. وللترمذيّ، وابن خزيمة
من طريق عبدالله البهيّ، عن عائشة: ((ما قضيت شيئًا مما يكون عليّ من رمضان إلا في
شعبان حتى قبض رسول اللّه ◌َليتر)) .
ومما يدلّ على ضعف الزيادة أنه وَلو كان يقسم لنسائه، فيعدل، وكان يدنو من المرأة
في غير نوبتها، فيقبّل، ويلمس من غير جماع، فليس في شغلها بشيء من ذلك ما يمنع
الصوم، اللَّهمّ إلا أن يقال: إنها كانت لا تصوم إلا بإذنه، ولم يكن يأذن لاحتمال
احتياجه إليها، فإذا ضاق الوقت أذن لها، وكان هو ◌َلّ يكثر الصوم في شعبان، كما
تقدّم ، فلذلك كانت لا يتهيّأ لها القضاء إلا في شعبان.
وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقًا، سواء كان لعذر، أو لغير
عذر؛ لأن الزيادة كما بيناه مدرجة، فلو لم تكن مرفوعة (١) لكان الجواز مقيّدًا
بالضرورة؛ لأن للحديث حكم الرفع؛ لأن الظاهر اطلاع النبيّ وَّ على ذلك، مع توفّر
دواعي أزواجه على السؤال منه عن أمر الشرع، فلولا أن ذلك كان جائزًا لم تواظب
عائشة عليه .
ويؤخذ من حرصها على ذلك في شعبان أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل
رمضان آخر.
(١) - هكذا نسخة الفتح، والظاهر أن الصواب: ((فلو لم تكن مدرجة)). فليحرّر.

٢٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في الاستدلال به على عدم جواز التأخير المذكور
نظر لا يخفى، والظاهر أن التأخير جائز، لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَيِذَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾،
لكن لا ينبغي للشخص أن يتساهل في التأخير إلا لعذر. والله تعالى أعلم.
قال: وأما الإطعام فليس فيه ما يُثبته، ولا ما ينفيه، وقد تقدّم البحث فيه. انتهى كلام
الحافظ .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الراجح أنه لا يجب الإطعام؛ لعدم نصّ صحيح
مرفوع بوجوبه، بل المنصوص عليه هو القضاء فقط، والأصل براءة الذمّة، حتى يوجد
نصّ ملزم، قال الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى: لم يَذكُر اللَّه الإطعام، إنما قال:
﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ وهو استنباط قويّ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٣١٩/٦٤ - وفي (الكبرى)) ٢٦٢٨/٦٤. وأخرجه(خ) في
(الصوم))١٩٥٠ (م) في ((الصوم))١١٤٦ (د) في ((الصوم)»٢٣٩٩ (ت) في
((الصوم))٧٨٣ (ق) في ((الصيام)) ١٦٦٩ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٤٤٠٧
و٢٤٩٣٤ (مالك في الموطإ) في «الصيام»٦٨٦. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو وضع الصيام عن الحائض أيام
حيضها (ومنها): وجوب القضاء على الحائض بعد ما طهرت عن الحيض (ومنها):
جواز تأخير قضاء رمضان (ومنها): عدم وجوب الفدية لتأخيره، وقد اختلفوا في
وجوبها إذا أخره عن رمضان الذي بعده، وسيأتي بيان ذلك قريبًا إن شاء اللَّه تعالى.
(المسألة الرابعة): اختلف في وجوب التتابع في قضاء رمضان:
ذهب الجمهور إلى جواز التفريق، قال الشوكانيّ: وحكاه في ((البحر)) عن عليّ،
وأبي هريرة، وأنس، ومعاذ ه .
وذهب بعضهم إلى وجوب التتابع، نقله ابن المنذر عن عليّ، وعائشة رَائها. قال
في ((الفتح)»: وهو قول بعض أهل الظاهر. وروى عبدالرزاق بإسناده عن ابن عمر أنه
قال: يقضيه تباعًا. وروي عن إبراهيم النخعيّ، وهو أحد قولي الشافعيّ . وتمسكوا

٦٤- ( وَضْعُ الصِّيَام عَن الخائِض) - حديث رقم ٢٣١٩
٢٢٥ ====
بقراءة: ﴿فعدة من أيام أخر متتابعات﴾ قال في ((الموطا)): هي قراءة أبيّ بن كعب
رَضِعليه. وأجيب بأن عائشة رَثّها قالت: نزلت ﴿فعدة من أيام أخر متتابعات﴾ فسقطت
﴿متتابعات﴾ .
قال الشوكانيّ رحمه الله تعالى: على أنه قد اختلف في الاحتجاج بقراءة الآحاد؛ كما
تقرر في ((الأصول)). وإذا سلم أنها لم تسقط فهي منزلة عند من قال بالاحتجاج بها منزلة
أخبار الآحاد، وقد عارضها ما في الباب من الأحاديث.
ومما احتُجّ به للتتابع ما أخرجه الدارقطنيّ عن أبي هريرة رَّم أنه وَّ قال: ((من
كان عليه صوم من رمضان، فليسرده، ولا يقطعه)). لكن قال البيهقيّ: لا يصحّ، وفي
إسناده عبدالرحمن بن إبراهيم القاضي، وهو مختلف فيه. قال الدار قطنيّ: ضعيف.
وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، رَوَى حديثا منكرًا. قال عبدالحقّ: يعني هذا. وتعقّبه ابن
القطان بأنه لم ينصّ عليه فلعله غيره. قال: ولم يأت مَن ضعفه بحجة، والحديث
حسن .
قال الحافظ: قد صرّح ابن أبي حاتم عن أبيه بأنه أنكر هذا الحديث بعينه على
عبدالرحمن انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من جواز تفريق قضاء رمضان
هو الأرجح عندي؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾، وعدم صحة دليل
على خلافه، والحديث المذكور قد عرفت ما فيه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): اختلف أيضًا في وجوب الفدية على من أخر قضاء رمضان حتى
جاء رمضان آخر:
ذهب الجمهور إلى وجوب الفدية عليه، وروي عن جماعة من الصحابة، منهم: ابن
عمر، وابن عباس، وأبو هريرة. وقال الطحاويّ، عن يحيى بن أكثم، قال: وجدته عن
ستة من الصحابة، لا أعلم لهم مخالفًا.
وذهب إبراهيم النخعيّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، إلى أن الفدية لا تجب. وقدمال
الإمام البخاريّ إلى هذا القول، فقال في ((صحيحه)): ولم يذكر اللَّه الإطعام، إنما قال:
﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ .
وقال العلامة الشوكانيّ رحمه الله تعالى بعد ذكر الخلاف: ما نصّه: وقد بيّا أنه لم
يثبت في ذلك - أي في وجوب الفدية- عن النبيّ وَلجر شيء، وأقوال الصحابة لا حجة
فيها، وذهاب الجمهور إلى قول لا يدلّ على أنه الحقّ، والبراءة الأصليّة قاضية بعدم

٢٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ
وجوب الاشتغال بالأحكام التكليفية حتى يقوم الدليل الناقل عنها، ولا دليل ههنا،
فالظاهر عدم الوجوب انتهى كلام الشوكاني (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكانيّ رحمه اللّه تعالى من عدم
وجوب الفدية في التأخير حسنّ جدًّا، وهو الذي مال إليه الإمام البخاريّ رحمه الله
تعالى، كما مرّ قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٦٥ - (إِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ، أَوْ قَدِمَ
الْمُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ، هَلْ يَصُومُ بَقِيَّةً
يَوْمِهِ؟)
٢٣٢٠ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، أَبُو حَصِينٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
عَبْثَرْ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ صَيْفِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَّهِ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ: ((أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَكَلَ الْيَوْمَ؟))، فَقَالُوا: مِنَّا مَنْ صَامَ، وَمِنَّا مَنْ لَمْ يَصُمْ،
قَالَ: ((فَأْتِمُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ، وَابْعَثُوا إِلَى أَهْلِ الْعَرُوضِ، فَلْيُتِمُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عبدالله بن أحمد بن عبدالله بن يونس) الْيَزْبوعيّ، أبو حَصِین - بفتح أوله،
وكسر ثانيه- الكوفيّ، ثقة [١١] .
قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائيّ، والحضرميّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في
((الثقات))، وقال: مات سنة (٢٤٨) وكذا أرّخه مُطيّنْ، وزاد: في ذي القعدة. انفرد
بالرواية عنه الترمذيّ، والمصنّف، وروى عنه في هذا الكتاب حديثين فقط: هذا ٢٣٢٠
و٢٣٩٠ حديث ((لكني أنا أقوم وأنام .. )) الحديث.
٢- (عَبْثر) - بفتح أوله، وسكون الموحدة، وفتح المثلّثة- ابن القاسم الزُّبيديّ -
بالضمّ - أبو زُبيد - كذلك- الكوفيّ، ثقة [٨] ١٩٠ / ١١٦٤.
(١) - انظر ((نيل الأوطار)) ج٤ ص٢٧٨.

٢٢٧
٦٥ - ( إِذاَ طَهُرَتِ الْحَائِضُ، أَوْ قَدِمَ ... - حديث رقم ٢٣٢٠
٣- (حُصين) بن عبد الرحمن السلميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقة تغيّر حفظه في
الآخر [٥] ٤٧ /٨٤٦ .
٤- (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل مشهور
[٣] ٦٦ / ٨٢ .
٥- (محمد بن صَيْفيّ) بن سهل بن الحارث بن عميد، ويقال: عُبيد بن عنان،
ويقال: عتبان بن عامر بن خَطْمة بن جُشم بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الخطميّ
الصحابيّ المدنيّ، ثم الكوفيّ.
روى عن النبيّ رَاليل حديث الباب فقط. وروى عنه الشعبيّ. قال الأزديّ: لم يرو عنه
غير الشعبيّ. وقال البغويّ: لم يرو إلا هذا الحديث الواحد، وكذا قال ابن عبدالبرّ.
وقال البخاريّ، وابن حبّان: عِدَاده في أهل الكوفة. وأما أبو حاتم، فقال: إنه مدنيّ.
كأنه أراد أن أصله منها. انفرد به المصنّف بهذا الحديث فقط، وابن ماجه، له عنده
حديثان. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، والصحابيّ، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل
بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين
من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند المصنّف، وابن ماجه، وحديث في ((كتاب
الذبائح)) عند ابن ماجه (١). والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِيٍّ) رضي اللّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَهِ، يَوْمَ
عَاشُورَاءَ) هو اليوم العاشر من المحرّم. قال الفيوميّ: وفيها لغات: المدّ، والقصر، مع
الألف بعد العين، وعَشُوراء بالمدّ مع حذف الألف انتهى (٢).
وقال في ((الفتح)): وعاشوراء بالمدّ على المشهور، وحكي فيه القصر، وزعم ابن
دريد أنه اسم إسلاميّ، وأنه لا يعرف في الجاهلية. ورد عليه ابن دحية بأن ابن الأعرابيّ
(١) -وهو ما أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) برقم (٣١٦٦) قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو
الأحوص، عن عاصم، عن الشعبي، عن محمد بن صيفي، قال: ((ذبحت أرنبين بمروة، فأتيت
بهما النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرني بأكلهما)). انتهى. ولم يذكر في ((تحفة الأشراف) -٨/
٣٥٨- له إلا الحديث الأول، فيكون هذا الحديث مما يُستدرك عليه. والله تعالى أعلم.
(٢) - ((المصباح المنير)) في مادة ((عشر)).

٢٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّام
حكى أنه سمع في كلامهم خابوراء، وبقول عائشة: إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه
انتهى. قال الحافظ: وهذا الأخير لا دلالة فيه على ردّ ما قال ابن دريد انتهى (١).
(أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَكَلَ الْيَوْمَ؟، فَقَالُوا: مِنَّ مَنْ صَامَ) أي أمسك عن الأكل (وَمِنَّا مَنْ لَمْ
يَصُمْ) أي من أكل الطعام (قَالَ) وَ ( ((فَأَتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ) أي أكملوا صوم بقيّة يومكم.
وهذا محلّ الترجمة، وسيأتي وجه الاستدلال في ((المسألة الثالثة)) إن شاء الله تعالى
(وَابْعَثُوا إِلَى أَهْلِ الْعَرُوضِ، فَلْيُتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ) ((الْعَرُوض)) - بفتح العين المهملة، وضمّ
الراء - يطلق على مكة والمدينة، وما حولهما. كما في ((القاموس)). وقال ابن الأثير: أراد
مَنْ بأكناف مكة والمدينة. يقال لمكة، والمدينة، واليمن: الْعَرُوض، ويقال للرَّسَاتيق
بأرض الحجاز: الأَعْرَاض، واحدها عِرْض بالكسر انتهى (٢). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث محمد بن صيفيّ رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٣٢٠/٦٥ - وفي ((الكبرى)) ٢٦٢٩/٦٥. وأخرجه (ق) في ((الصيام))
١٧٣٥ (أحمد) في ((مسند الكوفيين)) ١٨٩٥٧. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف، وهو أن الحائض إذا طهرت، والمسافر إذا قدم من
سفره، أو أراد الإقامة في مكان في أثناء النهار يجب عليهما أن يصوما بقية يومهما،
ووجه دلالته على ذلك، أنه وهو أمر مَن أكل، ومن لم يأكل بإتمام صومه في أثناء
النهار، فدل على أن الحائض إذا طهرت، أو أقام المسافر في أثناء النهار وجب عليهما
الإمساك في بقية النهار، ويكون صومهما صومًا صحيحًا، ويعتبر الأكل قبل ذلك
مغتفرًا، كما اغتُفِر أكل الناسي.
(ومنها): أن على الإمام أن يُقيم من يُعلن بدخول وقت الصوم حتى يتنبّه من كان
غافلاً (ومنها): وجوب صوم عاشوراء، وهذا قبل أن يفرض رمضان، ثم نسخ وجوبه،
وبقي استحبابه (ومنها): أن وجوب تبييت النية إنما هو على من كان عالمًا بوجوب
(١) - («فتح» ج٤ ص٧٧١ .
(٢) - ((النهاية في غريب الحديث)) ج ٣ص٢١٤.

٢٢٩
٦٥ - (إِذاَ طَهُرَتِ الْخَائِضُ، أَوْ قَدِمَ ... - حديث رقم ٢٣٢٠
الصوم من الليل، أما من جهل ذلك بأن لم يعلم بدخول رمضان إلا في أثناء النهار،
فصومه صحيح بنيّة النهار. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تعيين يوم عاشوراء:
ذهب أكثر العلماء إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر. قال القرطبيّ: عاشوراء مَعدُول
عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة؛ لأنه مأخوذ من
العشر الذي هو اسم العقد، واليوم مضاف إليها، فإذا قيل: يوم عاشوراء، فكأنه قيل:
يوم الليلة العاشرة؛ إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسميّة، فاستغنوا عن
الموصوف، فحذفوا الليلة، فصار هذا اللفظ عَلَمًا على اليوم العاشر.
وذكر أبو منصور الجواليقيّ أنه لم يُسمع فاعولاء إلا هذا، وضاروراء، وساروراء،
ودالولاء، من الضارّ، والسارّ، والدالّ، وعلى هذا فيوم عاشوراء هو العاشر، وهذا قول
الخليل وغيره.
وقال الزين ابن الْمُنَيّر: الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله
المحرّم، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية.
وقيل: هو اليوم التاسع، فعلى الأول فاليوم مضاف لليلة الماضية، وعلى الثاني هو
مضاف لليلته الآتية. وقيل: إنما سمي يوم التاسع عاشوراء أخذًا من إيراد الإبل، كانوا
إذا رعوا الإبل ثمانية أيام، ثم أوردها في التاسع قالوا: وردنا عِشْرًا -بكسر العين-
وكذلك إلى الثلاثة.
وروى مسلم من طريق الحكم بن الأعرج، قال: ((انتهيت إلى ابن عباس، وهو
متوسّد رداءه، فقلت: أخبرني عن يوم عاشوراء، قال: إذا رأيت هلال المحرّم،
فاعدد، وأصبح يوم التاسع صائمًا، قلت: أهكذا كان النبيّ وَّهِ يصومه؟ قال: نعم.
وهذا ظاهر أن عاشوراء هو اليوم التاسع، لكن قال الزين ابن المنير: قوله: إذا
أصبحت من تاسعه، فأَضْبخ يشعر بأنه أراد العاشر؛ لأنه لا يصبح صائمًا بعد أن أصبح
من تاسعه إلا إذا نوى الصوم من الليلة المقبلة، وهي الليلة العاشرة.
قال الحافظ: ويقوّي هذا الاحتمال ما رواه مسلم أيضًا من وجه آخر، عن ابن عبّاس
أن النبيّ وَّه قال: ((لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التاسع، فمات قبل ذلك)). فإنه ظاهر
في أنه كان يصوم العاشر، وهمّ بصوم التاسع، فمات قبل ذلك، ثم ما همّ به من صوم
التاسع يحتمل معناه أنه لا يقتصر عليه، بل يضيفه إلى اليوم العاشر؛ إما احتياطًا له، وإما
مخالفة اليهود والنصارى، وهو الأرجح، وبه يشعر بعض روايات مسلم. ولأحمد من
وجه آخر عن ابن عباس مرفوعًا: ((صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، صوموا يومًا

٢٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّام
قبله، أو يومًا بعده)). وهذا كان في آخر الأمر، وقد كان وَلّ يحبّ موافقة أهل الكتاب
فيما لم يؤمر فيه بشيء، ولا سيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان، فلما فُتحت
مكة، واشتهر أمر الإسلام أحبّ مخالفة أهل الكتاب أيضًا، كما ثبت في ((الصحيح))،
فهذا من ذلك، فوافقهم أوّلاً، وقال: ((نحن أحقّ بموسى منكم))، ثم أحبّ مخالفتهم،
فأمر بأن يضاف إليه يوم قبله، أويوم بعده خلافًا لهم. ويؤيّده رواية الترمذيّ من طريق
أخرى بلفظ: ((أمرنا رسول اللَّه ◌َ لزبصيام عاشوراء، يوم العاشر)).
وقال بعض أهل العلم: قوله وَّي في صحيح مسلم: ((لئن عشت إلى قابل لأصومن
التاسع)) يحتمل أمرين: ((أحدهما)): أنه أراد نقل العاشر إلى التاسع. و((الثاني)): أراد أن
يضيفه إليه في الصوم، فلما توفّ وَل# قبل بيان ذلك كان الاحتياط صوم اليومين، وعلى
هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب: أدناها أن يصام وحده، وفوقه أن يصام التاسع
معه، وفوقه أن يصام التاسع والحادي عشر. (١) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): استدلّ بحديث الباب على صحة الصيام لمن لم ينوه من الليل،
سواء كان رمضان، أو غيره؛ لأنه ◌َ﴿ أمر بالصوم في أثناء النهار، فدلّ على أن النيّة لا
تشترط من الليل.
قال الحافظ: وأجيب بأن ذلك يتوقّف على أن صيام عاشوراء كان واجبًا، والذي
يترجّح من أقوال العلماء أنه لم يكن فرضًا، وعلى تقدير أنه كان فرضًا، فقد نسخ بلا
ريب، فنسخ حكمه، وشرائطه بدليل قوله: ((من أكل فليتمّ))، ومن لا يشترط النيّة من
الليل لا يجيز صيام من أكل من النهار.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((والذي يترجح من أقوال العلماء أنه لم يكن
فرضًا))، إن أراد كونه مذهب الجمهور، فمسلم، وإن أراد أنه راجح من حيث الدليل
فلا؛ لأن الذي يترجح بالأدلة الواضحة كونه فرضًا، لكنه نسخ برمضان.
وقد ذكر الحافظ نفسه ما يناقض كلامه المذكور، فقال عند شرح حديث معاوية
تطمئتي ((ولم يكتب الله عليكم صيامه)):
ما ملخّصه: ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبًا؛ لثبوت الأمر بصومه، ثم
تأكُّد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العامّ، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم
زيادته بأمر الأمهات أن لا يُرضعن فيه الأطفال، وبقول ابن مسعود الثابت في مسلم:
(١) - ((فتح) ج٤ ص ٧٧١ - ٧٧٢ .

٢٣١
٦٥ - (إِذاَ طَهُرَتِ الْخَائِضُ، أَوْ قَدِمَ ... - حديث رقم ٢٣٢٠
((لما فُرض رمضان تُرك عاشوراء))، مع العلم بأنه ما ترك استحبابه، بل هو باق، فدلّ
على أن المتروك وجوبه. وأما قول بعضهم: المتروك تأكد استحبابه، والباقي مطلق
استحبابه، فلا يخفى ضعفه، بل تأكد استحبابه باق، ولا سيما مع استمرار الاهتمام به
حتى في عام وفاته وَّر، حيث يقول: (لئن عشت لأصومنّ التاسع والعاشر))، ولترغيبه
في صومه، وأنه يكفّر سنة، وأيّ تأكيد أبلغ من هذا؟ انتهى.
فتبيّن بهذا أن الصواب أن صوم عاشوراء كان فرضًا، ثم نسخ بفرض رمضان. والله
تعالى أعلم.
قال: وصرّح ابن حبيب من المالكية بأن ترك التبييت لصوم عاشوراء من خصائص
عاشوراء، وعلى تقدير أن حكمه باق، فالأمر بالإمساك لا يستلزم الإجزاء، فيحتمل أن
يكون أمر بالإمساك لحرمة الوقت، كما يؤمر من قدم من سفر في رمضان نهارًا، وكما
يؤمر من أفطر يوم الشكّ، ثم رأى الهلال، وكلّ ذلك لا ينافي أمرهم بالقضاء.
بل ورد ذلك صريحًا في حديث أبي داود، والنسائيّ، من طريق قتادة، عن
عبدالرحمن بن سلمة (١) ، عن عمّه: أن أسلم أتت النبيّ وَّر، فقال: ((صمتم يومكم
هذا؟))، قالوا: لا، قال: ((فأتمّوا بقية يومكم، واقضوه)). وعلى تقدير أن لا يثبت هذا
الحديث في الأمر بالقضاء، فلا يتعيّن ترك القضاء، لأن من لم يدرك اليوم بكماله لا
يلزمه القضاء، كمن بلغ، أو أسلم في أثناء النهار.
واحتجّ الجمهور لاشتراط النية في الصوم من الليل بما أخرجه أصحاب ((السنن)) من
حديث عبدالله بن عمر، عن أخته حفصة * أن النبيّ وَّ قال: ((من لم يبيّت الصيام
من الليل فلا صيام له)). لفظ النسائيّ، ولأبي داود، والترمذيّ: ((من لم يُجمِع الصيام
قبل الفجر فلا صیام له)).
واختلف في رفعه ووقفه، ورجّح الترمذيّ، والنسائيّ الموقوف، بعد أن أطنب
النسائيّ في تخريج طرقه. وحكى الترمذيّ في ((العلل)) عن البخاريّ ترجيح وقفه.
وعمل بظاهر الإسناد جماعة من الأئمة، فصحّحوا الحديث، منهم: ابن خزيمة،
وابن حبّان، والحاكم، وابن حزم. وروى له الدارقطنيّ طريقًا آخر، وقال: رجالها
ثقات.
وأبعَدَ من خصّه من الحنفيّة بصيام القضاء والنذر، وأبعَدُ من ذلك تفرقة الطحاويّ
(١) - قال ابن القطان: مجهول، وقال الذهبيّ: لا يعرف. فالحديث بزيادة: ((واقضوه)) لا
يصحّ، لكونه من طريق عبدالرحمن بن سلمة، وهو وإن ذكره ابن حبان في ((الثقات))، مجهول.
فتنبه .

٢٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ
بين صوم الفرض إذا كان في يوم بعينه، كعاشوراء، فتجزىء النيّة في النهار، أو لا في
يوم بعينه، كرمضان، فلا يجزىء إلا بنيّة من الليل، وبين صوم التطوّع، فيجزىء في
الليل وفي النهار.
وقد تعقّبه إمام الحرمين بأنه كلام غثّ، لا أصل له. وقال ابن قدامة: تعتبر النية في
رمضان لكلّ يوم في قول الجمهور، وعن أحمد أنه يجزئه نية واحدة لجميع الشهر،
وهو كقول مالك، وإسحاق. وقال زفر: يصحّ صوم رمضان في حقّ المقيم الصحيح
بغير نية، وبه قال عطاء، ومجاهد.
واحتجّ زفر بأنه لا يصحّ فيه غير صوم رمضان؛ لتعينه، فلا يفتقر إلى نية؛ لأن الزمن
معیار له، فلا یتصوّر في يوم واحد إلا صوم واحد.
وقال أبو بكر الرازيّ: يلزم قائل هذا أن يصحح صوم المغمى عليه في رمضان إذا لم
يأكل، ولم يشرب؛ لوجود الإمساك بغير نيّة، قال: فإن التزمه كان مستشنعًا. وقال
غيره: يلزمه أن من أخر الصلاة حتى لم يبق من وقتها إلا قدرها، فصلى حينئذ تطوعًا أنه
يجزئه عن الفرض.
واستدلّ ابن حزم بحديث الباب، وحديث سلمة رَّه الآتي في الباب التالي،
مرفوعًا: ((من أكل، فليتمّ بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم)). على أن من ثبت له
هلال رمضان بالنهار جاز له استدراك النية حينئذ، ويجزئه، وبناه على أن عاشوراء كان
فرضًا أوّلاً، وقد أمروا أن يمسكوا في أثناء النهار، قال: وحكم الفرض لا يتغيّر. قال
الحافظ: ولا يخفى ما يَرِدُ عليه مما قدمناه. وألحق بذلك من نسي أن ينوي من الليل؛
الاستواء حكم الجاهل والناسي. انتهى كلام الحافظ.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه ابن حزم رحمه الله تعالى، هو
الراجح الذي يؤيده الدليل الواضح البيّن، وما ادعاه الحافظ من أنه يَرِدُ عليه ما تقدم غير
مقبول؛ لأن ما قدمه من ترجيح عدم كون صوم عاشوراء فرضًا، غير مسلّم، فتنبه .
والحاصل أن الصوم فرضه ونفله لا يصحّ إلا بنيّة من الليل، إلا ما خصّ بحديث
الباب، ونحوه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).

٢٣٣
٦٦ - ( إِذاَ لَمْ يُجْمِعْ مِنَ اللَّيِّل، هَلْ ...- حديث رقم ٢٣٢١
٦٦- ( إِذَا لَمْ يُجْمِعْ مِنَ اللَّيْلِ، هَلْ
يَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنَ التَّطَّوَّعِ)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن المصنّف رحمه اللّه تعالى يرى أن أمر
النبيّ ◌َ ل﴿ بصوم يوم عاشوراء الذي في حديث الباب كان أمر استحباب، وبنى على ذلك
جواز صوم التطوّع لمن لم ينو من الليل.
لكن الذي يتضح من حديث الباب، وحديث الباب السابق، ونحوهما أن أمره وَله.
بصوم عاشوراء أمر وجوب، لا أمر استحباب، إذ الأمر للوجوب ما لم يصرفه صارف،
ولا صارف هنا. فتأمل.
قال السنديّ رحمه اللَّه تعالى في ((شرحه)): والمصنف حمل الحديث على صوم
النفل؛ لأن صوم عاشوراء ليس بفرض، ولكن استدلّ صاحب ((الصحيح)) على عموم
الحكم، وذلك لأن الأحاديث تدلّ على افتراض صوم عاشوراء، من جملتها هذا
الحديث، فإن هذا الاهتمام يقتضي الافتراض. وعلى هذا فالحديث ظاهر في جواز
الصوم بنية من النهار في صوم الفرض.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: نعم هذا الاستدلال یتمّ، لو لم يصحّ لدينا حديث:
(من لم يبيت الصيام من الليل، فلا صيام له))، وأما بعد صحته، فيحمل هذا الحديث
على من كان جاهلاً بيوم الصوم مثل حال أهل صوم عاشوراء الذين أذّن فيهم بالأمر
المذكور، وأما من علم ذلك، فلا بد من تبييت النية من الليل عملاً بالدليلين. فتنبّه.
قال: وما قيل: إنه إمساك لا صوم، مردود بأنه خلاف الظاهر، فلا يصار إليه بلا
دلیل .
نعم قد قام الدليل فيمن أكل قبل ذلك.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ليس هنا دليل يدل على أن من أكل لم يصحّ صومه،
بل الدليل بالعكس، وهو أن صوم من أكل صحيح. فتنبه.
قال: وما قيل: إنه جاء في ((سنن أبي داود)) أنهم أتموا بقية اليوم، وقضوه. قلنا: هو
شاهد لنا، عليكم، حيث خصّ القضاء بمن أتمّ بقية اليوم، لا بمن صام تمامه، فعلم أن
من صام تمامه بنية من النهار فقد جاز صومه.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: كلام السنديّ هذا كله مبنيٍّ على نصرة مذهبه مذهب
الحنفیة، والحدیث المذکور لا یصحّ، ولا يصلح للاحتجاج به، كما تقدم، فكيف يُردّ به ما

٢٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
صحّ من أحاديث وجوب تبييت النية؟ فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّز بتقليد ذوي الاعتساف.
قال: لا يقال: يوم عاشوراء منسوخ، فلا يصحّ به الاستدلال، لأنا نقول: دلّ
الحديث على شيئين: أحدهما وجوب صوم عاشوراء. والثاني: أن الصوم الواجب في
يوم بعينه يصحّ بنية من نهار، والمنسوخ هو الأول، ولا يلزم من نسخه نسخ الثاني، ولا
دليل على نسخه أيضًا.
بقي فيه بحثٌ، وهو أن الحديث يقتضي أن وجوب الصوم عليهم ما كان معلومًا من
الليل، وإنما عُلم من النهار، وحينئذ صار اعتبار النية من النهار في حقّهم ضروريا؛ كما
إذا شهد الشهود بالهلال يوم الشكّ، فلا يلزم جواز الصوم بنية من النهار بلا ضرورة،
وهو المطلوب. والله تعالى أعلم. انتهى كلام السنديّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا البحث الأخير هو محطّ الأنظار لكلّ منصف،
ولذا لم يتعرّض السنديّ لدفعه، حیث علم أنه دليل مُفحِم.
والحاصل أن الحقّ أنه لا يصحّ الصوم إلا بنية من الليل؛ لحديث حفصة عليها الآتي
بعد باب، إلا لمن كان على مثل حال هؤلاء الذين بَيَّن حالهم حديثُ سلمة بن الأكوع
رَّيه ، من الجهل بوجوب الصوم من الليل. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٣٢١- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتَى، عَنْ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
سَلَمَةُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، قَالَ لِرَجُلِ: ((أَذْن)) - يَوْمَ عَاشُورَاءَ - ((مَنْ كَانَ أَكَلَ، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ
يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ، فَلْيَصُمْ»).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١- (محمد بن المثنّى) بن عُبيد المعروف بالزَّمِنُ ، أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، ثقة
ثبت [١٠] ٨٠/٦٤ .
٢- (يحيى) بن سعيد القطان المذكور قبل باب، وكذا الباقيان تقدّما قبل بابين. والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٢٥) من رباعيات
الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد المشايخ
التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ يَزِيدَ) بن أبي عُبيد، مولى سلمة بن الأكوع ، أنه (قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ) بن عمرو

٦٦- ( إِذاَ لَمْ يُجْمِعْ مِنَ اللَّيِّل، هلْ ...- حديث رقم ٢٣٢١
٢٣٥
ابن الأكوع ◌َُّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ، قَالَ لِرَجُلِ: أَذْنْ))) من التأذين، ويحتمل أن يكون
من الإيذان، فيكون بمدّ الهمزة. وفي رواية للشيخين: ((بعث رسول اللّه وَل رجلاً من
أسلم، يوم عاشوراء، فأمره أن يؤذّن في الناس ... )).
قال في ((الفتح)): واسم هذا الرجل هند بن أسماء بن حارثة الأسلميّ، له ولأبيه،
ولعمه هند بن حارثة صحبة، أخرج حديثه أحمد، وابن أبي خيثمة من طريق ابن
إسحاق: حدثني عبدالله بن أبي بكر، عن حبيب بن هند بن أسماء الأسلميّ، عن أبيه،
قال: بعثني النبيّ ثَلَّ إلى قومي من أسلم، فقال: ((مُز قومك أن يصوموا هذا اليوم، يوم
عاشوراء، فمن وجدته منهم قد أكل في أول يومه، فليصم آخره)). ورى أحمد أيضًا من
طريق عبدالرحمن بن حرملة، عن يحيى بن هند، قال: وكان هند من أصحاب
الحُدَيبية، وأخوه الذي بعثه رسول اللّه مَليل يأمر قومه بالصيام يوم عاشوراء. قال:
فحدّثني يحيى بن هند، عن أسماء بن حارثة أن رسول اللَّه وَلّل بعثه، فقال: ((مر قومك
بصيام هذا اليوم))، قال: أرأيت إن وجدتهم قد طَعِمُوا؟ قال: ((فليتمّوا آخر يومهم)).
قال الحافظ: فيحتمل أن يكون كلّ من أسماء، وولده هند أُرسلا بذلك. ويحتمل أن
يكون أطلق في الرواية الأولى على الجدّ اسم الأب، فيكون الحديث من رواية حبيب
ابن هند، عن جدّه أسماء، فتتحد الروايتان. والله أعلم انتهى.
(-يَوْمَ عَاشُورَاءَ-) متعلّق بـ((أَذْن)) (مَنْ كَانَ أَكَلَ، فَلْيْتِمَّ بَقِيَّةً يَوْمِهِ) ولفظ مسلم:
((فليُتمّ صيامه إلى الليل))، وهو صريح في أن صومه بقية يومه صوم لكله، وإن تقدمه
أكل، أو شرب، أو نحوه، فهو بمنزلة من أكل، أو شرب ناسيًا، فإن صومه صحيح
بإجماع، ومن تأوله بأن المراد مجرد الإمساك لحرمة اليوم، فقد حمّله ما لا يتحمّله من
دون ضرورة تُلجِىء إليه. والله تعالى أعلم.
(وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ، فَلْيَصُمْ) قال النوويّ: احتجّ أبو حنيفة رحمه الله بهذا الحديث
لمذهبه أن صوم رمضان وغيره من الفرض يجوز نيته في النهار، ولا يشترط تبييتها،
قال: لأنهم نووا في النهار، وأجزأهم.
وقال الجمهور: لا يجوز رمضان، ولا غيره من الصوم الواجب إلا بنية من الليل،
وأجابوا عن هذا الحديث بأن المراد إمساك بقية النهار، لا حقيقة الصوم، والدليل على
هذا أنهم أكلوا، ثم أمروا بالإتمام، وقد وافق أبو حنيفة وغيره على أن شرط إجزاء النية
في النهار في الفرض والنفل أن لا يتقدمها مفسد للصوم من أكل أو غيره.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الجواب فيه نظر لا يخفى، إذ هو مخالف لظاهر
النصّ، فالنبيّ وَّه يقول: ((فليتمّ صيامه إلى الليل))، فيُثبِت كونه صوما صحيحاً، بنصه

= ٢٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
الصريح، وهو إنما بعث لتبيين الحقائق الشرعيّة، وهم يقولون: ليس صوما صحيحًا،
إن هذا لشيءٌ عُجاب.
والحاصل أن الصواب أن هذا الصوم صحيح، وجاز بنية من النهار للعذر بالجهل
به، كما تقدّم. والله تعالى أعلم.
قال: وجواب آخر أن صوم عاشوراء لم يكن واجبًا عند الجمهور، وإنما كان سنة
متأكدة.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد قدّمنا أن الصحيح كون صوم عاشوراء فرضًا، ثم
نسخ، لظواهر النصوص. والله تعالى أعلم.
قال: وجواب ثالث أنه ليس فيه أنه يجزيهم، ولا يقضونه، بل لعلهم قضوه، وقد
جاء في سنن أبي داود في هذا الحديث: ((فأتموا بقية يومكم، واقضوه)). انتهى كلام
النوويّ .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قوله: ((لعلهم قضوه)) غير صحيح، فمن أين هذا
الظنّ؟، والزيادة التي ذكرها من ((سنن أبي داود)» غير صحيحة، كما تقدم بيان ذلك.
والحاصل أن صوم من لم يعلم بكون اليوم من رمضان، ثم تبين له في أثناء النهار أنه
منه، فلیتم يومه صائمًا سواء تقدم له أكل ونحوه، أو لم يتقدم، فيكون صومه صحيحًا
مجزئًا عن فرضه؛ لحديث الباب وغيره، فيكون كمن أكل، أو شرب ناسيًا، فإن صومه
صحيح تام بلاخلاف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث سلمة رَث هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٣٢١/٦٦ - وفي (الكبرى)) ٢٦٣٠/٦٦. وأخرجه (خ) في
((الصوم))١٩٢٤ و٢٠٠٧ وفي ((أخبار الآحاد)) ٧٢٦٥ (م) في ((الصيام)) ١١٣٥
(أحمد) في ((مسند المدنيين)) ١٦٠٧٢ (الدارميّ) في ((الصوم))١٧٦١. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».

٦٧- ( النُّ فِي الصِیام، والاختلاف ... - حديث رقم ٢٣٢٢
٢٣٧ =
٦٧ - ( النَّّةُ فِي الصِّيَّام، والاخْتِلَافُ
عَلَى طَلْحَةَ بْنِ يَخْتَى بْنِ طَلْحَةٍ فِي
خَبَرِ عَائِشَةَ فِيهِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن أبا الأحوص، وشَریکًا،
وسفيان في رواية رووه عن طلحة، عن مجاهد، عن عائشة تعط ثتها .
ورواه سفيان، في رواية، ويحيى القطان، ووكيع، ثلاثتهم عن طلحة، عن عائشة
بنت طلحة، عن عائشة تطلبها .
ورواه القاسم بن مَغْن في رواية، عن طلحة بن يحيى، عن عائشة بنت طلحة،
رَعنها .
ومجاهد كلاهما عن عائشة
ورواه القاسم في رواية، عن طلحة، عن مجاهد، وأم كلثوم: أن رسول اللَّه وَلنيل
دخل على عائشة، مرسلاً.
والظاهر أن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ كما في نظائره. وقد رجّح مسلم طريق طلحة
ابن يحيى، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة تَُّها، فأخرجها في ((صحيحه)). والله
تعالى أعلم بالصواب.
٢٣٢٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو
الْأَخْوَصِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَخْتِى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ
رَسُولُ اللهِ وَهِ يَوْمًا، فَقَالَ: ((هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟))، فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: ((فَإِنِّي صَائِمٌ))، ثُمَّ
مَرَّ بِي بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَقَدْ أُهْدِيَ إِلَيَّ حَيْسٌ، فَخَبَأْتُ لَهُ مِنْهُ، وَكَانَ يُحِبُّ الْخَيْسَ،
قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنّهُ أُهْدِيَ لَّنَا حَيْسٌ، فَخَبَأْتُ لَكَ مِنْهُ، قَالَ: ((أَذْنِيهِ، أَمَا إِنِّي قَدْ
أَصْبَحْتُ، وَأَنَا صَائِمٌ))، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ الْمُتَطَوِّعِ، مَثَلُ الرَّجُلِ،
يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَّةَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧.
٢- (عاصم بن يوسف) اليربوعيّ، أبي عمرو الخيّاط الكوفيّ، ثقة، من كبار [١٠].
قال أبو حاتم: لقيته، ولم أسمع منه. وقال الدارقطنيّ: ثقة. وقال أبو بكر البزار:
ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال محمد بن عبدالله الحضرميّ: مات

٢٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام
سنة (٢٢٠) وكان ثقة. روى له البخاريّ، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا
الكتاب ثلاثة أحاديث برقم ٢٣٢٢ و٣٦٢٣ و ٤٠٨٩ .
٣- (أبو الأحوص) سلام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقة متقن [٧] ٩٦/٧٩.
٤- (طلحة بن يحيى بن طلحة) المدنيّ، نزيل الكوفة، صدوق يخطىء [٦] ٣٦/
٥٨٠ .
٥- (مجاهد) بن جبر المخزوميّ مولاهم، أبو الحجاج المكيّ، ثقة فقيه إمام [٣]
٣١/٢٧ .
٦- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها٥/٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير
شيخه، فنسائي، ومجاهد، فمكيّ، والصحابيّة، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه عائشة رضي
اللَّه تعالى عنها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللّه تعالى عنها (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللّهِ وَهِ يَوْمَا، فَقَالَ:
(هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟) وفي نسخة: ((من شيءٍ))، أي مما يُؤْكل (فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: ((فَإِنِّي
صَائِمٌ))) فيه دليل على جواز صوم التطوّع بنية من النهار، وبه قال كثير من أهل العلم،
وقد تقدّم الكلام عليه في الباب الماضي.
( ثُمَّ مَرَّ بِي بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَقَدْ أَهْدِيَ) بالبناء للمفعول (إِلَيَّ حَيْسٌ) بفتح الحاء
المهملة، وسكون التحتانيّة: هَو شيء يُتّخذ من تمر، وسَمْن، وأقِطِ. وقال الفيّوميّ:
تمر ◌ُنزَع نواه، ويُدقّ مع أَقِطِ، ويُعجنان بالسمن، ثم يدلك باليد حتى يبقى كالثريد،
وربّما جُعل معه سويقٌ، وهو مصدرٌ في الأصل، يقال: حاسَ الرجلُ حَيْسًا، من باب
باع: إذا اتخذ ذلك انتهى.
(فَخَبَأْتُ لَهُ مِنْهُ) أي أفردت له بعضه، وتركته مستورًا عن أعين الناس (وَكَانَ يُحِبُّ
الْحَيْسَ، قَالَتْ) وفي نسخة: ((قلت)) (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنّهُ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَخَبَأْتُ لَكَ مِنْهُ،
قَالَ: ((أَدْنِيهِ) أمر من الإدناء، أي قرّبيه (أَمَا) أداة استفتاح، وتنبيه، مثل ((ألا)) (إِنِّي قَدْ
أَصْبَحْتُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَأَكَلَ مِنْهُ) وهذا يدلّ على جواز الفطر للصائم المتطوّع بلا عذر،
وهو مذهب الجمهور، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة، إن شاء اللّه تعالى.

٦٧ - (النُّ فِي الصِّيام، والاخْتِلاَفُ ... - حديث رقم ٢٣٢٢
٢٣٩ ==
(ثُمَّ قَالَ: (إِنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ الْمُتَطَوِّعِ) وفي نسخة: ((إنما مثل التطوّع)) (مَثَلُ الرَّجُلِ،
يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا))) ظاهر رواية المصنّف يدلّ
على أن قوله: ((إنما مثل صوم المتطوّع الخ)) من كلام النبيّ وَلّر، لكن في ((صحيح
مسلم)) ما يدلّ على أنه من كلام مجاهد، ولفظه من طريق عبدالواحد بن زياد، عن
طلحة بن يحيى: ((قال طلحة: فحدثت مجاهدًا بهذا الحديث، فقال: ذاك بمنزلة الرجل
يُخرج الصدقة من ماله، فإن شاء أمضاها، وإن شاء أمسكها)) انتهى.
وصحح رفع هذه الزيادة بعض أهل العلم (١)، وقال: إن الرواي قد يرفع الحديث
تارة، ويوقفه أخرى، فإذا صحّ السند بالرفع بدون شذوذ كما هنا، فالحكم له، ولذلك
قالوا: زيادة الثقة مقبولة انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: كون الزيادة مرفوعة هو الظاهر، ولا ينافيها وقف من
وقفها، إذ المرفوع، روايته، والموقوف فتواه، رواه لبعض الناس، وأفتى به بعضَ
الناس، فلا تنافي بينهما. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث عائشة ريثها هذا أخرجه مسلم دون قوله: ((إنما مثل الخ)).
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه :
أخرجه هنا-٢٣٢٢/٦٧ و٢٣٢٣ و٢٣٢٤ و٢٣٤٥ و٢٣٢٦ و٢٣٢٧ و٢٣٢٨
و٢٣٢٩ و٢٣٣٠ - وفي ((الكبرى)) ٢٦٣١/٦٧ و ٢٦٣٢ و ٢٦٣٣ و ٢٦٣٤ و٢٦٣٥
و٢٦٣٦ و٢٦٣٧ و٢٦٣٨ و٢٦٣٩. وأخرجه (م) في ((الصيام)) ١١٥٤ (د) في ((الصوم))
٢٤٥٥ (ت) في ((الصوم)) ٧٣٣ (أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٣٧٠٠ و٢٥٢٠٣.
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو جواز صوم التطوّع بنيّة من
النهار (ومنها): جواز الفطر للمتطوّع متى شاء، ولو بلا عذر (ومنها): ما كان عليه النبيّ
وَله من التقلل من الدنيا زهدًا في ملذات الدنيا الفانية، وإيثارًا لما عند اللَّه، من نعيم
الآخرة: قال الله تعالى: ﴿ما عندكم ينفد، وما عند اللَّه باق﴾ (ومنها): ما كان عليه
(١) - هو الشيخ الألباني حفظه اللَّه تعالى، انظر ((الإرواء)) ج٤ ص١٣٦.

٢٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّام
الصحابة من مواساة رسول اللَّه ◌َ لقولهبما عندهم من طيبات الطعام (ومنها): ما كان
عليه النبيّ ◌َلها من قبول الهدية (ومنها): ضرب المثل للتقريب إلى الأذهان (ومنها): أن
من أخرج شيئًا من ماله للتصدق به، ثم بدا له أن لا يتصدّق، فله ذلك. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف العلماء في حكم فطر الصائم المتطوّع:
ذهبت طائفة إلى جواز الفطر لمن كان صائمًا تطوعا، ولا قضاء عليه. وبه قال عمر،
وعليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وحذيفة، وأبو الدرداء،
والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق.
واحتجّوا بحديث الباب، وبما رواه البخاريّ في ((صحيحه)) من طريق أبي العُمَيس،
عن عون ابن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: آخى النبي ◌َّه بين سلمان وأبي الدرداء،
فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء مُتَبَذْلَة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو
الدرداء، ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعاما، فقال: كل، قال:
فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل، فلما كان الليل، ذهب أبو
الدرداء يقوم، قال: نَمْ، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان من آخر الليل، قال
سلمان: قم الآن، فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا،
ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي وَّرَ، فذكر ذلك له، فقال
النبي قال: ((صدق سلمان)).
وبما رواه الترمذيّ، والنسائيّ، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، عن أم هانىء، قالت: قال
رسول اللَّه ◌َ له: ((الصائم المتطوّع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر)). قال
النوويّ في ((شرح المهذب)): ألفاظ رواياتهم متقاربة المعنى، وإسنادها جيّد (١). وقال
الترمذيّ: في إسناده مقال.
ومن حجتهم حديث أم هانىء: أنها دخلت على النبيّ بَّرَ، وهي صائمة، فدعا
بشراب، فشرب، ثم ناولها، فشربت، ثم سألته عن ذلك، فقال: ((أكنت تقضين يوما
من رمضان؟))، قالت: لا، قال: ((فلا بأس))، وفي رواية: ((إن كان من قضاء، فصومي
مكانه، وإن كان تطوعا، فإن شئت فاقضه، وإن شئت فلا تقضه)). أخرجه أحمد،
والترمذيّ، والنسائيّ. وفي إسناده هارون ابن ابنة أم هانىء، لا يعرف.
(١) - هذا ليس بجيّد، بل الصحيح ما قاله الترمذيّ من أن في إسناده مقالاً، لأن في إسناده جعدة
المخزوميّ، قال فيه البخاريّ: فيه نظر، وضعفه ابن عديّ. وقد صحح الشيخ الألباني الحديث،
انظر ((صحيح الجامع)) ج٢ ص٧١٧ .