Indexed OCR Text

Pages 121-140

٤٣- (ذِكْرُ الاخْتِلافِ عَلَى مُحَمَّدٍ ... - حديث رقم ٢٢٤٣
١٢١ ==
ابن كُليب الحنظليّ الكوفيّ، وأبي معشر نجيح السنديّ المدنيّ، فقال:
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَبُو مَعْشَرِ هَذَا، اسْمُهُ زِيَادُ بْنُ كُلَيْبٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ، وَهُوَ صَاحِبُ
إِبْرَاهِيمَ، رَوَى عَنْهُ مَنْصُورٌ، وَمُغِيرَةُ، وَشُعْبَةُ.
وَأَبُو مَعْشَرِ الْمَدَنِيُّ (١)، اسْمُهُ نَجِيحٌ (٢)، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَمَعَ ضَعْفِهِ أَيْضًا، كَانَ قَدِ
اخْتَلَطَ، عِنْدَهُ أَحَادِيثُ مَتَاكِيرُ، منها:
مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ، قَالَ: ((مَا بَيْنَ
الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ)).
وَمِنْهَا هِشَامُ بْنُ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ: (لَا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ
بِالسّكِينٍ، وَلَكِنِ النَّسُوا نَهْسًا))).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا بيان الفرق بين
أبي معشر، زياد بن كُليب الحنظليّ الكوفيّ، وأبي معشر نَجيح بن عبدالرحمن السُّنْدِيّ
المدنيّ، فقد يلتبس أحدهما بالآخر، حيث إنهما من طبقة واحدة.
فأما الأول: فاسمه زياد بن كُلَيب الحنظليّ، أبو مشعر الكوفيّ، روى عنه الأئمة:
منصور بن المعتمر، ومغيرة بن مقسم الضبّيّ، وشعبة، وغيرهم، وهو ثقة، من الطبقة
السادسة، مات سنة (١١٩) أو (١٢٠) وهو من رجال الجماعة، إلا البخاريّ، وابن
ماجه. وتقدّم في١٨٨/ ٣٠٠ .
وأما الثاني: فاسمه نَجِيح بن عبدالرحمن السنديّ المدنيّ، مولى بني هاشم،
ضعيف، من الطبقة السادسة أيضًا، أَسَنَّ، واختلط، مات سنة (١٧٠) وهو من رجال
أبي داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وقد ذكره المصنّف في هذا الباب، وليس له رواية
عنده .
وهذا الذي قاله المصنّف رحمه الله تعالى من توثيق الأول، وتضعيف الثاني، قاله
غيره من الأئمة أيضًا:
فأما الأول، فقد وثّقه ابن المدينيّ، وأبو جعفر السمتيّ، والعجليّ، وقال ابن حبان:
كان من الحفّاظ المتقنين (٣).
وأما الثاني، فقد ضعفه يحيى القطّان، وابن معين، وأبو داود، وقال البخاريّ: منكر
(١) - وفي نسخة: ((المدينيّ)).
(٢) - بفتح النون، وكسر الجيم، فما وقع في النسخة المصريّة من ((المجتبى)) من ضبطه بالقلم بضم
النون، مصغّرًا فتصحيف. فتنبّه.
(٣) - انظر ترجمته في ((ت)) ص١١١ و(تت)) ج١ ص٦٥٢.

١٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّام
الحديث. وقال أحمد: مضطرب لا يقيم الإسناد، أَكتُبُ حديثه أعتبر به. وقال أيضًا:
يُكتب من حديث أبي معشر أحاديثه عن محمد بن كعب في التفسير. وقال ابن أبي
خيثمة: سمعت محمد بن بكّار بن الريّان يقول: كان أبو معشر تغيّر قبل أن يموت تغيّرًا
شديدًا، حتى كان يخرج منه الريح، ولا يشعر بها (١).
ثم ذکر المصنف رحمه الله تعالى من مناکیر أبي معشر حدیثین:
(أحدهما): ما رواه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رَظُّه،
عن النبيّ بَّرَ، قال: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)).
والحديث أخرجه الترمذيّ رحمه اللّه تعالى في ((الجامع))، فقال:
٣٤٢ حدثنا محمد بن أبي معشر، حدثنا أبي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه وَالر: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)).
حدثنا يحيى بن موسى، حدثنا محمد بن أبي معشر مثله.
قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة، قد روي عنه من غير هذا الوجه، وقد تكلم
بعض أهل العلم في أبي معشر، من قبل حفظه، واسمه نَجِيح، مولى بني هاشم، قال
محمد (٢): لا أروي عنه شيئا، وقد رَوَى عنه الناس، قال محمد: وحديث عبد الله بن
جعفر الْمَخْرَمي، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة،
أقوى من حديث أبي معشر، وأصح. انتهى.
والثاني: ما أخرجه أبو داود رحمه الله تعالى في ((سننه)»، فقال:
٣٧٧٨ حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا أبو معشر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن
عائشة رَّتها، قالت: قال رسول اللّه ◌َل: ((لا تقطعوا اللحم بالسكين، فإنه من صنيع
الأعاجم، وانهسوه، فإنه أهنأ، وأمرا)). قال أبو داود: وليس هو بالقوي. انتهى. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
(١) - انظر ترجمته في ((ت)) ص٣٥٦ و((تت)) ج٤ ص٢١٤-٢١٥.
(٢) - يعني البخاريّ.

١٢٣ =
٤٤- ( بابُ ثَوَّاب مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي ... - حديث رقم ٢٢٤٤
٤٤- ( بَابُ ثَوَابِ مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي
سَبِيلِ اللهِ عز وجل، وَذِكْرٍ
الاختِلَافِ عَلَى سُھیل بْنِ أپِي صَالِحٍ
فِي الْخَبَرِ فِي ذَلِكَ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن أنس بن عياض رواه عن
سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة تَمّ ، وتابعه عليه سعيد بن
عبد الرحمن، وخالفهما أبو معاوية، وشعبة، ويزيد بن الهاد، وحميد بن الأسود، وابن
جریج :
فرواه أبو معاوية، عن سهيل، عن المقبريّ، عن أبي سعيد الخدريّ ◌َّه. ورواه
شعبة، عن صفوان بن أبي يزيد، عن أبي سعيد. ورواه ابن الهاد، وحميد بن الأسود،
وابن جريج، ثلاثتهم عن سهيل، عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد.
والحديث صحيح، مروي من حديث أبي هريرة، ومن حديث أبي سعيد الخدريّ
رَالثّ، فيكون سهيل رواه عن أبيه، عن أبي هريرة تَّه، وعن النعمان بن أبي عياش،
وصفوان بن أبي يزيد، والمقبريّ، ثلاثتهم عن أبي سعيد رَزيه .
وقد أخرجه الشيخان من رواية سهيل بن أبي صالح، عن النعمان بن أبي عياش، عن
أبي سعيد، ومن رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وسهيل، كلاهما عن النعمان،
عنه. كما هي الرواية الآتية للمصنّف آخر الباب.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وقد اختلف في إسناده على سهيل، فرواه الأكثر عنه
هكذا -يعني عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد- وخالفهم شعبة عنه، فرواه عن
صفوان بن أبي يزيد، عن أبي سعيد، أخرجه النسائيّ، ولعلّ لسهيل فيه شيخين.
وأخرجه النسائيّ أيضًا من طريق أبي معاوية، عن سهيل، عن المقبريّ، عن أبي سعيد،
ووَهِمَ فيه أبو معاوية، وإنما يرويه المقبريّ، عن أبي هريرة، لا عن أبي سعيد، وإنما
رواه سهيل من حديث أبي هريرة، عن أبيه، عنه، لا عن المقبريّ، كذلك أخرجه
النسائيّ، من طريق سعيد بن عبدالرحمن، عن سهيل، عن أبيه. وكذا أخرجه أحمد،
عن أنس بن عياض، عن سهيل انتهى كلام الحافظ (١).
(١) - (فتح)) ج ٦ ص ١٣٤ .

١٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كان الأولى للحافظ أن يعزو رواية أنس بن عياض
إلى المصنّف أيضًا فقد أخرجها من روايته أيضًا في أول هذا الباب، فتنبه.
والحاصل أن الحديث صحيح من رواية سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة تزا ،
وعن سهيل، عن صفوان بن أبي يزيد، والنعمان بن أبي عياش، كلاهما عن أبي سعيد
وأما رواية أبي معاوية، عن سهيل، عن المقبريّ، عن أبي سعيد، فقد قال المصنّف
في ((الكبرى)»:
قال أبو عبدالرحمن: هذا خطأ، لا نعلم أحدًا تابع أبا معاوية على هذا الإسناد
انتهى. ووَهَّمَه أيضًا الحافظ في كلامه السابق.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: لا يقال: لا مانع من تصحيح رواية أبي معاوية أيضًا،
لأن أبا معاوية ثقة، فتقبل روايته، كما قبلت رواية شعبة، مع مخالفته للجماعة، ولم
يتابعه أحد، فيكون لسهيل في حديث أبي سعيد ثلاثة من الشيوخ: النعمان بن أبي
عياش، كما في رواية الجماعة عنه، وصفوان بن أبي يزيد، كما في رواية شعبة عنه،
والمقبريّ كما في رواية أبي معاوية عنه.
لأنا نقول: أبو معاوية، وإن كان من أوثق الناس في الأعمش، إلا أنه في غيره لا
يحمدونه، فقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أبو معاوية الضرير في غير حديث
الأعمش مضطرب، لا يحفظها حفظًا جيّدًا، وكذا نُقِلَ نحوُ هذا عن غير أحمد، انظر
ترجمته في (تهذيب التهذيب))٥٥١/٣-٥٥٢. فيعلم من هذا أنه مما أخطأ فيه. والله
تعالى أعلم بالصواب.
٢٢٤٤ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنِ أَنَسٌ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي
صَالِحِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وََّ، قَالَ: ((مَنْ صَامَ يَوْمًا، فِي سَبِيلٍ
اللَّهِ عُزَّ وَجَلَّ، زَحْزَحَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، بِذَلِكَ الْيَوْمِ سَبْعِينَ خَرِيفًا)) ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (يونس بن عبدالأعلى) الصدفيّ المصريّ، ثقة، من صغار [١٠] ٢١٦٣/٢٥.
٢- (أنس) بن عياض، أبو ضمرة الليثيّ المدني، ثقة [٨] ١٢٢٩/٢٢.
٣- (سهيل بن أبي صالح) ذكون السمّان المدنيّ، صدوق، تغيّر بآخره [٦] ٣٢/
٨٢٠ .
٤- (أبوه) ذكوان السمان الزيّات المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٤٠/٣٦.
٥- (أبو هريرة) رضي اللَّه تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم.

١٢٥ =
٤٤- (بَأَبُ ثَوَّاب مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي ... - حديث رقم ٢٢٤٤
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمصريّ. (ومنها): أن
فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى
(٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَّهِ (عِنْ رَسُولِ اللَّهِ نَ) أنه (قَالَ: (مَنْ صَامَ يَوْمًا، فِي سَبِيلِ اللَّهِ
عَزَّ وَجَلَّ) أي في الجهاد، أو في أعمّ منه. قال في ((النهاية)): السبيل في الأصل
الطريق، ويذكّر ويؤنّث، والتأنيث فيها أغلب، وسبيلُ اللَّه عامّ يقع على كلّ عمل
خالص لله، سُلِك به طريق التقرّب إلى الله تعالى بأداء الفرائض والنوافل، وأنواع
الطاعات، وإذا أطلق فهو في الغالب واقع على الجهاد حتى صار لكثرة الاستعمال، كأنه
مقصور عليه انتهى(١).
وقال ابن الجوزيّ رحمه الله تعالى: إذا أُطلِقَ ذكرُ سبيل الله، فالمراد به الجهاد.
وقال القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: سبيل الله طاعة الله، فالمراد من صام قاصدًا وجه الله.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: ويحتمل أن يكون ما هو أعمّ من ذلك، ثم وجدته في
((فوائد أبي الطاهر الذهليّ)) من طريق عبدالله بن عبدالعزيز الليثيّ، عن المقبريّ، عن
أبي هريرة، بلفظ: ((ما من مرابط يُرابط في سبيل اللّه، فيصوم يومًا في سبيل الله ... ))
الحديث .
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: العرف الأكثر استعماله في الجهاد، فإن حمل
عليه كانت الفضيلة لاجتماع العبادتين، قال: ويحتمل أن يراد بسبيل اللَّه طاعته كيف
كانت، والأول أقرب.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن دقيق العيد من ترجيح كون المراد
بسبيل اللّه هو الجهاد هو الظاهر عندي. والله تعالى أعلم.
قال: ولا يعارض ذلك أن الفطر في الجهاد أولى؛ لأن الصائم يضعف عن اللقاء؛
لأن الفضل المذكور محمول على من لم يخش ضعفًا، ولا سيّما من اعتاد به، فصار
ذلك من الأمور النسبيّة، فمن لم يضعفه الصوم عن الجهاد، فالصوم في حقّه أفضل؛
(١) - ((النهاية)) ج٢ ص٣٣٨-٣٣٩.

١٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام
ليجمع بين الفضيلتين. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: سيأتي حكم الصيام في السفر، واختلاف أهل العلم
فيه بعد باب إن شاء الله تعالى.
(زَحْزَحَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ) ببناء الفعل للفاعل: أي أبعده من النار، وأراد بالوجه
ذاته، وإنما عبّر به؛ لأن الإنسان أول ما يواجه الشيء يكون بوجهه، فإذا أبعد الله وجهه
عن مواجهة النار، فبالأحرى إبعاد سائر أجزائه عنها. والله تعالى أعلم (بِذَلِكَ الْيَوْم)
الباء سببيّة، أي بسبب صوم ذلك اليوم (سَبْعِينَ خَرِيفًا) قال في ((النهاية)): أن نخّاه،
وباعده عن النار مسافة تُقطع في سبعين سنة؛ لأنه كلما مرّ خريف، فقد انقضت سنة.
وقال التوربشتيّ: كانت العرب تؤرّخ أعوامها بالخريف؛ لأنه كان أوان جِدَادهم،
وقِطَافهم، وإدراك غلّاتهم، وكان الأمر على ذلك حتى أرّخ عمر تَظايه بسنة الهجرة
انتھی (٢).
وقال في ((الفتح)): الخريف زمان معلوم من السنة، والمراد هنا العامُ، وتخصيص
الخريف بالذكر، دون بقية الفصول -الصيف، والشتاء، والربيع- لأن الخريف أزكى
الفصول؛ لكونه تُجْنَى فيه الثمار. ونقل الفاكهيّ أن الخريف تجتمع فيه الحرارة،
والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، دون غيره، ورُدّ بأن الربيع كذلك. قال القرطبيّ: وَرَدَ
ذكرُ السبعين لإرادة التکثیر کثیرًا انتهى.
ويؤيّده -كما قال الحافظ- ما يأتي للمصنّف في الباب التالي من حديث عقبة بن
عامر رَّه ، وما رواه الطبرانيّ عن عمرو بن عَبَسَة، وأبو يعلى عن معاذ بن أنس،
فقالوا جميعا في رواياتهم: ((مائة عام)) (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة ◌َلَّه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٢٤٤/٤٤ و٢٢٤٦ - وفي ((الكبرى)) ٢٥٥٢/٤٤ و٢٥٥٣ . وأخرجه
(ت) في ((الجهاد)) ١٦٣٣ (ق) في ((الصيام))١٧١٨ (أحمد) في ((باقي مسند المكثرين))
(١) - ((الفتح)) ج٦ ص١٣٣ - ١٣٤ .
(٢) - انظر ((زهر الربى)) ج ٤ ص ١٧٢ .
(٣) - المصدر السابق.

١٢٧
٤٤- (بِأَبُ ثَوَابٍ مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي ... - حديث رقم ٢٢٤٦
٧٩٣٠ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
٢٢٤٥ - (أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ حَقْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ، عَنْ
سُهَيْلٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: ((مَنْ صَامَ يَوْمًا
فِي سَّبِيلِ اللَّهِ، بَاعَدَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ، بِذَلِكَ الْيَوْمِ، سَبْعِينَ خَرِيفًا)) ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه:
١- (داود بن سليمان بن حفص) العَسْكَريّ، أبي سَهْل الدفّاق السّامَرُيّ، مولى بني
هاشم، لقبه بُنَان، صدوق [١٠].
قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي، وهو صدوق. وقال النسائيّ في ((أسماء
شيوخه)): شُويخٌ كتبنا عنه بالثّغْر، صدوق. وقال الخطيب: ثقة. فإنه ممن انفرد به
المصنّف بهذا الحديث فقط، وابن ماجه، وله عنده حديثان.
و((أبو معاوية)): هو محمد بن خازم الضرير الكوفيّ. و((المقبريّ)): هو سعيد بن أبي
سعیدکیسان المدنيّ.
والحديث من أفراد المصنّف، أخرجه هنا - ٢٢٤٤/٤٤ - وفي ((الكبرى)) ٢٥٥٤/٤٤.
وتقدم أن المصنّف ضعفه، وكذا وهم الحافظ أبامعاوية في ((الفتح)). فراجع ما سبق
تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
٢٢٤٦ - (أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ
ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنِ(١) سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللّهِ وَهِ: ((مَنْ صَامَ يَوْمًا، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَاعَدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَجْهَهُ عَنِ الثَّارِ، سَبْعِينَ
خَرِيفًا)) ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الحديث رجال الصحيح، غير شيخه،
إبراهيم بن يعقوب الْجُوزَجَانيّ الحافظ الثبت [١١] ١٧٤/١٢٢، فقد انفرد به هو، وأبو
داود، والترمذيّ.
و ((ابن أبي مريم)): هو سعيد بن الحكم بن محمد الْجُمَحيّ المصريّ الثقة الثبت
الفقيه، من كبار [١٠] ٢٠٩٨/٣. من رجال الجماعة.
و((سعيد بن عبدالرحمن)): هو الجمحيّ المدنيّ، المتقدّم في الباب الماضي.
(١) - وفي نسخة: ((أخبرنا)).

=
١٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
والحديث صحيح، وقد سبق الكلام فيه قبل حديث. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٤٧ - (أَخْبَرَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
سُهَيْلٍ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ، قَالَ: ((مَنْ صَامَ يَوْمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
عَزَّ وَجَلَّ، بَاعَدَ اللَّهُ وَجْهَهُ مِنْ جَهَنَّمَ سَبْعِينَ عَامًا)) ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير:
١- (صفوان) بن أبي يزيد، ويقال: ابن سُليم الحجازيّ المدنيّ، مقبول [٤].
روى عن أبي سعيد الخدريّ، وعن حصين، وقيل: غيره. وعنه ابنه الحجاج،
وسهيل بن أبي صالح، وعبيدالله بن أبي جعفر، ومحمد بن عمرو بن علقمة. ذكره ابن
حبّان في ((الثقات)). تفرّد به البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، وله في هذا
الكتاب حديثان فقط، هذا ٢٢٤٧ وفي ((كتاب الجهاد)) حديث أبي هريرة ◌َظُنّه مرفوعًا
((لا يجتمع غبار في سبيل اللّه، ودخان جهنم في جوف عبد أبدًا ... )) الحديث، کرره
ست مرات: برقم ٣١١٠ و٣١١١ و٣١١٢ و٣١١٣ و٣١١٤ و٣١١٥ .
و((محمد)): هو ابن جعفر المعروف ب(غندر)).
والحديث صحيح، وهو بهذا الإسناد من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، وسيأتي
أنه متّفقٌ عليه، لكن من رواية سهيل، عن النعمان بن أبي عيّاش، وهي الرواية التالية.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٤٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ،
عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنَّ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ
وَّهِ، يَقُولُ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا، فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، إِلَّ بَعَّدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ،
بِذَلِكَ الْيَوْمِ، وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ (٢)، سَبْعِينَ خَرِيقًا)) ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه، فمن
أفراده، وهو ثقة فقيه.
و((شعيب)): هو ابن الليث بن سعد. و((ابن الهاد)): هو يزيد بن عبدالله بن الهاد
المدنيّ. وكلهم تقدموا غير:
١- (النعمان بن أبي عيّاش): الأنصاريّ الزُّرَقِيّ، أبي سلمة المدنيّ، ثقة [٤].
قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)).
(١) - وفي نسخة: ((حدثنا)).
(٢) -وفي نسخة: ((من النار)).

٤٤ - ( بابُ ثَوَابٍ مَنْ صَامَ يَوْمًا فِى ... - حديث رقم ٢٢٥٠
١٢٩
وقال أبو بكر بن منجويه: كان شيخًا كبيرًا، من أفاضل أبناء أصحاب رسول اللَّه وَله .
روى له الجماعة، سوى أبي داود، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث
فقط، كرره ستّ مرّات: برقم ٢٢٤٨ و٢٢٤٩ و٢٢٥٠ و٢٢٥١ و٢٢٥٢ و٢٢٥٣.
والحديث متفق عليه، أخرجه المصنف هنا-٢٢٤٦/٤٤ و٢٢٤٧ و ٢٢٤٨ و٢٢٤٩
و ٢٢٥٠ و٢٢٥١/٤٥ وو٢٢٥٢ و٢٢٥٢ و ٢٢٥٣- وفي ((الکبری)) ٢٥٥٥/٤٤ و ٢٥٥٦
و ٢٥٥٧ و٢٥٥٨ و٢٥٥٩/٤٥ و٢٥٦٠ و٢٥٥٦١. وأخرجه (خ) في ((الجهاد)) ٢٨٤٠
(م) في ((الصيام)) ٢٧٠٤ و٢٧٠٥ و٢٧٠٦. (ت) في ((كتاب فضائل الجهاد))١٦٢٣ .
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٤٩ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ قَزَعَةَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ الْأَسْوَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، عَنِ
التُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبًا سَعِيدٍ الْخُذْرِيَّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّ: ((مَنْ
صَامَ يَوْمًا، فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، بَاعَدَهُ اللَّهُ عَنِ النَّارِ، سَبْعِينَ خَرِيفًا)) ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه، فقد
انفرد به هو، والترمذيّ، وابن ماجه، وهو بصريّ صدوق [١٠] ١٧٣١/٤٧. وكلهم
تقدّموا غير:
١- ( حميد بن الأسود) بن الأشقر البصريّ، أبي الأسود الكرابيسيّ، صدوق تهم
قليلاً [٨].
قال أبو حاتم: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال الأثرم عن أحمد: سبحان
الله ما أنكر ما يجيء به. وقال العقيليّ في ((الضعفاء)): كان عفّان يَحمِل عليه؛ لأنه روی
حديثًا منكرًا. وقال الساجيّ، والأزديّ: عنده مناكير. وقال الحاكم، عن الدارقطنيّ:
ليس به بأس. روى له الجماعة سوى مسلم، أخرج له البخاريّ مقرونًا بغيره في
موضعين، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٥٠ - (أَخْبَرَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِهَابٍ (١)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ
◌ُرَيْج، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْتِى بْنُ سَعِيْدٍ، وَسُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، سَمِعَا الثُّعْمَانَ بْنَ أَبِي
عَيَّاشَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُوَّلَ اللَّهِ وَّهِ: يَقُولُ: ((مَنْ
صَامَ يَوْمًا، فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، بَاعَدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، سَبْعِينَ خَرِيفًا)) ).
(١) - وفي نسخة: ((يهاب))، والظاهر أنه تصحيف.

١٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه مؤمّل
ابن إهاب الكوفيّ، نزيل الرملة، صدوق له أوهام [١١] فانفرد به هو، وأبو داود.
و((يحيى بن سعيد»: هو الأنصاريّ المدنيّ.
والحديث أخرجه الشيخان من هذا الوجه، رواه البخاريّ، عن إسحاق بن نصر-
ومسلم عن إسحاق بن منصور- وعبدالرحمن بن بشر العبديّ- ثلاثتهم عن عبدالرزاق،
عن يحيى بن سعيد، وسهيل بن أبي صالح به.
قال في ((الفتح)): وسهيل بن أبي صالح لم يُخرج له البخاريّ موصولاً إلا هذا، ولم
يحتجّ به؛ لأنه قرنه بيحيى بن سعيد انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٤٥- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى سُفْيَانَ
الثّورِيِّ فِیهِ)(٢)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه الاختلاف المذكور أن يزيد العدنيّ رواه عن
سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد الخدريّ
رَعليه، وتابعه عليه قاسم بن يزيد، وخالفهما ابن نمير، فرواه عن سفيان، عن سُميّ،
عن النعمان، عن أبي سعيد ◌َّه .
لكن مثل هذا الاختلاف لا يضرّ بصحةَ الحديث، فإن عبدالله بن نمير ثقة حافظ،
فيحمل على أن سفيان رواه عن شيخين: سهيل، وسميّ، كلاهما عن النعمان، عن أبي
سعيد رَّه . والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٢٥١ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ، فَيْسَابُورِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ الْعَدَنِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحِ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُذْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا يَصُومُ عَبْدٌ يَوْمًا، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا بَاعَدَ اللَّهُ
(١) - ((فتح)) ج٦ ص١٣٤.
(٢) -سقطت لفظ ((فيه)) من بعض النسخ.

٤٥- (ذِكْرُ الاخْتِلَافِ عَلَى سُفْيَانَ ... - حديث رقم ٢٢٥٢
١٣١ ==
تَعَالَى، بِذَلِكَ الْيَوْمِ، النَّارَ عَنْ وَجْهِهِ، سَبْعِينَ خَرِيفًا)) ).
قال الجامع عفاً الله تعالى عنه: رجال هذا الحديث كلهم رجال الصحيح، وكلهم
تقدموا، غیر اثنین:
١- (عبدالله بن مُنِير) -بضمّ الميم، وكسر النون- أبي عبدالرحمن المروزيّ الزاهد
الحافظ، ثقة عابد [١١].
قال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال الفربريّ: قال البخاريّ:
حدثنا عبدالله بن مُنِير، ولم أر مثله. قال الفربريّ: وابن منير مروزيّ، سكن فربر،
وتوفي بها سنة (٢٤٣) وقال أبو القاسم اللالكائيّ: مات بفربر في ربيع الآخر سنة
(٢٤٣) .
روى عنه البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا
الحديث فقط .
٢- (يزيد) بن أبي حكيم الكنانيّ، أبو عبدالله العَدَنيّ، صدوق [٩].
قال الآجرّيّ، عن أبي داود: لا بأس به، وقد سألته عنه، والفريابيّ؟ فقال: الفريابيّ
أعلى. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: صالح الحديث، وكنت عزمت على الخروج
إليه، فخالفني رفيقي، وركب السفينة، ولم ينتظرني، فتركت الخروج إلى صنعاء،
وخرجت إلى مصر. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: مستقيم الحديث، ومات
بعد (٢٢٠) أو فیھا.
أخرج ه البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا
الكتاب هذا الحديث فقط .
[تنبيه]: قوله: (الْعَدَنيّ) وقع في بعض النسخ بدله: ( (((العدانيّ)) بألف بعد
الدال، وهو تصحيف، فتنبه.
والحديث متفق عليه، وتقدم البحث فيه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٥٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُهَيْلٍ بْنِ أَبِي
صَالِحٍ، عَنِ الثُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيٌّ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ، قَالَ: ((مَنْ صَامَ
يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ، حَرَّ جَهَنَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، سَبْعِينَ خَرِيفًا)) ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((أحَمد بن حرب)): هو الطائيّ الموصليّ، صدوق
[١٠] ١٣٥/١٠٢ من أفراد المصنّف.
و((قاسم)): هو ابن يزيد الْجَزْميّ، أبو يزيد الموصليّ، ثقة عابد [٩] ١٣٥/١٠٢.

١٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّام
من أفراد المصنّف أيضًا، والباقون تقدّموا في الذي قبله.
والحديث متّفقٌ عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٥٣ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَثْبَلٍ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي،
حَدَّثَكُمُ ابْنُ ثُمَيْرٍ، قَالَ: حَدْثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنِ الثُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي
سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ،َ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ صَامَ يَوْمًا، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَاعَدَ اللَّهُ
بِذَلِكَ الْيَوْمِ، النَّارَ عَنْ وَجْهِهِ، سَبْعِينَ خَرِيفًا)» ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح غير شيخه:
١- (عبدالله بن أحمد بن محمد بن حنبل) الشيبانيّ، أبي عبدالرحمن، وَلَد الإمام
المشهور، ثقة [١٢] .
قال عباس الدُّوريّ: سمعت أحمد يقول: قد وَعَى عبداللَّه علمًا كثيرًا. وقال الخُطَبيّ:
بلغني عن أبي زرعة، قال: قال أحمد: ابني عبدالله محظوظ من علم الحديث، أو من
حفظ الحديث - إسماعيل بن عليّ يشكّ- لا يكاد يذاكر إلا بما لا أحفظ. وقال أبو عليّ
الصّاف: قال عبدالله بن أحمد بن حنبل: كلّ شيء أقول: قال أبي، فقد سمعته مرتين أو
ثلاثًا. وقال ابن أبي حاتم: كتب إليّ بمسائل أبيه، وبعلل الحديث. وقال أبو الحسين بن
المنادي: لم يكن في الدنيا أحد أروى عن أبيه منه؛ لأنه سمع منه ((المسند))، وهو ثلاثون
ألفًا، و(التفسير))، وهو مائة وعشرون ألفًا، سمع منه ثمانين ألفًا، والباقي وجادة، و((الناسخ
والمنسوخ))، و((التاريخ))، و((حديث شعبة))، و((جوابات القرآن))، و((المناسك))، وغير
ذلك من التصانيف، وحديث الشيوخ، قال: وما زلنا نرى أكابر شيوخنا يشهدون له بمعرفة
الرجال، وعلل الحديث، والأسماء، والكنى، والمواظبة على الطلب حتى إن بعضهم
أسرف في تقريظه إياه بالمعرفة، وزيادة السماع على أبيه. وقال ابن عديّ : نَبُلَ بأبيه، وله في
نفسه محلّ في العلم، ولم يَكتُب عن أحد إلا من أمره أبوه أن يكتب عنه. وقال بدر بن أبي
بدر البغداديّ: عبدالله بن أحمد جِهْنِذٌ ابن جِهْذ. وقال الخطيب: كان ثقة ثبتًا فَهِمًا. وقال
النسائيّ: ثقة. وقال السلميّ: سألت الدارقطنيّ عن عبدالله بن أحمد، وحنبل بن
إسحاق؟، فقال: ثقتان نبيلان. وقال أبو بكر الخلال: كان عبدالله رجلا صالحًا، صادق
اللَّهجة، كثير الحياء. وقال أبو عليّ بن الصوّاف: وُلد سنة (٢١٣) ومات سنة (٢٩٠) وكذا
أرّخه إسماعيل الْخُطَبَيّ، وزاد: في جمادى. تفرّد به المصنّف، روى عنه حديثين فقط:
أحدهما هذا، والثاني في ((كتاب قطع السارق)) رقم - ٤٨٧٩- حديث قطع سارق بردة
صفوان بن أميّة ◌َّه.

٤٥- ( ذِكْرُ الاختلافِ علی سُفیانَ ... - حديث رقم ٢٢٥٤
١٣٣ =
و(ابن نُمير)): هو عبدالله بن نمير الهمدانيّ الكوفيّ، ثقة ثبت، من كبار [٩]٢٥/ ١٦٦٤.
و((سُميّ)): هو مولى أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، ثقة [٦] ٢٢/
٥٤٠ .
وقال المصنّف في ((الكبرى)) في هذا الحديث:
قال أبو عبدالرحمن: وهو مولى لأبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام
المدنيّ، روى عنه مالك، وقال يحيى بن سعيد القطّان: القعقاع بن حكيم أحب إليّ من
سُميّ. قال أبو عبدالرحمن: وكلاهما عندي ثقة، وسُميّ أحبّ إلينا من سُهيل بن أبي
صالح. انتهى (١).
والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٢٥٤ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَخْتِى بْنُ
الْحَارِثِ، عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ:
قَالَ: (مَنْ صَامَ يَوْمًاً فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، بَاعَدَ اللَّهُ مِنْهُ جَهَنَّمَ، مَسِيرَةَ مِائَةٍ عَام)) ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((محمود بن خالد)): هو السلميّ، أبو عليّ الدمشقيّ،
ثقة، من صغار [١٠] ٥٩٥/٤٥ .
و((محمد بن شعيب)): هو الدمشقيّ، نزيل بيروت، صدوق صحيح الكتاب، من
كبار [٩] ٦/ ١١٩٠ .
و((يحيى بن الحارث)): هو الذماريّ، أبو عمرو الشاميّ القارىء، ثقة [٥] ١٠/
١٣٨١ .
و((القاسم أبو عبدالرحمن)): هو ابن عبدالرحمن الدمشقيّ، صاحب أبي أمامة،
صدوق يرسل كثيرًا [٣] ١٨١٣/٦٧.
و((عقبة بن عامر)): هو الجهنيّ الصحابيّ المشهور رقم ١٤٤/١٠٨.
والسند مسلسل بالشاميين، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
وقوله: ((مسيرة مائة عام)).
[إن قلت]: بينه وبين الروايات السابقة بلفظ: ((باعد الله بذلك اليوم النار عن وجهه
سبعين خريفا)) تعارض ظاهرًا، فكيف يُجمع بينهما.
[قلت] : یجاب عن ذلك بجوابین:
(١) - راجع ((السنن الكبرى)) ج٢ ص٩٨ رقم ٢٥٦١ .

١٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
(أحدهما): أن يحمل على أنّ المراد التكثير، لا التحديد.
(الثاني): أن الله تعالى وعد الصائم بإبعاد جهنّم عنه مسيرة سبعين خريفاً، ثم تفضّل
عليه فزاده حتى كان مسيرة مائة عام. والله تعالى أعلم.
والحديث صحيح، وهو من أفراد المصنف، أخرجه هنا-٢٢٥٤/٤٥- وفي
((الكبرى))٢٥٦٢/٤٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٤٦- ( بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الصِّيَامِ فِي
السَّفَرِ)
٢٢٥٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ صَفْوَانَ
ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ كَعْبٍ بْنِ عَاصِم، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِ،
يَقُولُ: ((لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَّامُ فِي السَّفَرِ)) ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/٢.
٢- (سفيان) بن عُيينة الهلاليّ، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٨] ١/١.
٣- (الزهريّ) محمد بن مسلم، أبو بكر المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٤] ١/١.
٤- (صفوان بن عبدالله) بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحيّ القرشيّ المكيّ، كان
زوج الدرداء بنت أبي الدرداء، ثقة [٣].
قال ابن سعد: كان قليل الحديث. وقال النسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ
ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). أخرج ه البخاريّ في ((الأدب المفرد))، ومسلم،
وابن ماجه، وله عندهم في الدعاء بظهر الغيب. وأخرج له المصنّف حديث الباب
فقط .
٥- (أم الدرداء) الصغرى، زوج أبي الدرداء، اسمها هُجَيمة، وقيل: جُهَيمة بنت
حُييّ الأوصابية الدمشقية، ذكرها ابن سُمَيع في الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام. وقال
أبو زرعة الدمشقيّ: سمعت أبا مسهر يقول: أم الدرداء الصغرى هُجَيمة بنت حُيَيَ

٤٦- ( بابُ ما یکرهُ مِنَ الصِّيام فِي السَّفر) - حدیث رقم ٢٢٥٥
١٣٥
الوصّابيّة، وأم الدرداء الكبرى خَيْرَة بنت أبي حَذْرَد. وقال أبو أحمد العَسَّال: أم الدرداء
الصغرى هي التي يُروى عنها الحديث الكثير، وكانت أم الدرداء الكبرى صحابيّة. وقال
الوليد بن مسلم، عن عثمان بن أبي العاتكة، وابن جابر: كانت أم الدرداء يتيمة في
حجر أبي الدرداء تختلف مع أبي الدرداء في برنس تُصلي في صفوف الرجال، وتَجلس
في حلق القرّاء حتى قال لها أبو الدرداء: الحقي بصفوف النساء. وقال أبو الزاهريّة، عن
جُبير بن نُفير، عن أم الدرداء، أنها قالت لأبي الدرداء: إنك خطبتني إلى أبويّ في
الدنيا، فأنكحوني، وإني أخطبك إلى نفسك في الآخرة، قال: فلا تَنكحي بعدي،
فخطبها معاوية، فأخبرته بالذي كان، فقال: عليك بالصيام. وقال رُديح بن عطيّة
المقدسيّ، عن إبراهيم بن أبي عَبْلة، عن أم الدرداء أن رجلاً أتاها، فقال: إن رجلاً نال
منك عند عبدالملك، فقالت: إن نُؤَبَّن (١) بما ليس فينا، فطالما زُكّینا بما ليس فينا.
وقال عبد ربّه بن سليمان بن زيتون: حجّت أم الدرداء سنة إحدى وثمانين. وقال ابن
حبّان في ((الثقات)): كانت تُقيم ستة أشهر ببيت المقدس، وستة أشهر بدمشق، وماتت
بعد سنة (٨١)، وكانت من العابدات. ووقع عند البيهقيّ اسمها حمامة، فينظر. روى
لها الجماعة، ولها عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٦- (كعب بن عاصم) الأشعريّ، قال البغويّ: سكن مصر. روى عن النبيّ وَآت :
(ليس من البرّ الصيام في السفر»، وعنه أم الدرداء، رُوي عن جابر بن عبداللّه عنه
حديث آخر. والصحيح أنه غير أبي مالك الأشعريّ الذي يروي عنه عبدالرحمن بن
غَنْم، فإن ذلك معروف بكنيته، مختلف في اسمه، وهذا معروف باسمه، ولا تعرف له
كنية، وإن كان قد قيل في ذلك: إن اسمه كعب بن عاصم، فإنه أحد ما قيل في اسمه .
تفرّد به المصنف، وابن ماجه، وله عندهما هذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح إلا الصحابي كما مر آنفًا . (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ.
(ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند المصنّف،
وابن ماجه فقط، كما مرّ آنفًا. والله تعالى أعلم.
(١) - أي نُعَب، يقال: أَبَنَّه، وأبنه تأبينًا: عابه في وجهه. قاله في ((ق)).

١٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام
شرح الحديث
(عَنْ كَعْبٍ بْنِ عَاصِم) رَّهِ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، يَقُولُ: ((لَيْسَ مِنَ
الْبِرِّ الصِّيَّامُ فِي السَّفَرِ))) ((البرّ))- بكسر الباء- أي الطاعة والعبادة. يعني أن الصوم في
حال السفر ليس طاعة مشروعة.
قال الزركشيّ: ((من)) زائدة لتأكيد النفي. وقيل: للتبعيض، وليس بشيء. وتعقّبه
البدر الدمامينيّ: فقال: هذا عجيب لأنه أجاز ما المانع منه قائم، ومنع ما لا مانع منه،
وذلك أن من شروط زيادة ((من)) أن يكون مجرورها نكرة، وهو في الحديث معرفة،
وهذا هو المذهب المعوّل عليه، وهو مذهب البصريين؛ خلافًا للأخفش، والكوفيين،
وأما كونها للتبعيض فلا وجه لمنعه، إذ المعنى: إن الصوم في السفر ليس معدودًا من
أنواع البرّ. كذا ذكره القسطلانيّ.
وهذا عند الجمهور محمول على ما يتضرّر به صاحبه، كما سيأتي تحقيق ذلك قريبًا،
إن شاء الله تعالى.
[تنبيه] : هذا الحديث باللفظ المذكور -أعني ((ليس من البرّ الصيام في السفر)) هو
المشهور، كما رواه المصنّف، وابن ماجه، والدارميّ، والطحاويّ، والبيهقيّ، وقد
جاء بـ((أم)) بدل ((ال))، رواه الإمام أحمد في ((مسنده)) جه ص٤٣٤، فقال:
٢٣١٦٧- حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن صفوان بن عبد الله،
عن أم الدرداء، عن كعب بن عاصم الأشعري، وكان من أصحاب السَّقِيفَة، قال:
سمعت رسول اللَّه ◌َ ل# يقول: ((ليس من امبر امصيام في امسفر)) انتهى.
وهذا الإسناد وإن كان صحيحًا، إلا أن الظاهر أنه بهذا اللفظ شاذّ، والمحفوظ هو
اللفظ الأول. راجع ((إرواء الغليل))٥٨/٤-٥٩ للشيخ الألباني رحمه الله تعالى. ورواه
بإسنادين آخرين باللفظ الأول.
قال الحافظ رحمه اللّه تعالى: وهذه لغة لبعض أهل اليمن، يجعلون لام التعريف
ميما، ويحتمل أن يكون النبيّ وَلقر خاطب بها هذا الأشعريّ؛ لأنها لغته، ويحتمل أن
يكون الأشعريّ هذا نطق بها على ما أَلِفَ من لغته، فحملها الراوي عنه، وأداها باللفظ
الذي سمعها منه، وهذا الثاني أوجه عندي. والله أعلم انتهى (١) .
وقال الزمخشريّ: هي لغة طيّىء، فإنهم يبدلون اللام ميما. وقال الجزريّ في ((جامع
(١) - ((التلخيص الحبير)) ج٢ ص٣٩٣. طبعة مؤسسة قرطبة.

١٣٧
٤٦- ( بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الصِّيَّام فِي السَّفر) - حديث رقم ٢٢٥٥
الأصول)) جـ٧ص٥٤٦: الميم بدل من لام التعريف في لغة قوم من اليمن، فلا ينطقون
بلام التعريف، ويجعلون مكانها الميم انتهى.
وقال ابن هشام الأنصاريّ في ((مغني اللبيب)) عند الكلام على أقسام ((أم)): ما نصّه:
(الرابع): أن تكون للتعريف، نُقِلَت عن طيء، وعن حمير، وأنشدوا [من
الخفيف]:
ذَاكَ خَلِيلِي وَذُو يُوَاصِلُنِي يَرْمِي وَرَائِي بِامْسَهْم وَامْسَلِمَةْ
وفي الحديث: ((ليس من امبرم امصيام في امسفر)). كذا رواه النمر بن تَوْلَب
وتزيه (١) وقيل: إن هذه اللغة مختصّة بالأسماء التي لا تدغم لام التعريف في أولها،
نحو غلام، وكتاب، بخلاف رجل، وناس، ولباس. وحكى لنا بعض طلبة اليمن أنه
سمع في بلادهم من يقول: خذ الرمح، واركب امفرس، ولعلّ ذلك لغة لبعضهم، لا
لجميعهم، ألا ترى إلى البيت السابق، وأنها في الحديث دخلت على النوعين انتهى
كلام ابن هشام (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث كعب بن عاصم رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وهو متفق عليه من حديث
جابر بن عبدالله رضي اللّه تعالى عنهما، كما سيأتي للمصنّف في الأبواب التالية، إن
شاء الله تعالى.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٢٥٥/٤٦- وفي ((الكبرى)) ٢٥٦٣/٤٦. وأخرجه (ق) في ((الصيام))
(أحمد) في ((باقي مسند الأنصار)) ٢٣١٦٧ (الدارميّ) في ((الصوم)) ١٧١٠ . والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): اختلف القائلون بجواز الصوم في السفر -وهم الجمهور، كما
سيأتي في المسألة التالية- في تأويل حديث: ((ليس من البرّ الصيام في السفر)) المذكور
في الباب على أقوال:
فذهب بعضهم إلى أنه قد خرج على سبب، فيقتصر عليه، وعلى من كان في مثل
(١) - الحديث مشهور بكعب بن عاصم، ولا أدري من أين أخذه ابن هشام؟.
(٢) - راجع ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ج١ ص٤٨-٤٩ .

١٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّام
حاله، وإلى هذا جنح المصنف رحمه الله تعالى حيث قال في الباب التالي: ((العلة التي
من أجلها قيل ذلك))، ثم أورد حديث جابر تظفي الآتي، وكذا جنح إليه البخاريّ رحمه
الله تعالى، حيث ترجم بقوله: [باب قول النبيّ وَّ لمن ظُلّل عليه، واشتدّ الحرّ: ((ليس
من البرّ الصوم في السفر))] ، ولذا قال الطبريّ رحمه الله تعالی بعد أن ساق نحو حديث
الباب من رواية كعب بن عاصم الأشعريّ، ولفظه: ((سافرنا مع رسول اللّه وَلّر، ونحن
في حرّ شديد، فإذا رجل من القوم قد دخل تحت ظلّ شجرة، وهو مضطجع كضجعة
الوجع، فقال رسول اللّه ◌َلاير: ((ما لصاحبكم، أيّ وجع به؟))، فقالوا: ليس به وَجَعْ،
ولكنه صائم، وقد اشتدّ عليه الحرّ، فقال النبيّ وَلّ حينئذ: ((ليس البرّ أن تصوموا في
السفر، عليكم برخصة اللّه التي رخّص لكم)). فكان قوله ويلي ذلك لمن كان في مثل
ذلك الحال.
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: أُخِذَ من هذه القصّة أن كراهة الصوم في السفر
مختصّة بمن هو في مثل هذه الحالة ممن يُجهده الصوم، ويشقّ عليه، أو يؤدي به إلى
ترك ما هو أولى من الصوم من وجوه القرب، فينزّل قوله: ((ليس من البرّ الصوم في
السفر)) على مثل هذه الحالة.
قال: والمانعون في السفر يقولون: إن اللفظ عامّ، والعبرة بعمومه، لا بخصوص
السبب .
قال: وينبغي أن يُتنبّه للفرق بين دلالة االسياق، والقرائن الدالة على تخصيص العامّ،
وعلى مراد المتكلّم، وبين مجرّد ورود العامّ على سبب، فإن بين العامّين فرقًا واضحًا،
ومن أجراهما مجرى واحدًا لم يصب، فإن مجرد ورود العام على سبب لا يقتضي
التخصيص به، كنزول آية السرقة في قصّة سرقة رداء صفوان. وأما السياق، والقرائن
الدّالّة على مراد المتكلّم، فهي المرشدة لبيان المجملات، وتعيين المحتملات، كما في
حديث الباب.
وقال ابن المنيرفي ((الحاشية)»: هذه القصّة تُشعر بأن من اتفق له مثل ما لذلك الرجل
أنه يساويه في الحكم؛ وأما من سلم من ذلك ونحوه، فهو في جواز الصوم على أصله.
والله أعلم.
وحمل الشافعيّ نفي البرّ المذكور في الحديث على من أبى قبول الرخصة، فقال:
معنى قوله: ((ليس من البرّ)) أن يبلغ رجل هذا بنفسه في فريضة صوم، لا نافلة، وقد
أرخص الله تعالى له أن يفطر، وهو صحيح. قال: ويحتمل أن يكون معناه ليس من البرّ
المفروض الذي من خالفه أثِمَ. وجزم ابن خزيمة وغيره بالمعنى الأول.

٤٦- ( بابُ ما یکرهُ مِنَ الصِّيام فِي السَّفر) - حدیث رقم ٢٢٥٥
١٣٩ ==
وقال الطحاويّ: المراد بالبرّ هنا البرّ الكامل الذي هو أعلى مراتب البرّ، وليس
المراد به إخراج الصوم في السفر عن أن يكون برًّا؛ لأن الإفطار قد يكون أبرّ من
الصوم، إذا كان للتقوّي على لقاء العدوّ مثلاً، قال: وهو نظير قوله ◌َلّى: ((ليس
المسكين بالطوّاف ... )) الحديث، فإنه لم يرد إخراجه من أسباب المسكنة كلها، وإنما
أراد أن المسكين الكامل المسكنة الذي لا يجد غنى يُغنيه، ويستحيى أن يسأل، ولا
يفطن له انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن القول الأول الذي جنح إليه البخاريّ،
والمصنّف، وابن خزيمة وغيرهم هو الأرجح، جمعًا بين الأدلّة.
وحاصله أن حديث الباب محمول على من تضرّر بالصوم، وأما من لم يتضرّر فلا
يتناوله الحديث والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصوم في السفر:
اختلف السلف في هذه المسألة، فقالت طائفة: لا يجزىء الصوم في السفر عن
الفرض، بل من صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر؛ لظاهر قوله تعالى:
﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾، ولقوله ◌َّر: ((ليس من البرّ الصوم في السفر))، ومقابل البرّ
الإثم، وإذا كان آئمًا بصومه لم يجزئه، وهذا قول بعض أهل الظاهر، ومنهم ابن حزم،
وحكي عن عمر، وابن عمر، وأبي هريرة، والزهريّ، وإبراهيم النخعي، وغيرهم.
واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَنَّامٍ أُخَرَّ﴾
الآية. قالوا: ظاهره، فعليه عدة، أو فالواجب عدّة. وتأوله الجمهور بأن التقدير،
فأفطر، فعدّة.
ومقابل هذا القول قول من قال: إن الفطر في السفر لا يجوز إلا لمن خاف على نفسه
الهلاك، أو المشقّة الشديدة. حكاه الطبريّ عن قوم.
وذهب أكثر العلماء، ومنهم مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة إلى أن الصوم أفضل لمن
قوي علیه، ولم یشقّ عليه.
وقال كثير منهم: الفطر أفضل؛ عملاً بالرخصة، وهو قول الأوزاعيّ، وأحمد،
وإسحاق.
وقال آخرون: هو مخيّر مطلقًا. وقال آخرون: أفضلهما أيسرهما؛ لقوله تعالى:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ الآية. فإن كان الفطر أيسر عليه، فهو أفضل في حقّه، وإن
كان الصيام أيسر، كمن يسهل عليه حينئذ، ويشقّ عليه قضاؤه بعد ذلك، فالصوم في
حقه أفضل، وهو قول عمر بن عبدالعزيز، واختاره ابن المنذر.

١٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَام
قال الحافظ: والذي يترجّح قول الجمهور، ولكن قد يكون الفطر أفضل لمن اشتدّ
عليه الصوم، وتضرّر به، وكذلك من ظُنّ به الإعراض عن قبول الرخصة، كما تقدّم
نظيره في المسح على الخفّين.
وقد رَوَى أحمد من طريق أبي طعمة، قال: قال رجل لابن عمر: إني أقوى على
الصوم في السفر، فقال له ابن عمر: من لم يقبل رخصة اللَّه كان عليه من الإثم مثل
جبال عرفة، وهذا محمول على من رغب عن الرخصة؛ لقوله وَلتر: ((من رغب عن
سنتي فليس مني))، وكذلك من خاف على نفسه العجب، أو الرياء إذا صام في السفر،
فقد يكون الفطر أفضل له.
وقد أشار إلى ذلك ابن عمر ته، فروى الطبريّ من طريق مجاهد، قال: إذا
سافرت، فلا تصم، فإنك إن تصم قال أصحابك: اكفوا الصائم، ارفعوا للصائم،
وقاموا بأمرك، وقالوا: فلان صائم، فلا تزال كذلك حتى يذهب أجرك.
ومن طريق مجاهد أيضًا عن جنادة بن أميّة، عن أبي ذرّ رَّه نحو ذلك. وسيأتي
للمصنّف - ٢٢٨٣/٥٢ - من طريق مُوَرّق العجليّ، عن أنس ◌َّه نحو هذا، مرفوعًا،
حيث قال # للمفطرين حيث خَدَموا الصوّام: ((ذهب المفطرون اليوم بالأجر)). متفق
عليه .
واحتجّ من منع الصوم أيضًا بما وقع من الزيادة في حديث ابن عباس تضفيها: ((أن
رسول اللّه وَ له خرج إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ الْكَدِيد أفطر، فأفطر الناس)).
متفق عليه، فقد زاد مسلم من طريق الليث، عن الزهريّ: ((قال: وكان أصحاب
رسول اللَّه وَاله يتبعون الأحدث، فالأحدث من أمره)). قالوا: إن صومه وَّر في السفر
منسوخ.
وتُعُقّب أوّلاً بأن هذه الزيادة مدرجة من قول الزهريّ، وبأنه استند إلى ظاهر الخبر
من أنه وَلّ أفطر بعد أن صام، ونَسَبَ من صام إلى العصيان.
ولا حجة في شيء من ذلك؛ لأن مسلمًا أخرج من حديث أبي سعيد رَبّه أنه وَه
صام بعد هذه القصّة في السفر، ولفظه: ((سافرنا مع رسول اللّه وَل إلى مكة، ونحن
صيام، فنزلنا منزلاً، فقال النبيّ وَله: ((إنكم قد دنوتم من عدوّكم، والفطر أقوى لكم،
فأَفْطِرُوا))، فكانت رخصة، فمنا من صام، ومنا من أفطر، فنزلنا منزلاً، فقال رسول الله
وَلقوله : ((إنكم مصبحوا عدوكم، فالفطر أقوى لكم، فأَفْطِروا، فكانت عزيمة، فَأَفْطَّرْنَا،
ثم لقد رأيتنا نصوم مع رسول اللّهو # بعد ذلك في السفر)).
قال الحافظ: وهذا الحديث نصٌّ في المسألة، ومنه يؤخذ الجواب عن نسبته وَل