Indexed OCR Text

Pages 281-300

٧- ( اختلافُ أهل الآفاقِ فِي الرُّؤْیةِ) - حديث رقم ٢١١١
=
٢٨١
قمر بعد ذلك. وقيل: الهلال هو الشهر بعينه (١) (وَأَنَا بِالشَّام) جملة حالية، يعني أنه رؤي
هلال رمضان، والحال أن كريبًا بالشام، قبل أن يرجع إلى المدينة (فَرَأَنْتُ الْهِلَال) وفي
رواية أبي داود، والترمذيّ: ((فرأينا الهلال)) بنون الجمع (لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ
الْمَدِينَةَ، فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ) رَؤيتها. يعني أنه سأله عن أمور
تتعلّق به، وبسفره، وعن حال أهل الشام، وغير ذلك، كما هو الشأن والعادة عند قدوم
المسافر من سفره (ثُمَّ ) انساق الكلام إلى أن (ذَكَرَ الْهِلَالَ، فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمْ؟ فَقُلْتُ:
وَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، قَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ لَّيْلَةَ الْجُمُعَةِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، فَصَامُوا،
وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، قَالَ: لَكِنْ) بسكون النون، وفي رواية مسلمٍ، وأبي داود: ((لكنا)) بنون
مشددة، الإدغام نون (لكن)) في نون ضمير جمع المتكلّم (رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ
نَصُومُ، حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أَوَ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةٍ مُعَاوِيَةَ، وَأَضْحَابِهِ؟
قَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَيَ) الظاهر أنه أراد: أمرنا أن لا نعتمد على رؤية غيرنا،
ولا نكتفي بها، بل لا نعتمد إلا على رؤية أهل بلدنا، وهذا هو الذي يظهر من ترجمة
المصنف رحمه الله تعالى، حيث قال: ((اختلاف أهل الآفاق في الرؤية))، وأصرح منه
ترجمة الترمذيّ رحمه الله تعالى، ونصها: ((ما جاء لكلّ أهل بلد رؤيتهم))، ثم أورد حديث
الباب، وقال أيضًا: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أن لكلّ أهل بلد رؤيتهم
انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته :
حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٧/ ٢١١١ - وفي ((الكبرى)) ٢٤٢١/٧. وأخرجه (م)١٨١٩ (د)١٩٨٥
(ت)٦٢٩ . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم اختلاف المطالع:
قال النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)): ((باب بيان أن لكلّ بلد رؤیتهم،
وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم)). فيه حديث كريب، عن ابن
عباس تَت، وهو ظاهر الدلالة للترجمة، والصحيح عند أصحابنا أن الرؤية لا تعمّ
الناس، بل تخصّ بمن قرب على مسافة لا تقصر فيها الصلاة. وقيل: إن اتفق المطالع
(١) - ((المصباح)).

٢٨٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
لزمهم. وقيل: إن اتفق الإقليم، وإلا فلا. وقال بعض أصحابنا: تعمّ الرؤية في موضعٍ
جميعَ أهل الأرض، فعلى هذا نقول: إنما لم يعمل ابن عباس بخبر كريب لأنه شهادة،
فلا تثبت بواحد؛ لكن ظاهر حديثه أنه لم يَرُدّه لهذا، وإنما رَدَّه لأن الرؤية لا يثبت
حكمها في حقّ البعيد انتهى (١).
وقال الحافظ في ((الفتح)): وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
(أحدها): أن لأهل كلّ بل رؤيتهم، وفي ((صحيح مسلم))، من حدیث حديث ابن
عباس رضي اللّه تعالى عنهما ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة، والقاسم،
وسالم، وإسحاق، وحكاه الترمذيّ عن أهل العلم، ولم يحك سواه. وحكاه الماورديّ
وجها للشافعيّة .
(الثاني): مقابله: وهو أنه إذا رؤي ببلدة لزم أهل البلاد كلها، وهو المشهور عند
المالكية، لكن حكى ابن عبدالبرّ الإجماع على خلافه، وقال: أجمعوا على أنه لا تراعى
الرؤية فيما بعد من البلاد، كخراسان والأندس. قال القرطبيّ: قد قال شيوخنا إذا كانت
رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع، ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم. وقال
ابن الماجشون: لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذي يثبت فيه الشهادة إلا أن يثبت
عند الإمام الأعظم، فيلزم الناس كلهم؛ لأن البلاد في حقّه كالبلد الواحد، إذ حكمه في
الجميع .
وقال بعض الشافعية: إن تقاربت البلاد كان الحكم واحدًا، وإن تباعدت فوجهان،
لا يجب عند الأكثر، واختار أبو الطيّب، وطائفة الوجوب، وحكاه البغويّ عن
الشافعيّ.
وفي ضبط البعد أوجه: (أحدها): اختلاف المطالع قطع به العراقيون، والصيدلانيّ،
وصححه النوويّ في ((الروضة))، و(شرح المهذّب)). (ثانيها): مسافة القصر قطع به
الإمام، والبغويّ، وصححه الرافعيّ في ((الصغير))، والنوويّ في ((شرح مسلم)).
(ثالثها): اختلاف الأقاليم. (رابعها): حكاه السرخسيّ، فقال: يلزم كلّ بلد لا يتصوّر
خفاؤه عنهم بلا عارض، دون غيرهم. (خامسها): قول ابن الماجشون المتقدّم. ذكره
(٢)
في ((الفتح)) (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح هو القول باعتبار اختلاف المطالع.
وحاصله أن لكلّ أهل بلد تختلف مطالعهم لهم رؤيتهم الخاصّة بهم، لأن حديث ابن
(١) - ((شرح مسلم)) ج٧ ص ١٩٧ .
(٢) - ((فتح) ج٤ ص٦١٨ .

٨- ( بَأَبُ قَبُوُلِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ ... - حديث رقم ٢١١٢
٢٨٣ ====
عباس رضي الله تعالى عنهما ظاهر في الدلالة عليه. وأيضا أن اختلاف المطالع معتبر
في دخول أوقات الصلاة، وخروجها بلا خلاف، فلا تجب صلاة الظهر مثلاً على جميع
أهل الأرض بالزوال في بلد من البلدان، وإنما تلزم من زالت عنده، فقط، فكذلك هنا
من دون فرق. والله تعالى أعلم.
وقد أطال الشوكاني في ((نيل الأوطار)) في ردّ قول ابن عباس، وأنه اجتهاد منه، فأتى
في ذلك بما يُتعجّب منه، حيث يردّ على ابن عباس تَّا، بدون دليل مقنع، فتأويل
قوله: ((هكذا أمرنا رسول اللَّه وَلَ)) بأنه أراد قوله ◌َالى: ((صوموا لرؤيته ... )) تأويل بارد،
وتَعَسُّف كاسد، فابن عباس ◌َّهَا من أهل اللسان، والفقه، وقد أخبر أنه وَّ أمرهم
هكذا، فالظاهر أنه أمرهم بأن لا يصوموا برؤية البلدان النائية، حتى يروا بأنفسهم. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٨- ( بَابُ قَبُولِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ
الْوَاحِدٍ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ، وَذِكْرٍ
الاخْتَلَافِ فِيهِ عَلَى سُفْيَانَ فِي
حَدِيثٍ سِمَاكِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر تبويب المصنّف رحمه الله تعالى أنه يرى صحة
الاكتفاء بشاهد واحد في هلال رمضان، لحديث ابن عباس تَنويت المذكور هنا، فهو وإن
رجّح إرساله، لكن الحدیث یصلح للاحتجاج به، لأنه یشهد له حديث ابن عمر ربٹتا
الذي سأذكره، إن شاء الله تعالى.
وأما وجه الاختلاف على سفيان، فإنه رواه الفضل بن موسى، عنه، عن سماك، عن
عكرمة، عن ابن عباس موصولاً، وخالفه فيه أبو داود الْحَفَريّ، وابن المبارك، فروياه
عنه، عن سماك، عن عكرمة، عن النبيّ وَلّل مرسلاً.
ونقل الحافظ المزيّ عن النسائيّ أنه قال: هذا أولى بالصواب من حديث الفضل بن
موسى؛ لأن سماك بن حرب كان ربّما لُقّن، فقيل له: ((عن ابن عباس)). وابنُ المبارك

٢٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
أثبت في سفيان من الفضل بن موسى، وسماكٌ إذا تفرّد بأصل لم يكن حجّة؛ لأنه كان
يُلقّن، فيتلقّن انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لم أجد كلام النسائيّ هذا في ((المجتبى))، ولا في
((الكبرى))، ولعل ذلك في بعض النسخ. والله تعالى أعلم.
وقال أبو داود بعد أن أخرج الحديث من طريق الوليد بن أبي ثور، وزائدة، كلاهما
عن سفيان، موصولاً، ومن طريق حمّاد بن سلمة، عن سماك، عن عكرمة، بدون ذكر
ابن عباس، مرسلاً: ما نصّه: قال أبو داود: رواه جماعة، عن سماك، عن عكرمة،
مرسلاً انتھی.
وقال الترمذيّ بعد أن أخرجه موصولاً: ما نصّه: رواه الثوريّ وغيره، عن سماك،
عن عكرمة، عن النبيّ وَليل، مرسلاً، وأكثر أصحاب سماك رووه عن عكرمة، عن النبيّ
مَالد مرسلاً انتهى (١).
والحاصل أن أرجح الروايات لحديث عكرمة هذا هو الإرسال، ولكن مع إرساله
يصلح للاحتجاج به؛ لما سيأتي من حديث ابن عمر تنويها، فإنه يشهد له. والله تعالى
أعلم بالصواب.
٢١١٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى،
عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٍّ إِلَى النَّبِيِّ ◌َّه
فَقَالَ: رَأَيْتُ الْهِلَالَ، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَاَ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، قَالَ:
نَعَمْ، فَتَادَى النَّبِيُّ وَهِ أَنْ صُومُوا)) ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن عبدالعزيز بن أبي رِزْمَة) -بكسر الراء، وسكون الزاي -: هو أبو
عمرو المروزي، ثقة [١٠] ٦٠٢/٤٧ . واسم أبي رزمة غَزْوان.
٢- (الفضل بن موسى) السِّينَانيّ، أبو عبدالله المروزيّ، ثقة ثبت، وربما أغرب،
من كبار [٩] ١٠٠/٨٣ .
٣- (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٣٧/٣٣.
٤- (سماك) بن حرب، أبو المغيرة الكوفيّ، ، صدوق، وروايته عن عكرمة خاصّة
مضطربة، وقد تغيّر بآخره، فكان ربما تلقّن [٤] ٣٢٥/٢.
٥- (عكرمة) مولى ابن عباس، أبو عبد الله المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٣٢٥/٢.
(١) - انظر ((تحفة الأشراف)) ج٥ ص ١٣٧.

٨- (بَأَبُ قَبُوُلِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ ... - حديث رقم ٢١١٢
٢٨٥ ==
٦- (ابن عباس) عبد الله رضي اللّه تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ،
فَقَالَ: رَأَيْثُ الْهِلَاَلَ) أي هلال رمضان (فَقَالَ) النبيّ وَِّ (أَتَشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَنَّ
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) ولفظ أبي داود: ((فقال: أتشهد أن لا إله إلا اللَّه؟ قال: نعم،
قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم ... )).
وفيه أنه لا يكفي شهادة الكافر في رؤية الهلال، وأن ظاهر العدالة يكفي في ثبوت
الرؤية (قَالَ: نَعَمْ، فَنَادَى النَّبِيُّ ◌َ﴿) أي أمر بالنداء؛ لما في الرواية التالية: ((قال: يا
بلال أذن في الناس، فليصوموا غدًا)) (أَنْ صُومُوا))) ((أن)) تفسيرية بمنزلة ((أَيْ))، كما في
قوله تعالى: ﴿وَنُودُوَاْ أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الأعراف: ٤٣]، ويحتمل أن تكون
مصدريّة ويقدر قبلها حرف الجرّ، بأن صوموا، أي بالصوم (١). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا الأرجح أنه مرسل، لكن له شاهد من
حديث ابن عمر رَّها، أخرجه أبو داود، في ((سننه))، فقال:
١٩٩٥ - حدثنا محمود بن خالد، وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي، وأنا
لحديثه أتقن، قالا: حدثنا مروان، هو ابن محمد، عن عبد الله بن وهب، عن یحیی بن
عبد الله بن سالم، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: ((تراءى الناس
الهلال، فأخبرت رسول اللَّه وَله، أني رأيته، فصامه، وأمر الناس بصيامه)).
ورجال هذا الإسناد رجال مسلم. وقال ابن حبان في ((صحيحه)) بعد أن أخرج
حديث ابن عباس رَؤيتها من طريق زائدة، عن سماك بن حرب موصولاً:
((ذكر الخبر الْمُذْحِض قولَ من زعم أن هذا الخبر تفرّد به سماك بن حرب، وأن رفعه
غير محفوظ فيما زعم))، ثم أخرج حديث ابن عمر تَوفتا المذكور، من طريق الدارميّ،
(١) - انظر ((مغني اللبيب)) ج١ ص٣١.

٢٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
عن مروان بن محمد بإسناد أبي داود. انتهى.
وقال الدارقطنيّ بعد إخراجه من طريق إبراهيم بن عتيق العنسيّ، عن مروان بن
محمد: ما نصّه: تفرد به مروان بن محمد، عن ابن وهب، وهو ثقة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في دعوى تفرّد مروان بن محمد نظر، فقد تابعه
هارون بن سعيد الأيليّ، عن ابن وهب، عند الحاكم في ((مستدركه)) ج١ ص٤٢٣-
وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبيّ. انتهى.
والحاصل أن حديث سماك صحيح؛ لما ذُكر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢١١٩/٨ و٢١٢٠ - وفي ((الكبرى)) ٢٤٢٣/٩ و٢٤٢٥ و٢٤٢٢/٨.
وأخرجه (د) ١٩٩٣ (ت) ٦٢٧ (ق) ١٦٤٢ (الدارمي) ١٦٣٠. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو قبول شهادة الرجل الواحد على
هلال رمضان (ومنها): قبول شهادة الأعرابيّ، كغيره (ومنها): الاكتفاء بظاهر العدالة،
حيث اكتفى النبيّ وَّير بالشهادتين فقط (ومنها): أن شهادة الكافر غير مقبولة (ومنها): أن
على الإمام أن يأمر من ينادي في المسلمين أن يصوموا إذا ثبت لديه هلال رمضان
(ومنها): العمل بخبر الواحد الثقة، حيث أمر النبي وَلّ بلالا أن ينادي في الناس،
وألزمهم بالصوم بندائه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١١٣- (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ
سِمَاكِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ بِّهِ، فَقَالَ: أَبْصَرْتُ
الْهِلَالَ اللَّيْلَةَ، قَالَ: «أَتَشَّهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؟)) قَالَ: نَعَمْ،
قَالَ: (يَا بِلَالُ، أَذْنْ فِي النَّاسِ، فَلْيَصُومُوا غَدًا)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا طريق ثان لرواية عكرمة، وافق فيه زائدةُ رواية
الفضل بن موسى، عن سفيان.
و((موسى بن عبدالرحمن)): هوابن سعيد بن مسروق الكنديّ المسروقيّ الكوفيّ،
ثقة، من كبار [١١] ٩١/٧٤. و((حسين)): هو ابن عليّ الجعفيّ القارىء العابد الثقة
الكوفيّ [٩] ٩١/٧٤. ((وزائدة)): هو ابن قدامة الثقفيّ، أبو الصلت الكوفيّ، ثقة ثبت
سنَّ [٧] ٧٤ / ٩١ .

٨- ( بِأَبُ قَبُوْلِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ ... - حديث رقم ٢١١٦
٢٨٧
وقوله: ((أذّن)) بتشديد الذال من التأذين، وهو الإعلام، أي أعلم الناس بالصوم غدًا.
وقال السنديّ: من التأذين، أو الإيذان، والمراد مطلق النداء والإعلام انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: كون من الإيذان لا يوافقه ظاهر اللفظ، لأن فعل
الأمر منه آذِنْ -بالمدّ، وكسر الذال المعجمة، مخففة- فإن صحت الرواية به أيضًا
فذاك، وإلا فما وافق ظاهر اللفظ متعيّن. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١١٤- (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ
عِكْرِمَةَ، مُرْسَلٌ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا طريق ثالث ساقه لبيان الخلاف على سفيان
الثوريّ، فإن رواية الفضل المتقدّمة كانت موصولة، وهذه مرسلة.
و((أبو داود)): هو عُمَر بن سَعْد الْحَفَريّ -بفتح الحاء المهملة، والفاء- نسبة إلى
موضع بالكوفة، ثقة عابد [٩] ٥٢٣/١٥.
وقوله: ((مرسل)) بالرفع خبر لمحذوف، أي هو مرسل. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١١٥- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ نُعَيْم، مِصْيصِيٍّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى،
الْمَزْوَزِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنَّ سُفْيَانَ، عَنْ سِمَاكِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مُرْسَلٌ).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا طريق رابع ساقه لبيان الاختلاف على سفيان
أيضًا، فقد وافق عبدالله بن المبارك أبا داود الحَفَريّ في الإرسال.
وغرض المصنّف منه بيان أن الصواب في رواية سفيان، عن سماك لهذا الحديث هو
الإرسال؛ لكثرة من رواه عن سفيان كذلك، وإنما وصله الفضل بن موسى، وهو دون
ابن المبارك، وأبي داود الحَفَريّ في الحفظ والإتقان. وكذا وافقهما شعبة في الإرسال،
فقد أخرجه الدارقطنيّ في ((سننه)) ج٢ ص١٥٩ - من طريق شعبة، عن الثوريّ، عن
سماك، عن عكرمة، مرسلاً.
لكن الحديث صحيح، لأنه يشهد له حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، كما
تقدّم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢١١٦- (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ شَبِيبٍ، أَبُو عُثْمَانَ،
وَكَانَ شَيْخًا صَالِحًا، بِطَرَسُوْسَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ الْحَارِثِ
الْجَدَلِيَّ، عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُ
فِيهِ، فَقَالَ: أَلَا إِنِّي جَالَسَتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ بِّهِ وَسَاءَلْتُهُمْ، وَإِنَّهُمْ خَدَّثُونِي، أَنَّ

٢٨٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: ((صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَانْسُكُوا لَهَا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ،
فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانٍ، فَصُومُوا، وَأَفْطِرُوا)) ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (إبراهيم بن يعقوب) الْجُوزَجَانيّ، نزيل دمشق ثقة حافظ، رمي بالنصب [١١]
١٧٤/١٢٢.
٢- (سعيد بن شبيب) - بفتح المعجمة، وموحّدتين، بينهما تحتانيّة ساكنة- أبو عثمان
الحضرميّ المصريّ، صدوق [١٠]. قال إبراهيم الْجُوزَجانيّ: وكان شيخا صالحا.
انفرد به أبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣- (ابن أبي زائدة) يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمداني، أبو سعيد الكوفيّ الحافظ
المتقن، من كبار [٩] ٢٢٦/١٤٤.
٤- (حسين بن الحارث الْجَدَليّ) -بفتح الجيم- أبو القاسم الكوفيّ، صدوق [٣].
قال ابن المدينيّ معروف. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). انفرد به أبو داود،
والمصنّف أيضًا، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٥- (عبدالرحمن بن زيد بن الخطّاب) العدويّ، وُلِد في حياة النبيّ وَّ، واستُشهِد أبوه
باليمامة، وولي إمرة مكّة ليزيد بن معاوية، وقيل: كان اسمه محمدًا، فغيّره عمر وَلّ.
قال مصعب: كان من أطول الرجال، وأتمّهم، وزوّجه عمر بنته فاطمة. وقال محمد
ابن عبدالعزيز الزهريّ: وُلد وهو ألطف مَن وُلد، فأخذه جدّه، أبو أمه، أبو لبابة في
ليفة، فجاء به النبيّ وَلَّ، فحتّكه، ومسح على رأسه، ودعا له بالبركة، قال: فما رئي
عبدالرحمن بن زيد مع قوم في صفّ إلا برعهم طولاً. وقال خليفة: ولاه يزيد بن
معاوية مكة سنة (٦٣) قال البخاريّ: مات قبل ابن عمر. وقال ابن سعد: مات النبيّ
وَلخير، وله ست سنين، ومات في زمن ابن الزبير. وقال ابن حبان في ((الصحابة)): وُلد
سنة هاجر النبيّ د 19 إلى المدينة. وقال العسكريّ: لم يرو عن النبيّ وَّ شيئا. انفرد به
المصنّف، أخرج له حديث الباب فقط. والله تعالى أعلم.
شرح الحدیث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ)
بالبناء للمفعول، أي يشك الناس في كونه من شعبان، أو من رمضان (فَقَالَ: أَلَا) أداة
استفتاح وتنبيه (إِنّ جَالَسْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ، وَسَاءَلْتُهُمْ) ولفظ ((الكبرى))
((وسألتهم)) ثلاثيا، والأول مُفاعلة، من السؤال، وليس معنى المفاعلة مرادا هنا، إذ المراد

٨- (بَأَبُ قَبُوْلِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ ... - حديث رقم ٢١١٦
٢٨٩
أنه سألهم، لا أنهم سألوه، لأنه المحتاج إلى سؤالهم، فإنه تابعيّ يحتاج أن يسأل الصحابة
عن سنة رسول اللّه وَ له. ويحتمل أن تكون المفاعلة على بابها، ويكون المعنى أنه
سألهم عن السنة، وهم سألوه عن الأمور الدنيويّة، ويؤيّد هذا كونه أميرًا على مكة، كما
تقدّم في ترجمته. والله تعالى أعلم (وَإِنَّهُمْ حَدَّثُونِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَ، قَالَ: ((صُومُوا
لِرُؤْيَتِهِ) أي صوموا فرض رمضان لرؤية الهلال، فالضمير يفسّره سياق الكلام، كما في
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنَزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وقوله: ﴿فَأَثَرَّنَ بِهِ، نَفْعًا﴾
[العاديات: ٤]. أفاده ابن الملقّن في ((الإعلام)) (١) (وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ) أي لا تفطروا قبل
رؤية هلال شوّال بلا عذر مبيح (وَانْسُكُوا لَهَا) أمر من نَسَك يَنسُك، من باب نصر، أي
اذبحوا نسككم، وهي الأضحيّة، أو المراد أداء النسك، وهو الحجّ، فكلّ من الأضحيّة،
والحجّ لا بدّ له من رؤية هلال ذي الحجة (فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ) - بضمّ الغين المعجمة،
وتشديد الميم، والبناء للمفعول -: أي حال بينكم، وبين الهلال غيم، أو ضَبَاب.
وقال الزركشيّ في ((التنقيح)): فيه ضمير يعود على الهلال، أي سُتِر، من غيّمت
الشيءَ: سترتُهُ، وليس من الغيم، ويقال فيه: غُمِيَ، وغُمِّيَ، مخففًا، ومشدّدًا، رباعيًا،
وثلاثيّا انتهى (٢) (فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ) أي أكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا (فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانٍ)
وفي رواية أحمد: ((فإن شهد شاهدان مسلمان))، وفي رواية الدارقطنيّ: ((فإن شهد ذوا
عدل)) ( فَصُومُوا، وَأَفْطِرُوا)) ) زاد في رواية الدار قطنيّ: ((وانسُكوا)). والله تعالى أعلم.
[تنبيه] : أخرج الدارقطنيّ في ((سننه)) نحو حديث عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب
المذكور، فأخرج من طريق عباد بن العوّام، عن أبي مالك الأشجعيّ، عن حسين بن
الحارث الجَدَليّ، -جَدِيلَة قيس -: أن أمير مكّة خطبنا، فتَشَدَ الناسَ، فقال: من رأى
الهلال ليوم كذا وكذا؟ ثم قال: ((عهد إلينا رسول اللَّه وَ لّل أن ننسُك للرؤية،، فإن لم
نره، وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما)).
قال: فسألت الحسين بن الحارث مَن أمير مكة؟ قال: لا أدري، ثم لقيني بعدُ،
فقال: هو الحارث بن حاطب، أخو محمد بن حاطب. قال الدارقطنيّ: هذا إسناد
متّصل صحیح.
وأخرجه أيضا بسند آخر، وزاد فيه: وقال: إن فيكم مَن هو أعلم بالله ورسوله،
وأشار رجل خلفه. قلت: من هو؟ قال: ابن عمر، فقال ابن عمر: بذلك أمرنا
رسول اللّه ◌َلچر.
(١) - ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ج٤ ص١٧١ - ١٧٢.
(٢) - انظر ((زهر الربى)) ج٤ ص١٣٣ - ١٣٤.

٢٩٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ
ثم ذكر عن إبراهيم الحربيّ، أنه قال: هو الحارث بن حاطب بن الحارث بن معمر
ابن خُبيب بن وهب بن حذيفة بن جُمَح، كان من مهاجرة الحبشة انتهى (١) . والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب، عن أصحاب رسول اللَّه وَلّهِ ورضي اللّه
تعالى عنهم صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-٢١١٦/٨ -
وفي ((الكبرى)) ٢٤٢٦/٩. وأخرجه (أحمد) ١٨١٣٧ والدارقطنيّ في ((سننه)) جـ٢
ص١٦٧ -١٦٨ . والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في فوائده:
(منها): أن وجوب صوم رمضان يتعلّق برؤية هلال رمضان، فلا يصحّ الصوم
بحساب القمر (ومنها): أنه لا يجوز الفطر من رمضان إلا برؤية هلال شوّال (ومنها):
أن النسك، من الحجّ، وكذا الأضحيةُ لا يدخل وقته إلا برؤية هلال ذي الحجة
(ومنها): أنه إذا كان في السماء حجاب يحجب عن رؤية الهلال لزم إكمال ثلاثين يومًا
(ومنها): أن شهادة عدلين برؤية الهلال يلزم بها الصوم والفطر، والحجّ. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثالثة: في ذكر اختلاف أهل العلم فيما يثبت به هلال رمضان:
قال النوويّ رحمه الله تعالى: مذهبنا ثبوته بعدلين بلا خلاف، وفي ثبوته بعدل
خلاف، الصحيح ثبوته، وسواء أَصْحَت السماء(٢)، أو غَيَّمَت.
وممن قال: يثبت بشاهد واحد عبدالله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، وآخرون.
وممن قال: يشترط عدلان عطاء، وعمر بن عبدالعزيز، ومالك، والأوزاعيّ، والليث،
وابن الماجشون، وإسحاق بن راهويه، وداود. وقال الثوريّ: يشترط رجلان، أو رجل
وامرأتان. كذا حكاه ابن المنذر. وقال أبو حنيفة: إن كانت السماء مغيمة ثبت بشهادة
واحد، ولا يثبت غير رمضان إلا باثنين، قال: وإن كانت مصحية لم يثبت رمضان
بواحد، ولا باثنين، ولا يثبت إلا بعدد الاستفاضة.
واحتجّ لأبي حنيفة بأنه يبعد أن ينظر الجماعة الكبيرة إلى مطلع الهلال، وأبصارهم
(١) - ((سنن الدارقطنيّ)) ج٢ ص ١٦٧.
(٢) - يقال: أصحت السماء بالألف، فهي مُصحية: انكشف غَيْمها. قاله في ((المصباح)).

٢٩١
٨- (بَأَبُ قَبُوَلِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ ... - حديث رقم ٢١١٦
صحيحة، ولا مانع من الرؤية، ويراه واحد، أو اثنان دونهم.
واحتجّ من شرط اثنين بحديث الحارث بن حاطب، وهو صحيح.
واحتجّ أصحابنا بحديث ابن عمر رَّهَا، قال: ((تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبيّ
وَل﴿ أني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه))، وهو صحيح.
، قالا: إن رسول الله
قال: وأما حديث طاوس، عن ابن عمر، وابن عباس،
والر أجاز شهادة رجل واحد على هلال رمضان، وكان لا يُجيز على شهادة الإفطار إلا
شهادة رجلين))، فرواه البيهقيّ، وضعفه. قال: وهذا مما لا ينبغي أن يُحتجّ به. قال:
وفي الحديثين السابقين كفاية. ثم روى البيهقيّ بإسناده ما رواه الشافعيّ في ((المسند))
وغيره بإسناده الصحيح إلى فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب ◌َظنّه: ((أن رجلا
شهد عند عليّ رَّه على رؤية هلال رمضان، فصام، وأحسبه قال: وأمر الناس
بالصيام، وقال: لأن أصوم يوما من شعبان أحبّ إليّ من أن أفطر يومًا من رمضان)).
و(الجواب) عما احتجّ به أبو حنيفة من وجهين: (أحدهما): أنه مخالف للأحاديث
الصحيحة، فلا يعرّج عليه. (والثاني): أنه يجوز أن يراه بعضهم دون جمهورهم لحسن
نظره، أو غير ذلك، وليس هذا ممتنعًا، ولهذا لو شهد برؤيته اثنان، أو واحد، وحكم
به حاكم لم يُنقَض بالإجماع، ووجب الصوم بالإجماع، ولو كان مستحيلاً لم ينفذ حکمه،
ووجب نقضه.
(والجواب): عما احتجّ به الآخرون أن المراد بقوله: ((ننسُك)) هلال شوال، جمعًا بين
الأحاديث، أو محمول على الاستحباب والاحتياط، ولا بدّ من أحد هذين التأويلين
للجمع بين الأحاديث. انتهى كلام النوويّ رحمه اللّه تعالى (١).
وقال الشوكانيّ رحمه الله تعالى بعد ذكر اختلاف الأقوال: ما حاصله: واستدلّوا -
يعني القائلين باعتبار شهادة الاثنين- بحديث عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب، وبحديث
أمير مكة، فإن ظاهرهما اعتبار شاهدين، وتأولوا الحديثين المتقدمين -يعني حديث ابن
عباس، وابن عمر ## السابقين- باحتمال أن يكون قد شهد عند النبيّ وَّ غيرهما.
وأجاب الأولون -يعني القائلين بالاكتفاء بشهادة رجل واحد- بأن التصريح بالاثنين
غاية ما فيه المنع من قبول الواحد بالمفهوم، وحديثا عبدالرحمن بن زيد، وأمير مكة
يدلان على قبوله بالمنطوق، ودلالة المنطوق أرجح، وأما التأويل بالاحتمال المذكور،
فتعسّف وتجويز، لو صحّ اعتبار مثله لكان مفضيًا إلى طرح أكثر الشريعة.
(١) - ((المجموع)) ج٦ ص ٢٩٢-٢٩٤ .

٢٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ
قال: واختلفوا أيضًا في شهادة خروج رمضان، فقال النوويّ في ((شرح مسلم)): لا
تجوز شهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء، إلا أبا ثور، فجوّز بعدل
انتھی. واستدلوا بحديث ابن عمر، وابن عباس المتقدم، وهو مما لا تقوم به حجة؛ لما
تقدّم من ضعف من تفرّد به، وهو حفص بن عمر الأيليّ. وأما حديث عبدالرحمن بن
زيد بن الخطاب، وحديث أمير مكة، فهما واردان في شهادة دخول رمضان، أما حديث
أمير مكة فظاهر؛ لقوله فيه: ((نسكنا بشهادتهما)). وأما حديث عبدالرحمن بن زيد ففي
بعض ألفاظه: ((إلا أن يشهد شاهدا عدل))، وهو مستثنى من قوله: ((فأكملوا عدة
شعبان))، فالكلام في شهادة دخول رمضان، وأما لفظ أحمد: ((فإن شهد مسلمان،
فصوموا، وأفطروا))، وكذا لفظ النسائيّ: ((فإن شهد شاهدان، فصوموا، وأفطروا))،
فمع كون مفهوم الشرط، قد وقع الخلاف في العمل به هو أيضا معارض بما تقدّم من
قبوله ◌َّي لخبر الواحد في أول الشهر، وبالقياس عليه في آخره لعدم الفارق، فلا ينتهض
مثل هذا المفهوم لإثبات هذا الحكم به، وإذا لم يرد ما يدلّ على اعتبار الاثنين في
شهادة الإفطار من الأدلة الصحيحة، فالظاهر أنه يكفي فيه واحد قياسًا على الاكتفاء به
في الصوم.
وأيضا التعبّد بقبول خبر الواحد يدلّ على قبوله في كلّ موضع إلا ما ورد الدليل
بتخصيصه بعدم التعبّد فيه بخبر الواحد؛ كالشهادة على الأموال ونحوها، فالظاهر ما
قاله أبو ثور.
ويمكن أن يقال: إن مفهوم حديث عبدالرحمن بن زيد بن الخطّاب قد عورض في
أول الشهر بما تقدّم، وأما في آخر الشهر فلا ينتهض ذلك القياس لمعارضته، لا سيّما
مع تأيده بحديث ابن عمر وابن عباس المتقدّم، وهو وإن كان ضعيفًا، فذلك غير مانع
من صلاحيته للتأييد، فيصلح ذلك المفهوم المعتضد بذلك الحديث لتخصيص ما ورد
من التعبّد بأخبار الآحاد، والمقام محلّ نظر.
ومما يؤيّد القول بقبول الواحد مطلقًا أن قبوله في أول رمضان يستلزم الإفطار عند
كمال العدّة استنادًا إلى قبوله.
وأجيب عن ذلك بأنه يجوز الإفطار بقول الواحد ضمنا، لا صريحًا. وفيه نظر.
انتهى كلام الشوكانيّ رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجح عندي قول من قال: يثبت هلال رمضان
بشهادة رجل واحد؛ لصحة حديث عكرمة عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، الذي
تقدّم للمصنّف، وحديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما عند أبي داود وغيره، فهذا

٩- (إِكْمَالُ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ، إِذاَ كَانَ ... - حديث رقم ٢١١٧
٢٩٣
القول فيه الجمع بين الأدلّة، كما تقدّم، وأما الإفطار فلا بدّ من شاهدين؛ لصحة حديث
عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب، وحديث أمير مكة من غير معارض لهما، كما تقدّم.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)) ..
٩- (إِكْمَالُ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ، إِذَا كَانَ
غَيْمٌ، وَذِكْرُ اخْتِلَافِ النَّاقِلِينَ عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ) دَلَيه
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وجه الاختلاف الذي أشار إليه المصنف رحمه الله
·تعالى هنا أنه اختلف الراويان على شعبة في لفظ الحديث، فرواه إسماعيل ابن عُليّة،
عنه، بلفظ: ((فعُدّوا ثلاثين))، وخالفه ورقاء بن عمر اليشكريّ، فرواه بلفظ: ((فاقدروا
ثلاثين)). وسيأتي تمام البحث في اختلاف اللفظين قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله
تعالى أعلم.
٢١١٧- (أَخْبَرَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمُ
الشَّهْرُ، فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (مؤمّل بن هشام) اليشكريّ، أبو هشام البصريّ، ثقة [١٠] ٢٦/٢٤.
٢- (إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم المعروف بابن عليّة، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبت
[٨] ١٩/١٨ .
٣- (شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٧/٢٤.
٤- (محمد بن زياد) الجمحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقة ثبت
ربما أرسل [٣] ١١٠/٨٩.
٥- (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم

٢٩٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. (ومنها): أن فيه رواية أبا هريرة
رضي اللّه تعالى عنه أحفظ من روى الحديث في دهره. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَِّ، أَنْه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ) تقدّم أن
الضمير راجع إلى ما يدلّ عليه السياق، وهو الهلال، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى
لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.
والمعنى صوموا رمضان لرؤية هلاله، والمراد نيّة الصوم في النهار؛ لأن الليل ليس
محلّاً للصوم، أفاده العلامة ابن الملقن رحمه اللَّه تعالى (وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ
عَلَيْكُمُ الشَّهْرُ) -بضم الغين المعجمة، وتشديد الميم - أي هلال الشهر، ومعناه حال بينكم
وبينه غيم. يقال: (غُمّ))، و((أغمي))، و((غُمّي)) -بتشديد الميم، وتخفيفها، والغين
مضمومة فيهما- ويقال: (غُبي)) -بفتح الغين، وكسر الباء- أي خفي، وكلها لغات
صحيحة، وقد غامت السماء، وغِيمت، وأغامت، وتغيّمت، وغيّمت، كلها بمعنى.
وقيل: هذه الألفاظ مأخوذة من إِغْمَاءِ المريض، يقال: غُمي، وأَغمي عليه، والرباعيّ
أفصح. وقال القاضي عياض: وقد يصحّ أن ترجع إلى إغماء السماء والسحاب، وقد
يكون أيضًا من التغطية، ومنه قولهم: غممت الشيءَ: إذا سترته، والغَمَى مقصورًا: ما
سقفت به البيت من شيء. وروي ((عُمِي)) بالعين المهملة، والميم المخففة. حكاه القاضي
أيضًا، ومعناه خَفِي، يقال: عَمِي علي الخبر، أي خفي. وقيل: هو مأخوذ من العماء،
وهو السحاب الرقيق. وقيل: المرتفع، أي دخل في العماء، أو يكون من العمى
المقصور، وهو عدم الرؤية (١).
(فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ) أي عُدّوا ثلاثين يومًا، من شعبان، فصوموا بعدها. ورواه البخاريّ
رحمه الله تعالى في ((صحيحه))، عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة، بلفظ: «فأكملوا عدّة
شعبان ثلاثين)) .
قال في ((الفتح)): ما حاصله: وقد وقع الاختلاف في حديث أبي هريرة وَّر في هذه
الزيادة، فرواها البخاريّ - كما ترى- بلفظ: ((فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين))، وهذا أصرح
ما ورد في ذلك، وقد قيل: إن آدم شيخه انفرد بذلك، فإن أكثر الرواة عن شعبة قالوا
فيه: ((فعُدّوا ثلاثين)). أشار إلى ذلك الإسماعيليّ، وهو عند مسلم وغيره، قال: فيجوز
أن يكون آدم أورده على ما وقع عنده من تفسير الخبر.
(١) - انظر ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) للعلامة بن المقّن رحمه الله تعالى ج٥ص ١٧٢ -١٧٣.
و ((طرح التثريب) ج٤ ص١١٧.

٩- (إِكْمَالُ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ، إِذاَ كَانَ ... - حديث رقم ٢١١٧
٢٩٥ _
قال الحافظ: الذي ظنه الإسماعيليّ صحيح (١)، فقد رواه البيهقيّ من طريق إبراهيم
ابن يزيد، عن آدم بلفظ: «فإن غمّ عليكم، فعُدّوا ثلاثين يومًا)) -يعني عدّوا شعبان
ثلاثين -. فوقع للبخاريّ إدراج التفسير في نفس الخبر. ويؤيّده رواية أبي سلمة، عن
أبي هريرة بلفظ: ((لا تقدّموا رمضان بصوم يوم، ولا يومين)). فإنه يشعر بأن المأمور
بعدّه هو شعبان، وقد رواه مسلم من طريق الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد بلفظ :
((فأكملوا العدد)). وهو يتناول كلّ شهر، فدخل فيه شعبان. وروى الدارقطنيّ،
وصححه، وابن خزيمة في (صحيحه)) من حديث عائشة رَالثها: ((كان رسول اللّه ◌َيه
يتحفّظ من شعبان ما لا يتحفّظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غمّ عليه عَدّ
ثلاثين يومًا، ثم صام)). وأخرجه أبو داود وغيره أيضًا. وروى أبو داود، والنسائيّ (٢)
وابن خزيمة من طريق رِبْعيّ، عن حُذيفة رَالثُه، مرفوعًا: ((لا تقدّموا الشهر حتى تروا
الهلال، أو تكمّلوا العدّة، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكمّلوا العدّة)). وقيل:
الصواب فيه: عن ربعيّ، عن رجل من الصحابة مبهم، ولا يقدح ذلك في صحته انتهى
كلام الحافظ رحمه اللّه تعالى (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢١١٧/٩ و٢١١٨ و٢١١٩/١٠ و٢١٢٣/١١ و٢١٣٨/١٧ و١٧/
٢١٣٨- وفي ((الكبرى)) ٢٤٢٧/١٠ و٢٤٢٨ و٢٤٢٩/١١ و٢٤٣٣/١٢ و ٢٤٤٨/١٨
و٢٤٤٨/١٨. وأخرجه (خ) ١٩٠٩ (م)١٠٨١ (ق) ١٦٥٥. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في معنى قوله مَطر: ((فاقدروا ثلاثين)):
اختلفوا في المراد به على مذاهب:
(الأول): مذهب الجمهور، قالوا: معناه قدّروا له تمام العدد ثلاثين يوما، أي انظروا
في أول الشهر، واحسبوا تمام ثلاثين يومًا.
(١) - سيأتي الردّ على هذا الذي ظنه الإسماعيليّ، ووافقه عليه الحافظ في كلام وليّ الدين العراقيّ،
إن شاء الله تعالى.
(٢) - يأتي للمصنّف في ٢١٢٦/١٣ .
(٣) - ((فتح) ج٤ ص٦١٦ - ٦١٧ .

٢٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ
قال الحافظ وليّ الدین رحمه الله تعالی بعد أن بین اختلاف الروايات في حديث ابن
عمر الآتي، ففي رواية ((فاقدروا له))، وفي رواية ((فاقدروا ثلاثين))، وفي رواية «فأكملوا
العدّة ثلاثين))، وفي رواية ((فعدّوا ثلاثين)):
ما حاصله: والروايات يفسّر بعضها بعضًا، والحديث إذا جُمعت طرقه تبيّن المراد
منه، وقد دل على ذلك أيضًا ما رواه البخاريّ من حديث شعبة، عن محمد بن زياد،
عن أبي هريرة ◌َّ، مرفوعًا: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم،
فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين)). رواه مسلم من حديث سعيد بن المسيّب ، عن أبي هريرة
رَبّه بلفظ: («فصوموا ثلاثين يومًا»، وليس ذلك اضطرابًا في الخبر لأنا مأمورون بذلك
في الصوم والفطر، وقد ذكر النبيّ وَّله صورة الغمّ علينا بعد قوله: ((لا تصوموا حتى تروا
الهلال، ولا تفطروا حتى تروه))، فعاد إلى الصورتين معًا، أي فإن غمّ عليكم في
صومكم، أو فطركم، فذكر في إحدى الروايتين إحدى الصورتين، وفي الأخرى
الصورة الأخرى، وأتى في بعض روايات حديث أبي هريرة بعبارة متناولة لهما، ففي
رواية لمسلم ((فعدّوا ثلاثين))، وفي رواية له: ((فأكملوا العدد)).
ومن العجيب اعتراض بعض الحنابلة على رواية البخاريّ بأن الإسماعيليّ قد
أخرجها في ((مستخرجه)) من رواية غندر، عن شعبة بلفظ: ((فإن غمّ عليكم فعدّوا
ثلاثين))، ثم عدّ جماعة رووه عن شعبة كذلك، ثم قال هذا الحنبليّ: وهذا يجوز أن
يكون من آدم بن أبي إياس رواه على التفسير من عنده للخبر انتهى.
وغايته أن رواية البخاريّ خاصّة، والرواية التي حكاها عن غيره عامّة، تتناول شعبان
ورمضان، فلا معنى لحملها على رمضان، لا سيما، وهم يؤولون قوله: ((فاقدروا له))
كما سيأتي بيانه، ويحملونه على تقدير الهلال تحت السحاب، وذلك يدلّ على أن المراد
شعبان، وهذا يدلّ على مخالفة كلام هذا الحنبليّ لكلام أئمته، ولا جائز أن يُحمل
الشرط في قوله: ((فإن غمّ عليكم)) على صورة، والجزاء، وهو قوله: ((فعدوا ثلاثين))
على صورة غيرها.
ولقد أنصف الإمام شمس الدين محمد بن عبدالهادي، وهو من أعيان متأخري
الحنابلة، فقال في ((تنقيح التحقيق)): الذي دلت عليه أحاديث هذه المسألة، وهو
مقتضى القواعد أن أيّ شهر غُمّ أَكمِلَ ثلاثين، سواء في ذلك شعبان ورمضان وغيرهما،
وعلى هذا فقوله: ((فإن غمّ عليكم، فأكملوا العدّة)) يرجع إلى الجملتين، وهما قوله:
(صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم، فأكملوا العدّة))، أي غُمّ عليكم في
صومكم وفطركم، هذا هو الظاهر من اللفظ، وباقي الأحاديث يدلّ عليه.

٢٩٧ ==
... - حديث رقم ٢١١٧
٩- (إِكْمَالُ شَعْبَانَ ثَلَاثِینَ، إِذاَ كَانَ
قال: وما ذكره الإسماعيليّ غير قادح في صحّة الحديث؛ لأن النبيّ ◌َ * إما أن يكون
قال اللفظين، وهذا مقتضى ظاهر الرواية، وإما أن يكون قال أحدهما، وذكر الراوي
اللفظ الآخر بالمعنى، فإن الأمرين في قوله: ((فأكملوا العدة)) للشهرین انتهى.
وفي ((سنن أبي داود)) عن عمر بن عبدالعزيز: ((وإن أحسن ما يقدّر له إذا رأينا هلال
شعبان لكذا وكذا، فالصوم إن شاء اللّه لكذا وكذا، إلا أن يروا الهلال قبل ذلك)). وفي
رواية للبيهقيّ في ((سننه)) في الحديث المرفوع من حديث أبي هريرة بَّ: «فإن غُمّ
عليكم، فإنها ليست تُغمَى عليكم العدّة)).
وقد روى مالك في ((الموطإ)» عقب حديث ابن عمر حديث عكرمة، عن ابن عباس:
أن رسول اللّه وَ ل ذكر رمضان، فقال: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى
تروه، فإن غّ عليكم، فأكملوا العدّة ثلاثين)). قال ابن عبدالبر: جعله بعده لأنه عنده
مفسّر له، ومبيّن لمعنى قوله: ((فاقدروا له)).
قال وليّ الدين: وكذا رواه الترمذيّ بلفظ ((فأكملوا ثلاثين يومًا)). وهو عند أبي داود
بلفظ: ((فإن حال دونه غمامة، فأتموا العدّة ثلاثين، ثم أفطروا)). وعند النسائيّ بلفظ:
((فإن حال بينكم وبينه سحابة، أو ظلمة، فأكملوا العدّة، عدّة شعبان)). وهذا على ما
قدّمته في حديث ابن عمر ذَكَّرَ في رواية أبي داود صورةً، وفي رواية النسائيّ أخرى،
وأتى في رواية مالك، والترمذيّ بما يَشمَل الصورتين، وليس ذلك اضطرابًا. وفي
((صحيح مسلم)) عن أبي الْبَخْتَريّ، قال: أهللنا رمضان، ونحن بذات العرق، فأرسلنا
رجلا إلى ابن عباس، فسأله؟ فقال ابن عباس: قال رسول اللَّه وَله: ((إن اللَّه قد أمده
لرؤيته، فإن غمي عليكم، فأكملوا العدّة))، وفي رواية له: فلقينا ابن عباس، فقلنا،
وذكره، وهذا شاهد لرواية مالك وغيره. وروى أبو داود والنسائيّ عن حذيفة تظنّه،
مرفوعًا: ((لا تقدّموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا
الهلال، أو تكملوا العدة)). وروى أبو داود عن عائشة رَاشته، كان رسول اللّه ◌َل
يتحفّظ من شعبان ما لا يتحفّظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غمّ عليه عَدَّ
ثلاثین يومًا، ثم صام)).
وقد رُويَ هذا المعنى، وهو إكمال العدّة ثلاثين يومًا عند الغمّ علينا من حديث
جابر، وأبي بكرة، وعمر بن الخطاب، ورافع بن خَدِيج، وعليّ بن أبي طالب، وطلق
ابن عليّ، والبراء بن عازب . وقد جمع ذلك الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى في
(شرح الترمذيّ)). قال ابن عبدالبرّ: ولم يرو أحد فيما علمت ((فاقدروا له)) إلا ابن عمر
وحده. والله تعالى أعلم.

٢٩٨
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَامِ
(المذهب الثاني): مذهب من قال: إن معنى قوله ◌َّه: ((فاقدروا له: ضيّقوا له،
وقَدْرُوه تحت السحاب، ومن قال بهذا أوجب الصيام من الغد ليلة الثلاثين من شعبان إن
كان في محلّ الهلال ما يمنع رؤيته، من غيم وغيره.
وهذا مذهب ابن عمر رؤيتها راوي هذا الحديث، ففي ((سنن أبي داود)): فكان ابن
عمر إذا كان شعبان تسعًا وعشرين نُظِرَ له، فإن رأى فذاك، وإن لم ير، ولم يَحُلْ دونه
منظره سحاب، أو قَتَرَة، أصبح مفطرًا، وإن حال دون منظره سحاب، أو قترة أصبح
صائمًا، قال: وكان ابن عمر توق يفطر مع الناس، ولا يأخذ بهذا الحساب.
قال الخطّابِيّ: يريد أنه كان يفعل هذا الصنيع في شهر شعبان احتياطًا للصوم، ولا
يأخذ بهذا الحساب في شهر رمضان، ولا يفطر إلا مع الناس.
قال وليّ الدين: وكأن الراوي أشار بذلك إلى النقض على ابن عمر في كونه قال بما
يقتضي حمل التقديرين على التضييق، وتقديره تحت السحاب في إحدى الصورتين،
دون الأخرى، ولو اختلف حكمهما لبيّنه النبيّ وَّل، وفصل بينهما، وقد نبّه النبيّ وَّل
على التسوية بينهما بنهيه عن صوم يوم الشكّ. وقد تبع ابنَ عمر على هذا المذهب
أحمدُ بن حنبل في المشهور عنه.
قال ابن الجوزيّ رحمه الله تعالى في تصنيف له سمّاه «دَرْء اللَّوْم والضَّيْم في صوم
يوم الغيم)): وهذا مرويّ من الصحابة، عن عمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالب،
وأنس بن مالك، وأبي هريرة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، والحكم بن أيوب
الغفاريّ، وعائشة، وأسماء ابنتي أبي بكر الصدّيق *. قال: وقال به من كبراء
التابعين سالم بن عبدالله، ومجاهد، وطاوس، وأبو عثمان النّهْديّ، ومطرّف بن
عبدالله بن الشّخِّير، وميمون بن مهران، وبكر بن عبدالله المزنيّ، في آخرين.
حكاه عنه الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى في ((شرح الترمذيّ))، وردّ عليه في
حكايته عن هؤلاء الصحابة، فذكر أن الرواية في ذلك عن عمر منقطعة، فإنها من رواية
مكحول عنه، ولم يدركه، وأن ابن الجوزيّ إنما نقل ذلك عن عليّ؛ لأنه قال: ((أصوم
يومًا من شعبان أحبّ إليّ من أفطر يوما من رمضان)). قال العراقيّ: وهو منقطع، ثم إنه
إنما قاله عند شهادة واحد على رؤية الهلال، لا في الغيم، كما رواه الدارقطنيّ في
(سننه)) مبيّنًا، ولا يحلّ الاختصار على هذا الوجه؛ لأنه يُخلّ بالمعنى. قال: والمعروف
عن عمر، وعليّ خلاف ذلك ففي ((مصنف ابن أبي شيبة)) عن كلّ منهما أنه كان يخطب
إذا حضر رمضان، فيقول: ((ألا لا تقدّموا الشهر، إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتم
الهلال، فأفطروا، فإن غمّ عليكم، فأتمّوا العدّة)).

٢٩٩
٩- (إِكْمَالُ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ، إِذاَ كَانَ ... - حديث رقم ٢١١٧
ومستند ابن الجوزيّ في نقل ذلك عن أنس ما رواه عن يحيى بن إسحاق أنه قال:
رأيت الهلال إما عند الظهر، وإما قريبًا منه، فأفطر ناس من الناس، فأتينا أنس بن
مالك، فأخبرناه برؤية الهلال، وبإفطار من أفطر، فقال: هذا اليوم يكمل لي أحد
وثلاثون (١) يومًا، وذلك أن الحكم بن أيوب أرسل إليّ قبل صيام الناس أني صائم
غدًا، فكرهت الخلاف عليه، فصمت، وأنا متمّ صوم يومي هذا إلى الليل.
قال العراقيّ: هذا لم يفعله للغيم، وإنما فعله كراهية للاختلاف على الأمير، وهو
ابن عمّ الحجاج بن يوسف الثقفيّ، فهو موافق لرواية عن أحمد: إن الخيرة إلى الأمير
في صيام ليلة الغيم. فلم يصمه أنس عن رمضان، وقد أفطر الناس ذلك اليوم، وأراد
أنس ترك الخلاف على أميره.
قال العراقي: والمعروف عن أبي هريرة ◌َّه خلاف ما نقله عنه، كما في ((مصنّف
ابن أبي شيبة)) عنه أنه قال: نهي أن يتعجّل قبل رمضان بيوم أو يومين. لكن روى البيهقيّ
عنه من رواية أبي مريم عنه: ((لأن أصوم اليوم الذي يشكّ فيه من شعبان أحبّ إليّ من
أفطر يوما من رمضان)). ثم قال البيهقيّ: كذا روي عن أبي هريرة بهذا الإسناد، ورواية
أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّر في النهي عن التقدّم إلا أن يوافق صوما كان
يصومه أصح من ذلك انتھی.
قال: وأما أثر معاوية، فإنه ضعيف لا يصحّ، وقد رواه ابن الجوزيّ في ((العلل
المتناهية)) من رواية مكحول عنه، وضعّفه. قال: وأما أثر عمرو بن العاص، فلم أر له
إسنادًا. قال: وأما الحكم بن أيوب، فهو الثقفيّ، وهو من التابعين، كما ذكره ابن حبّان
في ثقات التابعين. قال: فلم يقل به أحد من العشرة الذين ذكرهم ابن الجوزيّ إلا ابن
عمر، وعائشة، وأسماء ، واختلف عن أبي هريرة كما تقدّم.
قال البيهقيّ رحمه الله تعالى: ومتابعة السنّة الثابتة، وما عليه أكثر الصحابة، وعوام
أهل العلم أولى بنا انتهى.
وقال ابن عبدالبرّ رحمه الله تعالى: لم يُتابع ابن عمر على تأويله ذلك فيما علمت إلا
طاوس، وأحمد بن حنبل. وروي عن أسماء بنت أبي بكر مثله، وعن عائشة نحوه.
انتھی .
(المذهب الثالث): مذهب فرقة ثالثة، قالوا: إن معنى الحديث: قَدْرُوه بحساب
المنازل، حكاه النوويّ في ((شرح مسلم)) عن ابن سُريج، وجماعة، منهم مطرّف بن
(١) - هكذا نسخ ((الطرح)) بالرفع، ولعل الأولى بالنصب، فليحرّر.

٣٠٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الصِّيَّامِ
عبدالله، وابن قتيبة، وآخرون. وقال ابن عبدالبرّ: رُوي عن مطرّف بن الشّخير، وليس
بصحيح عنه، ولو صحّ ما وجب اتباعه عليه؛ لشذوذه فيه، ولمخالفة الحجّة له، ثم
حكى عن ابن قتيبة مثله، وقال: ليس هذا من شأن ابن قتيبة، ولا هو ممن يُعرّج عليه
في مثل هذا الباب، ثم حكى عن ابن خويز منداد أنه حكاه عن الشافعيّ، ثم قال ابن
عبدالبرّ: والصحيح عنه في كتبه، وعند أصحابه، وجمهور العلماء خلافه. قال وليّ
الدين: لا يعرف ذلك عن الشافعيّ أصلا. والله أعلم.
وبالغ ابن العربيّ في ((العارضة)) في إنكاره مقالة ابن سُريج هذه، قال المازريّ عن
الجمهور: لا يجوز أن يكون حساب المنجمين، لأن الناس لو كلّفوا به ضاق عليهم؛
لأنه لا يعرفه إلا الأفراد، والشرع إنما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم. وحكى ابن
العربيّ عن ابن سريج أن قوله: ((فاقدروا)) خطاب لمن خصّه اللَّه بهذا العلم، وقوله:
((فأكملوا العدّة)) خطاب للعامة. قال ابن العربيّ: فكأن وجوب رمضان جعله مختلف
الحال، يجب على قوم بحساب الشمس والقمر، وعلى آخرين بحساب الْجُمَّل، إن هذا
لبعيد عن النبلاء ، فكيف عن العلماء؟.
وقال ابن الصلاح رحمه اللّه تعالى في ((مشكل الوسيط»: معرفة منازل القمر هو
معرفة سير الأهلّة، وهو غير المعرفة بالحساب على ما أشعر به كلام الغزاليّ في
الدرس، فالحساب أمر دقيق يختصّ بمعرفته الآحاد، والمعرفة بالمنازل كالمحسوس
يشترك في ذكره الجمهور، ممن يراقب النجوم انتهى.
قال وليّ الدين: فمعرفة منازل القمر هي التي قال بها ابن سريج، ثم إنه لم يقل بها
في حقّ كلّ أحد، وإنما قال بها في حقّ العارف بها، وإنما قال بجوازه له، كذا ذكر
الرويانيّ عنه. ونقل الجواز أيضًا عن اختيار القفّال، والقاضي أبي الطيب الطبريّ.
وحكى الشيخ في ((المهذّب)) عن ابن سُريج لزوم الصوم في هذه الصورة. ثم ذكر وليّ
الدين تفاصيل الأوجه في مذهب الشافعيّ في مسألة الحاسب والمنجّم، وبسط الكلام
فیه .
وقال ابن دقيق العيد في ((شرح العمدة)): وأما ما دلّ الحساب على أن الهلال قد طلع
من الأفق على وجه يُرى لولا وجود المانع، كالغيم، فهذا يقتضي الوجوب؛ لوجود
السبب الشرعيّ، قال: وليس حقيقة الرؤية تشترط في اللزوم؛ لأن الاتفاق على أن
المحبوس في الممطورة إذا علم بإكمال العدّة، أو الاجتهاد بالأمارات أن اليوم من
رمضان وجب عليه الصوم، وإن لم ير الهلال، ولا أخبره من رآه.
وردّ عليه الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)»، فقال: المحبوس في الممطورة