Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١=
١١٧- أرواح المُؤمِنِینَ - حدیث رقم ٢٠٧٩
رجال الصحيح، غير شيخه. (ومنها): أنه مسلسل بالحمصيين إلى الزهري، ومنه
مدنيون. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَّ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴿) ذكر الحافظ أبو عمر رحمه الله
تعالى أن أكثر رواة ((الموطإ)) رفعوا هذا الحديث، ووقفه القعنبيّ، ومصعب الزبيريّ،
على أبي هريرة. قال وليّ الدين: والمراد وقف لفظه، وأما حكمه فهو الرفع؛ لأنه لا
يقال مثله، من قبل الرأي، فھو مرفوع على كلّ حال انتهى.
(يَقُولُ: ((أَسْرَفَ عَبْدٌ عَلَى نَفْسِهِ) وفي حديث حذيفة رَّه الآتي بعد هذا: ((كان
رجل ممن كان قبلكم يسيء الظنّ بعمله))، وللبخاريّ من حديث أبي مسعود: أن هذا
الرجل كان نبّاشًا. وفي رواية للطبراني: بينما حذيفة، وأبو مسعود جالسين، فقال
أحدهما: سمعت رسول اللَّه وَالر، يقول: ((إن رجلا من بني إسرائيل، كان ينبش
القبور))(١). ولمسلم: ((لم يعمل حسنة قط)). ولأحمد، من حديث ابن مسعود: ((أنه لم
يعمل شيئًا قط إلا التوحيد))(٢).
وظاهر قوله: أنه لم يعمل خيرا قط، أنه لم يكن موحدًا؛ لأن التوحيد أعظم الخير،
لكن إخباره بأنه فعل هذا من خشية الله تعالى يدلّ على توحيده، وكيف يخشى الله من
لا يعرفه، بل يدلّ على علمه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْ﴾ الآية
[فاطر: ٢٨]، وقد رفعت رواية أحمد المذكورة هذا الإشكال، حيث استثنت من الخير
التوحید.
قال الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: هذه اللفظة ترفع الإشكال في إيمان هذا
الرجل، والأصول كلها تعضدها، والنظر يوجبها؛ لأنه محال أن يُغفر للذين يموتون،
(١)-راجع ((الفتح)) ج٧ ص ١٧٣ ((كتاب أحاديث الأنبياء)) - ((باب ما ذكر عن بني إسرائيل)) رقم ٣٤٥٢.
(٢)- ونصّ أحمد في ((المسند)) رقم ٣٧٧٦ حدثنا يحيى بن إسحاق، أنبأنا حماد بن سلمة، عن عاصم
ابن بهدلة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، أن رجلا لم يعمل من الخير
شيئا قط، إلا التوحيد، فلما حضرته الوفاة، قال لأهله: إذا أنا مت، فخذوني، واحرقوني، حتى
تدعوني حممة، ثم اطحنوني، ثم اذروني في البحر، في يوم راح، قال: ففعلوا به ذلك، قال:
فإذا هو في قبضة الله، قال: فقال الله عز وجل له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: مخافتك،
قال: فغفر الله له.
قال يحيى: حدثنا حماد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة تَظّه، عن النبي صلى الله
عليه وسلم بمثله.

١٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ
وهم كفّار، لأن الله عز وجل قد أخبر أنه لا يغفر أن يُشرك به، وقال: ﴿قُل لِّلَّذِينَ
كَفَرُوَاْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] فمن لم ينته عن شركه،
ومات على كفره، لم يك مغفورا له، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ الثَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ
السَّيْئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْتَلَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ
كُفَّارُ﴾ [النساء: ١٨].
قال: وهذا سائغ في لسان العرب أن يؤتى بلفظ الكلّ، والمراد البعض، فتقول
العرب: لم يفعل كذا قطّ، يريد الأكثر من فعله. ألا ترى إلى قوله وَالى: ((لا يضع عصاه
عن عاتقه)) يريد أن الضرب للنساء كان منه كثيرًا، لا أنّ عصاه كانت ليلاً ونهارًا على
عاتقه. انتهى .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ابن مسعود تظنّه الذي أخرجه أحمد، رجاله
ثقات. والله تعالى أعلم.
(حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ) ظرف للقول الذي بعده، لا للإسراف المتقدّم، وفي
((الكبرى)): ((فحين حضرته الوفاة قال لأهله ... ))، وفي حديث حذيفة التالي: ((فلما
حضرته الوفاة قال لأهله ... )) (قَالَ لِأَهْلِهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ) بكسر الميم، وضمها، من مات
يَمَاتُ، كخاف يخاف، ومات يموت، كقال يقول.
وفي حديث أبي سعيد رَمّ عند البخاريّ: ((أن رجلاً كان قبلكم رَغَسَه(١) اللَّه مالاً ،
فقال لبنيه لما حُضِر: أيَّ أَبِ كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني لم أعمل خيرًا
قط، فإذا أنا متّ ... )). وله من حديث حذيفة تملكه: ((إن رجلاً حضره الموت، لما
أيس من الحياة أوصى أهله: إذا أنا متّ، فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا، ثم أَوْرُوا نارًا، حتى
إذا أكلت لحمي، وخلصت إلى عظمي، فخذوها، فاطحنوها، فذروني في اليمّ، في
يوم حار ... )).
(فَأَخْرِ قُونِي، ثُمَّ اسْحَقُوني) بفتح الحاء المهملة، أمر من سحق يسحق، كمنع يمنع،
قيل: روي ((اسحكوني))، واسهكوني))، والكل بمعنى واحد، وهو الدّقّ والطحن (ثُمَّ
اذْرُونِي) بالذال المعجمة، ويجوز في همزة الوصل والقطع، يقال: ذرتُهُ الريحُ،
وأذرتْهُ، تذرُوه، وتذرِيه: إذا أَطارته، ومنه تذرية الطعام. كذا ذكر في ((المشارق))،
و((النهاية)): ذريت، وأذريت، بمعنىّ. وقال في ((الصحاح)): ذريته: طيّته، وأذهبته،
وذَرَت الريحُ الترابَ، وغيره تذروه ذَرْوًا، وذَرْيًا: أي سَفَتْهُ، ومنه قولهم: ذَرَى الناسُ
الحنطةَ، ثم قال: وأذريت الشيءَ: إذا ألقيته كإلقائك الحبّ للزرع، وطعنَهُ، فأذراه عن
(١)-أي كثر اللَّه ماله.

١٦٣=
١١٧- أَرْوَحُ الْمُؤْمِنِينَ - حديث رقم ٢٠٧٩
ظهر دابته: أي ألقاه انتهى. وذكر في ((المحكم)) نحوه، وهذا يقتضي الفرق بين الثلاثيّ،
والرباعيّ، وأن ما يُلقَى في غير محلّ معيّن، يستعمل فيه الثلاثيّ، كما في هذا الحديث،
وما يُلقَى في محلّ معيّن يُستعمل فيه الرباعيّ. قاله الحافظ وليّ الدين رحمه اللَّه تعالى(١).
(فِي الرِّيحِ، فِي الْبَخرِ) الجار الأول متعلّق بالفعل قبله، والثاني متعلق بحال مقدّر من
((الريح))، أيّ حال كون ذلك الريح كائنا في البحر، وإنما لم يتعلّق بما تعلّق به ما قبله؛ لئلا
يتعلق حرفا جرّ بلفظ ومعنى واحد بفعل واحد، وهو ممنوع، كما هو معروف في محله.
وفي حديث أبي سعيد: ((في يوم عاصف))، أي عاصف ريحه. وفي رواية مسلم:
((في ريح عاصف)). وإنما أمرهم بهذا لتتفرّق أجزؤه، بحيث لا يكون هناك سبيل إلى
جمعها في ظنّه، كما بَيَّنَ ذلك بقوله:
(فَوَاللَّهِ، لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ) من باب نصر، وضرب، وفرِحَ، يقال: قدرتُ على
الشيء: إذا قَوِيتَ عليه، وتمكنتَ منه، والاسم القدرة .
قال السنديّ رحمه الله تعالى: ما معناه: يحتمل أنه رأى أن جمعه يكون مستحيلاً،
والقدرة لا تتعلّق بالمستحيل، فلذلك قال: ((فوالله لئن قَدَر اللَّه))، فلا يلزم أنه نَفَى القدرة،
فصار بذلك كافرًا، فكيف يُغفر له؟، وذلك أنه ما نفى القدرة على ممكن، وإنما فرض غيرَ
المستحيل مستحيلاً فيما لم يثبت عنده أنه ممكن من الدين بالضرورة، والكفر هو الأول، لا
الثاني. ويحتمل أن شدّة الخوف طيّرت عقله، فما التفت إلى ما يقول، وما يفعل، وأنه هل
ينفعه، أم لا؟، كما هو المشاهد في الواقع في مهلكة، فإنه قد يتمسّك بأدنى شيء؛
لاحتمال أنه لعله ينفعه، فهو فيما قال، وفعل في حكم المجنون. وأجاب بعضهم بأن هذا
رجل لم تبلغه الدعوة، وهذا بعيد. والله تعالى أعلم انتهى(٢).
وسيأتي هذا البحث مستوفّى في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى.
(لَيُعَذْبَنِّي) جواب القسم، والفعل مبنيّ على الفتح لاتصال نون التوكيد به (عذابًا لَا يُعَذِّبُهُ
أَحَدًا، مِنْ خَلْقِهِ، قَالَ: فَفَعَلَ أَهْلُهُ ذَلِكَ) أي جميع ما أوصاهم به (قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِكُلِّ شَيٍْ
أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا) أي من أجزاء هذا الميت (أَدْ) فعل أمر من التأدية (مَا أَخَذْتَ) وفي رواية
البخاريّ: ((فأمر الله الأرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت ... )). (فَإِذَا هُوَ قَائِمْ) ((إذا
فُجائيّة، أي ففاجأ قيامه، وفيه سرعة اجتماع أجزائه، وفي حديث سلمان تظلّه عند أبي
عوانة في ((صحيحه)): ((فقال اللَّه له: كن، فكان كأسرع من طرفة العين)).
قال في ((الفتح)): وهذا جميعه - كما قال ابن عقيل -: إخبار عما سيقع له يوم القيامة،
-
(١)- (طرح)) ج٣ ص٢٦٦ -٢٦٧.
(٢)- ((شرح السندي» ج٣ ص١١٣ .

١٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ
وليس كما قال بعضهم: إنه خاطب روحه، فإن ذلك لا يناسب قوله: ((فجمعه اللَّه))؛ لأن
التحريق، والتفريق، إنما وقع على الجسد، وهو الذي يُجمع، ويعاد عند البعث انتهى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله في ((الفتح)) نقلًا عن ابن عقيل من أنه
إخبار عما سيقع إلخ فيه نظر لا يخفى؛ إذ سياق الحديث يأباه، وهذا الذي نفاه من
الوقوع قبل ذلك ليس ببعيد، ﴿وما ذلك على الله بعزيز﴾. فتبصّر. والله تعالى أعلم.
(قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟) أي أيُّ شيء حملك على هذه
الوصيّة الجائرة؟ (قَالَ) ذلك الرجل (خَشْيَتُكَ) مرفوع على أنه فاعل لمقدّر، يدلّ عليه
السؤال، كما أشار إلى ذلك ابن مالك رحمه الله تعالى في ((خلاصته))، حيث قال:
وَيَزْفَعُ الْفَاعِلَ فِعْلٌ أُضْمِرَا كَمِثْلٍ ((زَيْدٌ)) فِي جَوَابِ ((مَنْ قَرَا))
أي حملني على ذلك خشيتك. وفي رواية ((مخافتك)) (فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ))) وفي حديث
أبي سعيد رَزُّه: ((فتلقّاه برحمته)).
قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: إن قلت: في ((الصحيحين)) من حديث أبي
هريرة رَّه، عن النبي ◌َّ، عن اللّه تعالى: ((أنا عند ظنّ عبدي بي))، وهذا قد ظنّ
بربه تعذيبه، وعدم المغفرة له، فكيف غفر له؟.
قلت: قد اختلفوا في معنى هذا الحديث، فقيل: المراد به الرجاء، وتأميل العفو.
وقيل: معناه بالغفران له إذا استغفر، والقبول له إذا تاب، والإجابة إذا دعا، والكفاية إذا
طلب الكفاية. فإن قلنا بالثاني، فالجمع واضح؛ لأن هذا قد ندم على ما فَرَطَ منه،
ولولا ندمه لما أمر أن يُفعل به ذلك، فكان تائبًا، فقبلت توبته، وغُفر له. وإن قلنا
بالأوّل، فقد حكى القاضي عياض، والنوويّ في ((شرح مسلم)) أنه قيل: إنما أوصى
بذلك تحقيرًا لنفسه، وعقوبة لها؛ لعصيانها، وإسرافها، رجاء أن يرحمه الله تعالى، فهو
حينئذ قد رجا العفو، وأمّله، فكان اللَّه عند ظنّه به، فعفا عنه، وهذا بعيد من قوله: ((إن
قدر اللَّه عليّ))، إن لم يؤوّله بما تقدّم، والله تعالى أعلم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله القاضي عياض، والنووي رحمهما الله تعالى
جواب سليم، وتوجيه مستقيم، وبه يزول الإشكال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
(١)- ((فتح)) ج٧ ص٢٠٦-٢٠٧. ((كتاب أحاديث الأنبياء)) رقم ٣٤٧٨.
(٢)- المصدر السابق ج ٣ ص٢٦٩ .

١٦٥ -
١١٧- ارواح المؤمنین - حديث رقم ٢٠٧٩
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١١٧/ ٢٠٧٩ - وفي («الكبرى»-٢٢٠٦/١١٧. وأخرجه (خ)٣٤٨١
و٧٥٠٦ (م)٢٧٥٦ (ق) ٤٢٥٥ (أحمد) ٧٥٩١ و٧٩٨٠ (الموطأ) ٥٦٨. والله تعالى
أعلم .
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: إثبات البعث بعد الموت، وإن تفرقت الأجزاء، وتلاشت. ومنها: عظمة قدرة
الله تعالى. ومنها: فضيلة الخوف من الله تعالى، وغلبتها على العبد، وأنها من مقامات
الإيمان، وأركان الإسلام، وبها انتفع هذا المسرف، وحصلت له المغفرة. ومنها: أنه لا
ضرر على العبد في غلبة الخوف، وإن كانت بقرب الوفاة، وإن كان المطلوب من العبد
في تلك الحالة أن يُحسن ظنه بربّه، لما أخرجه مسلم في ((صحيحه) عن جابر بن عبد
اللَّه الأنصاري ◌َّها، قال: سمعت رسول اللَّه وَله، قبل موته بثلاثة أيام، يقول: ((لا
يموتنّ أحدكم، إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجلّ)). ومنها: أنه يدلّ على أن خوف
العبد من ذنبه، ليس كراهية للقاء الله تعالى؛ لأن الخائف من ذنبه يطلب أن يكون
مصيره إلى الدار الآخرة على وجه مرضيّ، يقربه إلى اللَّه، فكره حالة نفسه التي هو
عليها، ولم يكره لقاء الله تعالى مطلقا، بل أحب لقاءه على غير تلك الحالة. قاله وليّ
الدين رحمه الله تعالى. ومنها: أن الأعمال بالنيات، والمقاصد، فإن الله تعالى لم ينظر
إلى هذا العمل، بل إلى القصد، فقال له: ((لم فعلت هذا؟، ولما كان الحامل عليه
الخشية، كان سبب المغفرة، ولو حمل عليه سبب آخر فاسد، لكان الأمر بخلاف
ذلك، فيما يظهر، والله تعالى أعلم. ومنها: أن فيه بيانَ سعة رحمة الله تعالى،
ومغفرته، وأن المسرف على نفسه لا ييأس من ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ
الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. وقد قيل: إن هذه الآية أرجى آية في كتاب الله تعالى. اللَّهم
اغفر لنا ذنوبنا، وكفّر عنّا سيّتنا، وأدخلنا الجنّة برحمتك يا أرحم الراحمين. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: أنه استشكل قوله: (لئن قدر اللَّه عليّ، ليعذّبنّي)) لأن ظاهره نفي
قدرة الله تعالى على إحيائه، وإعادته، والشاك في قدرة الله تعالى كافر، مع أن الحديث
يدلّ على إسلامه من وجهين:
أحدهما: إخباره بأنه إنما فعل هذا من خشية الله تعالى، والكافر لا يخشى الله تعالى.
الثاني: إخباره وَ لير بأن الله تعالى غفر له، والكافر لا يغفر له، مع ما انضمّ إلى ذلك

١٦٦
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزْ
من الرواية التي في ((مسند أحمد)) الصريحة في أنه كان موحّدًا، فاختلف العلماء في
تأويله :
فقالت طائفة: لا يصحّ حمله على ظاهره؛ لما ذكرناه، فيكون له تأويلان:
أحدهما: أن معناه لئن قدر اللَّه عليّ العذاب، أي قضاه، يقال منه: قَدَرَ -
بالتخفيف- وقَدَّر -بالتشدید- بمعنی واحد.
الثاني: أن ((قَدَرَ)) بمعنى ضَيْق، فقوله: ((لئن قدر الله عليّ))، أي لئن ضيّق الله، ومنه
قوله تعالى: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦]، وهو أحد الأقوال في قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ
أَنْ لَّنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ بالأنبياء: ٨٧].
وقال الآخرون: اللفظ على ظاهره، وذكروا له تأويلات:
أحدها: أن هذا الرجل قال هذا الكلام، وهو غير ضابط لكلامه، ولا قاصد لحقيقة
معناه، ومعتقد لها، بل قاله في حالةٍ غلب عليه فيها الدّهْشُ، والخوف، والجزّع
الشديد، بحيث ذهب تيقّظه، وتدبّره، ما يقوله، فصار في معنى الغافل، والناسي،
وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها، وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرح حين
وجد راحلته: ((أنت عبدي، وأنا ربّك))، فلم يُكفّر بذلك، للدهش، والغلبة، والسهو.
وقد ورد في غير ((الصحيحين)): ((فلعلي أضلّ اللَّه))، أي أغيب عنه، وهذا يدلّ على أن
قوله: ((لئن قدر الله)) على ظاهره، كما ذكرنا.
الثاني: أن هذا من مجاز كلام العرب، وبديع استعمالها، يسمّونه مزج الشكّ
باليقين، وسماه بعضهم تجاهل العارف، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ أَوْ لِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَى
أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، فصورته صورة شكّ، والمراد به اليقين.
الثالث: أن غاية ما فيه أن هذا رجل جهل صفة من صفات اللَّه تعالى، وقد اختلف
العلماء في تكفير جاهل الصفة، فممن كفّره بذلك محمد بن جرير الطبريّ، وقاله الشيخ
أبو الحسن الأشعريّ أوّلاً. وقال آخرون: لا يكفّر بجهل الصفة، ولا يخرج به عن اسم
الإيمان، بخلاف جحدها، وإليه رجع أبو الحسن الأشعريّ، وعليه استقرّ قوله، قال:
لأنه لم يعتقد ذلك اعتقادًا نقطع بصوابه، ويراه دينا وشرعًا، وإنما يكفر من اعتقد أن
مقالته حقّ؛ قال هؤلاء: ولو سئل الناس عن الصفات، لوجد العالم بها قليلاً.
وحكاه ابن عبد البرّ عن المتقدّمين، من العلماء، ومن سلك سبيلهم، من
المتأخرين، واستدلّ عليه بأن عمر، وعمران بن حُصين، وجماعة من الصحابة، سألوا
رسول اللَّه وَلّل عن القدَر، ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك، وهم جاهلون به، وغير
جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين انتهى.

١٦٧=
١١٧- أَرْوَحُ المُؤْمِنِینَ - حديث رقم ٢٠٧٩
الرابع: أنه كان في زمن فترة، حين ينفع مجرّد التوحيد، ولا تكليف قبل ورود
الشرع على المذهب الصحيح، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّأَ مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
[الإسراء: ١٥] .
الخامس: أنه يجوز أنه كان متمسّكًا بشريعة فيها جواز العفو عن الكافر، وإن كان
ذلك غير جائز في شرعنا، فإنه من مجوّزات العقول عند أهل السنة، وإنما منعناه في
شرعنا بالشرع، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ اللآّية [النساء: ١١٦].
وغير ذلك من الأدلّة. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي يترجّح عندي القول بأنه تكلم بهذا الكلام في
حال شدة خوفه، فعذره الله تعالى في خطئه بسبب ذلك، كما عذر من أخطأ في شدة
الفرح بقوله: ((اللَّهم أنت عبدي، وأنا ربّك)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
المسألة الخامسة: قال الحافظ وليّ الدين رحمه اللّه تعالى: إن قلت: ظاهر حال هذا
الرجل أنه وقع في كبيرة، وهو اليأس من رحمة الله، وكان هذا خاتمة أمره، فكيف
كانت هذه الكبيرة سبب المغفرة؟ .
قلت: إن صرفنا اللفظ عن ظاهره، بحمل ((قَدَرَ)) على ((قضى))، أو ((ضيّق))، فليس
فيه اليأس من رحمة الله، فإنه يرجو الرحمة بتقدير أن لا يقضي عليه بالعذاب، أو لا
يضيّق عليه على اختلاف القولين.
وإن أخذناه على ظاهره، فالجواب عن هذا أن شدّة الخوف اصطلمته، وأذهلته،
حتى خرج عن حدّ التكليف، فنفعه خوفه، ونَجّاه مع التوحيد، ولم يضرّه يأسه؛ لأنه
حصل له في حالة انقطع عنه فيها التكليف، وبتقدير أنه لم يصل إلى حالة أخرجته عن
حيّز المكلّفين، فالخوف الحاصل له كفّر عنه سيّئته التي هي اليأس من رحمة الله، بل
كفر عنه سيئاته التي كان يرتكبها طول عمره، وقد يشتمل الفعل الواحد على طاعة من
وجه، ومعصية من وجه، فربما غلبت الطاعة، فكفّرت المعصية، وربما غلبت
المعصية، فأحبطت ثواب الطاعة، وفي هذا المحلّ غلبت الطاعة، فكفّرت المعصية.
وعن الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام أنه قال فيمن سمع بآلة محرّمة، فأحدثت له
أحوالاً صالحة، يحصل له إثم السماع المحرّم، وثواب الأعمال الصالحة، فإن غلب
الثواب ربح، وإن غلب الإثم خسر، وإن استويا تكافأ. هذا معناه.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي ذكره وليّ الدين من كلام الشيخ عز الدين
ابن عبدالسلام، غير صحيح، فإن السماع المحزم لا تحصل منه أحوال صالحة، وإن

١٦٨
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزْ
تخيّل صاحبه ذلك، وادعاه، فإن الأحوال الصالحة، إنما تحصل بطاعة الله تعالى، وأما
المحرّمات، فلا يحصل بها إلا الأحوال الشيطانية، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
قال: وروى الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى في ((مسنده))، وغيرُهُ بإسناد جيّد، عن ابن
عمر رَات: أن رسول اللّه وَال قال الرجل: ((فعلتَ كذا وكذا))، قال: لا، والذي لا إله
إلا هو، يا رسول الله، ما فعلت، فقال: ((بلى، ولكن غُفر لك بالإخلاص)). وروي
هذا المعنى أيضًا من حديث ابن عباس، وأنس، وابن الزبير * انتهى كلام وليّ الدين
رحمه اللّه تعالى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوکیل.
٢٠٨٠ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ
خُذَيْفَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِوَِّ، قَالَ: ((كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، يُسِيءُ الظُّنَّ(٢) بِعَمَلِهِ، فَلَمَّا
حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قَالَ لِأَهْلِهِ: إِذَا أَنَامُتُ، فَأَخْرِقُونِي، ثُمَّ اطْحَنُونِي، ثُمَّ اذْرُونِي فِي الْبَخْرِ، فَإِنَّ
اللَّهَ إِنْ يَقْدِرْ عَلَيَّ، لَمْ يَغْفِرْ لِي، قَالَ: فَأَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمَلَائِكَةَ، فَتَلَّقَّتْ رُوحَهُ، قَالَ لَهُ: مَا
حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ، قَالَ: يَا رَبِّ، مَا فَعَلْتُ إِلَّا مِنْ مَخَافَتِكَ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ)) .
((إسحاق بن إبراهيم)): هو ابن راهويه. و((جرير)): هو ابن عبد الحميد. و((منصور)) :
هو ابن المعتمر. و((ربعيّ: هو ابن حِرَاش، أبو مريم العبسيّ الكوفيّ الثقة العابد
المخضرم. و((حُذيفة)): هو ابن اليمان ◌َّهما.
والحديث أخرجه المصنّف هنا -١١٧/ ٢٠٨٠ وفي ((الكبرى)) ٢٢٠٧/١١٧.
وأخرجه (خ)٣٤٧٩ و٦٤٨٠ (أحمد)٢٢٧٤٢ و٢٢٨٤٣ و٢٢٩٥٣ . وشرحه يعلم مما
قبله. والله تعالى وليّ التوفيق.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١١٨- الْبَعْثُ
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: المراد بالبعث هو المعاد الجسمانيّ في الآخرة.
وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى بقوله: (باب الحشر)). قال القرطبيّ
(١) - ((طرح)) ج٣ ص٢٦٨ -٢٦٩.
(٢)- وفي نسخة ((سيء الظنّ)).

١٦٩ ===
١١٨ - الْبَعْثُ - حديث رقم ٢٠٨١
رحمه اللَّه تعالى: الحشر الجمع، وهو أربعة: حشران في الدنيا، وحشران في الآخرة،
فاللذان في الدنيا:
أحدهما: المذكور في سورة الحشر في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ
أَهْلِ الْكِتَبِ مِن دِيَرِمْ لِأَوَّلِ الْخَشْرِّ﴾ الآية [الحشر: ٢].
والثاني: الحشر المذكور في أشراط الساعة الذي أخرجه مسلم، من حديث حُذيفة
ابن أَسِيد، رفعه: ((إن الساعة لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات))، فذكرها. وفي
حديث ابن عمر عند أحمد، وأبي يعلى: ((تخرج نار قبل يوم القيامة من حضر موت،
فتسوق الناس)) الحديث، وفيه ((فما تأمرنا؟ قال: عليكم بالشام)). وفي لفظ آخر ((ذلك
نار تخرج من قَعْرٍ عَدَن، تُرَحِّل الناس إلى المحشر)).
وفي حديث أنس في مسائل عبدالله بن سلام لما أسلم ((أما أول أشراط الساعة، فنار
تحشر الناس من المشرق إلى المغرب)). وفي حديث عبدالله بن عمرو عند الحاكم،
رفعه: («تُبْعَث نار على أهل المشرق، فتحشرهم إلى المغرب، تَبِيت معهم حيث باتوا،
وتَقِيل معهم حيث قالوا، ويكون لها ما سقط منهم، وتخلّف، تسوقهم سوق الجمل
الکسیر)) .
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وقد أشكل الجمع بين هذه الأخبار، وظهر لي في
وجه الجمع أن كونها تخرج من قعر عدن، لا ينافي حشر الناس من المشرق إلى
المغرب، وذلك أن ابتداء خروجها من قعر عدن، فإذا خرجت انتشرت في الأرض
كلها. والمراد بقوله: (تحشر الناس من المشرق إلى المغرب)) إرادة تعميم الحشر، لا
خصوص المشرق والمغرب، أو أنها بعد الانتشار أول ما تحشر أهل المشرق، ويؤيد
ذلك أن ابتداء الفتن دائمًا من المشرق، وأما جعل الغاية إلى المغرب، فلأن الشام
بالنسبة إلى المشرق مغرب. ويحتمل أن تكون النار في حديث أنس كناية عن الفتن
المنتشرة التي أثارت الشّ العظيم، والتهبت كما تلتهب النار، وكان ابتداؤها من قبل
المشرق حتى خرب معظمه، وانحشر الناس من جهة المشرق إلى الشام، ومصر، وهما
من جهة المغرب، كما شوهد ذلك مرارًا من المغل من عهد جنكيز خان، ومن بعده،
والنار التي في الحديث الآخر على حقيقتها. والله أعلم.
والحشر الثالث: حشر الأموات من قبورهم، وغيرها بعد البعث جميعا إلى الموقف،
قال الله تعالى: ﴿وَحَشَيْنَهُمْ فَلَمْ تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧].
والرابع: حشرهم إلى الجنّة، أو النار انتهى ملخصًا بزيادات.
قال الحافظ: الأول ليس حشرًا مستقلًا، فإن المراد حشر كلّ موجود يومئذ، والأول

١٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ
إنما وقع لفرقة مخصوصة، وقد وقع نظيره مرارًا، تخرج طائفة من بلدها بغير اختيارها
إلى جهة الشام، كما وقع لبني أميّة أولَ ما تولّى ابن الزبير الخلافة، فأخرجهم من
المدينة إلى جهة الشام، ولم يَعُدّ ذلك أحدٌ حشرًا انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٠٨١ - وَأَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، يَخْطُبُ عَلَى الْمِثْبَرِ، يَقُولُ: ((إِنَّكُمْ مُلَاَقُو اللَّهِ عَزّ
وَجَلٍّ، حُفَاةً، عُرَاةٌ، غُزْلاً)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وسيأتي مطولاً في الباب
التالي، ويأتي شرحه هناك، إن شاء الله تعالى. و((سفيان)): هو ابن عيينة. و(عمرو)):
هو ابن دینار .
وقوله: ((حُفاة)) بضم، ففتح، جمع حاف، وهو الذي يمشي بلا نعل، ولا خفّ.
وقوله: ((عُراة)) بضم، ففتح، جمع عار، وهو الذي لا ثوب عليه. وقوله: ((غُرلًا)) بضم،
فسكون، جمع أغرل، وهو الأقلف، أي غير مختونين. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٨٢- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي
الْمُغِيرَةُ بْنُ الثَّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِّ وَِّ، قَالَ: ((يُخْشَرُ
النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عُرَاةٌ، غُزْلاً، وَأَوَّلُ الْخَلَائِقِ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ عَلَّلِ، ثُمَّ قَرَّأَ: ﴿كَمَا
بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث، متفق عليه، وسيأتي البحث عنه أيضًا في
الباب التالي، إن شاء الله تعالى. و((يحيى)): هو ابن سعيد القطّان. و((سفيان)): هو الثوريّ.
و((المغيرة بن النعمان)): هو النخعيّ الكوفيّ، ثقة [٦] . وثقه ابن معين، وأبو داود،
وأبو حاتم، والعجليّ، ويعقوب بن سفيان، وابن حبان. وقال أبو حاتم مرة: صالح.
روى له الجماعة، سوى ابن ماجه. وله في هذا الكتاب حديثان فقط هذا وأعاده في
(٢٠٨٧)، و(٤٠٠٠) وأعاده في (٤٨٦٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٨٣- أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّبَيْدِيُّ، قَالَ:
أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، قَالَ: ((يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، حُفَاةَ، عُرَاةً، غُرْلاً))، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَيْفَ بِالْعَوْرَاتِ؟ قَالَ: ﴿لِكُلِّ أَمْرٍِ مِنْهُمْ
يَوْمَيذٍ شَأَنٌ يُغِهِ﴾ [عبس: ٣٧].
(١) -(فتح)) ج ١٣ ص ١٨٨ - ١٨٩. ((كتاب الرقاق)) - ((باب كيف الحشر؟)) رقم ٦٥٢٢.

١٧١
١١٨ - الْبَعْثُ - حديث رقم ٢٠٨٣
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (عمرو بن عثمان) بن سعيد بن كثير بن دينار القرشيّ مولاهم، أبو حفص
الحمصيّ، صدوق [١٠] ٢١ /٥٣٥ .
٢- (بقية) بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعيّ، أبو يُحمِد الحمصيّ، صدوق،
كثير التدليس عن الضعفاء [٨] ٤٥ / ٥٥ .
٣- (الزبيديّ) محمد بن الوليد، أبو الهذيل الحمصيّ القاضي الثقة الثبت [٧] ٤٥/
٥٦ .
٤- (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة المشهور [٤] ١/١ .
٥- (عروة بن الزبير بن العوام الأسديّ المدنيّ الفقيه الثبت [٣] ٤٤/٤٠.
٦- (عائشة) أم المؤمنين رعايتها ٥/٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح، وسيأتي الكلام على بقية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أنه مسلسل
بالحمصيين، إلى الزهري، ومنه مدنيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعيٍّ عن تابعي، وفيه
أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة. والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌َّهَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ، قَالَ) ولابن ماجه: ((قلت: يا رسول الله،
كيف يحشر الناس يوم القيامة؟، قال: حُفاة، عراة)) (يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ووقع في
حديث عبدالله بن أنيس، عند أحمد، والحاكم، بلفظ: ((يُحشر العباد - وأومأ بيده نحو
الشام - عراة، حفاة، غرلا، بهما - بضم الموحدة، وسكون الهاء- قلنا: وما بهمًا؟ قال:
ليس معهم شيءٍ)) (حُفَاةً) بضم المهملة، وتخفيف الفاء- جمع حاف، أي بلا خفّ، ولا
نعل (عُرَاةً) بضم المهملة، وتخفيف الراء- جمع عار، وهو الذي لا ثوب عليه (غُزْلاً) -
بضم المعجمة، وسكون الراء- جمع أغرل، وهو الأقلف وزنًا ومعنى، وهو الذي لم
يُختن، أي يحشرون كما خلقوا، لا يفقد منهم شيء (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) ◌َّهَا (فَكَيْفَ
بِالْعَوْرَاتِ؟) وفي الرواية التالية: ((قلت: الرجال والنساء، ينظر بعضهم إلى بعض؟))
(قَالَ: ﴿لِكُلِّ آمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأْنٌ يُغِهِ﴾) أي حال يَشغَلُه عن النظر إلى غيره، فضلاً عن
العورة. وفي الرواية التالية: ((قال: إن الأمر أشدّ من أن يُهُمّهم ذلك)). قال في ((الفتح)):

١٧٢
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
(يهمهم)) بضم أوله، وكسر الهاء، من الرباعيّ، يقال: أهمه الأمر. وجوز ابن التين فتح
أوله، وضمّ ثانيه، من همّه الشيء: إذا آذاه، والأول أولى. ووقع عند مسلم: ((قال: يا
عائش الأمر أشدّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض)). وفي رواية له: ((قلت: يا رسول الله،
فما نستحيي؟ قال: يا عائشة الأمر أهمّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض)). وللترمذي،
والحاكم: ((قرأت عائشة: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَى كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية
[الأنعام: ٩٤]، فقالت: واسوأتاه، الرجال والنساء يُحشرون جميعًا، ينظر بعضهم
إلى سوأة بعض؟ فقال: ﴿لِكُلِّ أَمْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ الآية، وزاد: ولا ينظر الرجال إلى النساء،
ولا النساء إلى الرجال، شُغِل بعضهم عن بعض)) انتهى مختصرًا(١). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا متفق عليه.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: فإن قيل: كيف يصحّ، وفيه بقية، وهو معروف
بالتدليس عن الضعفاء، وكان أيضًا معروفا بتدليس التسوية؟.
أجيب: إنه لم ينفرد بهذا الحديث، بل تابعه عليه غيره، كما هو في (الصحيحين))،
وغيرهما. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٠٨٣/١١٨ و٢٠٨٤ - وفي ((الكبرى))٢٢١٠/١١٨ و٢٢١١.
وأخرجه (خ)٦٥٢٧ (م)٢٨٥٩ (ق) ٤٢٧٦ (أحمد) ٢٣٧٤٤ و٢٤٠٦٧. والله تعالى
أعلم .
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو إثبات البعث بعد الموت. ومنها:
أن فيه بيان معنى قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقِ تُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وذلك
أن الناس يبعثون حُفَاةً، ليس لهم خفّ، ولا نعل، عُرَاة، ليس لهم لباس تستر
العورات، غُزْلاً، ليسوا مختونين. ومنها: بيان شدّة هول ذلك اليوم، حيث إن بعضهم
لا يشعر بانكشاف عورته، ولا عورة غيره، بل هو مشغول بشأن نفسه، ومهتمّ بها،
أينجو من النار، أم لا؟ ومنها: أن فيه حجة للقول الراجح: إن النساء يدخلن في خطاب
الرجال، فإن قوله: ((إنكم تُحشرون)) خطاب للذكور، ولكنه شامل للنساء أيضًا، فإن
(١) - ((فتح)) ج١٣ ص١٩٩. ((كتاب الرقائق)). رقم الحديث ٦٥٢٧.

١٧٣ =
١١٨ - الْبَعْثُ - حديث رقم ٢٠٨٣
عائشة من أهل اللغة، فهمت من هذا الخطاب دخول النساء، فقالت: الرجال،
والنساء، ينظر بعضهم إلى بعض))، وأقرّها النبيّ وَّر على فهمها ذلك، ولكن بيّن لها أن
هناك مانعًا من هذا النظر، وهو اشتغال كل أحد بنفسه، وهذا الاستدلال قويّ جداً،
وتؤيده الآية المذكورة، حيث إنها بلفظ الذكور، ﴿لِكُلِّ آمْرِيٍ مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأْنٌ يُغِهِ﴾
[عبس: ٣٧]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: قال شارح ((العقيدة الطحاوية)) رحمه الله تعالى عند قول الطحاويّ
رحمه الله تعالى: ((ونؤمن بالبعث)): ما مختصره: الإيمان بالمعاد مما دلّ عليه الكتاب
والسنّة، والعقل، والفطرة السليمة، فأخبر اللّه عز وجل عنه في كتابه العزيز، وأقام
الدليلَ عليه، وردّ على منكريه في غالب سور القرآن، وذلك أن الأنبياء عليهم السلام
كلهم متفقون على الإيمان بالله، فإن الإقرار بالربّ عامّ في بني آدم، وهو فطريّ، كلهم
يقرّ بالربّ، إلا من عاند، كفرعون، بخلاف الإيمان باليوم الآخر، فإن منکریه كثيرون،
ومحمد ولو لما كان خاتم الأنبياء، وكان قد بعث هو والساعة كهاتين، وكان هو الحاشر
الْمُقَفَّى بَيَّنَ تفصيل الآخرة بيانًا لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء، ولهذا ظنّ طائفة من
المتفلسفة ونحوهم أنه لم يفصح بمعاد الأبدان إلا محمد رَله، وجعلوا هذه حجة لهم
في أنه من باب التخييل، والخطاب الجمهوريّ.
والقرآن بيّن معاد النفس عند الموت، ومعاد البدن عند القيامة الكبرى في غير
موضع، وهؤلاء ينكرون القيامة الكبرى، وينكرون معاد الأبدان، ويقول من يقول
منهم: إنه لم يخبر به إلا محمد 9 على طريق التخييل، وهذا كذب، فإن القيامة
الكبرى هي معروفة عند الأنبياء، من آدم إلى نوح، إلى إبراهيم، وموسى، وعيسى،
وغيرهم عليهم السلام.
ثم ذكر الآيات التي أثبتت المعاد، وبيّن وجه إثباتها أتمّ تبيين، إلى أن قال: والقائلون
بأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، لهم في المعاد خبط، واضطراب، وهم فيه
على قولين: منهم من يقول: تعدم الجواهر، ثم تعاد، ومنهم من يقول: تفرّق الأجزاء،
ثم تجمع، فأُورِدِ عليهم الإنسان الذي يأكله حيوان، وذلك الحيوان أكله إنسان، فإن
أعيدت تلك الأجزاء من هذا، لم تُعَد من هذا، وأورد علیهم أن الإنسان يتحلل دائما،
فما ذا الذي يعاد؟ أهو الذي كان وقت الموت؟ فإن قيل بذلك لزم أن يعاد على صورة
ضعيفة، وهو خلاف ما جاءت به النصوص، وإن كان غير ذلك، فليس بعض الأبدان
بأولى من بعض، فادعى بعضهم أن في الإنسان أجزاء أصليّة، لا تتحلل، ولا يكون فيها
شيء من ذلك الحيوان الذي أكله الثاني، والعقلاء يعلمون أن بدن الإنسان نفسه كله

١٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
يتحلّل، ليس فيه شيء باق، فصار ما ذكروه في المعاد مما قوّى شبهة المتفلسفة في
إنكار معاد الأبدان.
والقول الذي عليه السلف، وجمهور العقلاء: أن الأجسام تنقلب من حال إلى حال،
فتستحيل ترابًا، ثم ينشئها اللَّه نشأة أخرى، كما استحال في النشأة الأولى، فإنه كان
نطفة، ثم صار عَلَقَة، ثم صار مضغة، ثم صار عظاما ولحما، ثم أنشأه خلقا سَويّا،
كذلك الإعادة، يعيده الله تعالى بعد أن يبلى كله إلا عجب الذنب، كما ثبت في
(الصحيح)) عن النبيّ وَّر، أنه قال: ((كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق، ومنه
يركب)). وفي حديث آخر: ((إن السماء تُمطر مطرًا كمنيّ الرجال، ينبتون في القبور،
کما ینبت النبات))(١).
فالنشأتان نوعان تحت جنس، يتفقان، ويتماثلان من وجه، ويفترقان، ويتنوعان من
وجه، والمعاد هو الأول بعينه، وإن كان بين لوازم الإعادة، ولوازم البداءة فرقٌ، فعجب
الذنب هو الذي يبقى، وأما سائره، فيستحيل، فيعاد من المادة التي استحال إليها،
ومعلوم أن من رأى شخصًا، وهو صغير، ثم رآه، وقد صار شيخًا، علم أن هذا هو
ذاك، مع أنه دائما في تحلل، واستحالة، وكذلك سائر الحيوان والنبات، فمن رأى
شجرة، وهي صغيرة، ثم رآها كبيرة، قال: هذه تلك، وليست صفة تلك النشأة الثانية
مماثلة لصفة هذه النشأة، حتى يقال: إن الصفات هي الْمُغَيَّرة، لا سيما أهل الجنة إذا
دخلوها، فإنهم يدخلونها على صورة آدم، طوله ستون ذراعًا، كما ثبت في
((الصحيحين)) وغيرهما، وروي أن عرضه سبعة أذرع، وتلك نشأة باقية، غير معرّضة
للآفات، وهذه النشأة فانية، معرّضة للآفات انتهى ما كتبه شارح ((الطحاوية))
باختصار(٢)، وهو بحث نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٨٤ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يُونُسَ الْقُشَيْرِيُّ،
قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ، قَالَ:
((إِنَّكُمْ تُحُشَرُونَ، حُفَاةٌ، عُرَاةً، قُلْتُ: الرَّجَالُ وَالنِّسَاءُ، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ قَالَ:
(إِنَّ الْأَمْرَ أَشَدُ، مِنْ أَنْ ثُمَّهُمْ ذَلِكَ)) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا طريق آخر لحديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها،
وهو متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي.
(١)-أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) ج١ ص١-٢. وهو ضعيف، لأن فيه انقطاعًا.
(٢)- ((شرح العقيدة الطحاوية)) ص٤٠٤-٤١١.

١٧٥
١١٨ - البَعْثُ - حديث رقم ٢٠٨٥
و((عمرو بن عليّ)): هو الفلّاس. و((يحيى)): هو القطّان. و((أبو يونس القُشيريّ)): هو
حاتم بن أبي صَغِيرة واسمه مسلم، جدُّهُ لأمه، وقيل: زوج أمه، بصريّ، ثقة [٦] ٦٦/
١٨٠٠ .
و((ابن أبي مليكة)): هو عبدالله بن عُبيدالله بن عبدالله بن أبي مليكة زهير بن
عبدالله المكيّ، ثقة فقيه [٣] ١٣٢/١٠١. و((القاسم بن محمد)): هو حفيد أبي
بكر الصدّيق ◌َّ، أبو عبدالرحمن المدني الفقيه الثبت، من كبار [٣] ١٢٠/
١٦٦. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل .
٢٠٨٥- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
وُهَيْبُ(١) بْنُ خَالِدٍ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِيَّ هُرَيْرَةَ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((يُحْشُّرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَّامَةِ، عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ، رَاغِبِينٍ، رَاهِبِينَ،
اثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرِ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرِ، وَعَشْرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَتَحَشُرُ بَقِيَتَهُمُ
النَّارُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا،
وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا)) .
رجال هذا الإسناد ستة:
١- (محمد بن عبد الله بن المبارك) المخرِّميّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقة حافظ [١١]
٥٠/٤٣ .
٢- (أبو هشام) المغيرة بن سلمة المخزومي البصري، ثقة ثبت، من صغار [٩]٢٨/
٨١٥ .
٣- (ُهيب بن خالد، أبو بكر) الباهلي مولاهم البصري، ثقة ثبت لكنه تغير قليلًا
بآخره [٧] ٢١ / ٤٢٧ .
٤- (ابن طاوس) هو: عبد اللَّه اليماني، أبو محمد، ثقة فاضل عابد [٦] ٥١٤/١١.
٥- (أبوه) طاوس بن كيسان الحميري مولاهم، أبو عبد الرحمن اليماني، ثقة فقيه
فاظل [٣] ٣١/٢٧.
٦ - (أبو هريرة) رَّه ١/١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى.
(١)-وقع في النسخة الهندية ((وهب))، وهو تصحيف.
سے

١٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
ومنها: أن فيه رواية الراوي عن أبيه.
ومنها: أن فيه أبا هريرة رضي أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤)
حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((يُخْشَرُ
النَّاسُ) ببناء الفعل للمفعول (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظاهره أنه حشر الآخرة، لكن أكثر أهل
العلم على أنه حشر في الدنيا، وهو آخر أشراط الساعة، وهذا هو المناسب لما
يأتي من قوله: ((تقيل معهم إذا قالوا، وتبيت معهم إذا باتوا الخ))، فالأولى أن
يحمل قوله: (يوم القيامة)) على معنى قرب يوم القيامة، من إعطاء ما قرب إلى
الشيء حكم ذلك الشيء، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الثالثة، إن شاء
الله تعالی.
(عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ) وفي رواية لمسلم: ((على ثلاثة طرائق))، و(الطرائق)) جمع
طريق، وهي تذكّر، وتؤنّث، فيجوز تذكير العدد معه، وتأنيثه بالاعتبارين (رَاغِينَ،
رَاهِبِينَ) وللبخاريّ: ((وراهبين)) بواو العطف، وعلى الروايتين فهي الطريقة الأولى
(اثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشْرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ) وفي رواية
البخاري الأولى بالواو، والبواقي بلا عاطف، وفي روايةٍ مسلم، والإسماعيليّ
بالواو في الجميع، وعلى كلّ، فهذه هي الطريقة الثانية (وَتَحْشُرُ بَقِيَتَهُمُ النَّارُ) ببناء
الفعل للفاعل، و((بقيتهم)) بالنصب مفعول مقدّم، و((النار)) فاعل مؤخّر.
قال في ((الفتح)): هذه هي النار المذكورة في حديث حُذيفة بن أَسِيد - بفتح الهمزة -.
عند مسلم في حديث فيه ذكر الآيات الكائنة قبل قيام الساعة، كطلوع الشمس من
مغربها، ففيه: ((وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن، تُرَحْل الناس))، وفي رواية له: «تَطْرُدُ
الناس إلى حشرهم)).
(تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا) أي تستريح معهم إذا استراحوا، والقيلولة النوم نصف
النهار، يقال: قال يَقيل قَيلاً، من باب باع، وقَيْلُولةٌ: إذا نام نصف النهار (وَتَبِيتُ مَعَهُمْ
حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا))) فيه إشارة إلى
ملازمة النار لهم إلى أن يصلوا إلى مكان الحشر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

١١٨ - البُغْثُ - حديث رقم ٢٠٨٥
١٧٧ =
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١١٨/ ٢٠٨٥- وفي ((الكبرى))١١٨/ ٢٢١٢ . وأخرجه (خ)٦٥٢٢
(م)٢٨٦١ . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في المراد بالحشر المذكور في هذا
الحديث :
قال الخطابيّ رحمه الله تعالى: هذا الحشر يكون قبل قيام الساعة، تحشر الناس
الأحياءَ إلى الشام، وأما الحشر من القبور إلى الموقف، فهو على خلاف هذه
الصورة، من الركوب على الإبل، والتعاقب عليها، وإنما هو على ما ورد في
حديث ابن عباس تَتَا في الباب: ((حفاة، عراة، مشاة)). قال وقوله: ((واثنان على
بعير، وثلاثة على بعير الخ)) يريد أنهم يعتقبون البعير الواحد، يركب بعضٌ، ويمشي
بعض .
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وإنما لم يذكر الخمسة، والستّة، إلى العشرة،
إيجازًا، واكتفاء بما ذكر من الأعداد، مع أن الاعتقاب ليس مجزوما به، ولا مانع أن
يجعل الله في البعير ما يقوى به على حمل العشرة.
ومال الْحَلِيميّ إلى أن هذا الحشر يكون عند الخروج من القبور. وجزم به
الغزالىّ .
وقال الإسماعيليّ: ظاهر حديث أبي هريرة يخالف حديث ابن عباس *** المذكور
بعدُ أنهم يحشرون حُفَاة، عُرَاة، مُشَّاة. قال: ويجمع بينهما بأن الحشر يعبّر به عن
النشر؛ لاتصاله به، وهو إخراج الخلق من القبور حفاة، عراة، فيساقون، ويجمعون
إلى الموقف للحساب، فحينئذ يحشر المتقون رُكبانًا على الإبل.
وجمع غيره بأنهم يخرجون من القبور بالوصف الذي في حديث ابن عباس، ثم يفترق
حالهم من ثَمّ إلى الموقف على ما في حديث أبي هريرة، ويؤيده حديث أبي ذرّ الآتي
بعد هذا.
وصوّب عياض ما ذهب إليه الخطابيّ، وقوّاه بحديث حذيفة بن أَسِيد، وبقوله في
آخر حديث الباب: ((تقيل معهم، وتبيت، وتصبح، وتمسي))، فإن هذه الأوصاف
مختصة بالدنيا .

١٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
وقال بعض شرّاح ((المصابيح))(١): حمله على الحشر من القبور أقوى من أوجه:
أحدها: أن الحشر إذا أطلق في عرف الشرع إنما يراد به الحشر من القبور، ما لم
يخصّه دليل.
ثانيها: أن هذا التقسيم المذكور في الخبر لا يستقيم في الحشر إلى أرض الشام؛ لأن
المهاجر لا بدّ أن يكون راغبًا، أو راهبًا، أو جامعًا بين الصفتين، فأما أن يكون راغبًا
راهبًا فقط، وتكون هذه طريقة واحدة، لا ثاني لها من جنسها فلا.
ثالثها: حشر البقيّة على ما ذكر ، وإلجاء النار لهم إلى تلك الجهة، وملازمتها حتى
لا تفارقهم قول لم يرد به التوقيف، وليس لنا أن نحكم بتسليط النار في الدنيا على أهل
الشقاوة في هذه الدار من غير توقيف.
رابعها: أن الحديث يفسّر بعضه بعضًا، وقد وقع في الحسان من حديث أبي هريرة
رَ فيه: ((يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف)). وأخرجه البيهقيّ من وجه آخر عن
عليّ بن زيد، عن أوس بن أبي أوس، عن أبي هريرة، بلفظ: ((ثلاثًا على الدواب،
وثلاثا يَنسِلُون على أقدامهم، وثلاثا على وجوههم)). قال: ونرى هذا التقسيم الذي وقع
في هذا الحديث نظير التقسيم الذي في تفسير الواقعة في قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَبًا
ثَلَاثَةٌ﴾ الآيات.
فقوله: ((راغبين راهبين)) يريد به عوامّ المؤمنين، وهم من خَلَطَ عملاً صالحًا، وآخر
سيّئا، فيتردّدون بين الخوف والرجاء، يخافون عاقبة سيئاتهم، ويرجون رحمة الله
بإيمانهم، وهؤلاء أصحاب الميمنة. وقوله: ((واثنان على بعير الخ)) يريد به السابقين،
وهم أفاضل المؤمنين، يُحشرون ركبانًا. وقوله: ((وَحشر بقيتهم النار)) يريد به أصحاب
المشأمة، وركوب السابقين في الحديث يحتمل الحمل دفعة واحدة، تنبيهًا على أن
البعير المذكور يكون من بدائع فطرة الله تعالى حتى يقوى على ما لا يقوى عليه غيره من
الْبِعْرَان. ويحتمل أن يراد به التعاقب.
قال الخطابيّ: إنما سكت عن الواحد إشارة إلى أنه يكون لمن فوقهم في المرتبة،
كالأنبياء؛ ليقع الامتياز بين النبيّ ومن دونه من السابقين في الراكب؛ كما وقع في
المراتب انتهى مُلَخْصًا.
وتعقّبه الطيبيّ، ورجّح ما ذهب إليه الخطابيّ .
وأجاب عن الأول: بأن الدليل ثابت، فقد ورد في عدّة أحاديث وقوع الحشر في
(١)-هو التوربشتيّ، كما صرح به القاري في ((المرقاة)) ج٩ ص ٤٧١.

١٧٩
١١٨- الْبَعْثُ - حديث رقم ٢٠٨٥
الدنيا إلى جهة الشام، وذكر حديث حذيفة بن أسيد الذي نبّهت عليه قبل، وحديث
معاوية بن حَيْدَة، جدّ بَهْز بن حكيم، رفعه ((إنكم محشورون، ونحا بيده نحو الشام
رجالا، وركبانًا، وتُجرّون على وجوهكم)). أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وسنده
قويّ، وحديث ((ستكون هجرة بعد هجرة، وينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيمَلَّلُ،
ولا يبقى في الأرض إلا شرارها، تلفظهم أَرَضُوهم، وتحشرهم النار مع القردة،
والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتَقيل معهم إذا قالوا)). أخرجه أحمد، وسنده لا
بأس به. وأخرج عبدالرزاق، عن النعمان بن المنذر، عن وهب بن منبه، قال: قال
اللَّه تعالى لصخرة بيت المقدس: ((لأضعنّ عليك عرشي، ولأحشُرنّ عليك خلقي)).
وفي تفسير ابن عيينة، عن ابن عباس: من شكّ أن المحشر ههنا - يعني الشام- فليقرأ
أول سورة الحشر، قال لهم رسول اللّه وَ له يومئذ: ((اخرجوا))، قالوا: إلى أين؟ قال:
((إلى أرض المحشر)). وحديث ((ستخرج نار من حضرموت، تحشر الناس))، قالوا:
فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: ((عليكم بالشام)). ثم حكى خلافا، هل المراد بالنار
نار على الحقيقة، أو هو كناية عن الفتنة الشديدة؛ كما يقال: نار الحرب لشدة ما يقع
في الحرب، قال تعالى: ﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُوْ نَارًا لِلْحَرْبِ أَْفَهَا الَّهُ﴾ الآية [المائدة: ٦٤]،
وعلى كلّ حال، فليس المراد بالنار في هذه الأحاديث نار الآخرة، ولو أريد المعنى
الذي زعمه المعترض لقيل: تُحْشَر بيقتُهُم إلى النار، وقد أضاف الحشر إلى النار؛
لكونها هي التي تحشرهم، وتختطف من تخلّف منهم؛ كما ورد في حديث أبي هريرة
من رواية عليّ بن زيد، عند أحمد، وغيره؛ وعلى تقدير أن تكون النار كناية عن
الفتنة، فنسبة الحشر إليها سببيّة؛ كأنها تفشوا في كل جهة، وتكون في جهة الشام
أخفّ منها في غيرها، فكلّ من عرف ازديادها في الجهة التي هو فيها أحبّ التحوّل
منها إلى المكان الذي ليست فيه شديدة، فتتوفّر الدواعي على الرحيل إلى الشام، ولا
يمتنع اجتماع الأمرين، وإطلاق النار على الحقيقة التي تخرج من قعر عدن، وعلى
المجازية، وهي الفتنة، إذ لا تنافي بينهما، ويؤيد الحمل على الحقيقة ظاهر الحديث
الأخير.
والجواب عن الاعتراض الثاني: أن التقسيم المذكور في آيات ((سورة الواقعة)» لا
يستلزم أن يكون هو التقسيم المذكور في الحديث، فإن الذي في الحديث ورد على
القصد من الخلاص من الفتنة، فمن اغتنم الفرصة سار على فسحة من الظهر، ويسرة

=
١٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
في الزاد، راغبًا فيما يستقبله، راهبا فيما يستدبره، وهؤلاء هم الصنف الأول في
الحديث، ومن توانى حتى قلّ الظهر، وضاق عن أن يسعهم لركوبهم اشتركوا، وركبوا
عقبةً، فيحصل اشتراك الاثنين في البعير الواحد، وكذا الثلاثة، ويمكنهم كل من
الأمرين، وأما الأربعة في الواحد، فالظاهر من حالهم التعاقب، وقد يمكنهم إذا كانوا
خفافًا، أو أطفالاً، وأما العشرة فبالتعاقب، وسكت عما فوقها إشارة إلى أنها المنتهى في
ذلك، وعما بينها وبين الأربعة؛ إيجازًا واختصارًا، وهؤلاء هم الصنف الثاني في
الحدیث .
وأما الصنف الثالث فعبّر عنه بقوله: ((وتحشر بقيتهم النار)) إشارةً إلى أنهم عجزوا عن
تحصيل ما يركبونه، ولم يقع في الحديث بيان حالهم، بل يحتمل أنهم يمشون، أو
يسحبون، فرارًا من النار التي تحشرهم، ويؤيد ذلك ما وقع في آخر حديث أبي ذرّ الذي
تقدمت الإشارة إليه في كلام المعترض، وفيه أنهم سألوا عن السبب في مشي
المذكورين، فقال: ((يلقي الله الآفة على الظهر، حتى لا يبقى ذات ظهر، حتى إن
الرجل ليعطي الحديقة المعجبة بالشارف ذات القتب)) أي يشتري الناقة المسنّة لأجل
كونها تحمله على القتب بالبستان الكريم لهوان العقار الذي عزم على الرحيل عنه، وعزّة
الظهر الذي يوصله إلى مقصوده، وهذا لائق بأحوال الدنيا، ومؤكّد لما ذهب إليه
الخطابيّ، ويتنزّل على وفق حديث الباب -يعني من ((المصابيح))-، وهو أن قوله:
((فوج طاعمين كاسين راكبين)) موافق لقوله: ((راغبين راهبين)). وقوله: ((وفوج يمشون))
موافق للصنف الذين يتعاقبون على البعير، فإن صفة المشي لازمة لهم، وأما الصنف
الذين تحشرهم النار، فهم الذين تسحبهم الملائكة.
والجواب عن الاعتراض الثالث: أنه تبيّن من شواهد الحديث أنه ليس المراد بالنار
نار الآخرة، وإنما هي نار تخرج في الدنيا، أنذر النبي والتر بخروجها، وذكر كيفية ما
تفعل في الأحاديث المذكورة.
والجواب عن الاعتراض الرابع: أن حديث أبي هريرة من رواية عليّ بن زيد مع
ضعفه لا يخالف حديث الباب؛ لأنه موافق لحديث أبي ذرّ في لفظه، وقد تبيّن من
حديث أبي ذرّ ما دلّ على أنه في الدنيا، لا بعد البعث في الحشر إلى الموقف، إذ لا
حديقة هناك، ولا آفة تُلقَى على الظهر حتى يَعِزْ، ويقلّ. ووقع في حديث علي بن زيد
المذكور عند أحمد أنهم يتقون بوجوههم كلّ حدب وشوك، وقد سبق أن أرض الموقف