Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ E ١١٧- أَرْوَحُ المُؤْمِنِینَ - حديث رقم ٢٠٧٣ وأجمعوا على أن الحيّ إذا كان له في ذمة الميت حقّ من الحقوق، فأحله منه أنه ينفعه، ويبرأ منه كما يسقط من ذمة الحيّ. فإذا سقط من ذمة الحيّ بالنصّ، والإجماع مع إمكان أدائه له بنفسه، ولو لم يرض به، بل رده، فسقوطه من ذمة الميت بالإبراء حيث لا يمكن من أدائه أولى وأحرى، وإذا انتفع بالإبراء والإسقاط، فكذلك ينتفع بالهبة والإهداء، ولا فرق بينهما، فإن ثواب العمل حقّ المهدي الواهب، فإذا جعله للميت انتقل إليه، كما أن ما على الميت من الحقوق من الدين وغيره، وهو محض حقّ الحيّ، فإذا أبرأه وصل الإبراء إليه، وسقط من ذمته، فكلاهما حقّ للحيّ، فأي نصّ، أو قياس، أو قاعدة من قواعد الشرع يوجب وصول أحدهما، ويمنع وصول الآخر. هذه النصوص متظاهرة على وصول ثواب الأعمال إلى الميت إذا فعلها الحيّ عنه، وهذا محض القياس، فإن الثواب حقّ العامل، فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يمنع من ذلك كما لم يمنع من هبة ماله في حياته، وإبرائه له من بعد موته. وقد نبّه النبيّ رَّيه بوصول ثواب الصوم الذي هو مجرد ترك، ونيّة تقوم بالقلب لا يطّلع عليه إلا اللّه، وليس بعمل الجوارح على وصول ثواب القراءة التي هي عمل باللسان تسمعه الأذن، وتراه العين بطريق الأولى. ويوضحه أن الصوم نية محضة، وكفّ النفس عن المفطرات، وقد أوصل اللَّه ثوابه إلى الميت، فكيف بالقراءة التي هي عمل ونيّة، بل لا تفتقر إلى النية، فوصول ثواب الصوم إلى الميت فيه تنبيه على وصول سائر الأعمال. والعبادات قسمان: مالية، وبدنية، وقد نبه الشارع بوصول ثواب الصدقة على وصول ثواب سائر العبادات المالية، ونبه بوصول ثواب الصوم على وصول سائر العبادات البدنية، وأخبر بوصول ثواب الحجّ المركب من المالية والبدنية، فالأنواع الثلاثة ثابتة بالنصّ والاعتبار. وبالله التوفيق. انتهى المقصود من كلام ابن القيم رحمه اللَّه تعالى(١). وهذا الذي قرره ابن القيم رحمه الله تعالى من وصول ثواب جميع أعمال البر إلى الميت هو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقد سئل عن قراءة أهل الميت، والتسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، هل تصل إذا أهديت إلى الميت؟ فأجاب: بأنه يصل إلى الميت قراءة أهله، وتسبيحهم، وتكبيرهم، وسائر ذكر الله تعالى، إذا أهدوه إليه(٢). (١)-((الروح» ج ١٨٧ - ١٩٥ . (٢)- ((مجموع الفتاوى)) ج٢٤ ص٣٢٤. ١٤٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِز وقال أيضًا: وأما القراءة، والصدقة، وغيرهما من أعمال البرّ، فلا نزاع بين علماء السنة والجماعة في وصول ثواب العبادات المالية، كالصدقة، والعتق، كما يصل أيضا الدعاء ، والاستغفار، والصلاة عليه صلاة الجنازة، والدعاء عند قبره. وتنازعوا في وصول الأعمال البدنية، كالصوم والصلاة، والقراءة، والصواب أن الجميع يصل إليه. انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي رجحه الإمامان: ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى من وصول ثواب جميع الأعمال إلى الميت هو الصواب عندي، إلا أني متوقف في قراءة القرآن والتسبيح والتكبير ونحوها؛ لعدم ورود النصّ بذلك، فإن الصحابة *** كانوا أحرص الناس على الخير، وكان القرآن أعظم شيء عندهم، فما كانوا يقرءونه للأموات، ولا سألوا النبي وَلفر عنه. ولا أرشدهم هو إليه، فهذا كله مما يحمل على التوقف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه] : أقوى ما استدلّ به المانعون عن انتفاع الميت بعمل غيره مطلقًا قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ بالنجم: ٣٩] وقد أجاب المحققون عن الآية بأجوبة: فقيل: المراد بالإنسان الكافر، وقيل: إن الآية إخبار بشرع من قبلنا. وقيل: اللام بمعنى ((على))، أي وليس على الإنسان إلا ما سعى. وقيل: في الكلام حذف تقديره: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، أو سُعي له. وقيل: الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَبَّعَنْهُمْ ذُرِّيَّنُهُمْ يِيَمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾ الآية [الطور: ٢١]. وقيل: المراد بالإنسان ههنا الحيّ، دون الميت. وقالت طائفة أخرى، وهو جواب أبي الوفاء بن عقيل، قال: الجواب الجيّد عندي أن يقال: الإنسان بسعيه، وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء، وأولَدَ الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير، وتودّد إلى الناس، فترحموا عليه، وأهدوا له العبادات، وكان ذلك أثر سعيه. كما قال ◌َ له: ((إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه)). ويدل عليه قوله في الحديث الآخر: ((إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: علم يُنتفع به من بعده، وصدقة جارية عليه، أو ولد صالح يدعو له)). قال ابن القيّم رحمه الله تعالى: هذا جواب متوسط، يحتاج إلى تمام، فإن العبد بإيمانه، وطاعته لله ورسوله قد سعى في انتفاعه بعمل إخوانه المؤمنين مع عمله كما ينتفع بعملهم في الحياة مع عمله، فإن المؤمنين ينتفع بعضهم بعمل بعض في الأعمال التي يشتركون فيها، كالصلاة في جماعة، فإن كل واحد منهم تضاعف صلاته إلى سبعة وعشرين ضعفا لمشاركة غيره له في الصلاة، فعمل غيره كان سببا لزيادة أجره كما أن (١)- ((مجموع الفتاوى)) ج٢٤ ص٣٦٦. ١٤٣= ١١٧- أرواحُ المُؤْمِنِینَ - حدیث رقم ٢٠٧٣ عمله سبب لزيادة أجر الآخر، بل قد قيل: إن الصلاة يضاعف ثوابها بعدد المصلين، وكذلك اشتراكهم في الجهاد، والحجّ، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتعاون على البرّ والتقوى، وقد قال النبيّ وَّر: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا، وشبّك بين أصابعه)). ومعلوم أن هذا بأمور الدين أولى منه بأمور الدنيا، فدخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه في حياته، وبعد مماته، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم. وقد أخبر اللَّه عز وجل عن حملة العرش، ومن حولهم أنهم يستغفرون للمؤمنين، ويدعون لهم، وأخبر عن دعاء رسله، واستغفارهم للمؤمنين، كنوح، وإبراهيم، ومحمد صلى الله عليهم وسلم، فالعبد بإيمانه قد تسبب إلى وصول هذا الدعاء إليه، فكأنه من سعيه. يوضّحه أن الله عز وجل جعل الإيمان سببا لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من المؤمنين، وسعيهم، فإذا أتى به، فقد سعى في السبب الذي يوصل إليه، وقد دلّ على ذلك قول النبيّ وَّ ر لعمرو بن العاص: ((إن أباك لو كان أقرّ بالتوحيد نفعه ذلك))، يعني العتق الذي فعل عنه بعد موته، فلو أتی بالسبب لکان قد سعى في عمل یوصل إليه ثواب العتق. وهذه طريقة حسنةٌ جدًا. وقالت طائفة أخرى: القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنما نفى ملكه لغير سعيه، وبين الأمرين من الفرق ما لا يخفى، فأخبر تعالى أنه لا يملك إلا سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه، فإن شاء أن يبذله لغيره، وإن شاء أن يبقيه لنفسه، وهو سبحانه لم يقل: لا ينتفع إلا بما سعى، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالی، ورجحه. فقد قال -كما في مجموع الفتاوى -: وأما الآية فللناس عنها أجوبة متعدّدة، كما قيل: إنها تختصّ بشرع من قبلنا. وقيل: إنها مخصوصة. وقيل: إنها منسوخة. وقيل: إنها تنال السعي(١) مباشرة، وسببًا، والإيمان من سعيه الذي تسبب فيه. ولا يحتاج إِلى شيء من ذلك، بل ظاهر الآية حقّ، لا يخالف بقية النصوص، فإنه قال: ﴿وَأَنْ لَّئْسَ لِلّإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وهذا حقّ، فإنه إنما يستحقّ سعيه، فهو الذي يملكه، ويستحقّه، كما أنه إنما يملك من المكاسب ما اكتسبه هو، وأما سعي غيره فهو (١)- هكذا النسخة، ولعله لا تُنَافي السعي الخ. أو نحو ذلك، فليحرر. ١٤٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ حقّ، وملك لذلك الغير، لا له، لكن هذا لا يمنع أن ينتفع بسعي غيره، كما ينتفع الرجل بكسب غيره انتهى(١). وقال أيضًا: وأما احتجاج بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] فيقال له: قد ثبت بالسنة المتواترة، وإجماع الأمة أنه يصلى عليه، ويُدعى له، ويستغفر له، وهذا من سعي غيره، وكذلك قد ثبت ما سلف من أنه ينتفع بالصدقة عنه، والعتق، وهو من سعي غيره، وما كان من جوابهم في موارد الإجماع فهو جواب الباقين في مواقع النزاع انتهى (٢). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٧٤ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، وَهُوَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتْ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ عُمَرَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، أَخَذَ يُحَدْثُنَا، عَنْ أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَّالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، لَيْرِينَا مَصَارِعَهُمْ بِالْأَمْسِ، قَالَ: ((هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا))، قَالَ عُمَرُ: وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ، مَا أَخَطَؤُواَ تِيكَ، فَجُعِلُوا فِي بِثِرٍ، فَأَتَاهُمُ النَِّيُّ ◌َِّ، فَتَادَى: ((يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانٍ، يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي اللَّهُ حَقًّ))، فَقَالَ عُمَرُ: تُكَلْمُ أَجْسَادًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا؟ فَقَالَ: ((مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ)). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (عمرو بن علي) الفلاس الصيرفي، أبو حفص البصري، ثقة ثبت [١٠] ٤/٤. ٢- (يحيى) بن سعيد القطان، أبو سعيد البصري ثقة ثبت حجة [٩] ٤/٤. ٣- (سليمان بن المغيرة) القيسيُّ مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة [٧] ٦١٦/٥٣. ٤- (ثابت) بن أسلم البناني، أبو محمد البصري، ثقة عابد [٤] ٥٣/٤٥. ٥- (أنس) بن مالك الصحابي الجليل وظفيه ٦/٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، وأن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة الذين يروون عنهم بلا واسطة، وفيه أنس رضي أحد المكثرين السبعة، من الصحابة هـ ، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة. والله تعالى أعلم. (١)-مجموع الفتاوى ج٢٤ ص٣١٢. (٢)- مجموع الفتاوى ج٢٤ ص٣٦٦-٣٦٧. ١٤٥ = ١١٧ - أَرْوََّحُ الْمُؤْمِنِينَ - حديث رقم ٢٠٧٤ شرح الحديث (عَنْ أَنَس) رَِّ، أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ عُمَرَ) رَّهِ (بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، أَخَذَ) أي شرع، وبدأ (يُحَدِّثْنَا، عَنْ أَهْلِ بَذْرٍ) أي شأن كفّار قريش الذين قُتلوا في معركة بدر الكبرى . وقد ساق البخاريّ رحمه الله تعالى هذه القصّة من حديث أنس رنتيه مطوّلاً، فقال: ٣٩٧٦- حدثني عبدالله بن محمد، سمع روح بن عبادة، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة، أن نبي اللَّه وَلّ، أمر يوم بدر، بأربعة وعشرين رجلا، من صناديد قريش، فقُذِفُوا في طَوِيّ، من أطواء بدر (١)، خَبِيثٍ مُخبِثٍ، وكان إذا ظهر على قوم، أقام بالعرصة، ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث، أمر براحلته، فشُدَّ عليها رحلها، ثم مشى، واتبعه أصحابه، وقالوا: ما نُرَى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شَفَة الرَّكِيّ(٢)، فجعل يناديهم بأسمائهم، وأسماء آبائهم، يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم، أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا، ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا، قال: فقال عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أجساد، لا أرواح لها، فقال رسول اللَّه ◌َلته : ((والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)). قال قتادة: أحياهم الله، حتى أسمعهم قوله، توبيخا، وتصغيرا، ونقيمة، وحسرة، وندما. انتهى(٣). (فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ، لَيُرِينَا) بفتح اللام، وهي لام الابتداء التي تقع بعد ((إنّ)) المكسورة الهمزة، كما قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ((خلاصته)): يوَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ لَامُ ابْتِدَاءِ نَخْوُ إِنِّي لَوَزَرْ (مَصَارِعَهُمْ) جمع مَصْرَع، كمَفْعَد: محل الصَّرْع، أي الطرح على الأرض، والمراد هنا مواضع قتلهم، أي المواضع التي قُتلوا فيها، والضمير للكفار (بِالْأَمْسِ) أي أمس يوم القتل، يعني اليوم الذي قبل يوم قتلهم (قَالَ: ((هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا)»، قَالَ عُمَرُ) بن الخطّابِ وَهِ (وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ) أي أرسل النبيّ ◌ََّ، وهو اللَّه عز وجل (١)-الأطواء جمع طَويّ، وهي البئر التي طُويت، وبنيت بالحجارة، لتثبت، ولا تنهار. (٢)- الركيّ بفتح الراء، وكسر الكاف، وتشديد آخره: البئر قبل أن تُطوى. ويجمع بينه، وبين ما تقدم، من أنها طَوِيّ بأنها كانت مطوية، فاستهدمت، فصارت کالركيّ. اهـ ((فتح) ج٨ ص٣٢ . ((كتاب المغازي)). (٣)- (صحيح البخاري)) ج٨ ص٣١ بنسخة ((الفتح))، ((كتاب المغازي))، رقم ٣٩٧٦ . ١٤٦ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزْ (مَا أَخْطَئؤُوا تِيكَ) اسم إشارة للمؤنثة البعيدة، أي تلك المواضع التي أشار إليها النبيّ وَلّ أنها مصارعهم (فَجُعِلُوا فِي بِثْرٍ) بالبناء للمفعول، وفي رواية مسلم، من طريق حماد ابن سلمة، عن ثابت: ((ثم أَمَرَ بَهم فسُحِبُوا فَأَلْقُوا في قليب بدر)» (فَأَتَاهُمُ النَّبِيُّ ◌َِّ، فَنَادَى: ((يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانٍ، يَا فُلَانُ ابْنَ قُلَانٍ) برفع ((فلان)» الأول؛ لأنه نكرة مقصودة، وأما لفظة ((ابن)) فمنصوبة لا غير؛ لكونها مضافة، وقد أشار ابن مالك إلى هذا في (الخلاصة)) حيث قال: نَخْوِ ((أَزَيْدَ بْنَ سَعِيدٍ لَا تَنْ)) وَنَحْوَ ((زَيْدٍ)) ضُمَّ وَاقْتَحَنَّ مِنْ وَالضَّمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمْ قَدْ حُتِمَا (هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا) أي من الذلّ، والهوان، والكآبة، والخيبة، والخسران، والعذاب الأليم، حيث قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْتَرُونَ إِلَى جَهَنَّمٌ وَبِفْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٢]. وفي رواية حميد التالية، عن أنس تظام ، قال: سمع المسلمون من اللیل ببئر بدر، ورسول اللّه وَ لجر قائم، ينادي: ((يا أبا جهل بن هشام، ويا شيبة بن ربيعة، ويا عُتبة بن ربيعة، ويا أميّة بن خلف)). وأخرجه ابن إسحاق، وأحمد، وغيرهما، وكذا وقع عند أحمد، ومسلم، من طريق ثابت، عن أنس، فسمّى الأربعة، لكن قدّم، وأخْر، وسياقه أتم، قال في أوله: ((تركتهم ثلاثة أيام حتى جيّفوا»، فذكره، وفيه من الزيادة: ((فسمع عمر صوته، فقال: يا رسول اللّه، أتناديهم بعد ثلاث، وهل يسمعون، ويقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَى﴾ [النمل: ٨٠] فقال: ((والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، لكن لا يستطيعون أن يُجيبوا)). قال الحافظ رحمه الله تعالى: وفي بعضه نظر، لأن أميّة بن خلف لم يكن في القليب؛ لأنه كان ضخما، فانتفخ، فألقوا عليه من الحجارة، والتراب ما غيّبه. وقد أخرج ذلك ابن إسحاق من حديث عائشة تطثتها ، لكن يُجمع بينهما بأنه كان قريبًا من القليب، فنودي فیمن نودي؛ لكونه كان من جملة رؤسائهم. ومن رؤساء قريش، ممن يصحّ إلحاقه بمن سُمّي،ٍ من بني عبد شمس بن عبد مناف: عبيدة، والعاص، والدأحيحة، وسعيد بن العاص بن أَميّة، وحنظلة بن أبي سفيان، والوليد ابن عتبة بن ربيعة. ومن بني نوفل بن عبدمناف: الحارث بن عامر بن نوفل، وطُعيمة بن عديّ. ومن سائر قريش: نوفل بن خُويلد بن أسد، وزمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، وأخوه عقيل، والعاصي بن هشام، أخو أبي جهل، وأبو قيس بن الوليد، أخو خالد، ونُبيه، ومنبه ابنا الحجاج السهميّ، وعليّ بن أميّة بن خلّف، وعمرو بن عثمان، عم طلحة أحد ١٤٧ ١١٧ - أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِینَ - حديث رقم ٢٠٧٤ العشرة، ومسعود بن أبي أمية، أخو أم سلمة، وقيس بن الفاكه بن المغيرة، والأسود بن عبد الأسود، أخو أبي سلمة، وأبو العاص بن قيس بن عديّ السهميّ، وأميمة بن رفاعة بن أبي رفاعة. فهؤلاء العشرون، تنضم إلى الأربعة، فتكمل العدّة. ومن جملة مخاطبتهم ما ذكره ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم أنه وَلّ قال: يا أهل القليب بئس عشيرة النبيّ وَّر كنتم، كذّبتموني، وصدّقني الناس ... )) الحديث(١). (فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي اللَّهُ) وفي نسخة: ((ربي)) (حَقًّا))) أي من النصر، والفتح، والعزّ، والتمكين في الأرض، حيث قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَلِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ -١٧٣]، وقال تعالى: إِنَّهُمْ لَمُمُ الْمَنصُورُونَ ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ﴾ [غافر: ٥١] وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَّأَغْلِيَنَ أَنَا وَرُسُلِنَّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [سورة المجادلة: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَيُبَدِّلَهُ مِنُ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنَا ﴾ الآية [سورة النور: ٥٥] (فَقَالَ عُمَرُ) بن الخطّابِ رَيه (تُكَلْمُ) من التكليم (أَجْسَادًا لَا أَزْوَاحَ فِيهَا؟ فَقَالَ) ◌ِهِ (مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ) زاد في الرواية التالية: ((ولكنهم لا يستطيعون أن يُجيبوا)). أي لستم أنتم بأكثر منهم سماعًا لما أقول، يعني أنهم يسمعون کسماعکم، ولكنهم لا يستطيعون الإجابة، كاستطاعتكم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٠٧٤/١١٧ و٢٠٧٥ - وفي («الكبرى»١١٧/ ٢٢٠١ و٢٢٠٢ وأخرجه (م) ٢٨٧٣ و٢٨٧٥ (د)٢٦٨١ (أحمد) ١٨٣ و١١٦٠٩ و١٢٠٦٢ و١٢٤٦٣ و١٢٨٨٣ و١٣٢٩٢ و١٣٦٥٠. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: أن فيه معجزة للنبيّ وَّهر، حيث أخبر بمصارع المشركين، فوقع ما أخبر به كما أخبر به. ومنها: إنجاز اللَّه عز وجل ما وعده نبيّه وَلّ والمؤمنين من النصر. ومنها: سماع الموتى لكلام الأحياء ومنها: إثبات عذاب القبر. ومنها: استفهام التابع متبوعه إذا لم يظهر له وجه ما فعله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. (١)- (فتح)) ج٨ ص٣٣ . ((كتاب المغازي)). ١٤٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ ٢٠٧٥- أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ، مِنَ اللَّيْلِ بِثْرِ بَدْرٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ فَهِ، قَائِمٌ يُنَادِي: ((يَا أَبَا جَهْلِ ابْنَ هِشَامٍ، وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا عُثْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمَّ حَقًّا، فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ تُنَادِي قَوْمًا)) قَدْ جَيَفُوا؟، فَقَالَ: ((مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ، لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا)) . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا طريق آخر لحديث أنس تَظمي ، وهو حديث صحيح . و((عبدالله)): هو ابن المبارك. و((حميد)): هو الطويل. وقوله: ((من الليل)) أي في الليل، ف(من)) بمعنى ((في))، وقوله: ((ببئر بدر)) متعلّق بـ(سمع))، والإضافة بمعنى ((في)). وقوله: (يا أبا جهل الخ)) مقول لقول مقدّر، حال من فاعل ((ينادي))، أي قائلاً: يا أبا جهل الخ. وقوله: ((قد جيّفوا)) بتشديد الياء، وبناء الفعل للفاعل، أي صاروا جُثًَّا منتنة، يقال: جافَتِ الجيفةُ، تَجِيف: أنتنت، كَجَيَّفَتْ، واجتَافَتْ، قاله في ((القاموس))، وفي ((المصباح)): والجيفة بكسر الجيم: الميتة، من الدواب، والمواشي، إذا أنتنت، والجمع جِيَف، مثل سدرة، وسِدَر، سميت بذلك؛ لتغيّر ما في جوفها انتهى. وتمام شرح الحديث، والكلام على مسائله تقدما في الذي قبله، وبالله تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٧٦- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَِّيَّ ◌ِ، وَقَفَ عَلَى قَلِيبٍ بَدْرٍ، فَقَالَ: ((هَلْ وَجَدْتُمْ مَّا وَعَدَ رَبَّكُمْ حَقًّا؟»، قَالَ: ((إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ الْآنَ، مَا أَقُولُ لَّهُمْ))، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَقَالَتْ: وَهِلَ ابْنُ عُمَرَ، إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنُهُمُ الْآَنَ يَعْلُّمُونَ، أَنَّ الَّذِي كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ، هُوَ الْحَقُّ، ثُمَّ قَرَأَتْ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ﴾ حَتَّى قَرَأَتِ الْآيَةَ. [النمل: ٨٠]. رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (محمد بن آدم) الجهني المصيصي، صدوق [١٠] ١١٥/٩٣. ٢- (عبدة) بن سليمان الكلابي أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت من صغار [٨]٣٣٩٠/٧ ٣- (هشام) بن عروة، أبو المنذر المدني، ثقة فقيه، ربما دلّس [٥] ٦١/٤٩. ٤ - (أبوه) عروة بن الزبير الفقيه المدني، ثقة ثبت [٣] ٤٤/٤٠. ٥- (ابن عمر) عبد اللَّه رضي اللَّه تعالى عنهما ١٢/١٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فَتَفَرَّدَ به هو وأبو داود. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن ١٤٩ ١١٧- أَرْوَاحُ المُؤْمِنِینَ - حديث رقم ٢٠٧٦ أبيه، وتابعي، عن تابعي وفيه ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ النَّبِيِّ نَِّ، وَقَفَ عَلَى قَلِيبٍ بَذْرٍ) بفتح القاف، وكسر اللام: البئر، وهو مذكّر، قال الأزهريّ: القَلِيب عند العرب البئر العاديّة القديمة، مطويّةً، كانت، أو غير مطويّة، والجمع قُلُبٌ، مثلُ بَرِيد وبُرُد. قاله في ((المصباح)) (فَقَالَ: ((هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟) أي من العذاب (قَالَ: ((إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ الْآنَ) أي في الوقت الحاضر (مَا أَقُولُ لَهُمْ) أي من التوحيد، وشرائع الإسلام (فَذُكِرَ ذَلِكَ) أي ماقاله ابن عمر تًَّا، مما نقله عن النبيّ ◌َّهِ (لِعَائِشَةَ) رضي اللّه تعالى عنها (فَقَالَتْ: وَهِلَ ابْنُ عُمَرَ) بفتح الواو، وكسر الهاء، يقال: وَهِلِ عن الشيءِ، وفيه، من باب تَعِب: إذا غلِطَ فيه. وأما وَهَلَ إليه، بفتح الهاء، من باب وَعَد: إذا ذهب وَهْمُهُ إليه، وهو يريد غيره، فلا يناسب هنا. والله تعالى أعلم (إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((إِنَّهُمُ الْآنَ يَعْلَمُونَ، أَنَّ الَّذِي كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ، هُوَ الْحَقُّ) تعني بذلك نفي سماع الموتى كلام الأحياء، ولذا استدلت بالآية، كما قال (ثُمَّ قَرَأَتْ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْنَ﴾ حَتَّى قَرَّأَتِ الْآيَةَ) أي حتى قرأت الآية المذكورة بتمامها. قال في ((الفتح)): وهذا مصير من عائشة إلى ردّ رواية ابن عمر المذكورة، وقد خالفها الجمهور في ذلك، وقبلوا حديث ابن عمر؛ لموافقة من رواه غيره عليه. وأما استدلالها بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَى﴾ فقالوا: معناها لا تُسمِعهم سماعًا ينفعهم، أو لا تُسمعهم إلا أن يشاء الله. وقال السهيليّ رحمه الله تعالى: عائشة ريثما لم تحضر قول النبيّ وَّ، فغيرها ممن حضر أحفظ للفظ النبيّ وَ﴿، وقد قالوا له: يا رسول اللَّه أتخاطب قومًا قد جَيَّفُوا؟، فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم. قال: وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين جاز أن يكونوا سامعين، إما بآذان رؤوسهم، كما هو قول الجمهور، أو بآذان الروح على رأي من يوجّه السؤال إلى الروح، من غير رجوع إلى الجسد. قال: وأما الآية، فإنها كقوله تعالى: ﴿أَفَنْتَ تُشْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِى الْعُمْىَ﴾ [الزخرف: ٤٠]: أي إن الله هو الذي يسمع، ويهدي انتھی. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وقوله: إنها لم تحضر صحيح، لكن لا يقدح ذلك في روايتها؛ لأنه مرسل صحابيّ، وهو محمول على أنها سمعت ذلك ممن حضره، أو من النبيّ وَ لّ بعدُ، ولو كان ذلك قادحًا في روايتها لقدح في رواية ابن عمر، فإنه لم يحضر ١٥٠ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ أيضًا. ولا مانع أن يكون النبيّ وَّ قال اللفظين معًا، فإنه لا تعارض بينهما. وقال ابن التين رحمه الله تعالى: لا معارضة بين حديث ابن عمر رَطائها، والآية؛ لأن الموتى لا يسمعون بلا شكّ، لكن إذا أرد الله إسماع ما ليس من شأنه السماع لم يمتنع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢]، وقوله: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوَعًا أَوْ كَرْهاً﴾ الآية [فصّلت: ١١]. وقال البيهقيّ: العلم لا يمنع من السمع، والجواب عن الآية أنه لا يُسمعهم، وهم موتی، ولكن الله أحیاهم حتى سمعوا، كما قال قتادة. ولم ینفرد عمر، ولا ابنه بحكاية ذلك، بل وافقهما أبو طلحة، وللطبرانيّ من حديث ابن مسعود مثله، بإسناد صحيح. ومن حديث عبدالله بن سيدان نحوه، وفيه: قالوا: يا رسول الله، وهل يسمعون؟ قال: يسمعون كما تسمعون، ولكن لا يجيبون)). وفي حديث ابن مسعود: ((ولكنهم اليوم لا يُجيبون)». ومن الغريب أن في المغازي لابن إسحاق رواية يونس بن بكير بإسناد جيّد عن عائشة مثلُ حديث أبي طلحة، وفيه: ((ما أنتم بأسمع لما أقول منهم))، وأخرجه أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظًا، فكأنها رجعت عن الإنكار لَمًّا ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة؛ لكونها لم تشهد القصّة. وقال الإسماعيليّ: كان عند عائشة من الفهم، والذكاء، وكثرة الرواية، والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى ردّ رواية الثقة إلا بنصّ مثله، يدلّ على نسخه، أو تخصيصه، أو استحالته، فكيف، والجمع بين الذي أنكرته، وأثبته غيرها ممكن؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْبِعُ الْمَوْقَ﴾ لا ينافي قوله ◌َِّ: ((إنهم الآن يسمعون))، لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن السامع، فالله تعالى هو الذي أسمعهم بأن أبلغهم صوت نبيّه وَلَّ بذلك. وأما جوابها بأنه إنما قال: إنهم ليعلمون، فإن كانت سمعت ذلك، فلا ينافي رواية ((يسمعون))، بل يؤيدها. وقد اختلف أهل التأويل في المراد بالموتى في الآية المذكورة، وكذلك في المراد بـ«مَنْ في القبور))، فحملته عائشة على الحقيقة، وجعلته أصلاً احتاجت معه إلى تأويل قوله: ((ما أنتم بأسمع لما أقول منهم))، وهذا قول الأكثر. وقيل: هو مجاز، والمراد بالموتى، وبمن في القبور الكفّار، شُبّهوا بالموتى، وهم أحياء، والمعنى من هم في حال الموتى، أو في حال من سكن القبر، وعلى هذا لا يبقى في الآية دليل على ما نفته عائشة تحديثها. والله تعالى أعلم. انتهى ما في ((الفتح)) بتصرّف(١). والله تعالى أعلم (١) -(فتح)) ج ٣ ص٦٠٢ -٦٠٣. ((كتاب الجنائز)) - ((باب ما جاء في عذاب القبر) وج ٨ ص٣٥ ((كتاب المغازي» - «باب قتل أبي جهل)). ١٥١ _ ١١٧- أَرْوَاحُ المُؤْمِنِینَ - حديث رقم ٢٠٧٦ بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. ٠ مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٠٧٦/١١٧ - وفي («الكبرى»١١٧/ ٢٢٠٣. وأخرجه (خ) ١٣٧٠ و٣٩٨ و٤٠٢٦ (م) ٩٣٢ (أحمد)٤٨٤٩ و٤٩٣٨ و٦١١٠. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: دل هذا الحديث على أن الموتى يسمعون كلام الأحياء، وأنكرت ذلك عائشة رَّها، محتجّة بآية: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْنَى﴾، وقد عرفت جواب أهل العلم عن هذه الآية، فالحقّ أنهم يسمعون كلامهم سماعًا حقيقيًا. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى هل يسمع الميت كلام زائره؟ فأجاب قائلاً: نعم يسمع الميت في الجملة، كما ثبت في ((الصحيحين)) عن النبيّ وَالقول أنه قال: ((يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه)). وثبت عن النبيّ وَّر أنه ترك قتلى بدر ثلاثا، ثم أتاهم، فقال: يا أبا جهل بن هشام .... الحديث، وفيه: ((والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا)). قال: وقد ثبت في ((الصحيحين)) من غير وجه أنه وَلير كان يأمر بالسلام على أهل القبور، ويقول: ((قولوا: السلام عليكم أهل الديار .... الحديث. قال: فهذا خطاب لهم، وإنما يُخاطب من يسمع. ورَوَى ابن عبد البرّ عن النبيّ وَّر أنه قال: ((ما من رجل يمرّ بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه إلا ردّ اللّه عليه روحه حتى يردعلى التَّلُ)). قال: وفي ((السنن)) أنه وَالله قال: أكثروا من الصلاة عليّ يوم الجمعة، وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة عليّ .... )) الحديث. قال: فهذه النصوص، وأمثالها تبيّن أن الميت يسمع في الجملة كلام الحيّ، ولا يجب أن یکون السمع له دائمًا، بل قد یسمع في حال دون حال، کما قد يعرض للحيّ، فإنه قد يسمع أحيانًا خطاب من يخاطبه، وقد لا يسمع لعارض يَعرِض له، وهذا السمع سمع إدراك، ليس يترتّب عليه جزاء، ولا هو السمع المنفيّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْنَ﴾، فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال، فإن اللَّه جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه، وكالبهائم التي تسمع الصوت، ولا تفقه المعنى، فالميت، وإن سمع الكلام، وفقه المعنى، فإنه لا يمكنه إجابة الداعي، ولا امتثال ما أُمِر به، ونُهي عنه، فلا ينتفع بالأمر والنهي، وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي، وإن سمع الخطاب، وفهم المعنى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِيِهِمْ خَيْرًّاً لَّأَسْمَعَهُمّ﴾ الآية [الأنفال: ٢٣] . انتهى كلام شيخ E ١٥٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ الإسلام رحمه الله تعالى باختصار(١). وهو كلام نفيس جدًّا. وسئل أيضًا عن الأحياء إذا زاروا الأموات، هل يعلمون بزيارتهم؟ وهل يعلمون بالميت إذا مات من قرابتهم، أو غيره؟ . فأجاب: الحمد لله، نعم قد جاءت الآثار بتلاقيهم، وتساؤلهم، وعرض أعمال الأحياء على الأموات، كما روى ابن المبارك عن أبي أيوب الأنصاريّ، قال: ((إذا قُبضت نفس المؤمن تلقاها الرحمة(٢) من عباد الله، كما يتلقون البشير في الدنيا، فيقبلون عليه، ويسألونه، فيقول بعضهم لبعض : انظروا أخاكم يستريح، فإنه كان في كرب شديد، قال: فيقبلون عليه، ويسألونه ما فعل فلان، وما فعلت فلانة، هل تزوّجت)) الحديث. وأما علم الميت بالحيّ إذا زاره، وسلم عليه، ففي حديث ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه وَله: ((ما من أحد يمرّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا عرفه، وردَّالسََّلُ)). قال ابن المبارك: ثبت ذلك عن النبيّ وَّر. وصححه عبد الحقّ صاحب ((الأحكام)). وأما ما أخبر الله به من حياة الشهيد، ورزقه. وما جاء في الحديث الصحيح، من دخول أرواحهم الجنّة، فذهب طوائف إلى أن ذلك مختصّ بهم دون الصدّيقين، وغيرهم، والصحيح الذي عليه الأئمة، وجماهير أهل السنة أن الحياة، والرزق، ودخول الأرواح الجنة ليس مختصًا بالشهيد، كما دلت على ذلك النصوص الثابتة، ويختصّ الشهيد(٣) بالذكر؛ لكون الظانّ يظنّ أنه يموت، فينكل عن الجهاد، فأخبر بذلك ليزول المانع من الإقدام على الجهاد والشهادة، كما نهي عن قتل الأولاد خشية الإملاق؛ لأنه هو الواقع، وإن كان قتلهم لا يجوز مع عدم خشية الإملاق انتهى كلامه رحمه الله تعالى(٤) وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٧٧- أَخْبَرَنَا قُتَنِبَةُ، عَنْ مَالِكِ، وَمُغِيرَةُ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((كُلُّ بَنِي آدَمَ)) -وَفِي حَدِيثٍ مُغِيرَةَ - ((كُلُّ ابَّنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التّرَابُ، إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ، مِنْهُ خُلِقَ، وَفِيهِ يُرَكَّبُ)). رجال هذا الإسناد : ستة: ١- (قتيبة) بن سعيد الثقفيُّ، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/١. ٢- (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧. (١)-)مجموع الفتاوى)) ج٢٤ ص٣٦٢-٣٦٥. (٢)- هكذا النسخة، ولعله ((الترحيب من عباد الله))، أو نحو ذلك. وليحرر. (٣)- هكذا النسخة، ولعل الأولى: وخُصّ الشهيد الخ. (٤)- راجع ((مجموع الفتاوى)) ج٢٤ ص ٣٣٠-٣٣٢. ١١٧- أَرْوََّحُ الْمُؤْمِنِینَ - حديث رقم ٢٠٧٧ ١٥٣= ٣- (مغيرة) بن عبد الرحمن بن عبد الله الحِزَاميُّ المدني، لقبه قُصّيّ، ثقة، له غرائب [٧] ١٠/ ١٨٣٥. ٤- (أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان، القرشي، أبو عبد الرحمن المدني، ثقة فقيه [٥] ٧/ ٧ . ٥- (الأعرج) عبد الرحمن بن هُزمُز، أبو داود المدني، ثقة ثبت [٣] ٧/٧ . ٦- (أبو هريرة) الدَّوسي رضي الله تعالى عنه ١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين إلا شيخه، فبغلاني. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. ومنها: أن فيه أبا هريرة بتنظيم أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَِّ، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((كُلُّ بَنِي آدَمَ) أي جميع أجزائه، وأعضائه، قال السنديّ: والقضيّة جزئيّة بالنظر إلى أفراد ابن آدم، ضرورة أن اللَّه حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء انتهى. وسيأتي تمام الكلام على هذا في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى (وَفِي حَدِيثِ مُغِيرَةَ- كُلُّ ابْنِ آدَمَ) يعني أن لفظ رواية مالك بن أنس رحمه الله تعالى ((كلّ بني آدم)) بلفظ الجمع، ولفظ مغيرة بن عبدالرحمن (كل ابن آدم)» بلفظ الإفراد. والحديث أخرجه الشيخان من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة تظنّه بلفظ: ((ليس من الإنسان شيء إلّا يبلى، إلا عظمًا واحدًا، وهو عجب الذنب، ومنه يُركب الخلق يوم القيامة))، وفي لفظ للبخاريّ: ((يَبْلَى كلُّ شيءٍ من الإنسان، إلا عجبَ ذنبه، فيه يُركّب الخلق)). أورده في أثناء حديث. (يَأْكُلُهُ التُّرَابُ) قال وليّ الدين رحمه الله تعالى: يحتمل أن تُعدَم أجزاؤه بالكليّة. ويحتمل أنها باقية، لكن زالت أعراضها المعهودة، وقد جوّز إمام الحرمين في ((الإرشاد)) كلا الأمرين عقلاً، قال: ولم يدلّ قاطع سمعيّ على نفي أحدهما، فلا يبعد أن تصير أجسام العباد على صفة أجسام التراب، ثم تعاد بتركيبها إلى ما عُهد، ولا يُحيل أن يعدم منها شيء، ثم يعاد انتهى(١) (إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ) ((إلا)) استثنائيّة، كما هو مذهب الجمهور، فالمعنى أن عجب الذنب لا يبلى، ولا يأكله التراب. وقيل: ((إلا)) عاطفة، (١)- ((طرح التثريب)) ج٣ ص٣٠٨. ١٥٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ بمعنى الواو، والمعنى عليه أن عجب الذنب يبلى أيضًا، وهو قول ضعيف، سيأتي الردّ عليه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. ((وعَجْبُ الذّنَب)): بفتح العين المهملة، وحَكَى صاحب ((المحكم)) ضمها أيضًا، وإسكان الجيم، وآخره باء موحدة، ويقال له: ((عَجْمُ الذنب)) بالميم أيضًا، وفي عينه الوجهان، وحكى في ((المحكم)) عن اللحيانيّ، أن الميم بدل من الباء، قال في (المشارق)): رواه بعض رواة القعنبيّ في ((الموطا))، وهو العظم اللطيف الذي في أسفل الصلب، وأعلى ما بين الأليتين، وهو رأس العصعص، وهو مكان رأس الذنب، من ذوات الأربع، من الحيوان، وكأنه لهذا أضيف إلى الذنَبِ. وروى أبو بكر بن أبي داود في ((كتاب البعث والنشور)) من حديث أبي سعيد، أنه قيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: ((مثل حبة خردل، منه تنشأون)). وعزاه أبو العباس القرطبيّ ل((كتاب البعث)) لابن أبي الدنيا، وهذا يدلّ على صغره جدًّا. قاله وليّ الدين رحمه اللَّه تعالى(١). وقال في ((الفتح)): قال ابن الجوزيّ: قال ابن عقيل: للَّه في هذا سرّ، لا يعلمه إلا الله، لأن من يُظهِر الوجود من العدم لا يحتاج إلى شيء يَبني عليه. ويحتمل أن يكون ذلك علامة للملائكة على إحياء كلّ إنسان بجوهره، ولا يحصل العلم للملائكة بذلك إلا بإبقاء عظم كلّ شخص؛ ليعلم أنه ربما أراد بذلك إعادة الأرواح إلى تلك الأعيان التي هي جزء منها، ولولا إبقاء شيء منها لجوّزت الملائكة أن الإعادة إلى أمثال الأجساد، لا إلى نفس الأجساد. انتهى. وقال السنديّ رحمه الله تعالى: وظاهر الحديث أنه -يعني عجب الذنب- يبقى، قيل: هو عظم لطيف، هو أول ما يخلق من الآدميّ، ويبقى منه؛ ليعاد تركيب الخلق علیه، وهذا هو الموافق لما روى ابن أبي الدنيا عن أبي سعيد الخدريّ رَّه ، قيل: يا رسول اللَّه، وما هو؟، قال: ((مثل حبة خردل)). وقال المظهريّ: أراد طول بقائه، لا أنه لا يبلى أصلاً؛ لأنه خلاف المحسوس. وقيل: أمر العَجَب عَجَبٌ، فإنه آخر ما يَخْلُقُ، وأول ما يُخلَقُ، الأول بفتح الياء، أي يصير خَلَقًّا، والثاني بضمها انتهى(٢). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي نقله السنديّ عن المظهريّ، من أن عجب الذنب يبلى قول مخالف للحديث الصحيح الذي معنا، حيث بين أنه لا يبلى، فلا يُلفت إليه. والله تعالى أعلم. (مِنْهُ خُلِقَ) أي أنَّ أول ما خُلِقَ من الإنسان هو (وَفِيهِ يُرَكَّبُ) أي إن اللَّه عز وجل يبقيه إلى أن يُرَكّب الخلق منه تارة أخرى، يعني أنه يعيد خلقه في الآخرة من عجب (١)- المصدر السابق. (٢)-((شرح السنديّ)) ج٣ ص١١٢ . ١٥٥ = ١١٧- أَرْوَحُ الْمُؤْمِنِينَ - حديث رقم ٢٠٧٧ ذنبه، كما أنشأ خلقه منه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٠٧٧/١١٧ - وفي ((الكبرى))٢٢٠٤/١١٧. وأخرجه (خ) ٤٨١٤ و ٤٩٣٥ (م)٢٩٥٥ (د) ٤٧٤٣ (ق) ٤٢٦٦ (أحمد) ٨٠٨٤ و٩٢٤٤ و١٠٠٩٩ (الموطأ) ٥٦٥ . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: قال الحافظ وليّ الدین رحمه الله تعالی: کون ابن آدم يأكله التراب عام مخصوص، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لا تبلى أجسامهم الكريمة، وقد قال النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم: ((إن اللَّه حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)). واستثنى ابن عبد البرّ معهم الشهداء، قال: وحسبك ما جاء في شهداء أحد، وغيرهم، ثم ذكر حديث جابر لما نَقَّلَ أباه في خلافة معاوية حين أراد إجراء العين التي في أسفل أَحُد، وقوله: ((فأخرجناهم رطابًا، يتسنّون، فأصابت الْمِسْحَاة أصبع رجل منهم، فتقطّر الدم)). واقتصر القاضي عياض على قوله: وكثير من الشهداء، فدلّ على أنه يرى أن بعض الشهداء قد تأكل الأرض جسده، ولعله أشار بذلك إلى المبطون، ونحوه، من الملحقين بالشهداء. وضمّ أبو العباس القرطبيّ إلى الصنفين المؤذِّن المحتسب، لقوله وَالر: ((المؤذّن المحتسب كالمتشخّط في دمه، وإن مات لم يدود في قبره)»(١). قال: وظاهر هذا أن الأرض لا تأكل أجساد المؤذّنين المحتسبين، فللحديث إذًا تأويلان: أحدهما: قال ابن عبد البر: كأنه قال: كلّ من تأكله الأرض، فإنه لا تأكل منه عجب الذنب، قال: وإذا جاز أن لا تأكل الأرض عجب الذنب جاز أن لا تأكل الشهداء. الثاني: قال القاضي عياض: يريد أن جميع الإنسان مما تأكله الأرض، وإن كانت لا تأكل أجسامًا كثيرةً، كالأنبياء، وكثير من الشهداء. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي صحّ لدينا ممن لا يبلى جسده هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأما الشهداء، فليس عليه دليل مرفوع يُستَنَد إليه، وإنما صح بما أخبر به جابر من خبر أبيه، ومَن دفن معه، ونحو ذلك، ولا يستبعد أن يكرم الله تعالى الشهداء بذلك. (١)-ضعيف أخرجه الطبراني في ((الأوسط))، وفي سنده إبراهيم بن رستم، عن قيس بن الربيع، وكلاهما ضعيفان. انظر ((سلسلة الضعيفة)) للشيخ الألباني رقم ٨٥٢ - ٨٥٣ . (٢)-المصدر المذكور ج ٣ ص٣٠٨ . ١٥٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ بل قد يحصل لغيرهم من أهل الصلاح، والتقوى، فقد سمعتُ أخبارًا ممن لا أشك في كونهم ثقات أنهم وجدوا بعض أهل العلم، والصلاح، والزهد في قبورهم، كيوم موتهم. ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: استدل جمهور أهل العلم بظاهر قوله: ((إلا عجب الذنب)) على أنّ عجب الذنب لا يبلى، ولا تأكله الأرض، بل يبقى على حاله، وإن بلي جميع جسد الميت، وخالف في ذلك المزنيّ، فقال: إن عجب الذنب يبلى أيضًا، فلم يجعل ((إلّا)) للاستثناء، بل هي عاطفة، كالواو، فكأنه قال: وعجب الذنب، وقد حُكي إثبات هذا المعنى ((إلا)) عن الأخفش، والفرّاء، وأبي عبيدة، وأنكره الجمهور، وأوّلوا ما استدلّوا به، ويردّه في هذا الموضع كونه عقّب ذلك بقوله: ((منه خُلق، وفيه يركّب))، أي أنه أول ما يُخلَقُ من الآدميّ، وهو الذي يبقى منه ليعاد تركيب الخلق عليه، فلو ساوى عجب الذنب غيره في البلاء لم يبق لهذا الكلام محلّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب(١). المسألة الخامسة: ظاهر هذا الحديث أن عجب الذنب أول مخلوق من الآدميّ، وروي عن سلمان رَّ أنه قال: ((أول ما خلق الله من آدم رأسه، فجعل ينظر، وهو يُخلَق)). ذكره ابن عبد البر بإسناد منقطع، فلم یصح هذا، ولو صحّ عنه، فاتباع الحدیث أولى، وقد يقال: لا منافاة بينهما؛ لأن الحديث في ابن آدم، والأثر عن سلمان رَظّه في آدم نفسه، فيمكن أن يكون أول مخلوق من آدم رأسه، ومن بنيه عجب الذنب. ويحتمل أن يكون أول مخلوق من آدم عجب الذنب کبنیه، ویکون معنی کلام سلمان إن صحّ عنه أن أول ما نفخ فيه الروح من آدم رأسه، ويوافق ذلك قول ابن جريج : يقولون: إن أول ما نُفخ في يافوخ آدم. أفاده ولي الدين رحمه اللّه تعالى(٢) وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٧٨- أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَلِِّ، ((َقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ، وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ، أَنْ يُكَذِّبَنِي، وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ، وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِيٍ، أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّتِيَ، فَقَوْلُهُ: إِنِّي لَاِ أَعِيدُهُ، كَمَا بَدَأْتُهُ، وَلَيْسَ آخِرُ الْخَلْقِ بِأَعَزَّ عَلَيَّ مِنْ أَوَّلِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ، فَقَوْلُهُ: التَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، وَأَنَا اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ، لَمْ أَلِذْ، وَلَمْ أُولَذْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ)). (١)-راجع المصدر المذكور. (٢)- المصدر السابق. ١٥٧ ١١٧- أرواحُ المُؤمِنِینَ - حدیث رقم ٢٠٧٨ رجال هذا الإسناد : سبعة : ١- (اليبيع بن سليمان) المرادي المصري، صاحب الشافعي، ثقة [١١] ٣١١/٩٥. ٢- (شعيب بن الليث) بن سعد، أبو عبد الملك المصري، ثقة فقيه نيل، من كبار [١٠] ١٢٠ / ١٦٦ . ٣- (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري ثقة ثبت فقيه مشهور [٧] ٣٥/٣١ . ٤- (ابن عجلان) هو: محمد القرشي مولاهم المدني صدوق، اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة [٥] ٤٠/٣٦ . والباقون تقدموا في السند الماضي والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى الليث، وبعده مدنييون، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وفيه أبو هريرة رَفيه رأس المكثرين من الرواية. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه أنه (قَالَ: عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَِّ، ((قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ) من التكذيب، أي أنكر ما أخبرت به من البعث، وأنكر قدرتي عليه. وفي رواية أحمد: ((كذّبني عبدي)). والمراد به بعض بني آدم، وهم من أنكر البعث، من العرب، وغيرهم من عُبّاد الأوثان، والدهريّة، ومن ادعى أن للَّه تعالى ولدًا، من العرب أيضًا، ومن اليهود، والنصارى. (وَلَمْ يَكْنْ يَنْبَغِي لَهُ) أي ما كان يستقيم، وما يجوز له، قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: واستعمال ماضيه مهجور، وقد عَدّوا ((ينبغي)) من الأفعال التي لا تتصرّف، فلا يقال: ((انبغى))، وقيل في توجيهه: إن انبغى مطاوع ((بَغَى))، ولا يستعمل انفعل في المطاوعة، إلا إذا كان فيه علاجٌ، وانفعال، مثلُ كسرته، فانكسر، وكما لا يقال: طلبته، فانطلب، وقصدته، فانقصد، لا يقال: بغيته، فانبغى؛ لأنه لا علاج فيه، وأجازه بعضهم، وحكي عن الكسائيّ أنه سمعه من العرب، وما ينبغي أن يكون كذا، أي ما يستقيم، أو ما يحسن. انتهى (١). (أَنْ يُكَذِّبَنِي، وَشَتَمَّنِي ابْنُ آدَمَ) من باب ضرب، وقتل: أي سبني، والشتم: هو الوصف بما يقتضي النقص، ولا شكّ أن دعوى الولد لله، يستلزم الإمكان المستدعي للحدوث، (١)- ((المصباح المنير)). ١٥٨ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ وذلك غاية النقص في حقّ الباري عز وجل (وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِي، أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّامَ، فَقَوْلُهُ: إِنِّي لَا أُعِيدُهُ، كَمَا بَدَأْتُهُ) وفي رواية أحمد: ((فأما تكذيبه إياي أن يقول: فليُعِدْنَا كما بَدَأَنَا))، قال في ((الفتح)): وهي من شواهد ورود صيغة افعَلْ بمعنى التكذيب انتهى(١). وقال وليّ الدين: لفظه طلب، ومعناه التكذيب، كما قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفارسيّ، من قدماء الشافعيّة، فيما ذكره العبّادي في ((طبقاته)) في قوله: ﴿قُلْ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَنَّةِ فَتْلُوهَا إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] إن صيغة افعل للتكذيب. انتهى(٢). (وَلَيْسَ آخِرُ الْخَلْقِ بِأَعَزَّ عَلَيَّ) أي بأثقل عليّ (مِنْ أَوَّلِهِ) يعني أن إعادة الخلق، وهو بعثه بعد موته يوم القيامة، ليس بأشقّ على الله عز وجل من بداية خلقه من العدم، بل الكل سواء، يوجد بكلمة ((كن))، وهذا بالنظر إليه تعالى، وأما بالنظر إلى عقولهم، وعادتهم، فآخر الخلق أسهل من أوله، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧]، فلا وجه للتكذيب أصلاً (وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ) أي ذكرُهُ أسوأ كلام، وأشنعه في حقّي، وإن كانت الشناعة موجودة في الأول أيضًا بنسبة الكذب إلى إخباره، والعجز إليه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا، لكنها دون الشناعة في هذا، ويظهر ذلك إذا نظر الناظر إلى كيفية تحصيل الولد، والمباشرة بأسبابه، مع النظر إلى غاية نزاهته تعالى، ولذلك قال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُ لَلْجِبَالُ هَذًّا أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٠] والله تعالى أعلم (٣). (فَقَوْلُهُ: المَخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) القائلون بذلك هم من قال من اليهود: عزيرٌ ابن اللّه، ومن قال من النصارى: المسيح ابن الله، ومن قال من العرب: الملائكة بنات اللَّه، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوّا كبيرًا. (وَأَنَا اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ) وفي ((الكبرى)): ((وأنا اللَّه أحد، الله الصمد)). قال البخاريّ في ((صحيحه)): العرب تسمي أشرافها الصمد. وقال أبو وائل: هو السيّد الذي انتهى سؤدده انتهى. وقال أبو عبيدة: الصمد السيد الذي يُصمد إليه ليس فوقه أحد، فعلى هذا هو فَعَلٌ - بفتحتين- بمعنى مفعول، ومن ذلك قول الشاعر: [من الطويل] : بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ(٤) أَلَا بَكْرَ النَّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أَسَدْ وقال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)): قال عكرمة، عن ابن عباس رَائها: يعني الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم، ومسائلهم. وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (١)-((فتح)) ج٩ ص٧٦٧. ((كتاب التفسير)) - تفسير سورة ﴿قل: هو الله أحد﴾. (٢)- ((طرح التثريب)) ج٨ ص١٦١ - ١٦٢. (٣)-راجع ((شرح السندي)) ج٣ ص١١٢ - ١١٣. (٤) - (فتح)) ج٩ ص ٧٦٧ . في تفسير ((سورة الإخلاص)). ١١٧- أَزْوَاحُ المُؤْمِنِینَ - حدیث رقم ٢٠٧٨ ١٥٩ هو السيّد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفته، لا تنبغي إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهار. وقال الأعمش، عن سفيان، عن أبي وائل: الصمد السيّد الذي انتهى سؤدده. رواه عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود. وقال مالك، عن زيد بن أسلم : الصمد السيد. وقال الحسن، وقتادة: هو الباقي بعد خلقه. وقال الربيع بن أنس: هو الذي لم يلد، ولم يولد، كأنه جعل ما بعده تفسيرًا له، وهو قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] وهو تفسير جيّد. وقال ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، وعبدالله بن بريدة، وعكرمة أيضًا، وسعيد ابن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وعطيّة العَوْفيّ، والضخّاك، والسدّيّ: الصمد الذي لا جوف له. وقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد: الصمد المصمت الذي لا جوف له. وقال الشعبيّ: هو الذي لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب. وقال عبدالله بن بريدة أيضًا: الصمد نور يتلألأ . رَوَى ذلك كله، وحكاه ابن أبي حاتم، والبيهقيّ، والطبراني، وكذا أبو جعفر ابن جرير ساق أكثر ذلك بأسانيده. وقال الحافظ أبو القاسم الطبرانيّ في ((كتاب السنة)) له بعد إيراده كثيرًا، من هذه الأقوال في تفسير الصمد: وكل هذه صحيحة، وهي صفات ربنا عز وجلّ، هو الذي يُصمّد إليه في الحوائج، وهو الذي قد انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل، ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه. وقال البيهقيّ نحو ذلك انتهى (١). (لُمْ أَلِذْ) أي لأنه لا يجانس حتى يكون له من جنسه صاحبة، فيتوالدا، وقد دلّ على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَّ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَُّ صَحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ [الأنعام: ١٠١] (وَلَمْ أُولَذْ) أي لأن كل مولود مُحدّث، وهو قديم، لا أوّل لوجوده (وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ)) يعني أنه لم يماثله أحد، ولم يشاكله، أو المراد نفي الكفاءة في النكاح، نفيًا للصاحبة، والأول أولى، لأن سياق الكلام لنفي المكافأة عن ذاته عز وجلّ، وهذا المعنى مَصَبّه، ومركزه هذا الطرف، فلذا قدم (٢). وقرئ ﴿كُفُوا﴾ بضم الكاف، والفاء، وهي قراءة الأكثرين، وقرأ حفص بضم الفاء، .. وفتح الواو، من غير همز، وقرأ حمزة بإسكان الفاء، مع الهمزة في الوصل، فإذا وقف أبدل الهمزة واوًا مفتوحة، اتباعًا للخطّ، والقياس أن تلقى حركتها على الفاء، وقرىء في غير المشهور بكسر الكاف، وإسكان الفاء(٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه (١)- تفسير ابن كثير في تفسير ﴿سورة الإخلاص﴾. (٢)-طرح ج٨ ص١٦٢. و(فتح)) ج٩ ص٧٦٨ . (٣)-طرح ج٨ ص١٦٢ . = ١٦٠ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزْ المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي هذا أخرجه البخاريّ. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٠٧٨/١١٧ - وفي («الكبرى»٢٢٠٥/١١٧. وأخرجه (خ) ٣١٩٣ و٤٩٧٤ و٤٩٧٥ (أحمد) ٢٧٤٤ و٨٨٧٠. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده : منها: وجوب الإيمان بالبعث، وأن إنكاره يكون تكذيبًا للَّه عز وجل. ومنها: وجوب تنزيه الله تعالى عن أن يتخذ ولدًا، وأن اعتقاد خلافه يكون شتما له، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. ومنها: أن اللَّه تعالى متصف بأنه الأحد، الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٧٩ - أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَتِه يَقُولُ: ((أَسْرَفَ عَبْدٌ عَلَى نَفْسِهِ، حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قَالَ لِأَهْلِهِ: إِذَا أَنَا مُتْ، فَأَخْرِ قُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِيٍ ثُمَّ اذْرُونِي فِي الرِّيحِ، فِي الْبَحْرِ، فَوَاللَّهِ، لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ، لَيُعَذْبَنِّي عَذَابًا، لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا، مِنْ خَلْقِهِ، قَالَ: فَفَعَلَ أَهَلُهُ ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، لِكُلِّ شَيْءٍ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا: أَدْ مَا أَخَذْتَ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ، قَالَ: خَشْيَتُكَ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ)). رجال هذا الإسناد : ستة: ١ - (كثير بن عُبيد) بن نُمير الْمَذْحِجِيّ، أبو الحسن الحمصيّ، ثقة [١٠] ٤٨٦/٥. ٢- (محمد بن حرب) الْخَوْلانيّ الحمصيّ الأبرش، ثقة [٩] ١٧٢/١٢٢. ٣- (الزُّبَيديّ) محمد بن الوليد، أبو الهذيل الحمصيّ القاضي، ثقة ثبت [٧] ٤٥٪ ٥٦ . ٤- (حميد بن عبدالرحمن) بن عوف الزهريّ، المدنيّ، ثقة [٢] ٧٢٥/٣٢. والباقيان تقدّما قريبًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم