Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ =
١١٦ - وَضْعُ الْجَرِيدِ عَلَى القَبْرِ - حديث رقم ٢٠٧٠
اُلْأُخْرَىّ إِلَى أَجَلِ تُسَمَّىٌ﴾ الآية [الزمر: ٤١] (١).
ومنها: أن ابن عبد البرّ استدلّ به على أن الروح على أفنية القبور. قال: والمعنى
عندي أنها قد تكون على أفنية قبورها، لا أنها لا تفارق الأفنية، بل هي كما قال مالك:
إنه بلغه أن الأرواح تسرح حيث شاءت انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: ما تقدّم من ذكر عرض المقعد على الميت في قبره واضح في
الكافر، والمؤمن المخلص، أما المخلّط الذي له ذنوب هو مؤاخذ بها، غير معفوّ عنها،
فما ذا يُعرض عليه؟ . قال وليّ الدين: الذي يظهر أن المعروض عليه مقعده من الجنة،
وأما النار، فليس له بها مقعد مستقرّ، وإنما يدخلها لعارض، ليُنقّى، ويطهّر،
ويُمخّص، ثم يدخل مقعده من الجنّة، نقيّا، مخلصًا. وذكر أبو العباس القرطبيّ في
ذلك تردّدًا، فقال: وأما المؤمن المؤاخذ بذنوبه، فله مقعدان، مقعد في النار زمن
تعذيبه، ومقعد في الجنّة بعد إخراجه، فهذا يقتضي أن يُعرضا عليه بالغداة والعشيّ، إلا
إن قلنا: إنه أراد بأهل الجنّة كلّ من يدخلها، كيفما كان، فلا يحتاج إلى ذلك التفسير،
والله أعلم انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ أخيرًا هو الأرجح، كما
مال إليه وليّ الدين، كما مرّ آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
المسألة الخامسة: قال أبو العباس القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا إخبار عن غير
الشهداء، فإن أرواحهم في حواصل طير، تسرح في الجنّة، وتأكل من ثمارها.
قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: هذا مبنيّ على أن عرض المقعد على
الأرواح خاصّة، فلا يحتاج إلى عرضه عليها؛ لأنها في الجنة، وقد يقال: فائدة
ذلك تبشيرها باستقرارها في الجنّة، مقترنة بجسدها في ذلك المحلّ المخصوص
على التأبيد، وهذا قدر زائد على ما هي فيه، وأما إذا كان عرض المقعد على
الأجساد، فلا مانع من أن الشهداء حينئذ كغيرهم، لأن الذي في الجنة إنما هو
أرواحهم، وأما أجسادهم فهي في قبورهم، فتنعم بعرض المقعد عليها بكرة
و عشیًا .
(١)- أفاده في ((الطرح)) ونقلته بتصرف ج٣ ص ٣٠٧ .
(٢) -((فتح)) ج٣ ص٦١٣، وسيأتي في المسألة الرابعة في الحديث الأول من الباب التالي بحث نفيس
في مستقر الأرواح، إن شاء الله تعالى.
١٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
على أن ذلك قد ورد في أرواح المؤمنين مطلقًا، رواه النسائيّ، من حديث كعب
بن مالك ◌َّ، عن رسول اللَّهِ وَ ل﴿، قال: ((إنما نسمة المؤمن طائر في شجر
الجنة، حتى يبعثه الله إلى جسده يوم القيامة)). ورواه ابن ماجه بلفظ: ((إن أرواح
المؤمنين في طير خضر، يعلُقُ بشجر الجنة)). وهو عند الترمذيّ بلفظ: ((إن أرواح
الشهداء)). انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٧١ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ،
يُحَدِّثُ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِ، قَالَ: ((يُعْرَضُ عَلَى أَحَدِكُمْ، إِذَا
مَاتَ، مَقْعَدُهُ مِّنَ الْغَدَّةِ، وَالْعَشِيِّ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، قِيلَ: هَذَا
مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا طريق ثان لحديث ابن عمر رَّا، متفق عليه،
وهو أنزل من سابقه، بدرجة، وتقدم الكلام عليه في الذي قبله.
و((إسحاق بن إبراهيم)): هو ابن راهويه. و((المعتمر)): هو ابن سليمان. و((عبيداللَّه)):
هو ابن عمر العمريّ.
وقوله: ((من الغداة)). ((من)) بمعنى ((في))، فإنها تأتي بمعناها، كما بيّنه الرضيّ، أي
في الغداة والعشيّ. وقوله: ((فإن كان من أهل النار الخ)) فيه اختصار، تبيّه الرواية
السابقة، واللاحقة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
٢٠٧٢- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ،
وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهه
قَالَ: ((إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ، عُرِضٍَ عَلَّى مَفْعَدِهِ، بِالْغَدَّةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ،
فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ ، حَتَّى
يَبْعَثَكَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَّامَةِ)) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا طريق ثالث لحديث ابن عمر رَبِّهَا، متفق عليه،
وهو خماسيّ، كسابقه، والكلام عليه كسابقه. و((ابن القاسم)): هو عبدالرحمن بن
القاسم الْعُتَقيّ الفقيه الثبت المصريّ، تلميذ الإمام مالك رحمهما الله تعالى. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١)-((طرح)) ج٣ ص ٣٠٥ - ٣٠٦ .
١٢٣
١١٧- أرواح المؤمنین - حدیث رقم ٢٠٧٣
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
١١٧- أَزْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا في ((الكبرى)) أيضًا، ووقع في بعض نسخ
((المجتبى)) زيادة: ((وغيرهم)).
اعلم: أن المصنف رحمه الله تعالى، أورد في هذا الباب ثمانية أحاديث، ومطابقة
الحديث الأول للترجمة واضحة، حيث بين أن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة، وأما
الحديث الثاني، والثالث، والرابع فمطابقتها على هذه النسخة واضحة، من حيث إنها
تدلّ على أن أرواح الكفّار معذّبة، خلاف أرواح المؤمنين، وأما على النسخة الأولى،
فيكون من حذف الواو مع ما عطفت، أي ((وغيرهم))، وأما بقية الأحاديث، فالظاهر
كونها من أحاديث الباب التالي. والله تعالى أعلم بالصواب.
٢٠٧٣- أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ،
أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ كَعْبَ بْنَ مَالِكِ، كَانَ يُحَدِّثُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ،َ قَالَ: ((إِنَّمَا
نَسَمَةُ الْمُؤْمِنٍ، طَائِرٌ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة، مشهورون، تقدّموا، غير مرّة:
١- (عبدالرحمن بن كعب) بن مالك الأنصاريّ، أبو الخطاب المدنيّ، ثقة، من كبار
التابعين، ويقال: وُلد في عهد النبيّ وَلَ [٢] ٧٣١/٣٨.
٢- (كعب بن مالك) بن أبي كعب الأنصاريّ السَّلَميّ المدنيّ الصحابيّ المشهور،
وهو أحد الثلاثة الذين خُلُّفوا رَمَثيه ٧٣١/٣٨. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وفيه رواية
الابن عن أبيه، ورواية تابعيّ، عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
١٢٤
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزْ
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ) أي أنْ عبدَ الرحمن أخبر ابنَ شهاب.
[تنبيه] : قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ رحمه اللّه تعالى: في رواية مالك
هذه بيان سماع الزهريّ لهذا الحديث من عبدالرحمن بن كعب بن مالك، وكذلك
رواه يونس، عن الزهريّ، قال: سمعت عبدالرحمن بن كعب بن مالك، يحدّث،
عن أبيه. وكذلك رواه الأوزاعيّ، عن الزهريّ، حدثني عبدالرحمن بن كعب.
ورواه محمد بن إسحاق، عن الحارث بن فُضيل، عن الزهريّ، عن عبدالرحمن بن
كعب بن مالك، عن أبيه. فاتفق مالك، ويونس بن يزيد، والأوزاعيّ، والحارث
ابن فُضيل على رواية هذا الحديث، عن ابن شهاب، عن عبدالرحمن بن كعب بن
مالك، عن أبيه.
ورواه شُعيب بن أبي حمزة، ومحمد ابن أخي الزهريّ، وصالح بن كيسان، عن
الزهريّ، عن عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك.
فاتفق هؤلاء على أن جعلوا الحديث لعبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جدّه
كعب بن مالك. وذكره إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب،
عن عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب، أنه بلغه أن كعب بن مالك كان يحدّث.
وذكر أبو اليمان: حدثنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني عبدالرحمن بن عبدالله
ابن كعب، أن كعب بن مالك كان يحدّث أن رسول اللَّه وَالترله مثل حديث مالك
سواءً .
ورواه معمر، وعُقيل، وعمرو بن دينار، عن الزهريّ، عن ابن كعب، لم يقولوا:
عبدالله، ولا عبدالرحمن. ذكره عبد الرزاق، عن معمر، وذكره الليث، عن عُقيل،
وذكره ابن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهريّ، كلهم عن ابن كعب بن مالك، في
حديث ((نسمة المؤمن))، كلّ هذا.
وقال محمدُ بن يحيى - يعني الذُّهْليّ -: المحفوظ عندنا - والله أعلم- هذا، وهو
الذي يشبه حديث صالح بن كيسان، وشعيب، وابن أخي ابن شهاب.
قال أبو عمر: لا وجه عندي لما قاله محمد بن یحیی، من ذلك، ولا دلیل علیه،
واتفاق مالك، ويونس بن يزيد، والأوزاعيّ، ومحمد بن إسحاق أولى بالصواب،
والنفس إلى قولهم، وروايتهم أسكن، وهم من الحفظ، والإتقان بحيث لا يقاس بهم
١١٧- ارواح المؤمنین - حدیث رقم ٢٠٧٣
١٢٥ ~
من خالف في هذا الحديث. وبالله تعالى التوفيق. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن الحديث موصولاً صحيح، ولا يضرّه
كونه منقطعا عند هؤلاء؛ لأن الذين وصلوه ليسوا بدون الذين رووه منقطعًا، بل هم
أعلى منهم، كما قال أبو عمر، فإن مالكًا مقدّم على غيره في الزهريّ. واللَّه تعالى
أعلم.
(أَنَّ أَبَاهُ كَعْبَ بْنَ مَالِكِ) رَّ (كَانَ يُحَدِّثُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، قَالَ: ((إِنَّمَا نَسَمَةُ
الْمُؤْمِنٍ ) بفتحتين: أي روحه. قال أبو عمر رحمه الله تعالى: النسمة ههنا الروح، يدلّ
على ذلك قوله وَّر في الحديث نفسه: ((حتى يرجعه الله إلى جسده، يوم القيامة)).
وقيل: النسمة: الروح والنفس، والبدن، وأصل هذه اللفظة -أعني النسمة - الإنسان
بعينه، وإنما قيل للروح نسمة -والله أعلم- لأن حياة الإنسان بروحه، وإذا فارقه عُدم،
أو صار كالمعدوم. والدليل على أن النسمة الإنسان قوله وَ لفيه: ((من أعتق نسمة
مؤمنة ... )). وقول عليّ رَظمفيه: ((والذي فَلَق الحبّة، وبرأ النسمة ... )). وقول الشاعر
[من المتقارب] :
بِأَعْظَمَ مِنْكَ تُقَى (٢) فِي الْحِسَابِ إِذَا النَّسَمَاتُ نَفَضْنَ الْغُبَارَا
يعني إذا بعث الناس من قبورهم يوم القيامة. وقال الخليل بن أحمد: النسمة
الإنسان، قال: والنسمة نفس الروح، والنسيم هبوب الريح. انتهى(٣).
قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام: هذا العموم محمول على المجاهدين انتهى.
وقال القرطبيّ: هذا الحديث ونحوه محمول على الشهداء، وأما غيرهم، فتارة تكون
في السماء، لا في الجنة، وتارة تكون على أفنية القبور، قال: ولا يتعجل الأكل،
والنعيم لأحد إلا للشهيد في سبيل الله، بإجماع من الأمة، حكاه القاضي أبو بكر بن
العربيّ في ((شرح الترمذيّ))، وغير الشهداء بخلاف هذا الوصف، إنما يُملأ عليه قبره،
ويُفسح له فيه انتهى.
وقال السيوطيّ في ((شرحه)): وقد ورد التصريح بأن هذا الحديث في الشهداء في
(١)- ((التمهيد)) ج١١ / ٥٦-٥٨ ..
(٢)-وفي ((التمهيد)) ((يقي الحساب))، وفي نسخة منه ((تقي في الحساب))، وما هنا هو الذي في ((لسان
العرب)».
(٣)- ((التمهيد)) ج١١ ص٥٨-٥٩ .
١٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بعض طرقه عند الطبرانيّ(١)، فأخرج من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار،
عن ابن شهاب، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، قال: قال رسول اللّه وَ له: ((أرواح
الشهداء في طير خضر، تعلق حيث شاءت)). انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأولى أن تحمل رواية مالك هذه على أرواح
جميع المؤمنين غير الشهداء، ورواية سفيان بن عيينة على أرواح الشهداء، فرواية سفيان،
غير رواية مالك، بل هي رواية مستقلّة حدث فيها كعب بن مالك رَّيه، عن النبيّ وَل
عن أرواح الشهداء، كما ثبت في حديث ابن عباس، وأبي سعيد الخدريّ ه في
أرواح الشهداء، كما سيأتي، ولا غرابة في أن يحدث صحابيّ واحد حديثين مختلفين،
سمعهما من النبي ◌َّهر، والدليل على ذلك اختلاف ألفاظهما، فلفظ حديث مالك: ((إنما
نسمة المؤمن طائر، يعلق في الجنّة حتى يبعثه الله إلى جسده يوم القيامة))، ولفظ ابن
عيينة: ((إن أرواح الشهداء في طير خضر، تعلق من ثمر الجنة)).
والحاصل أن الحديثين صحيحان، أحدهما بَيَّنَ كون روح المؤمن طيرًا تعلق في
الجنة، والآخر بَيَّنَ أن أرواح الشهداء تكون في جوف طير خضر تعلق في الجنة، وتأوي
إلى قناديل معلّقة بالعرش، فهم متيمِّزون عن سائر المؤمنين. وسيأتي تمام هذا البحث
في المسألة الثالثة، إن شاء اللّه تعالى.
(طَائِرٌ) ظاهر أن الروح يتشكّل، ويتمثّل بأمر الله تعالى طائرًا، كتمثل الملك بشرًا.
وقيل: يحتمل أن المراد أن الروح يدخل في بدن طائر، كما في روايات أخرى، وقد .
عرفت أن هذا في الشهداء، فالأول هو الصواب.
قال السيوطيّ رحمه الله تعالى في ((حاشية سنن أبي داود)): إذا فسّرنا الحديث بأن
الروح تتشكّل طيرًا، فالأشبه أن ذلك في القدرة على الطيران فقط، لا في صورة
الخلقة، لأن شكل الإنسان أفضل الأشكال.
قال السنديّ رحمه اللّه تعالى: هذا إذا كان الروح الإنسانيّ له شكل في نفسه،
ويكون على شكل الإنسان، وأما إذا كان في نفسه لا شكل له، بل يكون مجرّدًا، وأراد
الله تعالى أن يتشكّل ذلك المجرّد؛ لحكمة مّا، فلا يبعد أن يتشكّل أوّل الأمر على
شكل الطائر، وأما على الثاني، فقد أورد عليه الشيخ علم الدين العراقيّ أنه لا يخلو،
إما أن يحصل للطير الحياة بتلك الأرواح، أولا، والأول عين ما تقوله التناسخيّة،
(١)- هذا الحديث أخرجه الترمذيّ في ((جامعه)) عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن
دينار .... ج٤ ص١٧٦ رقم الحديث ١٦٤١ - ولفظه: ((إن أرواح الشهداء في طير خضر، تعلق
من ثمر الجنة، أو شجر الجنة)). فكان الأولى للسيوطيّ أن يعزوه إليه.
١٢٧ ===
١١٧- أرواح المؤمنین - حدیث رقم ٢٠٧٣
والثاني مجرّد حبس للأرواح، وتسجين. وأجاب السبكيّ باختيار الثاني، ومنع كونه
حبسًا، وتسجينًا؛ لجواز أن يقدّر الله تعالى في تلك الأجواف، من السرور، والنعيم ما
لا يجده في الفضاء الواسع(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله السبكي رحمه اللّه تعالى حسن جدًّا. والله
تعالى أعلم.
(فِي شَجَرِ الْجَنّةِ) هكذا نسخ ((المجتبى))، ووقع في)) الكبرى))، وشرح السنديّ: ((تعلق
في شجر الجنة)). قال السنديّ: هكذا في بعض النسخ بثبوت قوله: ((تعلق))، وسقط في
بعضها، وهو بضمّ اللام، وقيل: أو بفتحها (٢)، ومعناه تأكل، وترعى انتهى(٣)
وقال الحافظ أبو عمر رحمه اللّه تعالى: وقوله: ((تعلق في شجر الجنة))، يروى بفتح
اللام، وهو الأكثر، ويروى بضم اللام، والمعنى واحد، وهو الأكل، والرَّعْيُ، يقول:
تأكل من ثمار الجنّة، وتسرح بين أشجارها، والعلوقة، والعلوق: الأكل، والرعي، تقول
العرب: ما ذاق اليوم عُلوقًا، أي طعامًا، قال الربيع بن زياد، يصف الخيل: [من الكامل]:
وَمُجَنَّبَاتٍ لَا يَذُقْنَ عُلُوقَةً يَمْصَعْنَ بِالْمُهْرَاتِ وَالأَمْهَارِ
يعني ما يرعين، ولا يذقن شيئا. وقال الأعشى [من الخفيف]:
وَفَلَاةٍ كَأَنَّا ظَهْرُ تُرْسِ لَيْسَ فِيهَا إِلَّ الرَّجِيعَ عَلَاقُ (٤)
(حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))) وفي ((الكبرى)) حتى يرجعه الله
إلى جسده يوم يبعثه)). وذكّر الضمير مع أنه يعود إلى ((نسمة))، باعتبار معنى ((طائر)).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث كعب بن مالك تَظّه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١١٧/ ٢٠٧٣ - وفي ((الكبرى)) ٢٢٠٠/١١٧. وأخرجه (ت)١٦٤١
(ق) ١٤٤٩ و٤٢٧١ (أحمد) ١٥٣٤٩ و١٥٣٦٠ و١٥٣٦٥ و٢٦٦٢٥ (الموطأ) ٥٦٦.
والله تعالى أعلم.
(١)-((شرح السنديّ)) ج٣ ص١٠٨.
(٢)- في ((ق)) أنه من بابي نصر، وسمع.
(٣)-المصدر السابق.
(٤)- والعَلاق ب((الفتح)) الأكل، والرجيع الْجِرَّةُ، يقول: لا تجد الإبل فيها علاقًا، إلا ما تردّه من
جِرَّتها. اهـ ((لسان)).
=
١٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
المسألة الثالثة: في ذكر أقوال أهل العلم في معنى هذا الحديث:
قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى: واختلف العلماء في معنى هذا الحديث، فقال
قائلون منهم: أرواح المؤمنين عند اللَّه في الجنّة، شهداء كانوا، أم غير شهداء، إذا لم
يحبسهم عن الجنّة كبيرة، ولا دين، وتلقّاهم ربهم بالعفو عنهم، والرحمة لهم. قال:
واحتجوا بأن هذا الحديث لم يخصّ فيه شهيدًا من غير شهيد. واحتجّوا أيضًا بما روي
عن أبي هريرة ◌َّ أن أرواح الأبرار في علّين، وأرواح الفجّار في سجّين، وعن
عبدالله بن عمرو مثل ذلك.
قال أبو عمر: وهذا قول يُعارضه من السنّة ما لا مدفع في صحّة نقله، وهو قوله:
((إذا مات أحدكم عُرض عليه مقعده بالغداة، والعشيّ، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل
الجنّة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله
إليه يوم القيامة)). وقال آخرون: إنما معنى هذا الحديث في الشهداء، دون غيرهم؛ لأن
القرآن، والسنة إنما يدلّان على ذلك:
أما القرآن، فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأُ بَلْ أَحْيَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ
يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩ -١٧٠].
وأما الآثار، فذكر حديث أبي سعيد الخدريّ رَظّيه من طريق بقيّ بن مخلد،
مرفوعًا: ((الشهداء يغدون، ويروحون، ثم يكون مأماهم إلى قناديل معلّقة بالعرش،
فيقول لهم الربّ تبارك، وتعالى: هل تعلمون كرامة أفضل من كرامة أُكرمتموها؟
فيقولون: لا، غيرَ أنا ودِدنا أنك أعدت أرواحنا في أجسادنا حتى نقاتل مرة أخرى،
فنقتل في سبيلك)). رواه عن هناد، عن إسماعيل بن المختار، عن المختار، عن عطيّة
العوفي، عنه. وفيه عطيّة، وهو كثير الخطأ والتدليس.
ثم ساق حديث ابن عباس تطثنا، من طريق سعيد بن جبير ، عنه، قال: قال رسول
اللَّهِ وَله: ((لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم، في جوف طير خضر، ترد
أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل، من ذهب، معلقة في ظل العرش،
فلما وجدوا طيب مأكلهم، ومشربهم، ومقيلهم، قالوا: من يبلغ إخواننا عنا، أنا أحياء
في الجنة نرزق، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكُلُوا عند الحرب، فقال الله سبحانه: أنا
أبلغهم عنكم، قال: فأنزل اللَّه: ﴿وَلَا تَّحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلٍ﴾ إلى آخر الآية رواه
أحمد، وأبو داود بإسناد صحيح.
ثم ذكر حديث الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، قال: سألنا عبد الله
رَّهُ عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَيِّهِمْ
١٢٩
١١٧- أرواح المؤمنین - حدیث رقم ٢٠٧٣
يُرْزَقُونَ﴾ قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك؟ فقال: ((أرواحهم في جوف طير، خضر، لها
قناديل، معلقة بالعرش، تَسرّح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل،
فاطّلع إليهم ربهم اطّلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شيء نشتهي؟ ونحن
نسرح من الجنة، حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن
يتركوا، من أن يُسألوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا، في أجسادنا، حتى نقتل
في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا)). رواه مسلم في
((صحیحه)) .
ثم ساق من طريق بقيّ بن مخلد، حدثنا يحيى بن عبدالحميد، حدثنا ابن عيينة، عن
عبيدالله بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول: ((أرواح الشهداء تجول في أجواف طير
خضر تعلق في ثمر الجنة)).
ومن طريق أبي عاصم النبيل، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبدالله
ابن عمرو: ((أرواح الشهداء، في طير كالزرازير(١)، يتعارفون، ويرزقون من ثمر
الجنّة)).
قال أبو عمر: هذه الآثار كلها تدلّ على أنهم الشهداء، دون غيرهم، وفي بعضها ((في
صورة طير))، وفي بعضها: ((في أجواف طير))، وفي بعضها ((كطير))، قال)): والذي يشبه
عندي - والله أعلم - أن يكون القول قول من قال: ((كطير))، أو ((صور طير))، لمطابقته
لحديثنا المذكور -يعني حديث كعب بن مالك- وليس هذا موضع نظر، ولا قياس؛
لأن القياس إنما يكون فيما يسوغ فيه الاجتهاد، ولا مدخل للاجتهاد في هذا الباب،
وإنما نسلّم فيه لما صحّ من الخبر عمن يجب التسليم له. قال: أبو عمر: فعلى هذا
التأويل، كأنه وَلّ قال: إنما نسمة المؤمن من الشهداء طائر، يعلق في شجر الجنّة.
انتهى كلام أبي عمر رحمه اللَّه تعالى باختصار(٢).
قال الإمام شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى: لا تنافي بين قوله اَله: ((نسمة
المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة))، وبين قوله: ((إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده
بالغداة والعشيّ، إن كان من أهل الجنّة، فمن أهل الجنّة، وإن كان من أهل النار، فمن
أهل النار)). وهذا الخطاب يتناول الميت على فراشه، والشهيدَ، كما أن قوله: ((نسمة
المؤمن طائر يعلق في شجر الجنّة))، يتناول الشهيد وغيره، ومع كونه يُعرض عليه مقعده
بالغداة والعشيّ، تَرِدُ روحه أنهار الجنّة، وتأكل من ثمارها.
(١)-جمع زُرزُ، نوع من العصافير. اهـ ((المصباح)).
(٢)- ((التمهيد)» ٥٩-٦٤ .
١٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
وأما المقعد الخاصّ به، والبيت الذي أعدّ له، فإنه إنما يدخله يوم القيامة، ويدل
عليه أن منازل الشهداء، ودورهم، وقصورهم التي أعدّ اللَّه لهم ليست هي تلك القناديل
التي تأوي إليها أرواحهم في البرزخ قطعًا، فهم يرون منازلهم، ومقاعدهم من الجنة،
ويكون مستقرّهم في تلك القناديل المعلّقة بالعرش، فإن الدخول التامّ الكامل إنما يكون
يوم القيامة، ودخول الأرواح الجنة في البرزخ أمر دون ذلك.
ونظير هذا أهل الشقاء تُعرض أرواحهم على النار غدوّا وعشيّا، فإذا كان يوم القيامة
دخلوا منازلهم، ومقاعدهم التي كانوا يُعرضون عليها في البرزخ، فتنعم الأرواح بالجنة
في البرزخ شيء، وتنعمها مع الأبدان يوم القيامة بها شيء آخر، فغذاء الروح من الجثّة
في البرزخ دون غذائها مع بدنها يوم البعث، ولهذا قال: ((تعلق في شجر الجنّة)»، أي
تأكل الْعُلْقة، وتمام الأكل والشرب، واللبس، والتمتّع، فإنما يكون إذا رُدّت إلى
أجسادها يوم القيامة، فظهر أنه لا يعارض هذا القولَ من السنن شيء، وإنما تعاضده
السنّة، وتوافقه. وأما قول من قال: إن حديث كعب في الشهداء، دون غيرهم،
فتخصيص، ليس في اللفظ ما يدلّ عليه، وهو محلّ اللفظ العامّ على أقلّ مسمياته، فإن
الشهداء بالنسبة إلى عموم المؤمنين، قليل جدًّا والنبي ◌َ ل# علّق هذا الجزاء بوصف
الإيمان، فهو المقتضي له، ولم يُعلّقه بوصف الشهادة، ألا ترى أن الحكم الذي اختصّ
بالشهداء علّق بوصف الشهادة، كقوله فيما أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه،
واللفظ لأحمد من حديث المقدام بن معديكرب تظلّه: قال: قال رسول اللَّه وَله: ((إن
للشهيد عند الله عز وجل، ست خصال، أن يُغفر له في أول دفعة من دمه، ويُرى مقعده
من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويجار من عذاب القبر،
ويأمن يوم الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتةُ منه خير من الدنيا، وما
فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة، من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانا من
أقاربه))(١).
قال: فلما كان هذا يختصّ بالشهيد، قال: ((إن للشهيد))، ولم يقل: إن للمؤمن.
وكذلك ما أخرجه أحمد بإسناد صحيح، من حديث قيس الجُذَاميّ، -رجل كانت له
صحبة- قال: قال النبي وَل جر: ((يعطى الشهيد ست خصال، عند أول قطرة من دمه،
يكفر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من الجنة، ويزوج من الحور العين، ويُؤَمَّن من
(١)-أخرجه أحمد رقم ١٦٧٣٠ - والترمذيّ ١٦٦٣ وابن ماجه ٣٧٩٩. وهو من رواية إسماعيل بن
عياش، عن بحير بن سعد، وهو شاميّ، فالحديث صحيح.
١٣١=
١١٧- ارواح المُؤْمِنِینَ - حديث رقم ٢٠٧٣
الفزع الأكبر، ومن عذاب القبر، ويحلى حلة الإيمان))(١).
قال: وأما ما علّق فيه الجزاء بالإيمان، فإنه يتناول كلّ مؤمن، شهيدًا كان، أو غير
شهيد. وأما النصوص، والآثار التي ذُكرت في رزق الشهداء، وكون أرواحهم في
الجنّة، فكلّها حقّ، وهي لا تدلّ على انتفاء دخول أرواح المؤمنين الجنّة، ولا سيّما
للصدّيقين الذين هم أفضل من الشهداء، بلا نزاع بين الناس، فيقال لهؤلاء: ما تقولون،
أرواح الصدّيقين، هل هي في الجنّة، أم لا؟، فإن قالوا: إنها في الجنة - لا يسوغ لهم
غير هذا القول- فثبت أن هذه النصوص لا تدلّ على اختصاص أرواح الشهداء بذلك،
وإن قالوا: ليست في الجنّة، لزمهم من ذلك أن تكون أرواح سادات الصحابة، كأبي
بكر الصديق، وأبيّ بن كعب، وعبدالله بن مسعود، وأبي الدرداء، وحذيفة بن اليمان،
ليست في الجنة، وأرواح شهداء زماننا في الجنّة، وهذا معلوم
وأشباههم
البطلان؛ ضرورة.
فإن قيل: فإذا كان هذا الحكم لا يختصّ بالشهداء، فما الموجب لتخصيصهم بالذكر
في هذه النصوص؟ .
قلت: التنبيه على فضل الشهادة، وعلوّ درجتها، وأن هذا مضمون لأهلها، ولا بدّ،
وأن لهم منه أوفر نصيب، فنصيبهم من هذا النعيم في البرزخ أكمل من نصيب غيرهم،
من الأموات على فراشهم، وإن كان الميت على فراشه أعلى درجة منهم، فله نعيم
يختصّ به، لا يشاركه فيه من هو دونه. ويدلّ على هذا أن اللَّه عز وجل جعل أرواح
الشهداء، في أجواف طير خُضْر، فإنهم لما بذلوا أنفسهم للَّه، حتى أتلفها أعداؤه فيه،
أعاضهم منها في البرزخ أبدانا خيرًا منها تكون فيها إلى يوم القيامة، ويكون نعيمها
بواسطة تلك الأبدان أكمل من نعيم الأرواح المجرّدة عنها، ولهذا كانت نسمة المؤمن
في صورة طير، أو كطير، ونسمة الشهيد في جوف طير، وتأمّل لفظ الحديثين، فإنه
قال: ((نسمة المؤمن طير))، فهذا يعمّ الشهيد وغيره، ثم خصّ الشهيد بأن قال: ((هي في
جوف طير))، ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير صدق عليها أنها طير، فصلوات الله،
وسلامه على من يصدّق كلامه بعضه بعضًا، ويدلّ على أنه حقّ، من عند الله.
وهذا الجمع أحسن من جمع أبي عمر، وترجيحه رواية من روى ((أرواحهم كطير
خضر))، بل الروايتان حقّ، وصواب، فهي كطير خضر، وفي أجواف طير خضر انتهى
كلام العلامة ابن القيم رحمه اللّه تعالى(٢).
(١)-أخرجه أحمد رقم ١٧٣٢٩.
(٢)- ((كتاب الروح)) ص ١٥٢ - ١٥٧.
١٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن القيم رحمه اللَّه تعالى تحقيقٌ نفيسٌ
جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في مستقرّ الأرواح:
اعلم: أنه قد فصّل هذه المسألة الإمامُ ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في كتابه
النافع: ((الروح))، وسرد الأقوال، وذكر أدلة كل قول، وناقشها، وبيّن ما لها، وما
عليها، أحببت ذكر المهمّ منه، تكميلاً للفائدة، فدونك خلاصته:
قال رحمه الله تعالى: هذه مسألة عظيمة، تكلّم الناس فيها، واختلفوا فيها، وهي
إنما تُتَلقّى من السمع فقط، واختلف في ذلك: فقال قائلون: أرواح المؤمنين عند الله
في الجنّة شهداء كانوا، أم غير شهداء، إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة، ولا دين،
وتلقّاهم ربهم بالعفو عنهم، والرحمة لهم، وهذا مذهب أبي هريرة، وعبدالله بن عمر
. 4
وقالت طائفة: هم بفناء الجنة على بابها، يأتيهم، من روحها، ونعيمها، ورزقها.
وقالت طائفة: الأرواح على أفنية قبورها. وقال مالك: بلغني أن الروح مرسلة، حيث
شاءت. وقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبدالله: أرواح الكفّار في النار، وأرواح
المؤمنين في الجنة. وقال أبو عبدالله ابن منده: وقالت طائفة، من الصحابة، والتابعين:
أرواح المؤمنين عند الله عز وجل، ولم يزيدوا على ذلك، قال: روي عن جماعة من
الصحابة والتابعين أن أرواح المؤمنين بالجابية، وأرواح الكفّار ببرهوت، بئر
بحضرموت. وقال صفوان بن عمرو: سألت عامر بن عبدالله، أبا اليمان: هل لأنفس
المؤمنين مجتمع؟ فقال: إن الأرض التي يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَّبُورِ مِنْ
بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا ◌ِبَادِىَ اَلْضَلِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] قال: هي الأرض التي
يجتمع إليها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث. وقالوا: هي الأرض التي يورثها اللَّه
المؤمنين في الدنيا. وقال كعب: أرواح المؤمنين في عليّين، في السماء السابعة،
وأرواح الكفار في سجين في الأرض السابعة تحت جند إبليس. وقالت طائفة: أروح
المؤمنين ببئر زمزم، وأرواح الكفّار ببئر برهوت. وقال سلمان الفارسيّ: أرواح
المؤمنين في برزخ من الأرض، تذهب حيث شاءت، وأرواح الكفّار في سجّين، وفي
لفظ عنه: نسمة المؤمن تذهب في الأرض حيث شاءت. وقالت طائفة: أرواح المؤمنين
عن يمين آدم، وأرواح الكفار عن شماله. وقالت طائفة أخرى، منهم ابن حزم:
مستقرّها حيث كانت قبل خلق أجسادها، قال: والذي نقول به في مسقرّ الأرواح هو ما
قاله الله عز وجل، ونبيّه وَ لّ لا نتعدّاه، فهو البرهان الواضح، وهو أن الله عز وجل
١٣٣
١١٧- أَرْوَحُ المُؤْمِنِینَ - حديث رقم ٢٠٧٣
قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِِّ ذُرِّيََّهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَىْ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا
بٌَ شَهِدْنَأُ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَتِكَةِ أَسْجُدُوا لِلَدَمَ﴾ الآية [الأعراف: ١١]. فصحّ
أن الله تعالى خلق الأرواح جملة، وكذلك أخبر ◌َ لـ «أن الأرواح جنود مجنّدة، فما
تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)). وأخذ اللَّه عهدها، وشهادتها له بالربوبية،
وهي مخلوقة، مصوّرة، عاقلة، قبل أن يأمر الملائكة بالسجود لآدم، وقبل أن يدخلها
في الأجساد، والأجساد يومئذ تراب، وماء، ثم أقرّها حيث شاء، هو البرزخ الذي
ترجع إليه عند الموت، ثم لا تزال يبعث منها الجملة بعد الجملة، فينفخها في الأجساد
المتولّدة من المنيّ، إلى أن قال: فصح أن الأرواح أجساد حاملة لأعراضها من
التعارف، والتناكر، وأنها عارفة مميّزة، فيبلوهم الله في الدنيا، كما يشاء، ثم يتوفّاهم،
فترجع إلى البرزخ الذي رآها فيه رسول اللّه وَالّ ليلة أسري به عند سماء الدنيا، أرواح
أهل السعادة عن يمين آدم، وأرواح أهل الشقاوة عن يساره، وذلك عند منقطع
العناصر، ويعجّل أرواح الأنبياء، والشهداء إلى الجنّة.
قال: وقد ذكر محمد بن نصر المروزيّ، عن إسحاق بن راهويه أنه ذكر هذا الذي
قلنا بعينه، قال: وعلى هذا أجمع أهل العلم.
قال ابن حزم: وهو قول جميع أهل الإسلام، قال: وهذا قول الله تعالى: ﴿فَأَصْحَبُ
وَالسَِّقُونَ السَّبِقُونَ
﴿ وَأَصْحَبُ الْمَشْعَةِ مَا أَصْحَبُ المَشْشَمَةِ
اَلْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَبُ اٌلْمَيْمَنَّةِ
وَقَلِلٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٨-
١٣
، ثُلَّهُ مِّنَ الْأَوَّلِينَ
أُوْلَئِكَ الْمُقَرَُّونَ (١١) فِ جَنَّتِ اُلْنَعِيِمِ
فَرَوْعُ وَرَتِجَانٌ وَحَنَّتُ نَّعِيمٍ﴾ إلى آخرها
٨٨
١٤] وقوله تعالى: ﴿فَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينٌّ
[الواقعة: ٨٨-٨٩]، فلا تزال الأرواح هنالك حتى يتمّ عدد الأرواح كلها بنفخها في
الأجساد، ثم برجوعها إلى البرزخ، فتقوم الساعة، ويُعيد اللَّه عز وجل الأرواح إلى
أجسادها ثانية، وهي الحياة الثانية، يُحاسب الخلق، فريق في الجنّة، وفريق في السعير
انتھی .
وقال أبو عمر ابن عبد البرّ: أرواح الشهداء في الجنة، وأرواح عامة المؤمنين على
أفنية قبورهم. وقال ابن المبارك، عن ابن جُريج، فيما قُرئ عليه، عن مجاهد: ليس
هي في الجنة، ولكن يأكلون من ثمارها، ويجدون ريحها. وذكر معاوية بن صالح، عن
سعيد بن سُويد، أنه سأل ابن شهاب، عن أرواح المؤمنين؟ فقال: بلغني أن أرواح
الشهداء كطير خُضْر، معلقة بالعرش، تغدو، وتروح إلى رياض الجنّة، تأتي ربها في كلّ
یوم، تسلم علیه.
١٣٤
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
وقال أبو عمر ابن عبد البرّ في شرح حديث ابن عمر: ((إن أحدكم إذا مات عُرض
عليه مقعده بالغداة، والعشيّ .... )) الحديث. قال: وقد استدلّ به من ذهب إلى أن
الأرواح على أفنية القبور، وهو أصحّ ما ذهب إليه في ذلك، والله أعلم؛ لأن الأحاديث
بذلك أحسن مجيئا، وأثبت نقلاً من غيرها. قال: والمعنى عندي أنها قد تكون على
أفنية قبورها، لا على أنها تلزم، ولا تفارق أفنية القبور، كما قال مالك رحمه الله تعالى:
أنه بلغه أن الأرواح تَسرَح حيث شاءت. قال: وعن مجاهد أنه قال: الأرواح على أفنية
القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت، لا تفارق ذلك، والله أعلم.
وقالت فرقة: مستقرّها العدم المحض، وهذا قول من يقول: إن النفس عرض، من
أعراض البدن، كحياته، وإدراكه، فتعدم بموت البدن، كما تعدم سائر الأعراض
المشروطة بحياته. وهذا قول مخالف لنصوص القرآن والسنة، وإجماع الصحابة،
والتابعين .
وقالت فرقة: مستقرّها بعد الموت أرواح أُخر، تناسب أخلاقها، وصفاتها التي
اكتسبتها في حيال حياتها، فتصير كل روح إلى بدن حيوان يشاكل تلك الأرواح، فتصير
النفس السَّبُعِيّة إلى أبدان السباع، والكلبية إلى أبدان الكلاب، والبهيمية إلى أبدان
البهائم، والدنيّة، والسفليّة إلى أبدان الحشرات. وهذا قول المتناسخة، منكري المعاد،
وهو قول خارج عن أقوال أهل الإسلام كلهم.
ثم ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: أدلة هذه الأقوال، وما لها، وعليها، بما لا
تجده في كتاب غير كتابه هذا. ثم قال: فإن قيل: فقد ذكرتم أقوال الناس في مستقرّ
الأرواح، ومأخذهم، فما هو الراجح من هذه الأقوال حتى نعتقده؟
قيل: الأرواح متفاوتة في مستقرّها في البرزخ أعظمَ تفاوت:
فمنها: أرواح في أعلى علّين، في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء، صلوات
الله، وسلامه عليهم، وهم متفاوتون في منازلهم، كما رآهم النبي وَّ ليلة الإسراء.
ومنها: أرواح في حواصل طير خضر، تسرح في الجنّة حيث شاءت، وهي أرواح
بعض الشهداء، لا جميعهم، بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة لدَيْنِ
عليه، أو غيره، كما في ((المسند))، عن محمد بن عبدالله بن جحش، أن رجلا جاء إلى
النبيّ بََّ، فقال: يا رسول اللّه، مالي إن قتلتُ في سبيل اللَّه؟ قال: ((الجنة))، فلما ولى
قال: ((إلا الدين، سارني به جبريل آنفًا)).
ومنهم: من يكون محبوسًا على باب الجنّة، كما في الحديث الآخر: ((رأيت
صاحبكم محبوسًا على باب الجنّة)).
١٣٥
١١٧ - أَرْوَحُ الْمُؤْمِنِینَ - حديث رقم ٢٠٧٣
ومنهم: من يكون محبوسا في قبره، كحديث صاحب الشملة التي غَلّها، ثم
استشهد، فقال الناس: هنيئا له الجنّة، فقال النبيّ وَّر: ((والذي نفسي بيده إن الشملة
التي غلها لتشتعل عليه نارًا في قبره)). ومنهم: من يكون مَقرّه باب الجنّة، كما في
حديث ابن عباس: ((الشهداء على بارق نهر الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم
من الجنّة بكرةً وعشيّة)). رواه أحمد. وهذا بخلاف جعفر بن أبي طالب، حيث أبدله
الله من يديه جناحين يطير بهما في الجنّة حيث شاء.
ومنهم: من يكون محبوسًا في الأرض، لم تَعْلُ روحه إلى الملأ الأعلى، فإنها كانت
روحا سفلية أرضيّة، فإن الأنفس الأرضيّة لا تُجامع الأنفس السماوية، كما تجامعها في
الدنيا، والنفس التي لم تكتسب في الدنيا معرفة ربها، ومحبته، وذكره، والأنس به،
والتقرّب إليه، بل هي أرضيّة سفليّة، لا تكون بعد المفارقة لبدنها إلا هناك، كما أن
النفس العلوية التي كانت في الدنيا عاكفة على محبة الله، وذكره، والتقرّب إليه،
والأنس به، تكون بعد المفارقة مع الأرواح العلوية المناسبة لها، فالمرء مع من أحبّ،
في البرزخ، ويوم القيامة، والله تعالى يزوّج النفوس بعضها ببعض في البرزخ، ويوم
المعاد، كما تقدّم في الحديث: ((ويجعل روحه -يعني المؤمن- مع النسيم الطيّب)). أي
الأرواح الطيبة المشاكلة، فالروح بعد المفارقة تلحق بأشكالها، وإخوانها، وأصحاب
عملها، فتكون معهم هناك.
ومنها: أرواح تكون في تنّور، الزناةُ، والزواني. وأرواح في نهر الدم تسبح فيه،
وتُلقم الحجارة، فليس للأرواح سعيدِها، وشقيِّها مستقرّ واحد، بل روح في أعلى
عليين، وروح أرضية سفلية، لا تصعد عن الأرض.
وأنت إذا تأملت السنن، والآثار، في هذا الباب، وكان لك بها فضل اعتناء، عرفت
حجة ذلك، ولا تظنّ أن بين الآثار الصحيحة في هذا الباب تعارضًا، فإنها كلها حقّ،
يصدّق بعضها بعضًا، لكن الشأن في فهمها، ومعرفة النفس، وأحكامها، وأن لها شأنا
غير شأن البدن، وأنها مع كونها في الجنّة فهي في السماء، وتنفعل بفِنَاء القبر، وبالبدن
فيه، وهي أسرع شيء حركة، وانتقالاً، وصعودًا، وهبوطًا، وأنها تنقسم إلى مرسلة،
ومحبوسة، وعلويّة، وسُفليّة، ولها بعد المفارقة صحة، ومرض، ولذّة، ونعيم، وألم
أعظم مما كان لها حال اتصالها بالبدن بكثير، فهنالك الحبس، والألم، والعذاب،
والمرض، والحسرة، وهنالك اللذّة، والراحة، والنعيم، والإطلاق، وما أشبه حالها في
هذا البدن بحال ولد في بطن أمه، وحالها بعد المفارقة بحاله بعد خروجه من البطن إلى
هذه الدار.
١٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
فلهذه الأنفس أربع دُور، كلّ دار أعظم من التي قبلها:
الدار الأولى: في بطن الأم، وذلك الحصر، والضيق، والغمّ، والظلمات الثلاث.
والدار الثانية: هي الدار التي نشأت فيها، وألفتها، واكتسبت فيها الخير والشرّ،
أسباب السعادة والشقاوة.
والدار الثالثة: دار البرزخ، وهي أوسع من هذه الدار، وأعظم، بل نسبتها إليها
كنسبة هذه الدار إلى الأولى.
والدار الرابعة: دار القرار، وهي الجنة، أو النار، فلا دار بعدها، واللّه ينقلها في
هذه الدار طبقًا بعد طبق، حتى يبلغها الدار التي لا يصلح لها غيرها، ولا يليق بها
سواها، وهي التي خُلقت لها، وهُيّئت للعمل الموصل إليها، ولها في كلّ دار من هذه
الدور حكم، وشأن، غير شأن الدار الأخرى، فتبارك اللَّه، فاطرها، ومنشؤها،
ومميتها، ومحييها، ومسعدها، ومشقيها الذي فاوت بينها في درجات سعادتها،
وشقاوتها، كما فاوت بينها في مراتب علومها، وأعمالها، وقواها، وأخلاقها.
فمن عرفها كما ينبغي شهد أن لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له، له الملك كله،
وله الحمد كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، وله القوّة كلها، والقدرة كلها،
والعزّ كله، والحكمة كلها، والكمال المطلق من جميع الوجوه، وعرف بمعرفة نفسه
صدقَ أنبيائه، ورسله، وأن الذي جاءوا به هو الحقّ الذي تشهد به العقول، وتقرّ به
الفِطَرُ، وما خالفه فهو الباطل، وبالله التوفيق انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى،
وهو كلام نفيس وبحث أنيس . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في حكم انتفاع الأموات بعمل الأحياء:
قد حقّق هذا الموضوع الإمام ابن القيم رحمه اللّه تعالى أيضًا، وطوّل النفَسَ في
تحقيقه، ودونك مختصره: قال رحمه الله تعالى: هل تنتفع أرواح الموتى بشيء من
سَغيِ الأحياء أم لا؟.
والجواب: أنها تنتفع من سعي الأحياء بأمرين مجمع عليهما بين أهل السنة من
الفقهاء، وأهل الحديث، والتفسير:
أحدهما: ما تسبب إليه الميت في حياته.
والثاني: دعاء المسلمين، واستغفارهم له، والصدقة، والحجّ على نزاع ما الذي
يصل من ثوابه، هل ثواب الإنفاق، أو ثواب العمل؟.
فعند الجمهور يصل ثواب العمل نفسه، وعند بعض الحنفيّة إنما يصل ثواب
الإنفاق.
.%
١٣٧ ===
١١٧- أَرْوَحُ الْمُؤْمِنِينَ - حديث رقم ٢٠٧٣
واختلفوا في العبادة البدنيّة؛ كالصوم، والصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، فمذهب
الإمام أحمد، وجمهور السلف وصولها، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة، نصّ على
هذا الإمام أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحال، قال: قيل لأبي عبدالله: الرجل
يعمل الشيء من الخير، من صلاة، أو صدقة، أو غير ذلك، فيجعل نصفه لأبيه، أو
لأمه؟ قال: أرجو، أو قال: الميت يصل إليه كل شيء، من صدقة، أو غيرها. وقال
أيضا: اقرأ آية الكرسيّ ثلاث مرّات، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾، وقل: اللَّهمَ إن فضله
لأهل المقابر. والمشهور من مذهب الشافعيّ، ومالك أن ذلك لا يصل.
وذهب بعض أهل البدع، من أهل الكلام أنه لا يصل إلى الميت شيء البتة، لا
دعاء، ولا غيره.
(فالدليل على انتفاعه بما تسبب إليه في حياته): ما رواه مسلم في ((صحيحه)) من
حديث أبي هريرة ◌َّ أن رسول اللّه و الإله قال: ((إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا
من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له))، فاستثناء هذه
الثلاث من عمله يدل على أنها منه، فإنه هو الذي تسبب إليها.
وفي (سنن ابن ماجه))، من حديث أبي هريرة ◌َيّه، قال: قال رسول اللَّه وَله: ((إن
مما يَلحَق المؤمن من عمله، وحسناته بعد موته علمًا علمه ونشره، أو ولدًا صالحًا
تركه، أو مصحفًا ورّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهراُ أكراه، أو
صدقة أخرجها من ماله في صحّته وحياته، تلحقه من بعد موته)).
وفي ((صحيح مسلم)) أيضًا من حديث جرير بن عبدالله، قال: قال رسول اللّه وَلَى:
((من سنّ في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن
ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من
عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)). وهذا المعنى روي عن النبيّ
وَلتر من عدّة وجوه، صحاح، وحسان.
وفي ((المسند)): عن حذيفة رَيه قال: سأل رجل على عهد رسول اللّه وَلته،
فأمسك القوم، ثم إن رجلاً أعطاه، فأعطى القوم، فقال النبيّ وَلور: ((من سنّ خيرًا،
فاستُنّ به، كان له أجره، ومن أجور من تبعه، غير منتقص من أجورهم شيئًا، ومن سنّ
شرّا، فاستُنّ به، كان عليه وزره، ومن أوزار من تبعه، غير منتقص من أوزارهم شيئًا)).
وقد دلّ على هذا قوله {َ له: ((لا تُقْتَل نفسٌ ظلمًا، إلا كان على ابن آدم الأول كفل
من دمها؛ لأنه أوّل من سنّ القتل))، فإذا كان هذا في العذاب والعقاب، ففي الفضل
والثواب أولى، وأحرى.
١٣٨
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
قال: والدليل على انتفاعه بغير ما تسبب فيه القرآن، والسنّة، والإجماع، وقواعد
الشرع:
أما القرآن، فقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا
وَلإِخْوَيْنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ﴾ [الحشر: آية١٠]. فأثنى اللَّه سبحانه عليهم
باستغفارهم للمؤمنين قبلهم، فدلّ على انتفاعهم باستغفار الأحياء.
وقد يمكن أن يقال: إنما انتفعوا باستغفارهم لأنهم سنّوا لهم الإيمان بسبقهم إليه،
فلما اتبعوهم فيه كانوا كالمستنين في حصوله لهم، لكن قد دلّ على انتفاع الميت
بالدعاء إجماع الأمة على الدعاء له في صلاة الجنازة. وفي ((السنن)) من حديث أبي هريرة
رَّهِ، قال: قال رسول اللّه وَله: ((إذا صليتم على الميت، فأخلصوا له الدعاء)).
وفي ((صحيح مسلم)) من حديث عوف بن مالك ◌َظّه قال: صلى رسول اللَّه وَيه
على جنازة، فحفظت من دعائه، وهو يقول: ((اللَّهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف
عنه، وأكرم نزله، وأوسع مدخله، واغسله بالماء، والثلج، والبرد، ونقه من الخطايا
كما نقّيت الثوب الأبيض من الدنس))، وأبدله دارًا خيرا من داره، وأهلاً خيرًا من أهله،
وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، وعذاب النار)).
وفي ((السنن)) عن واثلة بن الأسقع رَعليه قال: صلى رسول اللَّه وَّل على رجل من
المسلمين، فسمعته، يقول: ((اللّهم إن فلان ابن فلان في ذمّتك، وحبل جوارك، فقه
من فتنة القبر، وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء، والحقّ، فاغفر له، وارحمه، إنك أنت
الغفور الرحيم)»(١).
وهذا كثير في الأحاديث، بل هو المقصود بالصلاة على الميت، وكذلك الدعاء له
بعد الدفن.
وفي ((السنن)) من حديث عثمان بن عفّان رَّه قال: كان النبيّ وَّر إذا فرغ من دفن
الميت وقف عليه، فقال: ((استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل)).
وكذلك الدعاء لهم عند زيارة قبورهم، كما في ((صحيح مسلم)) من حديث بريدة بن
الحصيب ◌َّ قال: كان رسول اللّه ◌َلو يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا:
((السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لا حقون،
نسأل اللَّه لنا، ولكم العافية)).
وفي ((صحيح مسلم)) أيضًا أن عائشة ◌َّها، سألت رسول اللّه وَال كيف تقول، إذا
(١)-أخرجه أحمد، وابن ماجه بسند رجاله ثقات.
١٣٩
١١٧- أرواحُ المُؤْمِنِینَ - حديث رقم ٢٠٧٣
استغفرت لأهل القبور؟ قال: ((قولى: السلام على أهل الديار من المؤمنين،
والمسلمين، ويرحم اللّه المستقدمين منّا، والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لا
حقون)).
وفي ((صحيحه)) عنها أيضًا: أن رسول اللّه وَل خرج في ليلتها من آخر الليل إلى
البقيع، فقال: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجّلون، وإنا
إن شاء الله بكم لاحقون، اللَّهم اغفر لأهل بقيع الغرقد)).
ودعاء النبيّ وَّرَ للأموات فعلاً، وتعليمًا، ودعاء الصحابة، والتابعين؛ عصرًا بعد
عصر أكثر من أن يذكر، وأشهر من أن ينكر. وقد جاء أن الله يرفع درجة العبد في
الجنّة، فيقول: أَنَّى لي هذا؟ فيقال: بدعاء ولدك لك.
قال: وأما وصول ثواب الصدقة، ففي ((الصحيحين)) عن عائشة تعطبثها، أن رجلا أتى
النبيّ وَّه، فقال: يا رسول الله إن أمي افتُلِتت نفسها، ولم توص، وأظنّها لو تكلّمت
تصدّقت، أفلها أجر إن تصدّقت عنها؟ قال: ((نعم)). وفي ((صحيح البخاريّ)) عن
عبدالله بن عباس رَّها أن سعد بن عبادة توفّيت أمه، وهو غائب عنها، فأتى النبيّ وَّ،
فقال: يا رسول الله، إن أمي توفّيت، وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقت عنها؟
قال: ((نعم))، قال: فإني أشهدك أن حائطي الْمِخْرَاف صدقة عنها. وفي ((صحيح مسلم))
عن أبي هريرة تَّه أن رجلاً قال للنبيّ وَّر، إن أبي مات، وترك مالاً، ولم يوص،
فهل يكفي عنه أن أتصدّق عنه؟ قال: ((نعم)). وفي ((السنن))، و((مسند أحمد)) عن سعد
ابن عبادة رَّه أنه قال: يا رسول الله إن أم سعد ماتت، فأيّ الصدقة أفضل؟ قال:
((الماء)»، فحفر بئرًا، وقال: هذه لأم سعد. وعن عبدالله بن عمرو بن العاص أن العاص
ابن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة ، وأن هشام بن العاص نحر حصّته خمسين،
وأن عمرًا سأل النبيّ وَلّر عن ذلك؟ فقال: ((أما أبوك فلو أقرّ بالتوحيد، فصُمتَ،
وتصدّقت عنه نفعه ذلك)). رواه الإمام أحمد بسند حسن.
قال: وأما وصول ثواب الصوم، ففي ((الصحيحين)) عن عائشة ◌َالثها: أن رسول الله
وَ الر قال: ((من مات، وعليه صيام صام عنه وليّه)). وفي ((الصحيحين)) أيضًا عن ابن
عباس رَّ، قال: جاء رجل إلى النبيّ وَله، فقال: يا رسول اللّه، إن أمي ماتت،
وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟، قال: ((نعم، فدَينُ اللَّه أحقّ أن يُقضى)). وفي
رواية: جاءت امرأة إلى رسول اللَّه وَله، فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت، وعليها
صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال: أفرأيت لو كان على أبيك دين، فقضيته، أكان يؤدي
عنه؟))، قال: نعم، قال: ((فصومي عن أمك)). وهذا اللفظ للبخاري وحده تعليقًا. وعن
١٤٠
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
بريدة ◌َّه قال: بينما أنا جالس عند رسول اللَّه وَالله إذا أتته امرأة، فقالت: إني تصدّقت
على أمي بجارية، وإنها ماتت، فقال: ((وجب أجرك، وردها عليك الميراث))، فقالت:
يا رسول اللّه إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: ((صومي عنها»، قالت: إنها
لم تحجّ قط، أفأحج عنها؟ قال: ((حجي عنها)). رواه مسلم، وفي لفظ: ((شهرين).
وعن ابن عباس رَؤُّ أن امرأة ركبت البحر، فنذرت إن نجاها اللَّه أن تصوم شهرًا،
فنجاها الله، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت بنتها، أو أختها إلى رسول اللَّه وَّر، فأمرها
أن تصوم عنها. رواه أهل السنن، والإمام أحمد.
وكذلك رُوي عنه وَّر وصول ثواب بدل الصوم، وهو الإطعام. ففي السنن عن ابن
عمر رَهَا، قال: قال رسول اللّه وَليقول: ((من مات، وعليه صيام شهر، فليطعم عنه لكلّ
يوم مسكين)). رواه الترمذي، وابن ماجه، قال الترمذي، ولا نعرفه، مرفوعا إلا من هذا
الوجه(١)، والصحيح عن ابن عمر تَوايت من قوله موقوفًا.
وفي سنن أبي داود عن ابن عباس رَويّ، قال: ((إذا مرض الرجل في رمضان، ولم
یصم أطعم عنه، ولم یکن عنه قضاء، وإن نذر قضی عنه وليه)).
قال: وأما وصول ثواب الحجّ، ففي ((صحيح البخاري)) عن ابن عباس رضيفت أن امرأة
من جُهينة جاءت إلى النبيّ وَلَّ، فقالت: إن أمي نذرت أن تحجّ، فلم تحجّ حتى ماتت،
أفأحجّ عنها؟ قال: ((حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟، اقضوا
اللَّه، فالله أحقّ بالقضاء)). وقد تقدّم حديث بُريدة، وفيه أن أمي لم تحجّ، أفأحج عنها؟
قال: ((حجي عنها)). وعن ابن عباس رَّت، قال: إنَّ امرأة سنان بن سلمة الجهنيّ سألت
رسول اللّه وَالل أن أمها ماتت، ولم تحجّ، أفيجزىء أن تحج عنها؟ قال: ((نعم، لو كان
على أمها دين، فقضته عنها ألم يجزىء عنها؟)). رواه النسائيّ. وروى أيضًا عن ابن
عباس رَرؤيتها أن امرأة سألت النبيّ وَله عن ابنها مات، ولم يحجّ، قال: ((حجي عن
ابنك)). وروى أيضًا عنه، قال: قال رجل: يا نبيّ اللَّه إن أبي مات، ولم يحجّ، أفأحج
عنه؟ قال: ((أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟)) قال: نعم، قال: ((فدين اللَّه
أحقّ)).
وأجمع المسلمون على أن قضاء الدين يسقطه من ذمته، ولو كان من أجنبيّ، أو غير
تركته. وقد دلّ عليه حديث أبي قتادة حيث ضَمِنَ الدينارين عن الميت، فلما قضاهما
قال له النبيّ ◌َّل ـ: ((الآن بردت جلدته)).
(١)- وفي سنده أشعث بن سوّار مختلف فيه، وفيه محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى سيء الحفظ.
والحاصل أن الحديث مرفوعًا لا يصح. والله تعالى أعلم.