Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١ =
١١٥ - عَذَبُ القُبْرِ - حديث رقم ٢٠٥٧
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وقد اختصر سعد -يعني ابن عبيدة- وخيثمة -يعني
ابن عبدالرحمن- هذا الحديث جدًّا، لكن أخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن خيثمة،
فزاد فيه: ((إن كان صالحًا وُفّق، وإن كان لا خير فيه، وُجد أبله))، وفيه اختصار أيضًا،
وقد رواه زاذان أبو عمر، عن البراء مطوّلاً، مبيّنًا، أخرجه أصحاب السنن، وصححه
أبو عوانة، وغيره، وفيه من الزيادة في أوله: ((استعيذوا بالله من عذاب القبر))، وفيه
((فُتُردّ روحه في جسده))، وفيه «فيأتيه ملكان، فيُجلسانه، فيقولان له: من ربّك؟،
فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟، فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا
الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول اللَّه، فيقولان له: وما يُدريك؟ فيقول:
قرأت القرآن، كتابَ اللَّه، فآمنت به، وصدّقت، فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ
ءَمَنُواْ بِاَلْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾، وفيه ((وأن الكافر تعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان،
فيجلسانه، فيقولان له: من ربّك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري ... )) الحديث انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم ذكر حديث البراء تظنّيه بطوله من رواية أبي
داود، في باب ((التسهيل في غير السِّبتِيّة)) ١٠٨/ ٢٠٤٠- فراجعه تستفد. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث :
المسألة الأولى: في درجته: حديث البراء بن عازب رضي اللّه تعالى عنهما هذا متفق
عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٠٥٦/١١٤ و٢٠٥٧ وفي ((الكبرى)) ٢١٨٣/١١٤ و٢١٨٤ . وأخرجه
(خ)١٣٦٩ و٤٦٩٩ (م)٢٨٧١ (د) ٤٧٥٠ (ت) ٣١٢٠ (ق) ٤٢٩٦. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو إثبات عذاب القبر، ووجه ذلك أن
الحديث كما تقدم فيه اختصار، وقد تقدم من طريق زاذان، عن البراء مطوّلاً، وفيه
تعذيب الكافر عند عدم إجابته عن سؤال الملكين، ففيه إثبات عذاب القبر، أو من
إطلاق السبب على المسبب، فإن في رواية المصنف إثبات سؤال الملكين، وهو سبب
لثبوت العذاب، لكن في بعض المسؤولين دون بعض. والله تعالى أعلم.
ومنها: بيان سبب نزول هذه الآية. ومنها: إثبات سؤال الملكين لكلّ مقبور. ومنها:
رأفة اللَّه تعالى بعباده المؤمنين، حيث يُثَبْتُهُم عند سؤال الملكين، مع أن جنسهم غير
جنس بني آدم، ومع انفراد كلّ مسؤول عمن يستأنس به في مثل ذلك الموقف، وهذا

١٠٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ
فضل عظيم، ولطف جسيم من اللّه تعالى لعباده المؤمنين. ومنها: أنه يستفاد منه أهمية
التوحيد، حيث إنه هو المسؤول عنه في أول منزل من منازل الآخرة، فينبغي للعبد أن
يخلص في توحيده، ولا يدنسه بالمعاصي، ولا سيما المعاصي التي تؤدي إلى الشرك،
وإن كان خفيا. نسأل الله تعالى أن يحيينا على التوحيد، وأن يميتنا عليه، ويبعثنا عليه،
إنه بعباده لرؤوف رحيم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في أقوال أهل العلم في عذاب القبر:
قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: ما حاصله: إثبات عذاب القبر مذهب أهل
السنة، وقد تظاهرت عليه أدلّة الكتاب والسنّة، ولا يمتنع في العقل أن يعيد الله تعالى
الحياة في جزء من الجسد، ويعذّبه، وإذا لم يمنعه العقل، وورد به الشرع وجب قبوله،
وقد خالف في ذلك الخوارج، ومعظم المعتزلة، وبعض المرجئة، ونفوا ذلك.
ثم المعذب عند أهل السنة الجسد بعينه، أو بعضه، بعد إعادة الروح إليه، أو إلى
جزء منه، وخالف محمد بن جرير الطبريّ، وعبدالله بن كرام، وطائفة، فقالوا: لا
يشترط إعادة الروح، قال أصحابنا: وهذا فاسد؛ لأن الألم، والإحساس، إنما يكون
في الحيّ، قال أصحابنا: ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرّقت أجزاؤه، كما نشاهد
في العادة، أو أكلته السباع، أو حيتان البحر، أو نحو ذلك، فكما أن اللَّه تعالى يُعيده
للحشر، وهو عز وجل قادر على ذلك، فكذا يعيد الحياة إلى جزء منه، أو أجزاء، وإن
أكلته السباع، والحيتان.
فإن قيل: فنحن نشاهد الميت على حاله في قبره، فكيف يُسأل، ويُقعد، ويُضرَب
بمطارق من حديد، ويعذّب، ولا يظهر له أثر؟ .
فالجواب: أن ذلك غير ممتنع، بل له نظير في العادة، وهو النائم، فإنه يجد لذّة،
وآلامًا، لا نُحسّ نحن شيئًا منها، وكذا يجد اليقظان لذّةً، وألمًا لما يسمعه، أو يفكّر
فيه، ولا يشاهد ذلك جليسه منه، وكذا كان جبريلّ الَّلُ كان يأتي النبيّ وَّل، فيخبره
بالوحي الكريم، ولا يدركه الحاضرون، وكلّ هذا واضح، ظاهر، جليّ انتهى كلام
وليّ الدين رحمه اللَّه تعالى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تقدّم بيان الاختلاف في عذاب القبر في ((أبواب
الطهارة))- ٣١/٢٧- بأتم مما هنا، فراجعه، تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(١)- ((طرح التثريب)) ج٣ ص٣٠٦ .

١٠٣
١١٥ - عَذَبُ القَبْر - حديث رقم ٢٠٥٨
٢٠٥٨- أُخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ
النَّبِيّ ◌َِّ، سَمِعَ صَوْتًا، مِنْ قَبْرِ، فَقَالَ: ((مَتَى مَاتَ هَذَا؟))، قَالُوا: مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ،
فَسُرَّ بِذَلِكَ، وَقَالَ: ((لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللَّهَ، أَنْ يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ)).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١- (سُويد بن نصر) المروزيّ، ثقة [١٠] ٥٥/٤٥.
٢- (عبدالله) بن المبارك الإمام الحجة المروزيّ [٨] ٣٦/٣٢.
٣- (حميد) بن أبي حميد الطويل البصريّ الثقة العابد [٥] ١٠٨/٨٧.
٤- (أنس) بن مالك رضي اللّه تعالى عنه ٦/٦ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١١٩) من رباعيات
الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه. (ومنها): أن شيخه
وعبد اللَّه مروزيان، وحميدًا وأنسًا بصريان. (ومنها): أن فيه أنسًا ◌َّه أحد المكثرين
السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة * بالبصرة. والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) بن مالك رَثيه (أَنَّ النَّبِيِّ ◌ِّهِ، سَمِعَ صَوْتًا، مِنْ قَبْرِ) أي من ميت مدفون
في قبر (فَقَالَ: ((مَتَّى مَاتَ هَذَا؟) أي صاحب القبر (قَالُوا: مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي في
الأيام التي قبل الإسلام (فَسُرَّ بِذَلِكَ) بالبناء للمفعول، من السرور، أي استبشر النبي ◌َّل
يكون ذلك المدفون ممن مات قبل الإسلام، حيث لم يكن من أمته.
وقال السنديّ رحمه الله تعالى: والمراد أنه أزيل عنه ما لحقه من الغمّ والحزن
باحتمال أن يكون الميت مؤمنًا معذّبًا في القبر. ويحتمل أن يقال: بجواز السرور بعذاب
عدوّ اللَّه، من حيثية عداوته مع اللَّه تعالى انتهى(١).
(وَقَالَ) ◌ِهِ (لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا) أي لو لا خشية أن يفضي سماعكم إلى ترك أن يدفن
بعضكم بعضًا (لَدَعَوْتُ اللَّهَ، أَنْ يُسْمِعَكُمْ) من الإسماعِ (عَذَابَ الْقَبْرِ) قال السنديّ رحمه
اللّه تعالى: أي الصوت الذي هو أثره، وإلا فالعذاب لا يسمع، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا مانع من سماع العذاب نفسه، كما تقدم في حديث
(١)- (شرح السندي)) ج٤ ص١٠٢.

١٠٤
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزْ
البراء وَظُ: ((فيُضرَب بمطارق من حديد، ضربة، فيصيح صيحة، يسمعها من يليه من
الثقلين)). فلا يُستغرب أن يُسمع ضربُم بالمطارق، كما تُسمع صيحته. والله تعالى
أعلم.
[تنبيه] : هذا الحديث قد رواه مسلم في ((صحيحه)) من حديث أبي سعيد الخدريّ،
عن زيد بن ثابت، رَ افتتا، مطوّلاً، فقال:
٢٨٦٧- حدثنا يحيى بن أيوب، وأبو بكر بن أبي شيبة جميعا، عن ابن علية، قال ابن
أيوب: حدثنا ابن علية، قال: وأخبرنا سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد
الخدري، عن زيد بن ثابت، قال أبو سعيد: ولم أشهده من النبي ◌ِّر، ولكن حدثنيه
زيد بن ثابت، قال: بينما النبي ◌َّلته، في حائط لبني النجار ، على بغلة له، ونحن معه،
إذ حادت به، فكادت تلقيه، وإذا أَقْبُرٌ ستة، أو خمسة، أو أربعة، قال: كذا كان يقول
الجريري، فقال: ((من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟))، فقال رجل: أنا، قال: ((فمتى
مات هؤلاء؟))، قال: ماتوا في الإشراك، فقال: ((إن هذه الأمة تبتلى، في قبورها، فلولا
أن لا تدافنوا، لدعوت الله أن يسمعكم، من عذاب القبر، الذي أسمع منه»، ثم أقبل
علينا بوجهه، فقال: ((تعوذوا بالله من عذاب النار))، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار،
فقال: ((تعوذوا بالله من عذاب القبر))، قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: ((تعوذوا
بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن))، قالوا: نعوذ بالله من الفتن، ما ظهر منها وما
بطن، قال: ((تعوذوا بالله من فتنة الدجال))، قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس رضي اللَّه تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٠٥٨/١١٤- وفي («الكبرى»٢١٨٥/١١٤. وأخرجه (م)٢٨٦٧
و٢٨٦٨ (أحمد) ١١٧١٣ و١٢١٤٣ و١٣٤٧٦. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو إثبات عذاب القبر. ومنها: أن فيه
معجزة للنبيّ بَّر، حيث كان يسمع عذاب من يعذّب في قبره. ومنها: بيان لطف الله
تعالى بعباده، حيث أخفى عنهم عذاب القبر، مع أنه يسمعه سائر الحيوانات، وذلك
رأفة بهم، وبمن يموت، إذ لولا ذلك لتعطل دفن الموتى، ولأهينت جُثث الأموات،
وصارت كجُثث سائر البهائم. ومنها: بيان شدّة رأفة النبي ◌ِّر بأمته، حيث لم يدع الله

١٠٥-
١١٥ - عَذَاَبُ القَبْرِ - حديث رقم ٢٠٥٩
أن يسمعهم عذاب القبر؛ لما ذكره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٥٩- أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتَى، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ
اللَّهِ وَلَّهِ، بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا، فَقَالَ: ((يُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا)).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (عون بن أبي جحيفة) السُّوَائيّ الكوفيّ، ثقة [٤] ١٠٣/ ١٣٧.
٢- (أبوه) أبو جُحَيفة وهب بن عبدالله السُّوائيّ، ويقال: اسم أبيه وهب أيضًا، يقال
له: وهب الخير، صحابيّ معروف، وصحب عليّا رَوالتها ١٣٧/١٠٣.
٣- (أبو أيوب) الأنصاريّ، خالد بن زيد بن كُليب، من كبار الصحابة *له، شهد
بدرًا، ونزل عليه النبيّ وَّ حين قَدِمَ المدينة، ومات غازيا بالروم، سنة (٥٠) أو
بعدها ٢٠ /٢٠ .
والباقون تقدّموا قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، ومن بعده كوفيون. (ومنها): أن فيه
رواية ثلاثة من الصحابة بعضهم عن بعض، ورواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي أَيُّوبَ) رَّهِ، أنه (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ)
ولفظ البخاريّ: ((وقد وجبت الشمس))، وهو بمعنى غربت (فَسَمِعَ صَوْتًا) قال في
((الفتح)): قيل: يحتمل أن يكون صوت ملائكة العذاب، أو صوت اليهود المعذّبين، أو
صوت وَقْع العذاب. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وقد وقع عند الطبرانيّ، من طريق
عبدالجبّار بن العبّاس، عن عون، مفسّرًا، ولفظه: ((خرجتُ مع النبيّ بَّ حين غربت
الشمس، ومعي كوز، من ماء، فانطلق لحاجته، حتى جاء، فوضّأته، فقال: ((أتسمع ما
أسمع؟))، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((أسمع أصوات اليهود، يعذّبون في قبورهم))
تهى (١) (فَقَالَ: ((يُهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا))) ((يهود)) خبر لمحذوف، أي هذه يهود،
(١)- ((فتح)) ج٣ ص٦١١.

١٠٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِز
والجملة الفعلية في محل نصب على الحال، أو ((يهود)) مبتدأ، والجملة بعده خبره.
قال الجوهريّ: اليهود قبيلة، والأصل اليهوديّون، فحذفت ياء الإضافة، مثل زنج،
وزنجيّ، ثم عُرُّفَ على هذا الحدّ، فجمع على قياس شعير وشعيرة، ثم عُرِّفَ الجمع
بالألف واللام، ولولا ذلك لم يجز دخول الألف واللام؛ لأنه معرفة مؤنث، فجرى
مجرى القبيلة، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث. انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٠٥٩/١١٤ - وفي ((الكبرى)٢١٨٦/١١٤-٠ وأخرجه (خ) ١٣٧٥
(م)٢٨٦٩ (أحمد) ٢٣٠٢٨ و٣٣٠٤٣. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو إثبات عذاب القبر. ومنها: إثبات
معجزة للنبي وَالر حيث إن اللَّه عز وجل أطلعه على ما في عالم البرزخ، فأخبر بذلك.
ومنها: أن اليهود تعذّب في قبرها قبل يوم القيامة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١١٥- التَّعَوُّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ
٢٠٦٠ - أَخْبَرَنَا يَحْتِى بْنُ دُرُسْتَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ
أَبِي كَثِيرِ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ، حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْتَةِ
الْمَحْيَا، وَالْمَمَاتِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْتَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَالِ)) .
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (يحيى بن دُرُسْت) البصريّ، ثقة [١٠] ٢٤/٢٣.

١٠٧
١١٥ - التَّعَوُّذُ مِنْ عَذَبِ الْقَبْرِ - حديث رقم ٢٠٦٠
٢- (أبو إسماعيل) القّنّاد، إبراهيم بن عبدالملك البصريّ، صدوق، في حفظه شيء
[٧] ٢٤/٢٣ .
٣- (يحيى بن أبي كثير) اليماميّ البصريّ، ثقة ثبت، مدلس [٥] ٢٤/٢٣.
٤- (أبو سلمة) بن عبدالرحمن المدنيّ الفقيه، ثقة [٣] ١/١ .
٥- (أبو هريرة) رَّه ١/١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو والترمذيُّ، وابن ماجه، وشيخ شيخه، فتفرد
به هو والترمذي. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى يحيى، والباقيان مدنيان.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض
الأقوال، وأبو هريرة وظيفيه رأس المكثرين من الرواية. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً) رَِّ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ
عَذَابِ الْقَبْرِ) الإضافة بمعنى ((في)) أي من عذاب في القبر (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ ، وَأَعُوذُ
بِكَ مِنْ فِتْتَةِ الْمَحْيَا، وَالْمَمَاتِ) ((المحيا)) بالقصر مَفْعَل كـ((الممات))، والمراد الحياة،
والموت، ويحتمل أن يريد زمان ذلك، ويريد بذلك محنة الدنيا، وما بعدها، ويحتمل أن
يريد بذلك حالة الاحتضار، وحالة المسألة في القبر، وكأنه استعاذ من فتنة هذين المقامين،
وسأل التثبيت فيهما. قاله القرطبيّ، وقد تقدم أقوال تتعلق بتفسير هاتين الكلمتين في ((كتاب
الصلاة)) [١٣٠٩/٦٤] فراجعه تستفد (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْتَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ))) أي من
الامتحان، والاختبار بسببه، وقد تقدم تفسير المسيح الدجّال في شرح الحديث المذكور.
والمراد بفتنته ما يظهر على يديه من الخوارق للعادات التي يُضلّ بها من ضعف إيمانه، كما
اشتملت عليه الأحاديث الكثيرة التي بيّنت خروجه في آخر الزمان، وما يظهر معه من تلك
الأمور، أعاذنا الله تعالى من شرّ فتنته، بمنه، وكرمه آمين. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١١٥/ ٢٠٦٠ و٢٠٦١ و٥٥٠٥ و٥٥٠٦ و٥٥٠٨ و٥٥٠٩ و٥٥١٠

١٠٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
و٥٥١١ و٥٥١٣ و٥٥١٥ و٥٥١٦ و ٥٥١٧ و٥٥١٨ و٥٥٢٠ وفي («الكبرى»٢١٨٧/١١٥
و ٢١٨٨ و٧٩٤٢ و ٧٩٤٣ و٧٩٤٥ و٧٩٤٦ و٧٩٤٧ و٧٩٤٨ و٧٩٥٣ و٧٩٥٤ . وأخرجه
(خ) ١٣٧٧ (م) ٥٨٨ (د) ٩٨٣ (أحمد) ٧١١٩٦ و٧٢٩٠ و٧٣٨٦ و٧٦٠٠ و٧٨١٠. والله
تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو الأمر بالتعوّذ من عذاب القبر.
ومنها: التعوّذ من عذاب النار. ومنها: التعوّذ من فتنة المحيا والممات. ومنها: التعوّذ
من فتنة المسيح الدجّال. ومنها: أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، حيث إنه وَلِّ أخبر بأنه
سيأتي الدجال في آخر الزمان. ومنها: إثبات عذاب القبر. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٦١ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ لهَهَ بَعْدَ ذَلِكَ، يَسْتَعِيذُ مِنَ عَذَابِ الْقَبْرِ .
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (عمرو بن سواد بن الأسود) أبو محمد المصريّ، ثقة [١١] ٥٩٤/٤٥ .
٢- (حميد بن عبدالرحمن) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة [٣] ٧٢٥/٣٢ .
والباقون تقدّموا غير مرّة.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: شرح الحديث واضح. وقوله: ((بعد ذلك)) هكذا في
رواية مسلم أيضًا، ولعل اسم الإشارة يعود إلى وقت الوحي إلى النبيّ وَ له بفتنة القبر،
كما سيأتي في حديث أسماء تعطيتها التالي.
والحديث أخرجه المصنّف هنا -٢٠٦١/١١٥- وفي ((الكبرى))٢١٨٨/١١٥.
وأخرجه (م) ١٢٤ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل.
٢٠٦٢- أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُزِوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، تَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ
وَلِهِ، فَذَكَرَ الْفِتْنَةَ، الَّتِي يُفْتَنُ بِهَا الْمَرْءُ فِي قَبْرِهِ، فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ، ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً،
حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَفْهَمَ، كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ بِّهِ، فَلَمَّا سَكَنَتْ ضَجَّتُهُمْ، قُلْتُ لِرَجُلِ
قَرِيبٍ مِنِّي: أَيْ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ، فِي آخِرِ قَوْلِهِ؟، قَالَ: ((قَدَّ
أُوَحِيَ إِلَيَّ، أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ، قَرِيبًا مِنْ فِتْتَةِ الدَّجَّالِ)).

=
١٠٩
١١٥- التَّعَوُّذُ مِنْ عَذَبِ الْقَبْرِ - حديث رقم ٢٠٦٢
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (سليمان بن داود) بن حمّاد، أبو الربيع المصريّ، ثقة [١١] ٧٩/٦٣.
٢- (عروة بن الزبير) بن العوّام المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٤/٤٠.
٣- (أسماء بنت أبي بكر) الصدّيق ونات ٢٩٣/١٨٥.
والباقون تقدّموا قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، سوى شيخه. (ومنها): أن الثلاثة الأولين مصريون, والباقون مدنيون.
(ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، والابن عن أمه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) أنه قال (أَخْبَرَنِي عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ)
رَوِّها (تَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، فَذَكَرَ الْفِتْنَةَ، الَّتِي) ووقع في نسخة: ((الذي))،
والظاهر أنه تصحيف (يُفْتَنُ بِهَا الْمَرْءُ فِي قَبْرِهِ) أي ذكر الامتحان الذي يمتحنه العبد في
قبره، وهو سؤال الملكين. روى الإمام أحمد في ((كتاب الزهد))، وأبو نعيم في
((الحلية))، عن طاوس، قال: ((إن الموتى يُفتنون في قبورهم سبعًا، وكانوا يستحبّون أن
يطعموا عنهم تلك الأيام)).
وروى ابن جريج في ((مصنّفه)) عن الحارث بن أبي الحارث، عن عبيد بن عمير،
قال: يُفتن رجلان: مؤمن، ومنافق، فأما المؤمن، فيفتن سبعًا، وأما المنافق، فيفتن
أربعين صباحًا)). انتهى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الأثران هكذا نقلهما السيوطيّ في شرحه، وهما
موقوفان، ويُحتاج إلى النظر في أسانيدهما فالله تعالى أعلم.
(فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ) أي فتنة المرء في قبره (ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةٌ) أي صاحوا صيحة
(حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَفْهَمَ، كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ) وجملة ((حالت الخ)) في محلّ نصب
صفة ((صيحة))، أي صيحةً مانعةً من فهم كلام رسول اللّه وَِّ (فَلَمَّا سَكَنَتْ) بالنون بعد
الكاف، أي هدأت. وفي ((الكبرى)): ((سكتت)) بالتاء بعد الكاف، وهو قريب من معنى
الأول (ضَجَّتُهُمْ، قُلْتُ لِرَجُلٍ قَرِيبٍ مِنِّي) وفي رواية فاطمة بنت المنذر، عن أسماء عند
(١)-راجع ((زهر الربى)) ج ٤ ص١٠٣- ١٠٤.
-

١١٠
E
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ
البخاري في ((الجمعة)): ((لما قال: أما بعد، لغط نسوة من الأنصار، وأنها ذهبت
لتسكتهن، فاستفهمت عائشة عما قال)).
قال الحافظ ◌َّلهُ: يجمع بين مختلف الروايات أنها احتاجت إلى الاستفهام مرتين،
وأنه لما حدثت فاطمةً لم تبيّن لها الاستفهام الثاني. قال: ولم أقف على اسم الرجل
الذي استفهمت منه عن ذلك إلى الآن.
ولأحمد من طريق محمد بن المنكدر، عن أسماء، مرفوعًا: ((إذا دخل الإنسان
قبره، فإن كان مؤمنًا، احتَفَّ به عمله، فيأتيه الملك، فتردّه الصلاة، والصيام، فيناديه
الملك: اجلس، فيجلس، فيقول: ما تقول في هذا الرجل محمد؟ قال: أشهد أنه
رسول اللَّه، قال: على ذلك عشتَ، وعليه مت، وعليه تُبعث ... )) الحديث.
(أَيْ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ) وفي (الكبرى)): ((أن بارك الله فيك))، وإنما دعت له بالبركة؛
تبجيلاً له، وتمهيدًا لسؤالها، وهكذا ينبغي للسائل أن يقدّم قبل سؤاله ما يدلّ على
تبجيل العالم، وتعظيمه، من الدعاء له، وندائه بما يُحبّ أن ينادى به. والله تعالى
أعلم .
(مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، فِي آخِرِ قَوْلِهِ؟ قَالَ) حذف منه أحد القولين، أي قال ذلك
الرجل: قال رسول اللّه ◌َ له (قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ، أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ) قال في («النهاية»:
يريد مسألة منكر ونكير، من الفتنة، وهي الامتحان، والاختبار انتهى (١).
(قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ)) ) قال الكرمانيّ: وجه التشبيه بين الفتنتين الشدّة، والهول،
والعموم انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أسماء بنت أبي بكر رَّت هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢٠٦٣/١١٥- وفي («الكبرى»٢١٨٩/١١٥. وأخرجه (خ) ٨٦
و١٠٥٤ و١٣٧٣ و٧٢٨٧ (م)٩٠٥ (أحمد) ٢٦٣٨٥ و٢٦٤٥٢ (الموطأ)٤٤٧. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٦٣- أَخْبَرَنَا قُتَنِبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عَبَّاسِ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بِ لَه كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ، كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ، مِنَ الْقُرْآنِ،
(١)- ((النهاية)) ج٣ ص ٤١٠.

١١٥ - التَّعَوُّذُ مِنْ عَذَب القُبْرِ - حديث رقم ٢٠٦٤
قُولُوا: ((اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ
فِتْتَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجال هذا الإسناد تقدّموا غير مرّة، وشرح الحديث
يعلم من شرح حديث أبي هريرة تز .
والحديث أخرجه المصنّف هنا -٢٠٦٣/١١٥ و٥٥١٢ - وفي ((الكبرى ))١١٥/
٢١٩٠ . وأخرجه(م) ٥٩٠ (د) ٩٨٤ (ت) ٣٤٩٤ (ق) ٣٨٤٠ (أحمد)٢١٦٩ و٢٧٧٤
و٢٨٣٤ (الموطأ) ٤٩٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٦٤ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُزْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ وَعِنْدِي
امْرَأَةٌ، مِنَ الْيَهُودِ، وَهِيَ تَقُولُ: إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ، فَارْتَاعَ رَسُولُ اللّهِ، وَقَالَ:
(إِنَّمَا تُفْتَنُ يُودُ))، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَبِثْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ تَّهِ: ((إِنَةُ أُوحِيَ إِلَيَّ،
أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ))، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ بَعْدُ، يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابٍ
الْقَبْرِ .
رجال هذا الإسناد: ستة، تقدموا كلهم قبل حديثين، وذكرت هناك لطائف الإسناد
أيضًا، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن عائشة رَّها أنها (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ، وَعِنْدِي امْرَأَةٌ، مِنَ الْيَهُودِ)
وفي الرواية الآتية بعد حديث: ((دخلت يهودية عليها، فاستوهبتها شيئًا، فوهبت لها
عائشة ... ))، وفي الرواية التي بعدها: ((قالت: دخلت عليّ عجوزتان من عجوز يهود
المدينة، فقالتا: إن أهل القبور يعذّبون في قبورهم ... ))، ولا تنافي بين الروايتين، إذ
يمكن أن إحداهما تكلمت، وأقرّتها الأخرى على ذلك، فنسبت القول إليهما مجازًا،
والإفراد يُحمل على المتكلّمة، أفاده الحافظ، وقال: لم أقف على اسم واحدة منهما.
(وَهِيَ تَقُولُ: إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ، فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ) من الارتياع: وهو
الفزع، والمراد أنه صار ذلك الكلام عنده بمنزلة خبر، لم يَسبق له به علم، ويكون
شنيعًا منكرًا، ثم ردّه بقوله: ((إنما تُفتن اليهود الخ)) بناءً على أنه ما أوحي إليه قبل ذلك،
ومقتضى الظاهر أنه لو كان لأوحي إليه، فليس هذا من باب الإنكار بمجرد عدم الدلیل،
بل لقيام أمارةٍ مّا على العدم أيضًا، وفيه أنه يجوز إنكار ما لا يثبت إلا بدليل، إذا لم يقم

١١٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
عليه دليل، وظهر أمارةٌ مّا على عدمه، وإن كان حقّا، ولا إثم بإنكاره. قاله السنديّ
رحمه اللَّه تعالى (وَقَالَ: ((إِنَّمَا تُفْتَنُ يُهُودُ) أي إنما تُفتن في قبورها يهود، لا المسلمون.
وفي هذه الرواية أنكر النبيّ وَ له على اليهودية، وفي الرواية السابقة - ١٣٠٨/٦٤-
من رواية مسروق عن عائشة: ((فقال: نعم عذاب القبر حقّ))، أقرّها على ما قالت، وبين
الروایتین اختلاف.
وأجاب النووي تبعا للطحاويّ وغيره، بأنهما قصتان، فأنكر النبيّ وَ ل قول اليهودية
في الأولى، ثم أَعلِمَ النبيُّ ◌َله بذلك، ولم يُعلِم عائشة، فجاءت اليهودية مرة أخرى،
فذكرت لها ذلك، فأنكرت عليها مستندة إلى الإنكار الأول، فأعلمها النبيّ وَل و بأن
الوحي نزل بإثباته انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وبهذا يجاب أيضا ما سيأتي في قصة العجوزين أنه
قال: ((صدقتا الخ)). وأصرح من رواية الباب في إنكار النبيّ وَّر على اليهودية عذاب
القبر، ما أخرجه الإمام أحمد بإسناد على شرط البخاريّ، عن سعيد، بن عمرو سعيد
الأمويّ، عن عائشة، أن يهودية كانت تخدمها، فلا تصنع عائشة إليها شيئا، من
المعروف إلا قالت لها اليهودية، وقاك اللَّه عذاب القبر، قالت: فدخل رسول اللّه وَليل
عليّ، فقلت: يا رسول الله، هل للقبر عذاب، قبل يوم القيامة؟، قال: ((لا، وعَمَّ
ذاك؟))، قالت: هذه اليهودية، لا نصنع إليها من المعروف شيئا، إلا قالت: وقاك الله
عذاب القبر، قال: ((كذبت يهود، وهم على اللَّه عز وجل كُذُبٌ، لا عذاب دون يوم
القيامة))، قالت: ثم مكث بعد ذاك، ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف
النهار، مشتملا بثوبه، محمرة عيناه، وهو ينادي بأعلى صوته: ((أيها الناس أظلتكم
الفتن، كقطع الليل المظلم، أيها الناس لو تعلمون ما أعلم، لبكيتم كثيرا، وضحكتم
قليلا، أيها الناس، استعيذوا بالله، من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق)).
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وفي هذا كله أنه وس﴿ إنما علم بحكم عذاب القبر، إذ
هو بالمدينة في آخر الأمر، كما تقدّم تاريخ صلاة الكسوف في موضعه.
وقد استشكل ذلك بأن الآية المتقدّمة مكيّة، وهي قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٧]، وكذلك الآية الأخرى المتقدمة، وهي قوله تعالى: ﴿النَّارُ
يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآية [غافر: ٤٦].
والجواب أن عذاب القبر إنما يؤخذ من الأولى بطريق المفهوم، من حقّ من لم
يتصف بالإيمان، وكذلك بالمنطوق في الأخرى في حقّ آل فرعون، وإن التحق بهم من
كان في حكمهم من الكفار، فالذي أنكره النبيّ وَّ إنما هو وقوع عذاب القبر على

١١٣=
١١٥- التَّعَوُّذُ مِنْ عَذَاَبِ القَبْرِ - حديث رقم ٢٠٦٥
الموحّدين، ثم عَلِم ◌َ ﴿ أن ذلك قد يقع على من يشاء الله منهم، فجزم به، وحذّر منه،
وبالغ في الاستعاذة منه، تعليمًا لأمته، وإرشادًا، فانتفى التعارض -بحمد اللّه تعالى-
(١)
انتھی(١).
(وَقَالَتْ عَائِشَةُ) تَّهَا (فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((إِنْهُ أُوحِيَ إِلَيَّ) وفي
((الكبرى)): ((هل شَعَرتِ أنه أوحي إليّ (أَنَّكُمْ) أيها المسلمون (تُفْتَُّونَ فِي الْقُبُورِ))) أي
كما تفتن اليهود في قبورها (قَالَتْ عَائِشَةُ) ◌َّهَا (فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ بَعْدُ) أي بعد
الواقعة المذكورة، وبعد أن أوحي إليه (يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) أي يطلب من اللّه تعالى
أي يعصمه من عذاب القبر، وهذا في حقّه وَلّ تعبّد لربه، وتعليم لأمته، لأنه معصوم
من جميع أنواع العذاب، حيث إن اللَّه ◌َ لتر غفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخر. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة رعِّها هذا متفقٌ عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١١٥ و٢٠٦٤ و٢٠٥٥ و٢٠٦٦ و٢٠٦٧ و١٣٠٨/٦٤ و٥٥٠٤ - وفى
«الكبرى»٢١٩١/١١٥ و٢١٩٢ و٢١٩٣ و٢١٩٤ و١٢٣١/٩٨ وأخرجه (خ) ١٠٥٠
و١٥٦ و٢٣٦٦ (م)٥٨٤ و٥٨٦ (أحمد) ٢٣٧٤٧ و٢٤٠٦١ و٢٥٤٧٧ و٢٥٥٧٤
و٢٥٨٠١. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنف، وهو إثبات عذاب القبر. ومنها: أن عذاب القبر ليس
خاصًّا باليهود، بل يعم غيرها من الأمم. ومنها: مشروعية الاستعاذة من عذاب القبر.
ومنها: ما كان عليه النبي ◌َ ل# من شدّة الخوف من الله تعالى، فكان يستعيذ به من عذاب
القبر، وعذاب النار، مع أنه وَ لقر غفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخر. ومنها: أنه وَل لا
يعلم الغيب، إلا ما أطلعه الله تعالى بالوحي، ولذا أنكر على اليهودية عذاب القبر؛ لأنه
لم يوح إليه به في ذلك الوقت، ثم لما أوحي إليه به صدّقها. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٦٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْتِى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيِّ
وَلِ﴿، كَانَ يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِئْتَةِ الدَّجَّالِ، وَقَالَ: ((إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِ كُمْ)).
(١)- ((فتح)) ج٣ ص ٦٠٤ - ٦٠٥ .

١١٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا طريق آخر لحديث عائشة رضيئها ، وهو حديث
صحيح. و((سفيان)): هو ابن عيينة. و((يحيى)): هو ابن سعيد الأنصاريّ. و((عمرة)):
هي بنت عبدالرحمن الأنصارية. وتقدم تمام الكلام في الحديث الذي قبله. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٦٦ - أَخْبَرَنَا هَنَّادٌ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ
عَائِشَةَ، دَخَلَتْ يُودِيَّةٌ عَلَيْهَا، فَاسْتَوْهَبَتْهَا شَيْئًا، فَوَهَبَثَ لَهَا عَائِشَةُ، فَقَالَتْ: أَجَارَكِ اللَّهُ
مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ إِ،
فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَّهُ، فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا طريق آخر أيضًا لحديث عائشة ◌َيثها وهو
صحيح أيضًا.
فقولها: ((دخلت يهودية عليها)). قال السنديّ رحمه الله تعالى: الظاهر أن هذه
الواقعة غير الأولى، وهي متأخرة عنها، فهذه الواقعة كانت بعد أن أوحي إليه، وأما
قولها: ((دخلت عليها عجوزتان الخ)) فذاك عين هذه الواقعة، إلا أنه وقع الاقتصار على
ذكر الواحدة أحيانًا، وجاء ذكرهما أخرى انتهى (١). وقولها: ((أجارك الله الخ)): أي
حفظك الله تعالى. وقولها: ((فوقع في نفسي شيء)): أي إنكار لما قالته.
وقوله: ((إنهم ليعذّبون الخ)) هذا يحتمل أنه قاله قبل أن يوحى إليه، فالضمير لليهود،
ويحتمل أن يكون لأهل القبور، قاله بعد ما أحي إليه وَالر، وهذا الاحتمال هو الذي
أشار إليه السنديّ في كلامه المذكور آنفا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٦٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلِ،
عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَتَانِ، مِنْ عُجُزٍ ثُودِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَتًا:
إِنَّ أَهْلَ الْقُّبُورِ، يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَكَذَّبْتُهُمَا، وَلَمْ أَنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا، فَخَرَجَتَا،
وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللّهِ وَهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عَجُوزَتَيْنٍ، مِنْ عُجُزِ ثُهُودٍ
الْمَدِينَةِ، قَالَتَا: إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ، يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، قَالَ: ((صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا،
تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ كُلُّهَا)»، فَمَا رَأَيْتُهُ صَلَّى صَلَاةَ، إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.
تقال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا طريق آخر أيضًا لحديث عائشة رَّها أخرجه
البخاري. و((محمد ابن قدامة)): هو المصيصيّ الثقة. و((جرير)): هو ابن عبد الحميد.
و((منصور)): هو ابن المعتمر.
(١)-((شرح السنديّ)) ج٣ ص ١٠٥.

١١٥ ==
١١٦- وَضْعُ الْجَرِيدِ عَلَى القَبْرِ - حديث رقم ٢٠٦٨
وقولها: ((دخلت عليّ عجوزتان)) هكذا نسخ ((المجتبى)) ((عجوزتان))، بتاء التأنيث،
وفي ((الكبرى)): ((عجوزان))، وهو الذي في (الصحيحين)) . وهو المشهور عند
اللغويين، قال ابن السّكّيت: العَجُوز: المرأة المسنّة، ولا يؤنّث بالهاء.
والأُولى أيضًا جائزة عند بعض اللغويين، فقد قال ابن الأنباريّ: ويقال أيضًا:
عَجوزة بالهاء، لتحقيق التأنيث، وروي عن يونس أنه قال: سمعت العرب، تقول:
عَجُوزة بالهاء. قاله في ((المصباح)).
وقولها: ((من عُجُز يهود المدينة)) بضم العين المهملة، والجيم، بعدها زاي، جمع
عجوز، مثل عمود، وعُمُد، ويجمع أيضًا على عجائز. وقوله: ((ولم أَنعِم الخ)) بضم
الهمزة، من الإنعام، رباعيّا، يقال: أنعمت له بالألف: إذا قلتَ له: نعم، والمراد أنها
لم تصدّقهما أوّلاً. يعني أنها لم تطب نفسها بذلك؛ لظهور كذب اليهود، وافترائهم في
الدين، وتحريفهم الكتاب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١١٦- وَضْعُ الْجَرِيدِ عَلَى الْقَبْرِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن المصنّف رحمه الله تعالى يرى مشروعية
وضع الجريد على القبر، وقد تقدم تمام البحث في هذا في ((أبواب الطهارة)) -٣١/٢٧ -
ورجّحت هناك عدم المشروعية، وذكرت الأدلة على ذلك، فراجعه تستفد، وبالله
تعالى التوفيق .
٢٠٦٨- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ بِحَائِطِ، مِنْ حِيطَانِ مَكَّةَ، أَوِ الْمَدِينَةِ، سَمِعَ صَوْتَ
إِنْسَانَيْنِ، يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ: ((يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرِ))، ثُمَّ
قَالَ: (بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا، لَا يَسْتَبْرِئُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الْآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ))، ثُمَّ دَعَا
بِجَرِيدَةٍ، فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ، مِنْهُمَا كِسْرَةٌ، فَقِيلَ لَّهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟، قَالَ: (لَّعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا، مَا لَمْ يَيْبَسَا))، أَوْ ((إِلَى أَنْ يَيْبَسَا)).
رجال هذا الإسناد: خمسة
تقدم الثلاثة الأولون في السند الماضي، وابن عباس تقدم في الباب الماضي،

١١٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
ومجاهد بن جبر تقدم أيضًا غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ مُجَاهِدٍ) بن جَبْر المكيّ الإمام الثقة الثبت (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) تَبَا، وفي الرواية
التالية أدخل بين مجاهد، وابن عباس طاوسًا، وكلاهما محفوظ، ولذا أخرج البخاري
رحمه الله تعالى الحديث بكلتا الطريقين، كما تقدّم البحث عن ذلك في ٣١/٢٧ (قَالَ:
مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ بِحَائِطِ) أي ببستان (مِنْ حِيطَانِ مَكَّةَ، أَوِ الْمَدِينَةِ) هكذا في رواية
البخاريّ أيضًا بالشكّ، قال الحافظ: والشكّ في قوله: ((أو مكّة)) من جرير. وفي
((الأدب المفرد)) له: ((خرج النبيّ بِّير من بعض حيطان المدينة)). قال في ((الفتح)):
فيحمل أن الحائط الذي خرج منه غير الحائط الذي مرّ به انتهى (سَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ،
يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِ هِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((يُعَذِّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ) أي بسبب أُمر
كبير يشقّ عليهما تركه (ثُمَّ قَالَ: ((بَلَى) أي إنه لكبير، وفي رواية: «وما يعذّبان في كبير،
وإنه لكبير)) (كَانَ أَحَدُهُمَا، لَا يَسْتَبْرِئُ مِنْ بَوْلِهِ) أي لا يتطهّر منه، وفي الرواية المتقدمة:
((فكان لا يستنزه من بوله)) (وَكَانَ الْآخَرُ يَمْشِي بِالثَّمِيمَةِ))) أي يسعى بالفساد بين القوم،
بأن ينقل لكل واحد منهم ما يقوله الآخر، من الشتم، والأذى (ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ) أي طلب
من الصحابة أن يأتوه بجريدة. وهي فعلية بمعنى مفعولة، وهي واحدة الجريد، وهو
سَعَفُ النخل، وإنما تسمّى جريدة إذا جُرِّدَ عنها خُوصها. قاله في ((المصباح)) (فَكَسَرَهَا
كِسْرَتَيْنِ فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ، مِنْهُمَا كِسْرَةً) وفي الرواية التالية: ((ثم أخذ جريدة رطبة،
فشقها نصفین، ثم غرز في کل قبر واحدة)). وفي رواية عبد بن حميد: «ثم غرز عند
رأس كلّ واحدة منهما قطعة)) (فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟، قَالَ: ((لَعَلَّهُ أَنْ
يُخَفَّفَ عَنْهُمَا) أي يخفف العذاب عن المقبورين (مَا) مصدرية ظرفية (لَمْ يَيْبَسَا))) أي مدة
عدم جفاف العودين (أَوْ) للشكّ من الراوي (إِلَى أَنْ يَيْبَسَا) والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٠٦٨/١١٦ و٢٠٦٩ و٣١/٢٧ وفي («الكبرى» ٢١٩٥/١١٦ و٢١٩٦ .
وأخرجه (خ)٢١٦ و٢١٨ و١٣٦١ و١٣٧٨ و٦٠٥٢ و٦٠٥٥ (م)٢٩٢ (د)٢٠ (ت) ٧٠
(ق) ٣٤٧ (أحمد) ١٩٨١ (الدارمي)٧٣٩. والله تعالى أعلم.

١١٧
١١٦- وَضْعُ الْجَرِيدِ عَلَى القَبْ - حديث رقم ٢٠٧٠
وسائر ما يتعلّق بالحديث قد تقدّم في ((الطهارة)) -٣١/٢٧- فارجع إليه تستفد، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٦٩- أَخْبَرَنَا هَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ، فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ
مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهَ بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ: ((إِنَّهُمَا
لَيُعَذِّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمََّ أَحَدُهُمَا، فَكَانَ لَا يَسْتَبْرِئُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا الْآخَرُ،
فَكَانَ يَمْشِي بِالثَّمِيمَةِ، ثُمَّ أَخَذَّ جَرِيدَةَ رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنٍ، ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً،
فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا، فَقَالَ: ((لَعَلَّهُمَا أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا، مَا لَمْ يَيْبَسَا)).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا طريق آخر لحديث ابن عباس رَّت، وقد خالف
الأعمش منصورًا، فأدخل طاوسًا بين مجاهد، وبين ابن عباس رَؤيتها، وقد قدمنا أن كلا
الطريقين صحيحان، ولذا أخرجهما الإمام البخاريّ رحمه اللّه تعالى في ((صحيحه))،
والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: زاد في ((الكبرى)) بعد هذا الحديث: ما نصّه: قال أبو عبدالرحمن: بعض
حروف أبي معاوية لم أفهمه، كما أردت انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن مراده أنه لم يتبين له حينما سمع هذا .
الحديث من هناد بعض الحروف التي اشتمل عليها ((أبو معاوية)) يعني كلمة ((أبي)) وكلمة
((معاوية)) ويحتمل أن يكون المعنى أن بعض حروف الحديث من رواية أبي معاوية لم
يتبينَ له حينما سمع من هناد، والاحتمال الأول أقرب. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٧٠ - أَخْبَرَنَا قُتَنْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَِّيَّ وَِّ،
قَالَ: ((أَلَا إِنَّ أَحَدَكُمْ، إِذَا مَاتَ عُرِضٍَ عَلَيْهِ مَفْعَدُهُ، بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ
الْجَنَّةِ، فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ، عَزَّ
وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: مناسبة حديث ابن عمر رضيويت للترجمة غير واضحة،
فإنه ليس لوضع الجريدة على القبر فيه ذكر، ولعله سقط من النسّاخ ترجمة هذا الحديث،
وقد ترجم الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) لهذا الحديث بقوله: ((بابٌ
الميتُ يُعرَض عليه مقعده بالغداة والعشيّ)). والله تعالى أعلم.
(١)-راجع ((الكبرى)) ج١ ص ٦٦٤ رقم الحديث ٢١٩٦.

١١٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
ورجال هذا الإسناد: أربعة :
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني ثقة ثبت، [١٠] ١/١.
٢- (الليث) بن سعد الإمام المصري الحجد الثبت [٧] ٣٥/٣١ .
٣- (نافع) العدوي مولى ابن عمر المدني الفقيه الثقة الثبت [٣] ١٢/١٢ .
٤- (ابن عمر) عبد اللَّه رَافتتا ١٢/١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (١٢٠) من رباعيات
الكتاب.
ومنها: أنه فيه ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما من العبادلة الأربعة، والمكثرين
السبعة، ومن مشاهير الصحابة في الفتوى. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(ِعَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي اللَّه تعالى عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ، قَالَ: ((أَلَا) أداة استفتاح، وتنبيه
(إِنَّ أَحَدَكُمْ، إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَفْعَدُهُ، بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) قال الحافظ وليّ الدين رحمه
اللَّه تعالى: فيه أن الميت يُعرَض عليه في قبره بالغداة والعشيّ مقعده من الجنّة، وفي هذا
تنعيم لمن هو من أهل الجنّة، وتعذيب لمن هو من أهل النار بمعاينة ما أعدّ له، وانتظاره
ذلك إلى اليوم الموعود، ويوافق هذا في أحد الشّقين قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا
غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوَاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].
وقال ابن التين: يحتمل أن يريد بالغداة والعشيّ غداة واحدة، وعشيّة واحدة، يكون
العرض فيها. ومعنى قوله: ((حتى يبعثك اللَّه)) أي لا تصل إليه إلى يوم البعث. ويحتمل
أن يريد كلّ غداة، وكلّ عشيّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو الأقرب، كما تؤيد الآية
المذكورة أَحَد شقيه، فالشقّ الآخر مثله، فَيُعرَض على كل فريق مقعده كلّ غداة، وكلّ
عشيّ، ولا يعارضه ما تقدم من عرض المقعد عند السؤال، فذاك عرضٌ غير هذا. والله
تعالى أعلم.
وقال أبو العباس القرطبيّ: ويجوز أن يكون هذا العرض على الروح وحدها، ويجوز
أن يكون عليها مع جزء من البدن، والله أعلم بحقيقة الحال. قال وليّ الدين: ظاهر
الحديث عرض هذا على جملته، ولا مانع من إعادة الروح إلى الجسد، أو إلى البعض
الذي يدرك منه حالة العرض.

١١٩ ==
١١٦- وَضْعُ الْجَرِيدِ عَلَى الْقَبْرِ - حديث رقم ٢٠٧٠
فإن قلت: وهل في القبر غداة وعشيّ، وليلٌ ونهار؟.
قلت: المراد في وقت الغداة والعشيّ عند الأحياء، ويحتمل أن يمثّل له وقت الغداة
والعشيّ في حال عرض المقعد عليه، وقد ورد في سؤال الملكين أنه يُمثّل له وقت
صلاة العصر، ودنوّ الشمس للغروب.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاستشكال من أصله فيه إشكال، فأين النصوص
التي تنفي الغداة والعشيّ، والليل والنهار عن أهل القبور، حتى نستشكل؟ بل ظواهر
النصوص على إثبات ذلك، فلا داعي إلى ردّ مثل هذا الاستشكال الذي لا ينبني على
دليل صحيح. فتنبّه. والله تعالى أعلم.
قال: وحكى ابن بطال عن بعض أهل بلدهم أن معنى العرض هنا الإخبار بأن هذا
موضع أعمالكم، والجزاء لها عند الله تعالى، قال: وأريد بالتكرير بالغداة والعشيّ
تذكارهم بذلك، قال: ولسنا نشك أن الأجساد بعد الموت، والمسألة هي في الذهاب،
وأكل التراب لها، والفناء، ولا يُعرّض شيء على فان، فبان أن العرض الذي يدوم إلى
يوم القيامة إنما هو على الروح خاصّة، وذلك أن الأرواح لا تفنى، وهي باقية إلى أن
يصير العباد إلى الجنة، أو النار انتهى.
قال وليّ الدين رحمه اللّه تعالى: وما ذكره أولاً من أن معنى العرض هنا الإخبار قد
يقتضي عدم معاينة المقعد حقيقةً، وهذا خلاف ظاهر اللفظ، ولا مانع من حمل
الحديث، والآية على ظاهرهما، وإذا لم يَصرِف عن الظاهر صارف فالإيمان به واجبٌ،
وما ذكره من أن العرض على الأرواح خاصّة هو أحد احتمالي القرطبيّ، وظاهر
الحديث خلافه، والله أعلم انتهى (١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي أن ما دلّ عليه ظواهر النصوص هو الحق
الذي يجب التمسك به، ولا ينبغي الالتفات إلى هذه الاحتمالات العقلية التي
تخالف هذه الظواهر، فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ بتقليد ذوي الاعتساف. والله
تعالى أعلم.
(إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) اتحد فيه الشرط والجزاء لفظًا، ولا بدّ فيه
من تقدير. قال التوربشتيّ: التقدير إن كان من أهل الجنّة، فمقعده، من مقاعد أهل
الجنة يُعرض عليه. وقال الطيبيّ: الشرط والجزاء إذا اتحدا لفظًا دلّ على الفخامة،
والمراد أنه يرى بعد البعث من كرامة اللَّه تعالى ما يُنسيه هذا المقعد انتهى. ووقع عند
(١)-((طرح التثريب)) ج٣ ص٣٠٤-٣٠٥.

= ١٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ
مسلم بلفظ: ((إن كان من أهل الجنّة فالجنّة))، أي فالمعروض الجنّة(١).
(وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ) التقدير فيه كالتقدير في سابقه (حَتَّى يَبْعَثَهُ
اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) ) وفي الرواية التالية: ((حتى يبعثك الله عز وجل يوم
القيامة))، بكاف الخطاب. وعند مسلم: ((حتى يبعثك اللَّه إليه يوم القيامة)).
وحكى ابن عبد البرّ فيه الاختلاف بين أصحاب مالك، وأن الأكثر رووه كرواية
البخاريّ -يعني حتى يبعثك الله يوم القيامة- وأن ابن القاسم رواه كرواية مسلم، قال:
والمعنى حتى يبعثك اللَّه إلى ذلك المقعد. ويحتمل أن يعود الضمير إلى اللّه، فإلى الله
ترجع الأمور، والأول أظهر انتهى.
قال الحافظ: ويؤيده رواية الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، بلفظ: ((ثم يقال: هذا
مقعدك الذي تُبعث إليه يوم القيامة)). أخرجه مسلم. وقد أخرج النسائيّ(٢) رواية ابن
القاسم، لكن لفظه كلفظ البخاريّ انتهى(٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر تغطيها هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفیمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٢٠٧٠/١١٦ و٢٠٧١ و٢٠٧٢ وفي («الكبرى»٢١٩٧/١١٦ و٢١٩٨
و٢١٩٩ . وأخرجه (خ)١٣٧٩ و٣٢٤ و٦٥١٥ (م)٢٨٦٦ (ت) ١٠٧٢ (ق) ٤٢٧٠
(أحمد) ٤٦٤٤ و٥٠٩٨ و٥٨٩٠ و٦٠٢٣ (الموطأ) ٥٦٤. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: إثبات عذا القبر، لأن عرض مقعده من النار عليه نوع عظيم من العذاب.
ومنها: أن الروح لا تفنى بفناء الجسد، لأن العرض لا يمكن إلا على الحيّ. قال
القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا الحديث، وما في معناه يدلّ على أن الموت ليس بعدم،
وإنما هو انتقال من حال إلى حال، ومفارقة الروح للبدن.
وقال بعضهم: ومما يدلّ على حياة الروح، وأنها لا تفنى قوله عز وجل: ﴿ اَللَّهُ يَتَوَفَّى
اُلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَِّى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ أَلَتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ
(١)-((فتح)) ج٣ ص ٦١٣ .
(٢)-هو الحديث الآتي بعد حديث.
(٣)- ((فتح)) ج٣ ص٦١٤ .