Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ ٨٢- مُؤَارَةُ الشَّهِيدِ فِي دَمِهِ - حديث رقم ٢٠٠٢ مسلم أخو الزهريّ، وعبد الحميد بن جعفر، ولم يُدركه. قال سعد بن إبراهيم: حدّثنا عبدالله بن صُعير، ابن أخت لنا. وقال ابن سعد: كان أبو ثعلبة بن صُعير شاعرًا، وكان حليفًا لبني زهرة. وقال ابن السكن: يقال: له صحبة، وحديثه في صدقة الفطر مختلف فيه، وصوابه مرسل، وليس يُذكر في شيء من الروايات الصحيحة سماع عبدالله من النبي وَلّ، ولا حضوره إياه. وقال أبو حاتم: قد رأى النبيّ وَّل، وهو صغير. وقال البخاريّ في ((التاريخ)): عبدالله بن ثعلبة عن النبي ◌ِّ مرسل، إلا أن يكون عن أبيه، وهو أشبه، فأما ثعلبة بن أبي صُعير، فليس من هؤلاء، قال لي سعيد بن تَلِيد، عن ابن وهب، عن مالك، عن ابن شهاب: إنه كان يُجالس عبدالله بن ثعلبة بن أبي صُعير ليتعلّم منه الأنساب وغيره، فسأله يومًا عن مسألة من الفقه؟ فقال: إن كنت تريد هذا فعليك بهذا الشيخ، سعيد بن المسيب. وزعم ابن حزم في ((المحلّى)) أنه مجهول. وقال الحاكم أبو أحمد: أبو محمد عبدالله بن ثعلبة بن صُعير ابن عمّ خالد بن عُرفطة ابن صُعير. قيل: إنه ولد قبل الهجرة، وقيل: بعدها، وتوفّي سنة (٨) وقيل: سنة (٨٩) وهو ابن (٨٣) سنة، وقيل: ابن (٩٣) وقيل: غير ذلك في تاريخ وفاته، ومبلغ سنّه. روى له البخاريّ، وأبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وأعاده في ٣١٤٨ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن صحابيه من المقلّين في الرواية، فله عند البخاريّ حديث، وعند المصنف حديث، وعند أبي داود حديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ) ◌َّهِ، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، لِقَتْلَى أُحُدٍ) أي في شأنهم، وحكمهم (زَمِّلُوهُمْ) بتشديد الميم، من التزميل، وهو التلفيف، أي لَفْفُوهم، يقال: زَمَّلْته بثوبه تَزْمِيلاً، فتزَمَّل، مثلُ لَفَّفْتُهُ به، فتلفّف به. وأما زَمَلْتُ الشيءَ بتخفيف الميم، فإنه بمعنى حملته، وهو لا يناسب هنا، ومن الثاني قيل للبعير زاملةٌ، لأنه يحمل متاع المسافر، والهاء للمبالغة. أفاده في ((المصباح)) (بِدِمَائِهِمْ) أي مع دمائهم بدون غسل، فالباء بمعنى ((مع))، أو المراد في ثيابهم المتلطّخة بالدم، من غير غسل (فَإِنّةٌ) ٣٤٢ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ الفاء للتعليل، فهو تعليل للأمر بتزميلهم بدمائهم، والضمير للشأن، وضمير الشأن هو الضمير الذي يُفسَّر بجملة بعده، أي لأنه (لَيْسَ كَلْمٌ) بفتح الكاف، وسكون الميم، أي جرح، والمراد به العضو الجريح، بدليل قوله: ((يكلم))، أو هو بمعناه المصدريّ، ويكون معنى ((يُكلم)): أي يُعمل، ويُفعل (يُكْلَمُ) بالبناء للمفعول، أي يُجرح (فِي اللَّهِ) أي مخلصًا لله، ومريدًا إعلاء كلمة الله، لا يُرائي، ولايكاثر، ولا يقاتل للعصبيّة (إِلَّا يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى) بفتح الياء، وسكون الدال، وفتح الميم، وزان يَرْضَى، قال الفيّومِيّ ◌َقّْهُ: دَمِيَ الْجُرْحِ، دَمّى، من باب تَعِبَ، ودَمْيًا أيضا، على التصحيح: خرج منه الدم، فهو دَم على النقص، ويتعدّى بالألف، والتشديد، وشَجَّةٌ داميةٌ للتي يخرج دمها، ولا يسيلٌ، فإن سال فهي الدامعة، ويقال: أصل الدم دَمْيٌ، بسكون الميم، لكن حُذفت اللام، وجُعلت الميم حرفَ إعراب. وقيل: الأصل بفتح الميم، ويُثنّى بالياء، فيقال: دَمَيان، وقيل: أصله واو لهذا يقال: دموان، وقد يثنى على لفظ الواحد، فيقال: دمان انتهى(١) (لَوْتُهُ لَوْنُ الدَّم، وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ))) يعني أن لون ذلك الْكَلْم كلون الدم، وريحَهُ كريح المسك. وهذا بيان لسبب دفنهم بدمائهم، وعدم مشروعيّة غسلهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عبدالله بن ثعلبة تظمثم عنه هذا صحيح. فإن قلت: تقدّم أن عبدالله بن ثعلبة له رؤية، واختلف في روايته، فكيف يصحّ؟. قلت: قد أثبت صحبته البغويّ، فقال: رأى النبيّ وَلقوله وحفظ عنه، له صحبه، وذكره ابن حبّان في الصحابة. وقال ابن السكن: يقال: له صحبة (٢). وأيضًا قد ثبت في غير رواية المصنّف أنه رواه عن جابر بن عبدالله تعط ينا، فقد أخرجه أحمد في ((مسنده))، بسند صحيح عنه، فقال: ٢٣١٤٧ - حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن أبي صُعَير عن جابر ابن عبد الله، قال: لما كان يومُ أحد، أشرف النبي وَّر، على الشهداء الذين قتلوا يومئذ، فقال: ((زملوهم بدمائهم، فإني قد شهدت عليهم، فكان يُدفن الرجلان، والثلاثة، في القبر الواحد، ويسأل أيهم كان أقرأ للقرآن؟، فيقدمونه، قال جابر: فدفن أبي وعمي يومئذ في قبر واحد انتهى. والحاصل أن الحديث صحيح. والله تعالى أعلم. (١)- ((المصباح)) في مادة دمي. (٢)- راجع ((الإصابة)) ج٥ ص ٣٠ . ٣٤٣ ٨٣- أَيْنَ يُدْفَنُ الشَّهِیدُ؟ - حديث رقم ٢٠٠٣ المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٢٠٠٢/٨٢ و٣١٤٨/٢٧ وفي ((الكبرى)) ٢١٢٩/٨٢. وأخرجه (أحمد) ٢٣١٤٤. وفوائده ستأتي في كتاب الجهاد، إن شاء اللّه تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٨٣- أَيْنَ يُدْفَنُ الشَّهِيدُ؟ ٢٠٠٣- أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا وَكِيعْ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ رَجُلِ، يُقَالُ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَيَّةَ، قَالَ: أُصِيبَ رَجُلَانٍ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَوْمَ الطَّائِفِ، فَحُمِّلَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَأَمَرَ أَنْ يُدْفَنَا، حَيْثُ أُصِيبًا، وَكَانَ ابْنُ مُعَيَّةً، وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَالِ. رجال هذا الإسناد: أربعة: ١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المذكور قبل باب. ٢- (وكيع) بن الْجَرّاح، أبو سفيان الرؤاسيّ الكوفيّ، ثقة ثبت [٩] ٢٥/٢٣. ٣- (سعيد بن السائب) بن يسار الثقفيّ الطائفيّ، وهو ابن أبي حفص، ثقة عابدٌ [٧]. قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال الدراقطنيّ. وقال أبو داود: لا بأس به. وقال النسائيّ: ليس به بأس وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال الحميديّ، عن سفيان: كان لا تجفّ له دمعة. وقال شعيب بن حرب: كنا نعدّه من الأبدال، وقال: ثقة. وقال الصَّرِيفينيّ: مات سنة (١٧١). روى له أبو داود، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٤- (عبيدالله بن معيّة) -بالتصغير فيهما- ويقال: عَبدالله بالتكبير، ويقال: عُبيد السُّوائيّ - بضمّ المهملة، وتخفيف الواو- العامريّ، ثقة [٢] ، حديثه مرسل. قال ابن أبي حاتم، عن أبيه: أدرك الجاهليّة. وقال غيره: وُلد على عهد النبيّ ◌َّر. روى عن النبيّ وَّر، وروى عنه إبراهيم بن ميسرة، وأثنى عليه خيرًا، وسعيد بن السائب. قال صالح بن أحمد، عن أبيه: عُبيد الله بن مُعيّة ليس بمشهور بالعلم. قال ابن أبي حاتم: ٣٤٤ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ فذكرته لأبي، فقال: هو كما قال: تفرد به المصنف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط . قال الحافظ: وقع اسمه في ((سنن النسائيّ)) عبدالله مكبّرًا، وكذلك ذكره صاحب (تهذيب الكمال))، وأما البخاريّ، ويعقوب بن سفيان، وغير واحد، ممن بعدهم، فذكروه في عُبيدالله، مصغّرًا انتهى قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هكذا قال في ((تهذيب التهذيب)) جـ٢ ص ٤٣٨: وقع اسمه في ((سنن النسائي)) مكبرًا، لكن الذي وقع في النسخ التي بين يَدَيّ من ((المجتبى)) و((الكبرى)) أنه مصغر، ولعل ذلك لاختلاف النسخ. والله تعالى أعلم. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، لكنه مرسل؛ إذلم يذكر فيه الصحابيّ. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن رجل، يقال له: عبدالله بن مُعيّة) رحمه اللَّه تعالى، أنه (قَالَ: أُصِيبَ رَجُلَانِ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَوْمَ الطَّائِفِ) أي غزوة الطائف (فَحُمِلَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بِّهِ) إلى المكان الذي نزل فيه رسول اللّه وَلَ (فَأَمَرَ) وَرِ (أَنْ يُدْفَنَا، حَيْثُ أُصِيبًا) ببناء الفعلين للمفعول، أي أمر أن يُقْبَرا في المحلّ الذي أصابهما فيه القتل. وهذا هو موضع جواب السؤال الذي أورده في الترجمة، فإنه يدلّ على أن الشهید یُدفن في الموضع الذي قتل فيه، ولا يجوز نقله إلى موضع آخر، لأمره وَله بذلك، وأمرُهُ للوجوب، إلا إذا كان هناك ضرورة، فيدفن في أيّ موضع أمكن. والله تعالى أعلم. وقال السنديّ رحمه الله تعالى: يحتمل أنّ المراد منع النقل إلى أرض أخرى، أو الدفن في خصوص البقعة التي أصيبا فيها، والله تعالى أعلم انتهى. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو الظاهر، فحيث أمكن الدفن في البقعة التي أصيب فيها، لا يدفن في غيرها، لظاهر النصّ. والله تعالى أعلم (وَكَانَ ابْنُ مُعَيَّةَ، وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَّ) لكن تقدّم أن حديثه مرسل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عبدالله بن معيّة رحمه الله تعالى هذا صحيح. فإن قيل: کیف یصحّ، وقد تقدّم أنه مرسل؟ أجيب: بأنه وإن كان مرسلاً، لكن يشهد له حديث جابر رَظّه الآتي بعده، فيصح. ٣٤٥ ٨٣- أَيْنَ يُدْفَنُ الشَّهِیدُ؟ - حديث رقم ٢٠٠٣ واللّه سبجانه وتعالى أعلم. المسألة الثانية: في بیان مواضع ذکر المصنّف له: انفرد به المصنف رحمه الله تعالى، وأخرجه هنا -٢٠٠٣/٨٣- وفي («الكبرى» ٨٣/ ٢١٣٠ . والله سبحانه وتعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في نقل الميت من بلد إلى بلد آخر: قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلفوا في نقل الميت من بلد إلى بلد آخر، فممن كره ذلك عائشة أم المؤمنين رؤيتها ، قالت: لو حضرت أخي ما دُفن إلا حيث مات، وكان قد مات بالْحُبْشيّ(١) ، فدفن بأعلى مكّة، وكره ذلك الأوزاعيّ. وسئل الزهريّ عن هذه المسألة؟ فقال: قد حُمل سعد بن أبي وقّاص، وسعيد بن المسيّب(٢) من العقيق إلى المدينة، فدفنا بها. وقال ابن عُيينة: مات ابن عمر ههنا - يعني بمكة- فأوصى أن لا يُدفن بها، وأن يُدفن بسرف، فغلبهم الحرّ، وكان رجلاً باديًا(٣). قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: يُستحبّ أن يُدفن الميت في البلد الذي توفي فيه، على هذا كان الأمر على عهد رسول اللَّه بِّله، وعليه عوام أهل العلم، وكذلك تفعل العامّة في عامة البلدان، ويكره حمل الميت من بلد إلى بلد، يُخاف عليه التغيّر فيما بينهما انتهى كلام ابن المنذر رحمه اللَّه تعالى، باختصار (٤). ونقل الإمام مالك رحمه الله تعالى عن غير واحد ممن يثق به أن سعد بن أبي وقّاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، توفّيا بالعَقيق، وحُملا إلى المدينة، ودُفنا بها انتهى. قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ رحمه اللّه تعالى: الخبر بذلك عن سعد، وسعيد، كما حكاه مالك صحيح، ولكنها مسألة اختَلَف السلف، ومن بعدهم فيها باختلاف الآثار في ذلك: فمن كره ذلك احتجّ بحديث جابر بن عبدالله تصافيها أن النبيّ وَل أمر بالقتلى أن يردّوا إلى مضاجعهم. وبحديث جابر أيضًا عن النبيّ وَّر أنه قال: تُدفن الأجساد حيث ماتقبض الأرواح(٥). وبالحديث عن عائشة رضيّها أنها قالت في أخيها عبدالرحمن: لو (١)- الْحُبْشيّ بضم، فسكون: جبل بأسفل مكة، بينه وبينها اثنا عشر ميلاً، أونحوها، كما يأتي في كلام ابن عبدالبرّ. (٢) هكذا في نسخة ((الأوسط)) جـ٥ص٤٦٤ (ابن المسيب)) والظاهر أنه غلط، والصواب ((سعيد بن زید»، كما سيأتي قريبا. (٣) - هكذا نسخة ((الأوسط))، ولعله ((بادنا)). والله أعلم. (٤)- ((الأوسط)) ج٥ ص ٤٦٤ . (٥)- سيأتي الإشارة في كلام ابن عبدالبرّ أنه لا يثبت. ٣٤٦ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ شهدته ما دُفن إلا حيث مات. وكان دُفن(١) بالحبشيّ، مكان بينه وبين مكة اثنا عشر ميلاً أو نحوها. قال أبو عمر: قد أجمع المسلمون كافّة بعد كافّة على جواز نقل موتاهم من دورهم إلى قبورهم، فمن ذلك البقيع مقبرة المدينة، ولكلّ مدينة جبّانة يتدافن فيها أهلها، فدلّ ما ذكرناه من الإجماع على فساد نقل من نقَلَ: ((تدفن الأجساد حيث تُقبض الأرواح))، إلا أن يكون أراد البلد والحضرة، وما لا يكون سفرًا. والله أعلم. وليس في أمر رسول اللّه وَله برد القتلى يوم أحد إلى مضاجعهم ما يُردّ ما وصفنا. والحديث المأثور: ((ما دُفن نبيّ إلا حيث قُبض)) دليل، ووجه على تخصيص الأنبياء بذلك، والله أعلم. وأما حديث عائشة في أخيها بذلك -والله أعلم- لأنها أرادت دفنه بمكة؛ لزيارة الناس القبور بالسلام عليهم، والدعاء لهم. قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هكذا ذكر ابن البرّ قصة عائشة، أن موت أخيها كان بمكة، ثم دفن بالحبشيّ، وخالفه غيره، فذكر أنه مات بالْحُبشيّ، ودُفن بمكّة، والظاهر أن الصواب ما قاله غيره، فقد ساق القصّة ابن المنذر رحمه الله تعالی بسند صحيح، فقال: حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: سمعت ابن أبي مليكة، يقول: قالت عائشة: لو حضرت عبدالرحمن -تعني أخاها- ما دُفن إلا حيث مات، وكان مات بالْحُبشيّ، فدفن بأعلى مكة، والحبشيّ قريب من مكة. انتهى(٢). قال أبو عمر: وقد نُقِل سعد بن أبي وقّاص، وسعيد بن زيد من العقيق، ونحوه إلى المدينة، وذلك بمحضر جماعة من الصحابة، وكبار التابعين، من غير نكير، ولعلّهما قد أوصيا بذلك، وما أظنّ إلا وقد رويت ذلك. وليس في هذا الباب -أعني نقل الموتى - بدعةٌ، ولا سنّة، فليفعل المؤمن ذلك ما شاء، وبالله التوفيق انتهى كلام ابن عبد البرّ رحمه اللّه تعالى(٣). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الراجح عندي أن نقل الشهيد ممنوع، لصحة أحاديث الباب، وأما غيره، فالأولى دفنه في محل موته، لأنه المعهود في زمن النبيّ وَّر، كما تقدم في كلام ابن المنذر، وإن نُقِل لغرض من الأغراض، فلا منع، ما لم يُخف تغيّره، لما تقدّم من أنّ سعد ابن أبي وقّاص، وسعيد بن زيد رَّت، نقلا من العقيق إلى المدينة بمحضر من (١)- سيأتي الكلام عليه قريبا. (٢) - ((الأوسط)) ج٥ ص ٤٦٤ . (٣)-((الاستذكار)) ج٨ ص٢٩٣-٢٩٥. ٨٣- أَيْنَ يُدْفَنُ الشَّھیدُ؟ - حدیث رقم ٢٠٠٤ ٣٤٧= به، ولم ينكر ذلك أحد، ولأنه لم يصحّ عن النبيّ يَّر المنع عنه، إلا في الصحابة الشهيد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٠٤- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ نُبَيْحِ الْعَنَزِيُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النِّيَّ ◌َ أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ، أَنْ يُرَدُوا إِلَى مَصَارِعِهِمْ، وَكَانُوا قَدْ نُقِلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ. رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (محمد بن منصور) الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢١/٢٠. ٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة المشهور [٨] ١/١. ٣- (الأسود بن قيس) العبديّ النخعيّ، أبو قيس الكوفيّ، ثقة [٤] ١٤٨٤/١٥. ٤- (تُبيح) - مصغّرًا- ابن عبدالله (العَنَّزيّ) -بفتح المهملة، والنون، ثم زاي- أبو عمرو الكوفيّ، ثقة(١) [٣]. روى عن ابن عبّاس، وابن عمر، وأبي سعيد، وجابر *#. وعنه الأسود بن قيس، وأبو خالد الدالانيّ. قال أبو زرعة: ثقة، لم يرو عنه غير الأسود بن قيس. وقال العجليّ: كوفيّ، تابعيّ، ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وذكره ابن المدينيّ في جملة المجهولين الذين يروي عنهم الأسود بن قيس. وصحح الترمذيّ حديثه(٢)، وكذلك ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم. روى له الأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده. ٥- (جابر بن عبدالله) بن عمرو بن حرام رضي الله تعالى عنهما. والله تعالى اعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير نبيح، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أن شيخه وسفيان مكيان، والأسود ونبيح كوفيان، وجابر رضي اللّه تعالى عنه مدني. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن جابرًا وَظّم من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي اللّه تعالى عنهما، وفي رواية ابن ماجه: ((عن الأسود ابن قيس، سمع نُبيحًا العنزيّ، يقول: سمعت جابر بن عبدالله ... ))، فصرّح بالسماع (١)- في (ت)) قال: مقبول، لكن وثقة جماعة، كما سيأتي بعد، فلذا رأيت أن يقال: إنه ثقة. (٢)-قال في ((جامعه)): حديث حسن صحيح، ونُبيح ثقة. ج٤ ص٢١٥ رقم ١٧١٧ . ٣٤٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ في موضعين (أَنَّ النَّبِيِّ بِّهِ أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ) جمع قتيل، أي الشهداء الذين قتلوا في معركة أحد (أَنْ يُرَدُّوا إِلَى مَصَارِعِهِمْ) جمع مصرع بفتح الميم، والراء- وهو موضع القتل. وهذا هو محلّ جواب السؤال الذي أورده في الترجمة، أيضًا، ومرّ تقريره في الحديث الماضي (وَكَانُوا قَدْ نُقِلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ) وفي رواية الترمذيّ: ((لما كان يومُ أحد جاءت عمّتي بأبي؛ لتدفنه في مقابرنا، فنادى منادي رسول اللّه وَلّر: ((ردّوا القتلى إلى مضاجعهم)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنهما هذا صحیح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٠٠٤/٨٣ و ٢٠٠٥- وفي «الکبری» ٢١٣١/٨٣ و ٢١٣٢ - وزاد فيه: ((قال أبو عبدالرحمن: نُبيح العنزيّ لم يرو عنه غير الأسود بن قيس انتهى(١). وأخرجه (د)٣١٦٥ (ت)١٧١٧ (ق) ١٥١٦ (أحمد) ١٣٨٩٣. واختلاف أهل العلم في جواز نقل الميت من موضع إلى موضع آخر قد استوفيته في المسألة الثالثة من الحديث الماضي فارجع إليها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٠٥- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَسْوَدِ ابْنِ قَيْسٍ، عَنْ نُبَيْحِ الْعَنَزِئِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ، قَالَ: ((ادْفِتُوا الْقَتْلَى فِي مَصَارِعِهِمْ». قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا طريق ثان لحديث جابر رَّه، وهو حديث صحيح، وهو أنزل من الذي قبله بدرجة، و((محمد بن عبدالله بن المبارك)): هو الْمُخْرِّميّ، أبو جعفر البغدادي الثقة الحافظ [١١] ١٢٣٦/٢٣. و((وكيع)): هو ابن الجرّاح. و(سفيان)): هو ابن سعيد الثوريّ الإمام.، والباقون ذكروا في الذي قبله، وكذا شرح الحديث، وما يتعلّق به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). (١)-راجع ((الكبرى)) ج١ ص ٦٤٧ . ٨٤- بَأَبُ مُؤَارَأَةِ الْمُشْرِكِ - حديث رقم ٢٠٠٦ ٣٤٩ == ٨٤- بَابُ مُوَارَاةِ الْمُشْرِكِ ٢٠٠٦- أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ نَاجِيَةَ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قُلْتُ لِلِنَِّيِّ وَّهِ: إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ مَاتَ، فَمَنْ يُوَارِبِهِ؟، قَالَ: ؟اذْهَبْ، فَوَارِ أَبَاكَ، وَلَا تُحدِثَنَّ حَدَثَا، حَتَّى تَأْتِيَنِي))، فَوَارَيْتُهُ، ثُمَّ جِثْتُ، فَأَمَرَنِي، فَاغْتَسَلْتُ، وَدَعَا لِي، وَذَكَرَ دُعَاءٌ، لَمْ أَخْفَظْهُ. رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عبيدالله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة مأمون سنّيّ [١٠] ١٥/١٥. ٢- (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الثبت الحجة [٩] ٤/٤. ٣- (سفيان) الثوريّ المذكور في الباب الماضي. ٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبدالله السبيعيّ الكوفي، ثقة عابد، مختلط [٣] ٤٢/٣٨. ٥- (ناجية بن كعب) الأسديّ الكوفي، ثقة [٣] ١٩٠/١٢٨. ٦- (علي) بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه ٩١/٧٤. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير ناجية، فأخرج له المصنف، وأبو داود، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فسرخسي، ويحيى، فبصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. ومنها: أن صحابيه أحد الخلفاء الأربعة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة،. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَلِيٍّ) رضي اللّه تعالى عنه (قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ بَّهِ: إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ مَاتَ) يريد أبا طالب، والده (فَمَنْ يُوَارِيهِ؟) أي من الذي يَدِفِنه، ويستره عن أعين الناس (قَالَ: اذْهَبْ، فَوَارِ أَبَاكَ) أي ادفنه، وغيّبه عن أعين الناس، لئلا يتأذى أحد بجيفته. وفيه أنه لم يأمره بغسله، وبتكفينه، وقد اختلف العلماء في ذلك، قال النوويّ في ((المجموع)): مذهب الشافعيّ أن للمسلم غسله، ودفنه، واتباع جنازته، قال: ونقله ابن المنذر عن أصحاب الرأي، وأبي ثور، وقال مالك، وأحمد: ليس للمسلم، غسله، ٣٥٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ ولا دفنه، لكن قال مالك: له مواراته انتهى. (١) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الراجح عندي أنه يواريه، لحديث الباب، ولا يغسله، ولا يتبع جنازته؛ لعدم صحة دليل على ذلك. والله تعالى أعلم. (وَلَا تُحدِثَنَّ حَدَثًا) من الإحداث، أي لا تفعلنّ شيئا، وفي رواية لأحمد من طريق أبي عبدالرحمن السُّلَميّ، عن عليّ: ((ولا تحدث من أمره شيئا)) (حَتَّى تَأْتِيَنِي))، فَوَارَيْتُهُ، ثُمَّ جِئْتُ) أي النبيّ وََّ (فَأَمَرَنِي) أي بالاغتسال، وفي الرواية المتقدمة في [١٩٠/١٢٨] ((فقال لي: اغتسل)) (فَاغْتَسَلْتُ) فيه الأمر بالاغتسال لدفن الكافر، وقد ترجم المصنّف رَوْتُمُ في - ١٩٠/١٢٨- بقوله: ((الغسل من مواراة الكافر)) (وَدَعَا لِي، وَذَكَرَ دُعَاءٌ، لَمْ أَحْفَظْهُ) أي ذكر النبيّ بَّر دعاء دعا به لعليّ رَّ ، ولكنه لم يحفظه هو. وفي رواية أحمد المذكورة: ((ثم أتيته، فدعا لي بدعوات، ما يسرني بهن حُمْر النعم، وسُودها)). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، ولا يضر فيه الكلام في ناجية؛ لأنه لم ينفرد به، فقد تابعه عليه أبو عبدالرحمن السُّلَميّ، عن عليّ رَلَيهِ ، أخرجه أحمد في ((مسنده)) رقم [١٠٧٧] بسنده عنه. وتمام الكلام عليه، وعلى مسائله تقدم في ((أبواب الطهارة)) برقم [١٩٠/١٢٨]، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٨٥- اللَّخْدُ وَالشَّقُّ قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة تفضيل اللحد على الشّقّ؛ لأن الأحاديث التي أوردها صَريحه في ذلك على ما سيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى. و(اللَّحد)) - بفتح، فسكون -: الشَّقُّ في جانب القبر، والجمع لُحُود، مثلُ فَلْس، وفُلُوس، واللُّخدُ -بالضمّ- لغة، وجمعه أَلْحاد، مثلُ قُفْلِ، وأَقفال، ولَحَدتُ اللَّحْدَ لَحْدًا، من باب نَفَعَ، وألحدته إِلْحادًا: حَفَرته، ولَحَدتُ الميتَ، وألحدته: جعلته في اللحد. قاله في ((المصباح)). وقال في ((المنهل)): ((واللحد)» بفتح اللام، وقد تضمّ: الشَّقُّ الذي يُعمل في جانب ٣٥١ ٨٥- اللَّخْدُ وَالشَّقُّ - حديث رقم ٢٠٠٧ القبر بقدر ما يسع الميت، فيوضع فيه، ثم يُنصب عليه اللَّبِن، وأصل اللحد الميل، يقال: لَحَدت إلى كذا: إذا ملت إليه، وبابه نفع، وألحد، من باب أكرم: أمال، وسمي الشقّ في جانب القبر لحدًا؛ لأنه أُميل به عن وسط القبر. و((الشَّقُّ: حُفْرة مستطيلة في وسط القبر، تُبنى جوانبها باللبِنٍ، أو غيره، يوضع فيه الميت، ويسقّف عليه باللبن، أو الخشب، أو غيرهما، ويرفع السقف قليلاً، بحيث لا يمسّ الميت انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٠٠٧ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَذَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: الْحَدُوا لِي لَخْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ نَصْبًا، كَمَّا فُعِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلِّ. رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عمرو بن عليّ) الفلّاس البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/٤. ٢- (عبدالرحمن) بن مهديّ البصريّ الإمام الحجة [٩] ٤٩/٤٢. ٣- (عبدالله بن جعفر) بن عبدالرحمن بن الْمِسْوَر بن مَخْرَمة الْمَخْرَميّ، أبو محمد المدنيّ، ليس به بأس [٨] ١٣١٦/٦٨. ٤- (إسماعيل بن محمد بن سعد) بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو محمد المدنيّ، ثقة حجّة [٤] ١٢٥/٩٧. ٥- (محمد بن سعد) بن أبي وقّاص القرشيّ الزهريّ، أبو القاسم المدنيّ، نزيل الكوفة، كان يُلقّب ظلّ الشيطان لقصره، ثقة [٣]. قال العجليّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، ليست بالكثيرة، وكان قد خرج مع ابن الأشعث، وشهد دَيْرِ الْجَمَاجم، فأُتِي به الحجاج، فقتله. روى له أبوداود في ((المراسيل))، والباقون، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا، و٢١٣٥ حديث: ((الشهر هكذا وهكذا .. )) الحديث، وأعاده برقم ٢١٣٦، و٣٦٣٥ حديث: ((الثلث، والثلث كثير)). ٦- (سعد) بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبدمناف بن زهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، أحد العشرة، وأول من رمى بسهم في سبيل اللّه تَظ مات بالعقيق سنة (٥٥) على المشهور ٩٦/ ١٠٢١ . والله تعالى أعلم. (١)- ((المجموع» ج٥ص١٥٣. ٣٥٢ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيه أحد العشرة المبشّرين بالجنة، وهو آخر من مات منهم، مات تَنْث سنة (٥٥). والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص رَثُه (قَالَ) وفي الرواية التالية: أن سعدًا لَمّا حضرته الوفاة قال ... (الْحَدُوا لِي لَخدًا) قال النوويّ رحمه اللّه تعالى: بوصل الهمزة، وفتح الحاء، ويجوز بقطع الهمزة، وكسر الحاء، يقال: لَحَدَ يلحد، كذَهَب يذهب، وأَلْحَدَ يُلحِد: إذا حفر اللحد، واللحد، بفتح اللام، وضمها معروف، وهو الشقّ تحت الجانب القبليّ من القبر، وفيه دليل لمذهب الشافعيّ، والأكثرين في أن الدفن في اللحد أفضل من الشقّ، إذا أمكن، وأجمعوا على جواز اللحد، والشقّ انتهى (١). وقال القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: اللحد: هو أن يُشقّ في الأرض، ثم يُحفر قبر آخر في جانب الشقّ، من جهة القبلة، يُدخل فيه الميت، ويُسدّ عليه باللبن، وهو أفضل عندنا من الشقّ، وكلّ واحد منهما جائز، غير أن الذي اختار اللَّه لنبيّه وَ لِّ هو اللحد، وذلك أنه لما أراد الصحابة أن يَحفِروا للنبيّ وَ ل #، اشتوروا في ذلك، وكان في المدينة رجلان، أحدهما يَلحَد، والآخر لا يلحد، فقالت الصحابة: اللَّهم اختر لنبيّك ◌َّل، فجاء الذي يلحد أوّلاً، فلحدوا، واشتوارهم في ذلك، واتفاقهم يدلّ على أنه لم يكن عندهم في أفضليّة أحدهما من النبي وَ ﴿ تعيينٌ، ولذلك رجعوا إلى الدعاء في تعيين الأفضل انتهى (٢). (وَانْصِبُوا) بوصل الهمزة، لأنه من نَصَب، ثلاثيا، يقال: نَصَبتُ الخشبة، نَصْبًا، من باب ضرب: أقمتها، ونصبت الحجرَ: رفعتُهُ علامة. قاله في ((المصباح)) (عَلَيَّ نَصْبًا) هكذا في رواية المصنّف بحذف المفعول، وقد ذُكر في رواية مسلم، ولفظه: ((وانصبوا عليّ اللبن نصبًا، كما صُنع برسول اللَّه وََّ)) (كَمَا فُعِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ إِ لَهَ) فيه أن النبيَّ ◌َل دُفن في اللحد، ونُصبت عليه اللبنات، وهي تسع لبنات، كما سيأتي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١)- ((شرح مسلم)) ج٧ ص٣٨. (٢)- ((المفهم) ج٢ ص٦٢٤ . ٨٥- اللَّخْدُ وَالشَّقُّ - حديث رقم ٢٠٠٩ ٣٥٣= مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث سعد بن أبي وقّاص تَظ ◌ّ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٠٠٧/٨٥ و٢٠٠٨ - وفي ((الكبرى)) ٢١٣٤/٨٥ و٢١٣٥ . وأخرجه (م) ٩٦٦ (ق) ١٥٥٦ (أحمد) ١٤٩٢ و١٦٠٤ . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما أشار إليه في الترجمة، وهو تفضيل اللحد على الشقّ. ومنها: استحباب نصب اللبن في اللحد. ومنها: أن رسول اللّه ◌َهر دُفن في اللحد، ونصبت عليه اللبنات، وذلك باتفاق الصحابة، قال النوويّ رحمه الله تعالى: وقد نقلوا أن عدد لبناته وَل تسع انتهى(١). ومنها: ما كان عليه الصحابة ، من الحرص على اتباع آثار رسول اللَّه وَلّل في حياتهم ومماتهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٠٨- أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ سَعْدًا، لَمَّا خَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قَالَ: الْحَذُّوا لِي لَخْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ نَصْبًا، كَمَا فُعِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ وَلِ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا طريق ثان لحديث سعد رَّ ، وتقدم تمام الكلام عليه في الذي قبله، وكذا تقدمت تراجم رجاله فيه، وممن لم يتقدم هناك: ١- (هارون بن عبدالله) الحمّال، أبو موسى البغداديّ، ثقة [١٠] ٥٠/ ٦٢. ٢- (أبو عامر) عبد الملك بن عمرو الْعَقَديّ القيسيّ البصريّ، ثقة [٩] ٣٢٧/٢. ٣- (عامر بن سعد) بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، ثقة [٣] ١٠٩٤/١٣١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٠٩- أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَذْرَمِيُّ، عَنْ حَكَّامِ بْنِ سَلْم الرَّازِيٌّ، عَنْ عَلِيَّ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدٍ بَنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((اللَّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا. رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عبدالله بن محمد، أبو عبدالرحمن الأَذْرَميّ (٢)) الْجَزَريّ الْمَوْصِليّ، ثقة [١٠] ٥٠٦/٦ ٠ (١)- ((شرح مسلم)) ج٧ ص٣٨ . (٢)- الأذرمي ب ((فتح)) الهمزة، وسكون المعجمة، و((فتح)) الراء أخره ميم: نسبة إلى أَذْرَمَةَ قرية بنصيبين. قاله في ((لب اللباب)) جـ ١ ص ٤٣. ١ ٣٥٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ ٢- (حَكّام بن سَلْم الرازيّ(١)) أبو عبدالرحمن الكنانيّ، ثقة له غرائب [٨]. قال الأثرم، عن أحمد: كان حسن الهيئة، قدم علينا، وكان يحدّث عن عنبسة أحاديث غرائب. وقال ابن معين: ثقة. وكذا قال ابن سعد، وأبو حاتم، ويعقوب بن شيبة، ويعقوب بن سفيان، والعجليّ، زاد ابن سعد: إن شاء اللَّه. وقال نصر بن عبدالرحمن الْوَشَاء: كتبنا عنه سنة تسعين ومائة، ومات بمكة قبل أن يحجّ. وذكره ابن حبّان في: ((الثقات))، وقال: رَوَى عن الأعمش. وقال الدارقطنيّ: لا بأس به، وقال إسحاق بن راهويه في ((تفسيره)): حدّثنا حَكّام بن سَلْم، وكان ثقة. علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٣- (عليّ بن عبد الأعلى) بن عامر الثَّغْلبيّ، أو أبو الحسن الكوفيّ الأحول، صدوق ربّما وَهِمَ [٦]. قال أحمد، والنسائيّ: لا بأس به. وقال البخاريّ فيما نقله عنه الترمذيّ: ثقة، ووثّقه الترمذيّ. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ. وقال الدار قطنيّ في ((العلل)): ليس بالقويّ. روى له الأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط . ٤- (أبوه) عبد الأعلى بن عامر الثعلبيّ الكوفيّ، صدوق يهم(٢) [٦]. قال عبدالله بن أحمد، عن أبيه: ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، ربما رفع الحديث، وربما وقفه. وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ، يقال: إنه وقع إليه صحيفة لرجل يقال له: عامر بن هُنيّ، كان يروي عن ابن الحنفية. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، ويكتب حديثه. وقال ابن عديّ: يحدّث بأشياء لا يُتابع عليها، قد حدث عنه الثقات. وقال عمرو بن عليّ: كان عبدالرحمن لا يحدّث عنه، قال: وكان يحيى يحدثنا عنه. وقال عبيدالله بن أبي الأسود، عن يحيى بن سعيد: سألت الثوريّ، عن أحاديثه، عن ابن الحنفيّة، فضعفها. وقال أحمد، عن ابن مهديّ: كل شيء روى عبد الأعلى عن ابن الحنفية إنما هو كتاب أخذه، ولم يسمعه. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس بذاك القويّ. وقال الساجيّ: صدوق يهم. وقال يحيى بن سعيد: تَعرِف وتُنكر. وقال أبو عليّ الكرابيسيّ: كان من أوهى الناس. وقال العقيليّ: ترکه ابن مهديّ، والقطان. وقال يعقوب بن سفيان: يُضعّف، يقولون: إن روايته عن (١)-(احكّام)) ب(فتح)) أوله، وتشديد الكاف، و((سلم)) ب((فتح)) السين، وسكون اللام. (٢)- هكذا قال عنه في ((ت)): صدوق يهم، والظاهر أنه ضعيف، لأن المحققين من النقّاد على تضعيفه، كما سيأتي كلامهم بهذا، فليتأمل. ٣٥٥ ٨٥- اللَّخْدُ وَالشَّقُّ - حديث رقم ٢٠٠٩ ابن الحنفيّة إنما هي صحيفة. وقال في موضع آخر: في حديثه لين، وهو ثقة. وقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث. وقال الدارقطنيّ يُعتبر به. وقال في ((العلل)): ليس بالقويّ عندهم. وصحح الطبريّ حديثه في الكسوف. وحسّن له الترمذيّ، وصحّح له الحاكم، وهو من تساهله. روى له الأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا ، و٤٠٠٥ حديث: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ الآية، و٤٧٧٥ حديث: ((أيها الناس أي أهل الأرض تعلمون أكرم .. )) الحديث(١). ٥- (سعيد بن جُبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٣٦/٢٨. ٦- (ابن عباس) رضي اللّه تعالى عنهما٣١/٢٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى علي بن عبد الأعلى، وأبيه، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فموصلي، وحكام، فرازي. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أحد العبادة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َِّ: («اللَّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا) جملتان اسميتان، بيّن فيهما النبيّ وَّر أن اللحد لأمواتنا معشر المسلمين، والشقّ لغيرنا من أهل الكتاب، كما صرّح به في رواية أحمد بسند فيه ضعيف. وأخرج أيضًا: ((الحدوا، ولا تشقّوا، فإن اللحد لنا، والشقّ لغيرنا))، وسيأتي أنه ضعيف. قال الإمام ابن تيميّة رحمه الله تعالى: فيه تنبيه على مخالفتنا لأهل الكتاب في كلّ ما هو شعارهم، حتى في وضع الميت في أسفل القبر انتهى. وقال الدهلويّ ◌َخّْلهُ: إن كان المراد بضمير الجمع في ((لنا)) المسلمين، وبضمير ((غيرنا)) اليهود والنصارى، فلا شكّ أنه يدلّ على أفضليّة اللحد، بل على كراهية غيره، وإن كان المراد بـ((غيرنا)) الأمم السابقة، ففيه إشعار بالأفضليّة، وعلى كلّ تقدير ليس اللحد واجبًا، والشقّ منهيا عنه انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ومما يدلّ على تفضيل اللحد على الشقّ، لا على (١)-راجع ((تت)) ج ٢ ص ٤٦٤ -٤٦٥ . (٢)-راجع ((المنهل)) ج٩ ص ٥٧ . ٣٥٦ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ تعيينه ما أخرجه أحمد، وابن ماجه، واللفظ له، من طريق حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: لما توفي النبي وَل﴿، كان بالمدينة رجل يلحد، وآخر يَضرَح(١)، فقالوا: نستخير ربنا، ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه، فأرسل إليهما، فسبق صاحب اللحد، فلحدوا للنبي گێر. حديث صحيح. وأخرج أحمد بسنده عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة، مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول اللَّه وَلغيره، وكان أبو عبيدة بن الْجَرّاح، يَضرَح، كحفر أهل مكة، وكان أبو طلحة، زيد بن سهل، يحفر لأهل المدينة، فكان يلحد، فدعا العباس رجلين، فقال لأحدهما: اذهب إلى أبي عبيدة، وللآخر اذهب، إلى أبي طلحة، اللَّهم خِرْ لرسولك، قال: فَوَجَد صاحب أبي طلحة أبا طلحة، فجاء به، فلحد لرسول الله قال﴾. وفيه حسین بن عبدالله قال فيه ابن معين في رواية ابن أبي مريم عنه: ليس به بأس، یکتب حديثه. وقال أبو حاتم: ضعيف، وهو أحب إلي من حسین بن قيس، يكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال ابن عديّ: أحاديثه، يشبه بعضها بعضًا، وهو ممن يكتب حديثه، فإني لم أجد حديثا منكرًا قد جاوز المقدار. وضعفه آخرون. لكن يشهد له حديث أنس الذي قبله، فالحديث عندي حسن. والله تعالى أعلم. فتقريره وَيهر للرجلين حال حياته، هذا يلحد، وهذا يشقّ، دليلٌ على أن كُلَّا من اللحد، والشقّ جائز، بلا كراهة، وإنما فُضّل اللحد، لأن اللَّه سبحانه وتعالى اختاره النبيّه وَّله، فدلّ على أفضليته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: أخرج الإمام أحمد في ((المسند)) رحمه الله تعالى هذا الحديث مطوّلاً، وذکر فیه سببًا، فقال: ١٨٦٩٥- حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا أبو جناب، عن زاذان، عن جرير بن عبد الله، قال: خرجنا مع رسول اللّه ◌َلير، فلما برزنا من المدينة، إذا راكب يوضع نحونا، فقال رسول اللَّه وَله: كأن هذا الراكب إياكم يريد، قال: فانتهى الرجل إلينا، فسلم، فرددنا عليه، فقال له النبي وَله: ((من أين أقبلت؟))، قال)) من أهلي، وولدي، وعشيرتي، قال: ((فأين تريد؟))، قال: أريد رسول اللّه وَ لتر، قال: «فقد أصبته))، قال: یا رسول اللَّه، علمني ما الإيمان؟، قال: ((تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول اللَّه، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت))، قال: قد أقررتُ، قال: ثم إن بعيره دخلت يده في شبكة جرذان، فهوى بعيره، وهوى الرجل، فوقع على (١)- من باب نفع: أي يحفر الضريح، وهو الشّقُّ في وسط القبر. أفاده في ((المصباح)). ٨٥- اللَّحْدُ وَالشَّقُّ - حديث رقم ٢٠٠٩ ٣٥٧ هامته، فمات، فقال رسول اللَّه ◌َ له: ((علي بالرجل))، قال: فوثب إليه عمار بن ياسر، وحذيفة، فأقعداه، فقالا: يا رسول الله، قبض الرجل، قال: فأعرض عنهما رسول الله وَ ثر، ثم قال لهما رسول اللّه وَليقول: ((أما رأيتما إعراضي عن الرجلين، فإني رأيت ملكين يدسان في فيه، من ثمار الجنة، فعلمت أنه مات جائعا))، ثم قال رسول اللّه وَلهى: ((هذا والله من الذين قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَكَ لَهُمُ الْأَمْنُّ وَهُم ◌ُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، قال: ثم قال: ((دونكم أخاكم))، قال: فاحتملناه إلى الماء، فغسلناه، وحنطناه، وكفناه، وحملناه إلى القبر، قال: فجاء رسول اللّه وَل حتى جلس، على شفير القبر، قال: فقال: ((ألحدوا، ولا تشقوا، فإن اللحد لنا، والشق لغيرنا)» . حدثنا أسود بن عامر، حدثنا عبد الحميد بن أبي جعفر الفراء، عن ثابت، عن زاذان، عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: خرجنا مع رسول اللّه وَلّر من المدينة، فبينا نحن نسير ، إذ رُفع لنا شخص، فذكر نحوه، إلا أنه قال، وقعت يد بَكْره في بعض تلك التي تحفر الجرذان، وقال فيه: ((هذا ممن عمل قليلا، وأجر كثيرا)) انتهى. وفي السند الأول أبو جناب الكلبيّ ضعفوه لكثرة تدليسه، وفي الثاني عبد الحميد بن أبي جعفر قال البيهقيّ: مجهول، وثابت بن أبي صفيّة، ضعفوه أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحيح. فإن قلت: في سنده عبد الأعلى بن عامر، وقد عرفت كلام النقّاد فيه فيما تقدم، فكيف يصحّ؟ قلت: الحديث له شواهد، وقد تقدّم بعضها، فيصحّ بمجموعها، والله سبحانه وتعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٠٠٩/٨٥- وفي ((الكبرى))٢١٣٦/٨٥. وأخرجه (د)٣٢٠٨ (ت) ١٠٤٥ (ق) ١٥٥٤ . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في أقوال أهل العلم في حكم اللحد والشّقّ: قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: وقد اختلف في اللحد والشقّ -يعني في الأفضليّة - فاستحبّ أكثر أهل العلم اللحد، لأن رسول اللَّه وَ ل﴿ لُحد له، ورَوينا عن عمر بن الخطّاب ◌َّه أنه أوصاهم)) ((إذا وضعتموني في لحدي، فأفضوا بخدّي إلى الأرض)). ٣٥٨ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ وممن استحبّ اللحد إبراهيم النخعيّ، وإسحاق بن راهويه، وأصحاب الرأي، وكان الشافعيّ يقول: إذا كانوا بأرض شديدة لحُدٍ لَهم، وإن كانوا ببلاد رقيقة شُقَّ لهم شقِّ. قال ابن المنذر: الذي قاله الشافعيّ حسنٌ انتهى(١). وقال النوويّ في ((شرح المهذّب)): أجمع العلماء على أن الدفن في اللحد، والشقّ جائزان. لكن إن كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها، فاللحد أفضل، لما سبق من الأدلّة، وإن كانت رخوة تنهار، فالشقّ أفضل. قال الشافعيّ رحمه الله تعالى في ((الأمّ))، وأصحابنا: فإن اختار الشقّ حفَرَ حَفِيرة كالنهر، وبنى جانبيها باللبن، أو غيره، وجعل بينهما شقّ، يوضع فيه الميت، ويسقّف عليه باللبن، أو الخشب، أو غيرهما، ويرفع السقف قليلاً، بحيث لا يمسّ الميت، ويجعل في شقوقه قطع اللبن. قال الشافعيّ في ((الأمّ)): ورأيتهم عندنا، يعني مكة - شرفها الله- يضعون على السقف الإذخر، ثم يضعون عليه التراب انتهى (٢). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تَبيّن بما ذُكر من الأحاديث، وأقوال أهل العلم أن الأفضل هو اللحدُ، ويجوز الشقّ، ولا سيّما إذا كانت الأرض رخوة، كما بينه الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٨٦- بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ إِعْمَاقٍ الْقَبْرِ قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: ((ما)) هذه موصولة، و((يستحب)) صلتها، و((من إعماق القبر)) بيان لـ((ما)). هكذا صرّح المصنّف رحمه الله تعالى باستحباب إعماق القبر، والظاهر أنه واجب، للأمر به، ولا سيّما وأمره وَلّ كان في وقتٍ أصاب الصحابةَ ﴾ ضعفٌ، وقرحٌ شديدٌ، فلو كان مستحبًا لرخص لهم في تركه، فإنهم ما سألوه عن ذلك إلا طلبًا (١)- ((الأوسط)) ج٥ ص٤٥١ . (٢)- ((المجموع)) ج٥ ص٢٥١- ٢٥٢ . ٨٦- بَابُ مَا يُسْتَحَبُ مِنْ إِعْمَاقِ القَبْر - حديث رقم ٢٠١٠ ٣٥٩ للترخيص، لِمَا حَلّ بهم من الجهد، والمشقّة، اللَّهم إلا إذا أرد المصنّف ◌َخْ شُهُ الإعماق الزائد على قدر إخفاء جثّة الميت، ونتنه، لكن استدلاله على الاستحباب بحدیث الباب يردّ ذلك. وسيأتي بيان اختلاف أهل العلم في حكم الإعماق، ومقداره في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٠١٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْحَفْرُ عَلَيْنَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ شَدِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَهُ: ((احْفِرُوا، وَأَعْمِقُوا، وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الِثْتَيْنِ، وَالثّلَاثَةَ، فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ))، قَالُوا: فَمَنْ نُقَدِّمُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: ((قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا))، قَالَ: فَكَانَ أَبِي ثَّالِثَ ثَلَاثَةٍ، فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ . رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمد بن بشّار) بُندار، أبو بكر البصريّ الحافظ الثبت [١٠] ٢٧/٢٤. ٢- (إسحاق بن يوسف) بن مِزْداس الأزرق الواسطيّ، ثقة [٩] ٤٨٩/٢٢. ٣- (سفيان) الثوريّ المذکور قریبًا. ٤ - (أيوب) السختياني الفقيه الثبت الحجة البصريّ [٥] ٤٨/٤٢. ٥- (حُميد بن هلال) العدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقة عالم [٣] ٤/٤. ٦- (هشام بن عامر) بن أَميّة بن الْحَسْحَاس - بمهملات- ابن مالك بن عامر بن غَثْم ابن مالك بن النجار (١)، الأنصاري النّجّاريّ، له، ولأبيه صحبة. يقال: كان اسمه شِهَابًا، فغيّره النبيّ وَّرَ، سكن البصرة، ومات بها، روى عن النبيّ وَّ، وعنه ابنه سعد، وحُميد بن هلال، وأبو الدَّهْمَاء، قِرْفَة بن بُهَيس العدويّ، وأبو قتادة العدويّ، ومُعاذة العدويّة، وأبو قلابة الْجَزْميّ،، وقيل: لم يسمع منه. وذكر أبو حاتم أن رواية حميد بن هلال عنه أيضًا مرسلة، وقد عاش هشام إلى زمن زياد. روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد»، والباقون، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، كرره ست مرّات. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال (١)- هكذا ذكر نسبه في ((تت))، وذكر في ((الإصابة)) نسب والده هكذا: عامر بن أمية بن زيد بن الحسحاس بمهملات- ابن مالك بن عديّ بن عامر بن غنم بن عديّ بن النجار اهـ. ٣٦٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير إسحاق، فواسطي، وسفيان، فكوفي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن صحابيه من المقلين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا حديثان، هذا الحديث عند أصحاب ((السنن))، وحديث: ((ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمرٌ أكبرُ من الدجال عند مسلم فقط(١). والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ) تَّهِ، أنه (قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فِ يَوْمَ أُحُدٍ) أي وقت انتهاء غزوته عند إرادة دفن الشهداء (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْحَفْرُ عَلَيْنَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ شَدِيدٌ) أي إنّ حفر القبر لكلّ إنسان على حِدَة شاقّ علينا، حيث أصابنا الجراح الكثير، والجهد الشديد، ففي الرواية الآتية [٢٠١٥/٩٠]: ((لما كان يوم أحد أصاب الناس جَهْد شديد .. ))، وفي [٢٠١٦/٩٠]: ((اشتدّ الجراح يوم أحد ... ))، وفي رواية لأحمد: ((قالوا: يا رسول الله، أصابنا قَرْحٌ، وجَهْدٌ، فكيف تأمرنا؟))، وفي رواية له : ((كيف تأمرنا بقتلانا؟)). (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِّ: ((اخْفِرُوا) أي القبور، وهو بهمزة وصل، من حَفَرَ يحفِر، من باب ضرب (وَأَعْمِقُوا) بقطع الهمزة، من الإعماق، وهو إبعاد القعر، يقال: أعمقَ البئرَ: جعلها عَمِيقة، أي بعيدة القعر (وَأَخْسِنُوا) بقطع الهمزة أيضًا، من الإحسان، أي أحسنوا إلى الميت في الدفن. قاله في ((الأزهار)). وقال زين العرب، تبعًا للمظهر: أي اجعلوا القبر حسنًا بتسوية قعره؛ ارتفاعًا، وانخفاضًا، وتنقيته من التراب، والقذاة، وغيرهما انتهى(٢) (وَادْفِتُوا) بكسر الفاء، أمر من دَفَنَ يَدْفِنُ، كضرب يضرب (الاِثْنَيْنِ، وَالثَّلَاثَةَ) بالنصب على المفعولية (فِي قَبْرِ وَاحِدٍ) فيه جواز الجمع بين جماعة في قبر واحد، ولكن إذا دعت الحاجة إلى ذلك، كما في هذه الواقعة، وإلا كان مكروهًا، كما ذهب إليه أبو حنيفة، والشافعيّ، وأحمد (قَالُوا: فَمَنْ نُقَدِّمُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أي مَنِ الذي نجعله مقدّمًا إلى جدار اللحد؛ ليكون أقرب إلى الكعبة؟ (قَالَ: ((قَدْمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا))) أي لكونه مقدّمًا رتبة عند اللّه تعالى حيّا، فإنه أحقّ بالتقديم في الصلاة من غيره، كما صح عن النبيّ وَ لير قوله: ((يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب الله ... ))، فيكون مقدّما بعد مماته كذلك (قَالَ) هشام بن عامر ◌َّيه (فَكَانَ أَبِي) وهو عامر بن أميّة بن الْحَسْحَاس، تقدم نسبه في ترجمة ابنه هشام، ذكره موسى بن عقبة، وابن إسحاق فيمن شهد بدرًا، (١) - راجع ((تحفة الأشراف))٩/ ٧١/ ٧٢. (٢)- انظر ((المرعاة)) ج٥ ص ٤٣٧.