Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
٥٨- الصَّلَةُ عَلَى الصِّبْتَانِ - حديث رقم ١٩٤٧
بجواز الصلاة على الغائب، وأقوى دليل على ذلك قصّة النجاشيّ رَّه ، فإن أقلّ ما
يستفاد منه أنه وَ لّ فعله لبيان الجواز، وأما ما عداها مما يدل على أنه وَلهول صلى على
غائب غيره، فلا يثبت شيء منها:
فقد ذكر أنه وَ لّ صلى على ثلاثة غير النجاشيّ، معاوية بن معاوية المزنيّ، وزيد بن
حارثة، وجعفر بن أبي طالب، لكنها كلها لم تثبت:
أما حديث صلاته على معاوية بن معاوية المزنيّ، فقد وردت قصته من حديث أنس،
وأبي أمامة، مسندةً، ومن طريق ابن المسيّب، والحسن البصريّ مرسلة.
فأما حديث أنس، ففي سندها محبوب بن هلال المزني، قال في ((الميزان)): لا يعرف،
وحديثه منكر. وقال البخاريّ: لا يتابع على حديثه. وله طريق آخر فيه يحيى بن أبي محمد
قد ضُعّف، وبقية بن الوليد مدلّس تدليس التسوية، وله طريق ثالث، وفيها العلاء بن يزيد
الثقفيّ، متفق على ضعفه، بل قال ابن المدينيّ: يضع الحديث. وقال ابن حبان: روى عن
أنس نسخة موضوعة، منها الصلاة بتبوك صلاة الغائب على معاوية بن معاوية الليثيّ.
وأما حديث أبي أمامة، ففيه نوح بن عمرو السكسكيّ، قال ابن حبان: إنه سرق هذا
الحديث، وفيه بقية المذكور أيضًا. فقد تبيّن لك مما سقناه من كلام أهل العلم على
أسانيدها، وبيانهم شدة ضعفها أنها غير صالحة للاحتجاج بها.
وقد تعب صاحب ((عون المعبود)) في الكلام عليها، وحاول أن يقويها، فلم يأت
بشيء له طائل، فتأمله بإنصاف، ولا تَتَهَوَّز بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٥٨- الصَّلَاةُ عَلَى الصِّبْيَانِ
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((الصبيان)) -بكسر الصاد المهملة، وضمها-، جمع
صبيّ: الصغير، ويُجمع على صِبْية بالكسر. وفي ((اللسان)): والصبيّ: من لَّدُن يُولَد إلى أن
يُفْطَّمَ، والجمع أَصْبِيةٌ، وصِبْوَةٌ، وصَبْيةٌ، وصِبْوانٌ، وصُبْوانٌ، وصِبیان انتهى. وفي
((القاموس)): و((الصبيّ)): من لم يُقْطَم بَعدُ، والجمع أَصْبِيَةُ، وأَصْبِ، وصِبْوَة، وصَبْيةٌ،
وصِبْية، وصِبْوان، وصِبْيَانٌ، وتُضَمّ هذه الثلاثة انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٩٤٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَخْتَى، عَنْ

١٨٢
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ خَالَتِهَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ إِلـ
بِصَبِيِّ، مِنْ صِبْيَانِ الْأَنْصَارِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، قَالَتْ: عَائِشَةُ، فَقُلْتُ: طُوبَى لِهَذَا،
عُصْفُورٌ، مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا، وَلَمْ يُدْرِكُهُ، قَالَ: ((أَوَ غَيْرُ ذَلِكَ، يَا
عَائِشَةُ، خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْجَنَّةَ، وَخَلَقَ لَهَا أَهْلَا، وَخَلَقَّهُمْ فِي أَضْلَابٍ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ
النَّارَ، وَخَلَقَ لَهَا أَهْلَا، وَخَلَقَهُمْ فِي أَضْلَابٍ آبَائِهِمْ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائي، ثقة ثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧.
[تنبيه]: قوله ((عمرو بن منصور)) هكذا نسخ ((المجتبى)) وقع فيها ((عمرو بن منصور))
ووقع في ((الكبرى)) ج١ ص ٦٣٣ ((محمد بن منصور)) وهو الذي في ((تحفة الأشراف))
جـ١٢ ص ٤٠٣ وكتب في هامشه: ما نصه: وقع في النسخة المطبوعة: ((عمرو بن
منصور)) بدل ((محمد)) وهو تصحيف. انتهى.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: عندي في دعوى التحصيف نظر؛ إِذْ دلاليل على
ذلك؛ إذ كل من عمرو بن منصور، ومحمد بن منصور، وهو الجواز - شيخ للمصنف،
وكلاهما يرويان عن ابن عيينة، فلا دليل لترجيح أحدهما على الآخر، ولكن الحديث لا
يتأثر بهذا؛ إذ كلاهما ثقة فتنبّه. والله تعالى أعلم.
٢- (سفيان) بن عيينة المذكور قبل باب.
٣- (طلحة بن يحيى) بن طلحة بن عبيدالله التيميّ المدنيّ، نزيل الكوفة، صدوق
يخطئ [٦]٥٨٠/٣٦ .
٤- (عائشة بنت طلحة) بن عبيدالله التيمية، أم عمران، أمها أم كلثوم بنت أبي
بكر، كانت فائقة الجمال، ثقة [٣].
قال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة حَجَّة. وقال العجليّ: مدنيّة تابعيّة ثقة. وقال
أبو زرعة الدمشقيّ: حدث عنها الناس لفضلها وأدبها. وذكرها ابن حبّان في ((الثقات)).
روى لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب ثمانية أحاديث.
٥- (عائشة) أم المؤمنين تخطيثه ٥/٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
· (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه عائشة رضي اللّه تعالى عنها
من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عَائِشَةَ) رضي اللَّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: أَتِيَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ بِصَبِيِّ، مِنْ

٥٨- الصَّلاةُ عَلَى الصِّبیانِ - حديث رقم ١٩٤٧
١٨٣ ==
صِبْيَانِ الْأَنْصَارِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ) هذا محلّ الترجمة، ففيه مشروعية الصلاة على الصبيان،
وسيأتي بيان اختلاف أهل العلم فيه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى (قَالَتْ
عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: طُوبَى لِهَذَا) قال ابن منظور رَُّْهُ: طُوبَى فُعلَى من الطِّيب، كأنّ أصله
طُيْبَى، فقلبوا الياء واوًا للضمّة قبلها. وفي ((التهذيب)): والعرب تقول: طُوبَى لكَ، ولا
تقول: طوباك، وهذا قول أكثر النحويين، إلا الأخفش، فإنه قال: من العرب مَن
يُضيفها، فيقول: طوباك. وقال أبو بكر: طوباك إن فعلت كذا، قال: هذا مما يَلْحَن فيه
العوامّ، والصواب طوبى لك إن فعلت كذا وكذا.
وطوبَى شجرة في الجنّة، وفي التنزيل العزيز: ﴿لُوَ لَهُمْ وَحُسْنُ مَثَابٍ﴾ [الرعد:
٦٩]، وذهب سيبويه بالآية مذهب الدعاء، قال: هو في موضع رفع، يدلّك على رفعه
رفعُ ﴿ وَحُسْنُ مَثَابٍ﴾. قال ثعلب: وقرئ: ﴿طُوبَ لَهُمْ وَحُسْنُ مَثَابٍ﴾ -أي بالنصب -
فجَعَل طوبى مصدرًا، كقولك: سَقْيًا له، ونظيرُهُ من المصادر الرُّجعَى، واستَدَلَّ على أن
موضعه نَصْبٌ بقوله: ﴿وَحُسْنُ مَثَابٍ﴾.
قال الزجاج: جاء في التفسير عن النبيّ وَلَّ، أن طُوبَى شجرة في الجنّة. وقيل:
طوبى لهم حُسنَى لهم. وقيل: خَيرٌ لهم. وقيل: خِيرَةٌ لهم. وقيل: طوبى اسم الجنّة
بالهندية. وفي ((الصحاح)): طوبى اسم شجرة في الجنّة. قال أبو إسحاق: طُوبى فُعَلَى
من الطّيبِ، والمعنى أن العيش الطيّب لهم، وكلّ ما قيل من التفسير يُسدِّد قول
النحويين: إنها فُعلَى من الطّيب. ورُوي عن سعيد بن جبير أنه قال: طوبى اسم الجنّة
بالحبشيّة. وقال عكرمة: طوبى لهم: معناه الحسنى لهم. وقال قتادة: طوبى كلمة
عربيّة، تقول العرب: طوبى لك إت فعلت كذا وكذا؛ وأنشد [من الطويل](١):
طُوبَى لِمَنْ يَسْتَبْدِلُ الطَّوْدَ بِالْقُرَى وَرِسْلاَ بِيَقْطِيْنِ الْعِرَاقِ وَفُومِهَا
((الرَّسْلُ)): اللبن، و((الطَّوْدُ)): الجبلُ، و((اليَقْطِينُ)): القَرْعُ، وقال أبو عبيدة: كلّ ورقة
اتّسعت، وسترت فهي يَقْطِين. و((الْقُومُ)): الخبز، والحنطة، ويقال: هو الثُّوم. وفي
الحديث: ((بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء))(٢). طوبى اسم
الجنّة، وقيل: شجرة فيها، وأصلها فُعْلَى من الطيب، فلما ضُمَّت الطاء، انقلبت الياء واوا.
وفي الحديث: ((طوبى للشام، لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها))(٣). والمراد بها
ههنّا فُعلَى من الطّيب، لا الجنّة، ولا الشجرة انتهى كلام ابن منظور ببعض اختصار (٤).
(عُصْفُورٌ، مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ) بضم العين طائر ذَكَر، والأنثى بالهاء، أي هو مثل
(١) دخله الخزم في أوله، فصار ((عولن)) فتنبه.
(٢)-أخرجه مسلم في ((صحيحه)) ((كتاب الإيمان)) رقم الحديث ١٤٥.
(٣)-حديث صحيح، أخرجه أحمد، والترمذي، والحاكم، من حديث زيد بن ثابت تنويه.
(٤)- ((لسان العرب)) في مادة طيب.

=
١٨٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
العصفور في عدم المؤاخذة بالذنب (لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا) أي لم يَجرِ عليه القلمُ بسبب سوء
عمله، لكونه مرفوع القلم، لقوله ◌َّل ور: ((رفع القلم عن ثلاثة: ، وعن المجنون المغلوب
على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبيّ حتى يحتلم)). حديث
صحيح، أخرجه أحمد، وأبو داود، والحاكم (وَلَمْ يُذْرِكُهُ) أي لم يدرك وقت السوء،
وهو ما بعد البلوغ.
قال العلامة القرطبيّ رحمه اللّه تعالى: إنما قالت عائشة رَّها هذا؛ لأنها بَنَت الأمرَ
على أن كلّ مولود يولد على فطرة الإسلام، وأن اللَّه تعالى لا يعذّب حتى يبعث
رسولاً، فحَكَمَت بذلك، فأجابها النبي وَلّ بما ذكر انتهى (١).
(قَالَ) ◌ِ (أَوَ غَيْرُ ذَلِكِ) بفتح الواو، والهمزة للاستفهام، والوا عائطفة على محذوف،
أي أتسكتين عن هذا، وتقولين غير ذلك، ويحتمل أن تكون ((أو)) بسكون الواو، بمعنى
((بل))، و((غير)) بالنصب، أو الرفع، أي بل قولي غير ذلك، أو غيرُ ذلكِ أولى وأحسن، و
الظاهر أن المراد بغير ذلك أن تقول: الله أعلم بما يصير أمره إليه، فتفوّض الأمر إلى الله
تعالى. والله تعالى أعلم (يَا عَائِشَةُ، خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْجَنَّةَ، وَخَلَقَ لَهَا أَهْلاً، وَخَلَقَهُمْ)
حذف متعلّقه، أي للجنة (فِي أَضلاب آبائهم) أي قبل أن يولدوا، ویخرجوا إلى دار التكليف
(وَخَلَقَ النَّارَ، وَخَلَقَ لَهَا أَهْلاً، وَخَلَقَهُمْ) حذْف متعلقه أيضًا: أي للنار (فِي أَضْلَابٍ آبَائِهِمْ)))
ولفظ مسلم في الموضعين: ((خلقهم لها، وهم في أصلاب آبائهم)).
قال النووي رحمه الله تعالى: أجمع من يُعتدّ به من علماء المسلمين على أن من مات من
أطفال المسلمين، فهو من أهل الجنّة، والجواب عن هذا الحديث أنه لعله نهاها عن المسارعة
إلى القطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يَعلَم أن أطفال المسلمين في الجنّة. انتهى.
وقال السنديّ رحمه الله تعالى: قلت: وقد صرّح كثير من أهل التحقيق أن التوقّف
في مثله أحوط، إذ ليست المسألة مما يتعلّق بها عمل، ولا عليها إجماع، وهي خارجة
عن محلّ الإجماع على قواعد الأصول، إذ محلّ الإجماع هو ما يدرك بالاجتهاد، دون
الأمور المغيّبة، فلا اعتداد بالإجماع في مثله لو تمّ على قواعدهم، فالتوقّف أسلم، على
أن الإجماع لو تمّ وثبت لا يصحّ الجزم في مخصوص، لأن إيمان الأبوين تحقيقًا غيب،
وهو المناط عند اللّه تعالى، والله تعالى أعلم انتهى (٢).
وقال القرطبيّ رحمه اللَّه تعالى في ((المفهم)): هذا لا يُعارِض ما تقدّم من قوله: إنه
يكتب، وهو في بطن أمّه شقيّ، أو سعيد؛ لما قدّمناه من أن قضاء الله، وقدره راجع
(١)- ((المفهم) ج٦ ص٦٧٩ .
(٢) - ((شرح السندي)) ج٣ ص٥٨ .

١٨٥
٥٨- الصَّلاَةُ عَلَى الصِّبْيَانِ - حديث رقم ١٩٤٧
إلى علمه وقُدرته، وهما أزليّان، لا أول لهما، ومقصود هذه الأحاديث كلها أنّ قدر الله
سبق على حدوث المخلوقات، وأن اللَّه تعالى يُظهر من ذلك ما شاء، لمن شاء، متى
شاء، قبل وجود الأشياء انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١٩٤٧/٥٨ - وفي («الكبرى » ٢٠٧٤/٥٨ - وأخرجه (م) ٦٧١٠
(د) ٤٧١٣ (ق) ٨٢ (أحمد) ٢٣٦١ و٢٥٢١٤ . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية الصلاة على الصبيان.
ومنها: ما كان عليه النبي وَل من شدّة العناية بأمور المسلمين، ولو كانوا صغارًا.
ومنها: عدم القطع لأحد بالجّة، ولو صغيرًا، تأدبًا مع اللَّه تعالى، فإنه الذي يعلم من
هو أهل الجنة؟ ومنها: أن الجنة، والنار مخلوقتان الآن، وأن لهما أهلاً، لا يعلمهم إلا
اللَّه تعالى. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في الصلاة على الصبيان:
قال الإمام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: أجمع أهل العلم على أن الطفل إذا عرفت
حياته، واستهلّ، صلّي عليه. واختلفوا في الصلاة على الطفل الذي لم يُعرف له حياة،
فروينا عن ابن عمر، وابن عباس، وجابر أنه قالوا: إذا استهلّ المولود صلي عليه. وبه
قال النخعيّ، والحسن، وعطاء، والزهريّ. وقال أحمد(٢)، والحكم، وحماد،
ومالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ: إذا لم يستهلّ لم يصلّ عليه، وبه قال أصحاب الرأي.
وقالت طائفة: يصلى عليه، وإن لم يستهلّ، يروى ذلك عن ابن عمر. وبه قال
محمد بن سيرين، وسعيد بن المسيّب، وقال أحمد بن حنبل: إذا عُلم أنه ولد يغسل،
ويصلّى عليه، وقال إسحاق: كما نُفخ فيه الروح صلي عليه، وكذلك قال أحمد، قال:
إذا تمت أربعة أشهر يصلى عليه، لأنه قد نفخ فيه الروح، وقال إسحاق: مضت السنّة
في أصحاب النبي ◌َّ في الصبيّ إذا سقط من بطن أمه ميتًا، بعد تمام خلقه، ونُفِخَ فيه
الروح، وهو أن يمضي أربعة أشهر وعشرًا أنه يصلّى عليه، إنما الميراث في الاستهلال،
(١)- ((المفهم)) ج٦ ص٦٨٠ .
(٢)- لعل أحمد رَّلُمُ له قولان، وإلا فسيأتي أنه ممن يرى الصلاة، وإن لم يستهلّ، فتأمل.

١٨٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
وأما ما يُبعث يوم القيامة نسمةً تامّةً، وقد كُتب عليه الشقاء والسعادة، فلأيّ شيء يترك
الصلاة عليه؟، وقد ذكر عن النبي وَله: ((صلوا على أطفالكم))، رواه المغيرة بن شعبة
رَالله -يعني الحديث الآتي في الباب التالي، وتقدّم أيضًا وثبت أن ابن عمر رتويت صلى
على مولود، ذكر نافع أنه لم يكن استهلّ، وصلى أبو هريرة رضي على المنقوص الذي
لم يعمل خطيئة، وقال: ((اللَّهم أعذه من عذاب القبر)) انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله
تعالى باختصار(١).
وقد رجّح المجد ابن تيميّة في ((المنتقى)) قول أحمد، وإسحاق، حيث قال: وإنما
يُصلّى عليه إذا نُفخت فيه الروح، وهو أن يستكمل أربعة أشهر، فأما إن سقط لدونها
فلا، لأنه ليس بمیت، إذ لم يُنفخ فيه روح، وأصل ذلك حديث ابن مسعود قالله ،
قال: حدثنا رسول اللَّه ◌َ له، وهو الصادق المصدوق: ((إن خلق أحدكم يُجمع في بطن
أمه أربعين يومًا، ثم يكون عَلَقَة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه
ملكًا بأربع كلمات، بكتب رزقه، وأجله، وشقيّ، أو سعيد، ثم يُنفخ فيه الروح)). متفق
عليه. انتهى.
قال الشوكاني بعد ذكر كلام ابن تيمية هذا: ومحلّ الخلاف فيمن سقط بعد أربعة
أشهر، ولم يستهلّ، وظاهر حديث الاستهلال أنه لا يُصَلّى عليه، وهو الحقّ، لأن
الاستهلال يدل على وجود الحياة قبل خروج السقط، كما يدلّ على وجودها بعده،
فاعتبار الاستهلال من الشارع دليل على أن الحياة بعد الخروج من البطن معتبرة في
مشروعية الصلاة على الطفل، وأنه لا يكتفى بمجرّد العلم بحياته في البطن فقط انتهى
كلام الشوكاني رحمه الله تعالى(٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأرجح مذهب القائلين بالصلاة على المولود
مطلقًا، سواء استهلّ، أو لم يستهلّ، بعد أن تمّ له أربعة أشهر، كما هو مذهب أحمد،
وإسحاق، ورجحه المجد ابن تيمية رحمهم الله تعالى، لحديث المغيرة بن شعبة الآتي
في الباب التالي، وقد تقدّم أيضًا، مرفوعًا: ((الطفل يُصلَّى عليه))، ولفظ أبي داود:
((السقط يُصلَّى عليه)). وهو حديث صحيح، كما تقدم الكلام عليه في ٥٥/ ١٩٤٢.
وأما حديث الاستهلال الذي رجح به الشوكانيّ عدم الصلاة إذا لم يستهلّ، وهو ما
أخرجه الترمذي، من حديث جابر رَّه أن النبي ◌َّ قال: ((الطفل لا يصلى عليه، ولا
(١) -((الأوسط)) ج٥ ص ٤٠٣ - ٤٠٦.
(٢) - ((نيل الأوطار)) ج٤ ص ٥٧ -٥٨.

٥٩- الصَّلاةُ على الأطفالِ - حديث رقم ١٩٤٨
١٨٧ ==
يَرِث، ولا يورث، حتى يستهلّ))(١)، ورواه ابن ماجه أيضًا، ولكنه لم يذكر ((ولا
يورث))، فلا يصح الاحتجاج به؛ لأن في إسناد الترمذيّ إسماعيل بن مسلم المكيّ، عن
أبي الزبير، وإسماعيل ضعيف، وفي إسناد ابن ماجه الربيع بن بدر، عن أبي الزبير،
والربيع متروك أيضًا.
والصحيح أنه موقوف على جابر تَظنّه ، فقد رواه ابن جريج وغيره، موقوفا عليه.
فتبيّن بهذا أن اشتراط الاستهلال للصلاة على الطفل مما لا دليل عليه، بل الدليل
الصحيح هو حديث المغيرة ◌َّه المذكور، بلفظ: ((والطفل يُصلّى عليه))، وبلفظ:
((والسقط يُصلّى عليه))، وهو على إطلاقه يعمّ المستهلّ، وغيره.
فالحاصل أن المذهب الراجح هو القول بالصلاة على الطفل مطلقًا، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)).
٥٩- الصَّلَّةُ عَلَى الأَطْفَالِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((الأطفال)): جمع طفل -بكسر، فسكون -: الصغير
من كلّ شيء، أو المولود. قاله في ((ق)).
وقال في ((المصباح)): الطفل: الولد الصغير، من الإنسان، والدواب. قال ابن
الأنباريّ: ويكون الطفل بلفظٍ واحدٍ للمذكّر، والمؤنّث، والجمع، قال اللّه تعالى:
﴿أَوِ الْطِفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١]، ويجوز المطابقة في
التثنية، والجمع، والتأنيث، فيقال: طِفْلَة، وأطفال، وطِفْلَاتٌ، وأَطْفَلَتْ كلُّ أنثى: إذا
ولدت، فهي مُطفِلٌ، قال بعضهم: ويبقى هذا الاسم للولد حتى يميّز، ثم لا يقال له بعد
ذلك: طفل، بل صبيٍّ، وحَزَوَّرٌ، ويافِعٌ، ومُراهِقٌ، وبالغٌ. وفي ((التهذيب)): يقال له:
طفل إلى أن يحتلم انتهى(٢).
(١)- استهلال الصبي تصويته عند ولادته، والمراد به أن يوجد ما يعلم به حياته، من صياح، أو
اختلاج، أو نَّفَّس، أو حركة، أو عُطاس. أفاده في ((مجمع البحار)).
(٢)- ((القاموس المحيط))، و((المصباح المنير)) في مادة طفل.

١٨٨
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
والظاهر أن المصنّف رحمه الله تعالى ترجم للصلاة على الصبيان بباب، وللصلاة على
الأطفال بباب آخر، مراعاةً للفظ الحديث، وإلا فلا فرق بينهما يؤدي إلى أن يُفْرَدَ كلِّ
منهما بباب مستقلّ، والله تعالى أعلم بالصواب.
١٩٤٨ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ
اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ زِيَادَ بْنَ جُبَيْرٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ، وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا، وَالطّفْلُ يُصَلَّى
عَلَيْهِ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم سندًا ومتنا في ٥٥٪
١٩٤٢ و١٩٤٣/٥٦- وتقدّم الكلام عليه هناك مستوفّى، فلا حاجة إلى إعادته هنا،
لقرب محل ذكره، فمن شاء فليرجع إليه، وبالله تعالى التوفيق.
وممن لم يُذكر هناك من رجاله:
١- (إسماعيل بن مسعود) الْجَحدَريّ البصريّ، ثقة [١٠] ٤٧/٤٢.
٢- (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨]٤٧/٤٢.
وأما ما يتعلّق بما بوّب له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو مشروعيّة الصلاة على
الأطفال، فقد تقدم في الباب الذي قبله، وأن الراجح من أقوال أهل العلم في هذه
المسألة، هو القول بمشروعية الصلاة على الأطفال، وإن لم يستهلّوا، إذا تم لهم أربعة
أشهر مدة نفخ الروح، وهو ظاهر مذهب المصنّف، حيث ترجم بقوله: ((الصلاة على
الأطفال))، ثم أورد حديث المغيرة بن شعبة ◌َّه، مرفوعًا: ((والطفل يصلى عليه))،
فإنه يدلّ على أن مراده بالترجمة إثبات الصلاة على الأطفال، لا نفيها، واللَّه سبحانه
وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٦٠- أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: يحتمل أن يكون غرض المصنف رحمه الله تعالى
بهذه الترجمة الإشارة إلى الاختلاف في حكم الصلاة على أولاد المشركين، فإنه مما
اختلف فيه أهل العلم، كما سنبيّنه، ويحتمل أن يكون غرضه الإشارة إلى الخلاف في
كونهم من أهل الجنة، أو من أهل النار، والاحتمال الأول هو الظاهر؛ لأنه ذكر هذه

١٨٩
٦٠- أَوْلَدُ الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم ١٩٤٩
الترجمة خلال التراجم التي وضعها لبيان أحكام الصلاة على الجنائز. ثم إن ظاهر مذهبه
رحمه الله تعالى أنه يختار التوقّف في أولاد المشركين، حيث أورد في الباب أربعة
أحاديث كلها تدلّ على التوقّف.
وأما الإمام البخاري رحمه اللّه تعالى، وإن كانت ترجمته قريبة من ترجمة المصنّف،
حيث قال: ((باب ما قيل في أولاد المشركين))، إلا أن صنيعه يدلّ على أنه يختار القول
بأنهم من أهل الجنّة.
قال في ((الفتح)) عند الكلام على الترجمة المذكورة: هذه الترجمة تشعر بأنه كان متوقفًا
في ذلك، وقد جزم بعد هذا في تفسير ((سورة الروم)) بما يدلّ على اختيار القول الصائر
إلى أنهم في الجنّة، حيث قال: ((باب ﴿لَا نَّدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] لدين اللَّه ﴿خُلُقُ
اٌلْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧] دين الأولين. والفطرة الإسلام. والله تعالى أعلم.
وقد رَتَّبَ أيضًا أحاديث هذا الباب ترتيبًا يشير إلى المذهب المختار فإنه صدره
بالحديث الدالّ على التوقّف، وهو حديث الباب، وثنى بالحديث المرجّح لكونهم في
الجنّة، وهو حديث: ((كلّ مولود يولد على الفطرة ... )) ثم ثلث بالحديث المصرّح
بذلك، وهو حديث سمرة بن جندب في رؤيا النبي ◌َّلتر، وفيه: ((وأما الصبيان حوله،
فأولاد الناس))، وقد أخرجه في ((التعبير)) بلفظ: ((وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود
يولد على الفطرة))، فقال بعض المسلمين: وأولاد المشركين؟، فقال: ((وأولاد
المشركين)) .
قال الحافظ: ويؤيّده ما رواه أبو يعلى من حديث أنس تَمّه، مرفوعًا: ((سألت ربي
اللاهين من ذرّيّة البشر أن لا يعذّبهم، فأعطانيهم)). إسناده حسن. وورد تفسير ((اللاهين))
بأنهم الأطفال، من حديث ابن عباس رَؤيتها، مرفوعًا، أخرجه البزّار. وروى أحمد من
طريق خنساء بنت معاوية بن صريم، عن عمها (١)، قال: قلت: يا رسول اللَّه، من في
الجنة؟ قال: ((النبيّ في الجنّة، والشهيد في الجنّة، والمولود في الجنة)). إسناده حسن.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح في المسألة هو ما مال إليه البخاريّ رحمه الله
تعالى، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى
أعلم بالصواب.
١٩٤٩ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا (٢) سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ
اللَّيِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ: ((اللَّهُ
(١)-وقع في نسخة ((الفتح)) ((عمتها))، والذي في مسند أحمد، وسنن أبي داود ((عمها))، فتنبّه.
(٢) -وفي نسخة: ((أخبرنا))، وفي أخرى: ((أنبأَنَا)).

==
١٩٠
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)) .
رجال هذا الإسناد: خمسة، تقدموا قريبًا، سوى:
١- (عطاء بن يزيد الليثيّ) الْجُندَعيّ المدني، نزيل الشام، ثقة [٣]٢١/٢٠.
٢- (أبو هريرة) رَّه ١/١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ) قال الحافظ
رحمه الله تعالى: ولم أقف في شيء من الطرق على تسمية هذا السائل، لكن عند
أحمد، وأبي داود عن عائشة تبثها ما يحتمل أن تكون هي السائلة، فأخرجا من طريق
عبدالله بن أبي قيس، عنها، قالت: قلت: يا رسول اللَّه ذراريّ المؤمنين؟ فقال: ((هم
من آبائهم))، فقلت: يارسول الله بلا عمل؟ قال: ((اللَّه أعلم بما كانوا عاملين))، قلت:
يا رسول اللَّه، فذراريّ المشركين؟ قال: ((من آبائهم)»، قلت: بلا عمل؟ قال: ((اللَّه
أعلم بما كانوا عاملين ... )) اللفظ لأبي داود. وروى عبدالرزاق من طريق أبي معاذ،
عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، قال: سألتْ خديجةُ النبيَّ وَّ عن أولاد
المشركين؟ فقال: ((هم مع آبائهم))، ثم سألته بعد ذلك؟ فقال: ((اللَّه أعلم بما كانوا
عاملين))، ثم سألته بعد ما استحكم الإسلام، فنزل: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَىْ﴾
[فاطر: ١٨]، قال: ((هم على الفطرة))، أو قال: ((في الجنة)). وأبو معاذ هو سليمان بن
أرقم، وهو ضعيف، ولو صحّ هذا لكان قاطعًا للنزاع، رافعًا لكثير من الإشكال
(١)
انتھی
.
(عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ؟) أي مصيرهم، أهي الجنة، أم النار؟ (فَقَالَ: ((اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا
كَانُوا عَامِلِينَ))) قال ابن قتيبة: معنى ((بما كانوا عاملين)) أي لو أبقاهم، فلا تحكموا عليهم
بشيء. وقال غيره: أي علم أنهم لا يعملون شيئًا، ولا يرجعون، فيعملون، أو أخبر
بعلم شيء لو وُجِد كيف يكون، مثل قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُوا﴾ [الأنعام: ٢٨] ولكن لم
يُرد أنهم يُجَازَون بذلك في الآخرة، لأن العبد لا يجازى بما لم يعمل انتهى.
(١)-«فتح» ج٣ ص٦١٨ .

١٩١ ==
٦٠- أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم ١٩٤٩
وقال القرطبي ◌َّلهُ: معناه: اللَّه أعلم بما جبلهم عليه، وطبعهم عليه، فمن خلقه
اللّه تعالى على جِبِلّة المطيعين كان من أهل الجنة، ومن خلقه الله على جِبِلّة الكفّار،
من القسوة، والمخالفة، كان من أهل النار، وهذا كما قال في غلام الخضر: ((طُبع يوم
طُبع كافرًا)). وهذا الثواب والعقاب ليس مرتبًا على تكليف، ولا مرتبطًا به، وإنما هو
بحکم علمه ومشيئته.
وأما من قال: إنهم في النار مع آبائهم، فمعتمده قوله والتر: ((هم من آبائهم)). ولا
حجة فيه لوجهين: ((أحدهما)): أن المسألة علميّة، وهذا خبر واحد، وليس نصًا في
الفرض.
((وثانيهما)): سلمناه، لكنّا نقول: ذلك في أحكام الدنيا، وعنها سئل، وعليها خُرِج
الحديث، وذلك أنهم قالوا: يا رسول اللَّه، إنا نُبيِّتُ أهل الدار من المشركين، وفيهم
الذراريّ؟، فقال: ((هم من آبائهم)). يعني في جواز القتل في حال التبييت، وفي غير
ذلك من أحكام آبائهم الدنيوية. والله تعالى أعلم انتهى كلام القرطبي رحمه الله
تعالى(١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قوله: ((أن المسألة علمية الخ)) فيه نظر لا يخفى؛ إذ
يُفهَم منه أن المسألة الإعتقادية لا تؤخذ من أخبار الآحاد، وهو خلاف الصواب، وقد
ذكرناه في غير هذا المحلّ، وإنما الجواب الصحيح مما ذكره هو الوجه الثاني، فتبصر.
والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: حديث أبي هريرة ◌َّ هذا طرف من حديثٍ ساقه البخاريّ رحمه الله
تعالى بتمامه في ((كتاب القدر)) من طريق همام، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله
وَله: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصّرانه، كما تُنتجون
البهيمة، هل تجدون فيها من جذعاء(٢)، حتی تکونوا أنتم تَجدعونها؟))، قالوا يا رسول
اللّه، أفرأيت من يموت صغيرًا؟ قال: ((اللَّه أعلم بما كانوا عاملين)).
وأخرج أبو داود عقب حديث أبي هريرة تَظّه بسنده، عن ابن وهب، سمعت
مالكًا، وقيل له: إن أهل الأهواء يحتجون علينا بهذا الحديث -يعني قوله: ((فأبواه
يهوّدانه، أو يُنصّرانه))- فقال مالك: احتَجَّ عليهم بآخره ((اللَّه أعلم بما كانوا عاملين)).
قال في ((الفتح)): ووجه ذلك أن أهل القدر استدلّوا على أن اللَّه فَطَر العباد على
الإسلام، وأنه لا يضلّ أحدًا، وإنما يُضل الكافرَ أبواه، فأشار مالك إلى الرد عليهم
(١)- ((المفهم)) ج٦ ص٦٧٨ -٦٧٩ .
(٢)-أي مقطوعة الأذن.

١٩٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بقوله: ((اللَّه أعلم))، فهو دالّ على أنه يعلم بما يصيرون إليه بعد إيجادهم على الفطرة،
فهو دليل على تقدّم العلم الذي ينكره غلاتهم، ومن ثَمّ قال الشافعيّ: أهل القدر، إن
أثبتوا العلم خُصِموا انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١٩٤٩/٦٠ و١٩٥٠ و١٩٥١ و١٩٥٢ وفي ((الكبرى)) ٢٠٧٦/٦٠
و ٢٠٧٧ و ٢٠٧٨ و ٢٠٧٩ . وأخرجه (خ) ١٣٨٤ و ٦٥٩٧ و ٦٥٩٨ و٦٥٩٩ (م)٢٦٥٨
و٢٦٥٩ و٢٦٦٠ (د) ٤٧١١ و٤٧١٢ و٤٧١٤ و٤٧١٥ (ت)٢١٣٨ (أحمد) ١٨٤٨
و٣٠٢٦ و٧٢٨١ و٧٣٩٦ و٧٤٦٨ (مالك في الموطإ) ٥٦٩ . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: مشروعيّة السؤال عما لا يعلمه الشخص، سواء كان يتعلّق بأمور الدنيا، أو
بأمور الآخرة. ومنها: إضافة العلم إلى اللّه تعالى، فإنه أعلم بأحوال من خلقهم، وبمن
هو أهل للجنّة، أو أهل للنار. ومنها: أن الله تعالى يعلم بما يصير إليه عباده بعد أن
يخلقهم. ومنها: أن فيه الردّ على القدرية الضالين الذين ينفون سبق علم اللّه تعالى على
وقوع الأشياء. ومنها: أن هذا الجواب قاله النبي ◌َّله قبل أن يعلم أنهم من أهل الجنة،
وهذا هو القول المختار، جمعا بينه وبين حديث: «وأما الولدان حوله، فكلّ مولود يولد
على الفطرة))، فقيل له: وأولاد المشركين؟ فقال: ((وأولاد المشركين))، كما تقدّم.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في الصلاة على أولاد المشركين:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في الصلاة على أطفال
المشركين، من السبي وغيره: فقالت طائفة: إذا كان الطفل بين أبويه، وهما مشركان،
لم يصلَّ عليه، وإن لم يكن بين أبويه، فهو مسلم صلي عليه، هذا قول حمّاد بن أبي
سليمان، والشافعيّ، وحكى أبو ثور ذلك عن الكوفيّ، وحكى عن مالك أنه قال: لا
يُصَلَّى على صبيّ اشتُري، أو سُبي، إلا أن يكون أجاب إلى الإسلام بشيء يُعرف، ولا
يُصَلِّ على جارية اشتراها، من غير أهل الكتاب(٢) حتى تسلم، وإسلامها أن تشهد أن لا
(١)- ((فتح)) ج٣ ص٦١٨.
(٢)- لا معنى بتقييده بغير أهل الكتاب، بل الكتابية كذلك، فليُتأمّل.

١٩٣
٦٠- أَوْلَادُ المُشْرِکِینَ - حديث رقم ١٩٤٩
إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، أو صلّت، فقد أجابت ما يعرفون أنها دخلت في
الإسلام، حکی ذلك المزنيّ عنه.
وقال أبو ثور: إذا سُبي الصبيّ مع أبويه، أو أحدهما، أو وحده، ثم مات قبل أن
يختار الإسلام لم يصلّ عليه، وكان الشعبيّ يقول فيمن جَلَب الرقيق، فيموت بعضهم
إن صلى فصلّ عليه، وإن لم يُصلّ فلا تصلّ عليه، وقال الحسن: إذا قال لا إله إلا الله
صلي عليه انتهى كلام ابن المنذر رحمه اللَّه تعالى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول هو الراجح عندي، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في أولاد المشركين، هل هم من أهل
الجنّة، أم لا؟ :
اعلم: أن الخلاف مخصوص بأطفال المشركين، فأما أولاد المؤمنين، فلا خلاف
بين العلماء، كما حكاه القاضي أبو يعلى الفرّاء الحنبلي، عن الإمام أحمد، أنه قال: لا
يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة، وهذا هو المشهور بين الناس، وأما ما نقل عن
بعضهم أنهم توقّفوا بأن الولدان كلهم تحت المشيئة، فغريب جدًّا، كما نبّه عليه الحافظ
ابن كثير في تفسيره، فتنبّه(٢) .
إذا عرفت هذا فاعلم أنه اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسألة على أقوال:
أحدها: أنهم في مشيئة الله تعالى، وهو منقول عن الحمّادين، وابن المبارك،
وإسحاق، ونقله البيهقيّ في ((الاعتقاد)) عن الشافعيّ في حقّ أولاد الكفّار خاصّة، قال ابن
عبد البر: وهو مقتضى صنيع مالك، وليس عنده في هذه المسألة شيء منصوص، إلا أن
أصحابه صرّحوا بأن أطفال المسلمين في الجنّة، وأطفال الكفّار خاصّة في المشيئة.
والحجة فيه حديث: ((اللَّه أعلم بما كانوا عاملين)).
ثانيهما: أنهم تبع لآبائهم، فأولاد المسلمين في الجنّة، وأولاد الكفّار في النار،
وحكاه ابن حزم عن الأزارقة من الخوارج، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُحُ رَّبٍّ لَا نَذَرْ
عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] وتعقّبه بأن المراد قوم نوح خاصّة، وإنما دعا
بذلك لما أوحى الله إليه: ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ [هود: ٣٦]، وأما
حديث: ((هم من آبائهم))، أو ((منهم))، فذاك في حكم الحربيّ.
وروى أحمد من حديث عائشة رَّها: سألت رسول الله و الله عن ولدان المسلمين؟
(١)- ((الأوسط)) ج٥ ص ٤٠٩- ٤١٠.
(٢)-راجع تفسير ((سورة الإسراء)) للحافظ ابن كثير ج٣ ص ٣٥ .

١٩٤ ٠
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
قال: ((في الجنّة))، وعن أولاد المشركين؟ قال: ((في النار))، فقلت: يا رسول اللّه، لم
يُدركوا الأعمال، قال: ((ربكِ أعلم بما كانوا عاملين، لو شئت أسمعتك تضاغيهم(١) في
النار)). وهو حديث ضعيف جدًّا، لأن في إسناده أبا عَقيل، مولى بَّة، وهو متروك.
ثالثها: أنهم یکونون في برزخ بین الجنّة والنار، لأنهم لم یعملوا حسنات يدخلون بها
الجنّة، ولا سيات يدخلون بها النار. قال ابن القيّم ◌َخّْلهُ: وهذا ليس بشيء، فإنه لا دار
للقرار إلا الجنّة والنار، وأما الأعراف، فإن مآل أصحابها إلى الجنّة، كما قاله الصحابة .
رابعها: خَدَم أهل الجنّة، وفيه حديث عن أنس تنظيم ضعيف، أخرجه أبو داود
الطيالسيّ، وأبو يعلى، وللطبرانيّ، والبزار من حديث سمرة تظميه، مرفوعًا: ((أولاد
المشركين خدم أهل الجنّة»، وإسناده ضعيف.
خامسها: أنهم يصيرون ترابًا، روي عن ثمامة بن أشرس.
سادسها: أنهم في النار، حكاه عياض عن أحمد، وغلّطه ابن تيميّة بأنه قول لبعض
أصحابه، ولا يُحفظ عن الإمام أصلاً.
سابعها: أنهم يُمتحنون في الآخرة بأن تُرفع لهم نار، فمن دخلها كانت عليه بردا
وسلامًا، ومن أَبَى عُذّب، أخرجه البزار من حديث أنس، وأبي سعيد، وأخرجه
الطبرانيّ من حديث معاذ بن جبل. وقد صحّت مسألة الامتحان في حقّ المجنون، ومن
مات في الفترة من طرق صحيحة، وحكى البيهقيّ في ((كتاب الاعتقاد)) أنه المذهب
الصحيح، ومال إليه ابن القيّم، قال: وهذا أعدل الأقوال، وبه يجتمع شمل الأدلة،
وتتفق الأحاديث في هذا الباب.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لو صحت أحاديث امتحان الأطفال لكان هذا المذهب
أعدل الأقوال، وأرجحها كما قال ابن القيّم، لكنها غير ثابتة، فقد أخرجها أبو يعلى
الموصليّ من حديث أنس، وفي سنده ليث بن أبي سليم، وهو متروك، وأخرجها الذهليّ،
والبزار من حديث أبي سعيد الخدريّ، وفي سندها عطية العوفي، ضعيف جدًّا، وروي من
حديث معاذ بن جبل تَمّه ، وفي سنده عمرو بن واقد الدمشقيّ، متروك.
والحاصل أن أحاديث امتحان الأطفال غير صحيحة، وإنما يصحّ حديث امتحان
الأصمّ، والأحمق، والهَرِم، وأهل الفترة، فقد أخرجه الإمام أحمد من حديث الأسود
ابن سَرِيع ◌َّه ، فقال في («مسنده)):
حدثنا علي بن عبد اللَّه، حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن
الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سَرِيع، أن نبي اللَّه وَ لّ قال: ((أربعة يحتجّون يوم
(١)-أي صیاحهم.

٦٠- أَوْلاَدُ الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم ١٩٤٩
١٩٥=
القيامة: رجل أصم، لا يسمع شيئا، ورجل أحمق، ورجل هَرِم، ورجل مات في فترة،
فأما الأصم، فيقول: رب لقد جاء الإسلام، وما أسمع شيئا، وأما الأحمق، فيقول:
رب لقد جاء الإسلام، والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: ربي لقد جاء
الإسلام، وما أعقل شيئا، وأما الذي مات في الفترة، فيقول: رب ما أتاني لك رسول،
فيأخذ مواثيقهم، ليُطيعُنَّه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفس محمد
بیده، لو دخلوها، لكانت عليهم بردا وسلاما)).
قال حدثنا علي، حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن الحسن، عن أبي
رافع، عن أبي هريرة، مثل هذا، غير أنه قال في آخره: ((فمن دخلها، كانت عليه بردا
وسلاما، ومن لم يدخلها يُسحب إليها)).
وهذا إسناد صحيح، فظهر بهذا أن ترجيح القول بالامتحان للأطفال بحديث
الامتحان ليس له وجه، لأن طرقه واهية، فلا يمكن تصحيحها بتعدد طرقها، ولا يمكن
أيضًا كون الحديث الصحيح المذكور آنفا شاهدًا لها، للمخالفة الواضحة، فإنها تدلّ
على النكارة، والوهاء، فتبصّر.
[تنبيه]: تُعُقْب القول بالامتحان المذكور بأن الآخرة ليست دار تكليف، فلا عمل
فيها، ولا ابتلاء.
وأجيب عنه: بأن ذلك بعد أن يقع الاستقرار في الجنّة، أو النار، وأما في عرصات
القيامة، فلا مانع من ذلك، وقد قال الله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى الشُّجُودِ فَلَا
يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢] وفي ((الصحيحين)): ((إن الناس يؤمرون بالسجود، فيصير ظهر
المنافق طبقًا، فلا يستطيع أن يسجد)).
ثامنها: أنهم في الجنّة، وقد تقدّم القول فيه في ((باب فضل من مات له ولد)). قال
النوويّ: وهو المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون، لقوله تعالى: ﴿وَمَا
كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وإذا كان لا يُعذّبُ العاقلُ لكونه لم تبلغه
الدعوة، فلأن لا يُعذّب غير العاقل من باب الأولى. ولحديث سمرة المذكور في هذا
الباب(١)، ولحديث عمة خنساء(٢) المتقدّم، ولحديث عائشة الآتي قريبًا (٣).
(١)- هو الحديث الطويل في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم، أخرجه البخاريّ في ((الجنائز)) بطوله،
وفيه: ((والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم عليه السلام، والصبيان حوله، فأولاد الناس ... )).
(٢)- تقدم حديثها في الشرح قريبًا، وفيه: ((والمولود في الجنة))، وإسناده حسن، كما مرّ.
(٣)- تقدم حديثها أيضًا، وفيه: ((فنزلت: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَىَّ﴾ [فاطر: ١٨]، لكن الحديث
ضعيف، كما مرّ.

١٩٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
تاسعها: الوقف. عاشرها: الإمساك. قال الحافظ: وفي الفرق بينهما دقّة انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي هو قول من قال: إنهم في
الجنّة، كما هو ظاهر مذهب البخاريّ، وذكر النوويّ أنه المذهب الصحيح المختار
الذي صار إليه المحققون، للآية المذكورة. فإن قال قائل: إنها في عذاب الدنيا. قلنا:
اللفظ عام، فلا ينفي دخول عذاب الآخرة.
ومن الحجج لهذا القول أيضًا قوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّرُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَاً أُلْفِىَ فِهَا فَوْجٌ
سَلَهُمْ خَهَا أَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴿َ قَالُواْ بَ قَدْ جَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اَللَّهُ مِن شَىْءٍ﴾ الآية
[الملك: ٨-٩]، فهذا دليل على أن كلّ فوج يُلقى في النار لا بدّ وأن يكونوا قد جاءهم
النذير، وكذّبوه، وهذا ممتنع في حقّ الأطفال. ولقوله تعالى لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ
مِنْكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]؛ لأنه إذا امتلأت جهنم منه، ومن أتباعه لم يبق
فيها موضع لغيرهم.
وبالجملة فالله تعالى لا يعذّب أحدًا إلا بذنبه، فالنار دار عدله لا يدخلها أحد إلا
بعمل، وأما الجنة، فدار فضله، يدخلها بغير عمل، ولهذا ينشىء الله تعالى للفضل
الذي يبقى فيها أقوامًا يسكنهم فضلها.
ومن الحجج أيضًا حديثُ سمرة وعظمفيه المتقدّم في قصة رؤيا النبي ◌َّ إبراهيم
◌ِالَُّ، وحوله الولدان، وحديثُ الفطرة، لأنه إذا ولد على الإسلام، ثم مات قبل أن
يتغيّر عن فطرته، فإنه من أهل الجنة، وليس عليه من أوزار أبويه شيء. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: اختلف السلف رحمهم الله تعالى في المراد بالفطرة في حديث
أبي هريرة تظلّه الذي تقدم ذكره في الشرح على أقوال كثيرة:
الأول: ما حكاه أبو عبيد أنه سأل محمد بن الحسن، صاحب أبي حنيفة عن ذلك؟
فقال: كان هذا في أول الإسلام قبل أن تنزل الفرائض، وقبل الأمر بالجهاد. قال أبو
عبيد: كأنه عَنَى أنه لو كان يولد على الإسلام، فمات قبل أن يهوّده أبواه مثلاً لم يرثاه،
والواقع في الحكم أنهما يرثانه، فدلّ على تغير الحكم. وقد تعقّبه ابن عبد البرّ وغيره.
وسبب الاشتباه أنه حمله على أحكام الدنيا، فلذلك ادعى فيه النسخ، والحقّ أنه إخبار
من النبي ◌َّر بما وقع في نفس الأمر، ولم يُرد به إثبات أحكام الدنيا.
الثاني: أن المراد بالفطرة الإسلام، وهذا أشهر الأقوال، قال ابن عبد البرّ: وهو
المعروف عند عامّة السلف، وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى:
(١)-منقولًا من ((الفتح)) ج٣ ص٦١٧ -٦١٨ بتصرّف وزيادة.

٦٠ - أَوْلَاَدُ الْمُشْرِكِينَ - حديث رقم ١٩٤٩
١٩٧ ===
﴿فِظْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] الإسلام، واحتجّوا بقول أبي هريرة
رَ ◌ّهِ في آخر الحديث: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾،
وبحديث عياض بن حمار رَّه، عن النبي ◌َّ فيما يرويه عن ربّه: ((إني خلقت عبادي
حُنّفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم ... )) الحديث، وقد رواه غيره، فزاد فيه:
(حنفاء مسلمين ... ))، ورجحه بعض المتأخرين بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ لأنها
إضافة مدح، وقد أمر نبيه وَلّر بلزومها، فعُلم أنه الإسلام.
وقال ابن جرير: قوله: ﴿فَقِمْ وَجْهَكَ لِلِدِينِ﴾ أي سدّد لطاعته ﴿حَنِيفًا﴾ أي مستقيمًا
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ أي صبغةَ اللَّه، وهو منصوب على المصدر الذي دلّ عليه الفعل الأول،
أو منصوب بفعل مقدّر، أي الزم.
وقال الزهريّ ◌َّلهُ في الصلاة على المولود: من أجل أنه وُلد على فطرة الإسلام.
وقد جزم البخاريّ رحمه الله تعالى في تفسير ((سورة الروم)) بأن الفطرة الإسلام. وقد
قال أحمد: من مات أبواه، وهما كافران حكم بإسلامه، واستدلّ بحديث («كلّ مولود
يولد على الفطرة ... ))، فدلّ على أنه فسّر الفطرة بالإسلام. وتعقّبه بعضهم بأنه كان
يلزم أن لا يصحّ استرقاقه، ولا يحكم بإسلامه إذا أسلم أحد أبويه.
والحقّ أن الحديث سيق لبيان ما هو في نفس الأمر، لا لبيان الأحكام في الدنيا.
وحكى محمد بن نصر أن آخر قولي أحمد أن المراد بالفطرة الإسلام. قال ابن القيم:
وقد جاء عن أحمد أجوبة كثيرة، يحتجّ فيها بهذا الحديث على أن الطفل إنما يُحكم
بكفره بأبويه، فإذا لم يكن بين أبوين كافرين فهو مسلم.
الثالث: ما رواه أبو داود عن حماد بن سلمة أنه قال: المراد أن ذلك حيث أخذ اللَّه
عليهم العهد، حيث قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ونقله ابن عبد البرّ
عن الأوزاعيّ، وعن سحنون، ونقله أبو يعلى الفرّاء عن إحدى الروايتين عن أحمد،
وهو ما حكاه الميمونيّ عنه، وذكره ابن بطّة.
الرابع(١): أن المراد به تمكن الناس من الهدى في أصل الجِبِلَّة، والتهيؤ لقبول
الدين، فلو تُرك المرء عليها لاستمرّ على لزومها، ولم يُفارقها إلى غيرها، لأن حسن
هذا الدين ثابت في النفوس، وإنما يُعدل عنه لآفة من الآفات البشريّة كالتقليد انتهى.
وإلى هذا مال القرطبي في ((المفهم))، فقال: المعنى أن الله خلق قلوب بني آدم
(١)- ظاهر ما في ((الفتح)) جعل هذا القول داخلا في الذي قبله، والظاهر أنهما مختلفان، فإن حماد بن
سلمة حمله على العهد الذي في يوم الميثاق، وهذا حمل الفطرة على كون المولود مؤهلاً لقبول
الإسلام والهدى، ومتهيأ لذلك، فلهذا جعلتهما قولين، والله تعالى أعلم.

١٩٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
مؤهلة لقبول الحقّ، كما خلق أعينهم، وأسماعهم قابلة للمرئيّات، والمسموعات، فما
دامت باقية على ذلك القبول، وعلى تلك الهيئة أدركت الحقّ، ودينُ الإسلام هو الدينُ
الحقّ، وقد دلّ على هذا المعنى بقية الحديث، حيث قال: ((كما تُنْتَجُ البهيمة)) يعني أن
البهيمة تلد الولد كامل الخلقة، فلو ترك كذلك كان بريئًا من العيب، لكنهم تصرّفوا فيه
بقطع أذنه مثلاً، فخرج عن الأصل، وهو تشبيه واقع، ووجهه واضح، والله أعلم.
وقال ابن القيّم: ليس المراد بقوله: ((يولد على الفطرة)) أنه خرج من بطن أمه يعلم
الدين، لأن اللَّه يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾
[النحل: ٧٨]، ولكن المراد أن فطرته مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته، فنفس
الفطرة تستلزم الإقرار والمحبّة، وليس المراد مجرّد قبول الفطرة لذلك، لأنه لا يتغيّر
بتهويد الأبوين مثلاً، بحيث يُخرجان الفطرة عن القبول، وإنما المراد أن كلّ مولود يولد
على إقراره بالربوبية، فلو خلّي، وعدم المعارض لم يَعدِل عن ذلك إلى غيره، كما أنه
يولد على محبّة ما يلائم بدنه، من ارتضاع اللبن حتى يصرفه عنه الصارف، ومن ثمّ
شبّهت الفطرة باللبن، بل كانت إياه في تأويل الرؤيا، والله أعلم.
الخامس: قول ابن المبارك: إن المراد أنه يولد على ما يصير إليه، من شقاوة أو
سعادة، فمن علم الله أنه يصير مسلمًا وُلد على الإسلام، ومن علم اللَّه أنه يصير كافرًا
ولد على الكفر، فكأنه أَوَّلَ الفطرةَ بالعِلْم. وتُعُقْب بأنه لو كان كذلك لم يكن لقوله:
((فأبواه يهودانه الخ)) معنى، لأنهما فعلا به ما هو الفطرة التي وُلد عليها، فينافي التمثيل
بحال البهيمة .
السادس: أن المراد أن اللَّه خلق فيهم المعرفة والإنكار، فلما أخذ الميثاق من الذرّيّة
﴾ [الأعراف: ١٧٢] أما أهل السعادة، فقالوها طوعًا، وأما أهل الشقاوة
قالوا جميعًا :
فقالوها كرهًا. وقال محمد بن نصر: سمعت إسحاق بن راهويه يذهب إلى هذا المعنى،
ويرجّحه. وتعقّب بأنه يحتاج إلى نقل صحيح، فإنه لا يعرف هذا التفصيل عند أخذ
الميثاق إلا عن السديّ، ولم يسنده، وكأنه أخذه من الإسرائيليات، حكاه ابن القيّم عن
شيخه .
السابع: أن المراد بالفطرة الخلقة، أي يولد سالمًا لا يَعرف كفرًا ولا إيمانًا، ثم يعتقد
إذا بلغ التكليف، ورجحه ابن عبدالبرّ، وقال: إنه يطابق التمثيل بالبهيمة، ولا يخالف
حديث عياض، لأن المراد بقوله ﴿حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠] أي على استقامة. وتعقّب بأنه
لو كان كذلك لم يقتصر في أحوال التبديل على ملل الكفر دون مّة الإسلام، ولم يكن
لاستشهاد أبي هريرة بالآية معنى.

=
١٩٩
٦٠ - أَوْلاَدُ المُشْرِکِینَ - حديث رقم ١٩٥٠
الثامن: قول بعضهم: إن اللام في ((الفطرة)) للعهد، أي فطرة أبويه. وهو متعقّب بما
ذُكر في الذي قبله.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي هو القول الرابع، كما تقدم بيانه
في شرح حديث خصال الفطرة في أوائل هذا الشرح، وهو الذي صححه النوويّ كَّشُ
في ((شرح مسلم))، حيث قال: والأصحّ أن معناه أن كلّ مولود يولد متهيا للإسلام، فمن
كان أبواه، أو أحدهما مسلمًا استمرّ على الإسلام في أحكام الآخرة والدنيا، وإن كان
أبواه كافرين جرى عليه حكمهما في أحكام الدنيا، وهذا معنى «يهودانه، وينصرانه،
ويمجّسانه))، أي يُحكم له بحكمهما في الدنيا، فإن بلغ استمرّ عليه حكم الكفر،
ودينهما، فإن كانت سبقت له سعادة أسلم، وإلا مات على كفره، وإن مات قبل بلوغه،
فالأصحّ أنه من أهل الجنّة.
والجواب عن حديث ((اللَّه أعلم بما كانوا عاملين)): أنه ليس فيه تصريح بأنهم في
النار، وحقيقة لفظة: ((اللَّه أعلم بما كانوا يعملون)) لو بلغوا، ولم يبلغوا، إذ التكليف لا
يكون إلا بالبلوغ.
وأما غلام الخضر فيجب تأويله قطعًا، لأن أبويه كانا مؤمنين، فيكون مسلمًا، فيتأول
على أن معناه: إن الله أعلم أنه لو بلغ لكان كافرًا، لا أنه كافر في الحال، ولا يجري
عليه في الحال أحكام الكفار. والله تعالى أعلم انتهى (١).
[تنبيه]: قال العلامة ابن القيم رحمه اللّه تعالى: سبب اختلاف العلماء في معنى
((الفطرة)) في هذا الحديث أن القدريّة كانوا يحتجون به على أن الكفر والمعصية ليسا
بقضاء الله، بل مما ابتدأ الناس إحداثه، فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم بتأويل
((الفطرة على غير معنى الإسلام، ولا حاجة لذلك، لأن الآثار المنقولة عن السلف تدلّ
على أنهم لم يفهموا من لفظ ((الفطرة)) إلا الإسلام، ولا يلزم من حملها على ذلك موافقة
مذهب القدرية، لأن قوله: ((فأبواه يهودانه الخ)) محمول على أن ذلك يقع بتقدير الله
تعالى، ومن ثمّ احتجّ عليهم مالك بقوله في آخر الحديث: ((اللَّه أعلم بما كانوا عاملين))
انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
١٩٥٠- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ:
(١)- ((شرح مسلم)) ج١٦ ص٤٢٤ ببعض اختصار.
(٢)- ذكره في ((الفتح)) ج٣ ص٦١٩ -٦٢١ .

=
٢٠٠
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ قَيْسِ -هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيِّ ◌َّهِ، سُئِلَ
عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ: ((اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا طريق ثان لحديث أبي هريرة تنظمه ، وهو بهذا
السند من أفراد المصنّف رحمه اللّه تعالى، كما أشار إليه الحافظ أبو الحجاج المزيّ في
((تحفة الأشراف))١٠ ص١٢٢ -١٢٣ والمتن متفق عليه.
ورجال هذا إسناده: ستة:
١- (محمد بن عبدالله بن المبارك) الْمُخَرِّميّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقة
حافظ [١١]٥٠/٤٣ .
٢- (الأسود بن عامر) الشاميّ، نزيل بغداد، أبو عبدالرحمن، يُلقّب شاذان،
ثقة [٩]٧ / ٤٠٧.
٣- (حماد) بن سلمة بن دينار البصريّ، ثقة عابد [٨]٢٨٨/١٨١.
٤ - (قيس بن سعد) المكيّ، ثقة [٦]١٠٦٦/١١٥ .
٥- (طاوس) بن كيسان الحِمْيَريّ مولاهم، أبو عبدالرحمن اليمانيّ، ثقة فقيه
فاضل [٣]٢٧/ ٣١.
والصحابيّ، تقدم في الذي قبله، وكذا شرح الحديث، والكلام على مسائله، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩٥١- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، عَنْ أَوْلَادٍ
الْمُشْرِكِيْنَ؟ فَقَالَ: ((خَلَّقَهُمُ اللَّهُ حِيَنَ خَلَقَهُمْ، وَهُوَ يَعْلَمُ (١) بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ)) .
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (محمد بن المثنّى) أبو موسى الْعَنَزيّ، ثقة حافظ [١٠]٨٠/٦٤.
٢- (عبدالرحمن) بن مهديّ البصريّ الإمام الحافظ الحجة [٩]٤٩/٢٤.
٣- (شعبة) بن الحجّاج البصريّ الإمام الحجة الثبت [٧]٢٦/٢٤.
٤- (أبو بشر) بن أبي وحشيّة جعفر بن إياس الواسطيّ، ثقة ثبت [٥]٥٢٠/١٣.
٥- (سعيد بن جُبير) الكوفيّ الثبت الفقيه العابد [٣]٤٣٦/٢٨.
٦ - (ابن عباس) عبدالله البحر الحبر ◌َ اثبت ٣١/٢٧.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه المصنف هنا - ١٩٥١/٦٠
(١) -وفي نسخة: ((أعلم)).