Indexed OCR Text

Pages 161-180

=
١٦١
٥٤- فَضْلُ من تبعَ جَنَازَةً - حديث رقم ١٩٤٠
أثبتت هذه الرواية أن القيراطين إنما يحصلان بمجموع الصلاة والدفن، وأن الصلاة دون
الدفن يحصل بها قيراط واحد، وهذا هو المعتمد، خلافًا لمن تمسّك بظاهر بعض
الروايات، فزعم أنه يحصل بالمجموع ثلاثة قراريط انتهى (١).
وقال في موضع آخر: قوله: ((حتى تُدفن)): ظاهره أن حصول القيراط متوقف على
فراغ الدفن، وهو أصحّ الأوجه عند الشافعية وغيرهم، وقيل: يحصل بمجرد الوضع في
اللحد. وقيل: عند انتهاء الدفن قبل إهالة التراب. وقد وردت الأخبار بكلّ ذلك،
ويترجّح الأول للزيادة، ففي هذه الرواية: ((حتى يُفرغ منها))، وفي رواية عند مسلم:
((حتى توضع في اللحد))، وفي رواية له: ((حتى توضع في القبر))، وفي رواية لأحمد:
(حتى يُقضى قضاؤها))، وللترمذي: ((حتى يُقضى دفنها))، ولأبي عوانة: ((حتى يُسوّى
عليها)) أي التراب، وهي أصرح الروايات في ذلك. ويحتمل حصول القيراط بكلّ من
ذلك، لكن يتفات القيراط، كما تقدّم. انتهى ما قاله في ((الفتح)) بتصرّف (٢).
(كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ قِيرَاطَانٍ، وَالْقِيرَاطُ مِثْلُ أُحُدٍ))) بضمتين: جبل الجبل المعروف
بقرب مدينة النبي وَلّر، من جهة الشام، وكانت به الوقعة المشهورة، في أوائل شوّال،
سنة ثلاث من الهجرة، وهو مذكّر، فينصرف، وقيل: يجوز تأنيثه على توهّم البقعة،
فيُمنع من الصرف، وليس بالقويّ. أفاده في ((المصباح)).
وفي حديث أبي هريرة عند الشيخين، والمصنف(٣): قيل: وما القيراطان؟ قال:
((مثل الجبلين العظيمين)). وفي رواية لمسلم: قيل: وما القيراطان))؟ قال: ((أصغرهما
مثل أحد))، وللنسائيّ(٤): ((فله قيراطان من الأجر، كل واحد منهما أعظم من أحد))،
ولابن ماجه من حديث أبيّ بن كعب: ((القيراط أعظم من أحد هذا))، ولابن عديّ من
حديث واثلة: ((كتب له قيراطان من أجر، أخفهما في ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل
أحد)). فأفادت هذه الروايات بيان وجه التمثيل بجبل أحد، وأن المراد به زنة الثواب
المرتّب على ذلك العمل، أفاده الحافظ رحمه اللَّه تعالى(٥).
وقال السنديّ في ((شرحه)): عند قوله: كان له من الأجر قيراط)): وهو عبارة عن
ثواب معلوم عند الله تعالى، عُبّر عنه ببعض أسماء المقادير، وفُسّر بجبل عظيم،
(١)- ((فتح)) ج١ ص ١٥٠ ((كتاب الإيمان)) رقم ٤٧ .
(٢)- «فتح» ج٣ ص٥٥٦ .
(٣) - يأتي برقم (٧٩/ ١٩٩٤.
(٤) - يأتي برقم (٧٩/ ١٩٩٧.
(٥)۔ («فتح» ج٣ ص٥٥٧ .

١٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ»
تعظيما له، وهو أحد - بضمتين- ويحتمل أن ذلك العمل يتجسّم على قدر جِزْم الجبل
المذكور، تثقيلًا للميزان انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني يردّه قوله: ((من الأجر))، فإنه صريح
في أن الذي يكون مثل أحد هو الأجر نفسه، فالأولى أن الأجر يُجسّد، فيوضع في
الميزان، كما أفاده الحافظ رحمه الله تعالى في كلامه المذكور آنفًا. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: في هذا الحديث قصة جرت بين أبي هريرة الراوي للحديث، وبين ابن عمر
،، وذلك فيما رواه الشيخان، من طريق جرير بن حازم، قال: سمعت نافعًا،
يقول: حُدّث ابنُ عمر أن أبا هريرة ◌َّ يقول: ((من تبع جنازة، فله قيراط))، فقال:
أكثر أبو هريرة علينا، فصدّقت -يعني عائشة- أبا هريرة، وقالت: سمعت رسول الله
وَ* يقوله، فقال ابن عمر تطلقها: لقد فرّطنا في قراريط)). وفي رواية لمسلم من طريق
داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، أنه كان قاعدًا عند عبد الله بن عمر، إذ
طلع خَبَّاب صاحب المقصورة، فقال: يا عبد الله بن عمر، ألا تسمع ما يقوله أبو
هريرة؟ إنه سمع رسول اللّه وَله يقول: ((من خرج مع جنازةٍ من بيتها، ثم تبعها، حتى
تدفن، كان له قيراطان من أجر، كلّ قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها، ثم رجع، كان
له من الأجر مثل أحد»، فأرسل ابن عمر خبابا، إلى عائشة يسألها، عن قول أبي هريرة،
ثم يرجع إليه، فيخبره ما قالت، وأخذ ابن عمر قَبْضَة من حصباء المسجد، يقلبها في
يده، حتى رجع إليه الرسول، فقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة، فضرب ابن عمر
بالحصى، الذي كان في يده الأرض، ثم قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. انتهى (٢).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث البراء بن عازب رضي اللّه تعالى عنهما هذا صحيح، انفر به المصنّف رحمه
اللَّه تعالى، أخرجه هنا - ١٩٤٠/٥٤ - وفي («الكبرى» ٢٠٦٧/٥٤- وأخرجه
(أحمد) ١٨١٣٣ .
المسألة الثانية: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل من تبع جنازةً. ومنها:
الترغيب في شهود الميت، والقيام بأمره، والحضّ على الاجتماع له. ومنها: التنبيه
(١)-(شرح السندي)) ج٣ ص٥٦.
(٢)- راجع ((صحيح مسلم)) بشرح النووي ج٧ ص١٩ رقم الحديث ٢١٩٢.

٥٤- فَضْلُ مُنْ تبعَ جنازة - حدیث رقم ١٩٤١
١٦٣=
على عظيم فضل الله تعالى، وتكريمه للمسلم في تكثير الثواب لمن يَتَوَلّى أمره بعد
موته. ومنها: تقدير الأعمال بنسبة الأوزان، إما تقريبًا للأفهام، وإما على حقيقته.
ومنها: أن في قصة أبي هريرة تَظّه المتقدمة دلالة على تَمَيُّز أبي هريرة في الحفظ.
ومنها: أن فيها دلالة على فضيلة ابن عمر رَ شئت من حرصه على العلم، والعمل
الصالح. ومنها: أن إنكار العلماء بعضهم على بعض قديم. ومنها: أن فيها استغراب
العالم ما لم يصل إلى علمه. ومنها: عدم مبالاة الحافظ بإنكار من لم يحفظ. ومنها: ما
كان عليه الصحابة ، من التثبت في الحديث النبويّ، والتحرّز فيه، والتنقيب عليه.
ومنها: ما كان عليه الصحابة له، من الرغبة في الطاعات حين يبلغهم، والتأسّف
على ما فاتهم منها، وإن كانوا لا يعلمون عظم موقعه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب .
المسألة الثالثة: قال الحافظ رحمه الله تعالى: وقع لي حديث الباب من رواية عشرة
من الصحابة، غير أبي هريرة، وعائشة، من حديث ثوبان، عند مسلم، والبراء،
وعبد الله بن مغفّل عند النسائيّ، وأبي سعيد، عند أحمد، وابن مسعود عند أبي عوانة،
وأسانيد هؤلاء الخمسة صحاح، ومن حديث أبيّ بن کعب، عند ابن ماجه، وابن عباس
عند البيهقيّ في ((الشُّعَب))، وأنس عند الطبرانيّ في ((الأوسط))، وواثلة بن الأسقع عند
ابن عديّ، وحفصة، عند حميد بن زنجويه في ((فضائل الأعمال))، وفي كلّ من أسانيد
هؤلاء الخمسة ضعف انتهى(١) والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٩٤١- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ، عَنِ
الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ تَبَعَ جِنَازَةً، حَتَّى يُفْرَغُ
مِنْهَا، فَلَهُ قِرَاطَانٍ، فَإِنَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَغَ مِنْهَا، فَلَهُ قِرَاطٌ .
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصريّ، ثقة [١٠]٥/٥.
٢- (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨]٤٧/٤٢.
٣- (أشعث) بن عبد الملك الْحُمراني، أبو هانئ البصريّ، ثقة فقيه [٦] مات سنة
(١٤٢) (خت ٤) تقدم في ١٢٩ / ١٩١.
[تنبيه]: يحتمل أن يكون أشعث هنا هو ابن عبد الله بن جابر الْحُدَّانيّ، أبو عبد الله
(١)- (فتح) ج٣ص٤ ٥٥ .

١٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
الأعمى البصريّ، وقد يُنسب إلى جدّه، وهو الْحُمْليّ، والأزديّ، وحُدّان من الأزد،
صدوق[٥].
قال النسائيّ: ثقة. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال أحمد: ليس به
بأس. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال البزار: ليس به بأس، مستقيم الحديث. وفرق بين
الحدّاني هذا، وبين أشعث الأعمى، فقال فيه: ليّن الحديث. وقال ابن حبّان في
((الثقات)): ما أُراه سمع من أنس. وقال العقيليّ: في حديثه وَهَم. وقال الدار قطنيّ:
يُعتبر به. عَلَّق له البخاريّ، وأخرج الباقون، سوى مسلم .
وذلك لأن كلا منهما يروي عن الحسن البصريّ، ويروي عنهما خالد الْهُجَيميّ،
راجع ترجمتيهما في ((تهذيب الكمال))، وهذا التردّد لا يضرّ في صحة الحديث، لأن كلّا
منهما ثقة. فتنبّه. والله تعالى وليّ التوفيق .
٤- (الحسن) بن أبي الحسن يسار البصريّ الإمام الحجة الفقيه الثبت [٣] ٣٦/٣٢.
٥- (عبد الله بن المُغَفّل) بن عُبيد بن نهم، أبو عبد الرحمن المزنيّ صحابيّ بايع تحت
الشجرة، ثم نزل البصرة، مات ◌َظريه سنة (٥٧) وقيل: بعد ذلك ٣٦/٣٢. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عبد الله بن المغفّل رضي اللّه تعالى عنه هذا
صحيح، وهو من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا - ١٩٤١/٥٤ - وفي
(«الكبرى»٢٠٦٨/٥٤ . وشرحه، وسائر المسائل المتعلّقة به تُعلَم مما سبق في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب».

١٦٥
٥٥- مکان الراکِب مِن الجنازة - حديث رقم ١٩٤٢
٥٥- مَكَانُ الرَّاكِبِ مِنَ الْجَنَازَةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على موضع الشخص الذي يتبع الجنازة، وهو
خلفها .
١٩٤٢- أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ وَاصِلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا
سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأَخُوهُ الْمُغِيرَةُ جَميعًا، عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ،َ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ
شُعْبَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ، وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا،
وَالطَّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ».
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (زياد بن أيوب) بن زياد البغداديّ، أبو هاشم الطُّوسيّ الأصل، الملقّب دلّويه،
وكان يغضب منها، ولقّبه أحمد شعبةَ الصغير، ثقة حافظ [١٠] مات سنة (٢٥٢)، وله
(٨٦) سنة ١٠١/ ١٣٢.
٢- (عبد الواحد بن واصل) السَّدُوسيّ مولاهم، أبو عبيدة الحدّاد البصريّ، نزيل
بغداد، ثقة تكلّم فيه الأزديّ بغير حجة [٩ ] مات سنة (١٥٠)٥٥ / ٩٧٢ .
٣- (سعيد بن عُبيد الله) بن جبير بن حيّة - بالمهملة، والتحتانية - الثقفيّ الْجُبَيريّ -
بضم الجيم، والموحّدة- البصريّ، صوق ربما وهم [٦].
قال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن
حبّان في ((الثقات)). وقال الحاكم، عن الدارقطنيّ: ليس بالقويّ، يحدّث بأحاديث،
يسندها، وغيره يوقفها. واستنكر له البخاريّ له حديثًا في ((تاريخه)).
روى له البخاري، والترمذيّ، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا
الحديث فقط، وكرره ثلاث مرّات برقم ١٩٤٢ و١٩٤٣ و١٩٤٨ .
[تنبيه]: وقع في (الكبرى)) ((سعيد بن عبدالله)) مكبرًا، وهو تصحيف، والصواب ما
في ((المجتبى)) ((ابن عبيدالله)) مصغّرًا، فتنبّه.
٤- (المغيرة) بن عُبيد الله بن جُبير بن حيّة الثقفيّ، مقبول [٧].
روى عن عمه زياد بن جبير، وعنه أبو عبيدة الحدّاد، وذكره ابن حبّان في ((الثقات)).
انفرد به المصنّف، فأخرج له حديث الباب فقط.
٥- (زياد بن جُبير) بن حيّة بن مسعو بن مُعَتِّب الثقفيّ البصريّ، ثقة، كان
يرسل [٣].

١٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ
قال أبو طالب، عن أحمد: من الثقات، وقال مرةً: رجل معروف. وقال ابن معين،
وأبو رزعة، والنسائيّ: ثقة. ووثقه العجليّ. وسئل عنه أبو داود؟ فقال: هذا زياد
الْجِهِذ. وقال الدارقطنيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في الطبقة الثالثة، من
(الثقات)). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وكرره بالأرقام
المذكورة في الترجمة السابقة.
٦- (جُبير بن حيّة) بن مسعود بن مُعَتِّب بن مالك بن كعب بن عَمْرو بن سَعْد بن
عَوْف بن ثَقيف، الثقفيّ البصريّ، ابن أخي عروة بن مسعود، ثقة جليل [٣].
ذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. وقال أبو نعيم في ((تاريخه)): يُكنى أبا فرشاد.
وذكره أبو موسى في ((الصحابة))، وأخرج له حديثًا مرسلاً، وصحح أنه تابعيّ .
ومال الحافظ إلى إثبات صحبته، فذكره في القسم الأول من ((الإصابة))، وقال: ثبت
في ((صحيح البخاريّ)) أنه شهد الفتوح في عهد عمر تَّه، وأخرج البخاريّ ذلك، من
رواية ولده زياد بن جبير، عنه، ولم أر من ذكر جبيرًا في الصحابة، وهو من شرطهم،
لأن ثقيفًا لم يبق منهم في عهد النبي وَّ ممن كان موجودا أحد، إلا أسلم، وشهد حجة
الوداع، وقد ذكره أبو موسى في الصحابة ، وأخرج له حديثًا، وزعم أنه مرسل،
وصحح أنه تابعيّ، وليست صحبته عندي بمندفعة، فمن يشهد الفتوح في عهد عمر لا
بدّ أن يكون إذ ذاك رجلاً، إذ القصّة التي شهدها كانت بعد الوفاة النبويّة بدون عشر
سنين، فأقلّ أحواله أن يكون له رؤية انتهى(١).
وقال أبو الشيخ: كان يسكن الطائف، وكان معلّم كُتَّاب، ثم قدم العراق، فصار من
كَتَبَة الديوان، فلما ولي زياد أكرمه، وعظّمه، وقرّبه، فعظم شأنه، وولّاه أصبهان،
توفي في خلافة عبد الملك بن مروان.
روى له الجماعة، سوى مسلم، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، كرره
بالأرقام المذكورة قبل ترجمة.
٧- (المغيرة بن شعبة) بن مسعود بن معتّب الثقفي صحابي مشهور، أسلم قبل
الحديبية، وولي إمرة البصرة، ثم الكوفة، مات تعظيمه سنة (٥٠) على الصحيح ١٦/ ١٧.
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
(١)- ((الإصابة)) ج٢ ص ٦٥.

١٦٧
٥٥- مکان الراکب مِنَ الجنازة - حدیث رقم ١٩٤٢
رجال الصحيح، غير المغيرة بن عبيد الله، فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل
بالبصريين، غير شيخه، فبغدادي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن
أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن زياد بن جُبير، عن أبيه) هكذا جميع نسخ ((المجتبى)) التي بين يديّ، بزيادة ((عن
أبيه))، ووقع في ((الكبرى)) ((عن زياد بن جبير، عن المغيرة ... ))، وأشار الحافظ أبو
الحجاج المزيّ رحمه الله تعالى في ((تحفة الأشراف)) ج٨ص٤٧١ إلى أن نسخ
((المجتبى)) بإسقاط ((عن أبيه))، مثل ما وقع في ((الكبرى)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن نسخ ((المجتبى)) التي أثبتت ((عن أبيه)) هي
الصحيحة، لأنه قال في ((تهذيب الكمال)) ج٢ ص ٩٤٤ و((تهذيب التهذيب ))ج ١ ص ٦٣٤ في
ترجمة زياد المذكور أنه: روى عن المغيرة بن شعبة، والمحفوظ ((عن أبيه))، عنه انتهى.
وأيضًا رواية بشر بن السَّريّ، عن سعيد بن عبيدالله الآتية في الباب التالي، وروايةٌ
خالد الْهُجَيمي، عن سعيد الآتية في ١٩٤٨/٥٩ بإثبات ((عن أبيه))، فتأمل.
(عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) رَّ، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((الرَّاكِبُ خَلْفَ
الْجَنَازَةِ) ((الراكب)) مبتدأ والظرف متعلق بمحذوف، خبر عنه، أي الراكب يمشي خلف
الجنازة، قال السنديّ ◌َخّلُهُ: أي اللائق بحاله أن يكون خلف الجنازة (وَالْمَاشِي حَيْثُ
شَاءَ مِنْهَا) إعرابه كسابقه، أي يمشي في أي مكان تيسّر له، أمامَ الجنازة، أو خلفها، أو
يمينها، أو شمالها، لأن حاجة الحمل تدعو إلى أن ينتقل في هذه الجهات (وَالطَّفْلُ
يُصَلَّى عَلَيْهِ)) جملة من مبتدأ وخبر، والفعل مبنيّ للمفعول، بَيَّنَ به أن الصلاة على الطفل
إذا مات مشروعة، وهذا بعمومه يشمل من استهلّ، ومن لم يستهلّ، وبه قال أحمد،
وغيره، وهو الراجح، وقال الجمهور: يُصَلَّى عليه، إن استهلّ، لحديث جابر تَّه ،
مرفوعًا: ((الطفل لا يصلّى عليه، ولا يَرث، ولا يورث، حتى يستهلّ)). روه الترمذيّ،
وابن ماجه، لكن الحديث ضعيف، لأنه من رواية إسماعيل بن مسلم المكيّ، وهو
ضعيف، وسيأتي تمام البحث فيه في ١٩٤٨/٥٩ - باب ((الصلاة على الأطفال))، إن
شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث المغيرة بن شعبة تَث هذا صحيح.

١٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
[تنبيه]: مدار هذا الحديث على زياد بن جُبير، وقد اختَلَف عليه أصحابه، فرواه عنه
يونس بن عُبيد موقوفًا، أو شكّ في رفعه، كما عند أبي داود، والحاكم ج٣٦٣/١
وأحمد ج٢٤٩/٤ وأبي داود الطيالسيّ، وابن أبي شيبة، ورواه عنه سعيد بن عُبيد الله،
فرفعه، كما وقع عند أحمد ٢٥٢/٤ والمصنّف هنا، وابن ماجه، والترمذي، والحاكم
١/ ٣٥٥ و٣٦٣ وابن أبي شيبة، وابن عبد البرّ في ((التمهيد))، وكذا رواه المغيره بن عُبيد
اللَّه عند المصنّف، والمبارك بن فَضَالَة عند أحمد ٢٤٨/٤ والجزم مقدّم على الشكّ،
فالراجح رفعه، والمحفوظ أنه رواه زياد بن جبير، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، كما
وقع عند جميع المخرّجين.
وأما ما وقع عند ابن ماجه في ((باب شهود الجنائز)) ((عن زياد بن جبير، سمع المغيرة
ابن شعبة)) فهو شاذٌ، ويحتمل أن يكون رواه زياد عن أبيه، عن المغيرة، ثم سمعه، عن
المغيرة مباشرةً، أو سمعه عن المغيرة، فثبّته أبوه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٩٤٢/٥٥ و١٩٤٣/٥٦ و١٩٤٨/٥٩ - وفي ((الكبرى)) ٢٠٦٩/٥٥
و٢٠٧٠/٥٦ و٢٠٦٥/٥٩- وأخرجه (د) ٣١٨٠ (ت) ١٠٣١ (ق) ١٤٨١ و١٥٠٧
(أحمد) ١٧٦٩٧ و١٧٧٠٩ و١٧٧٤٢ . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في سير الراكب مع الجنازة:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: قد اختُلِف في هذا الباب، فروينا عن
ابن عمر رَّت، أنه كان على بَغْل راكبًا أمام الجنازة. وكان علقمة، والنخعيّ يكرهان أن
يتقدّم الراكب أمام الجنازة، وقال أحمد، وإسحاق: الراكب خلف الجنازة.
وكرهت طائفة الركوب في الجنازة، روينا عن ابن عباس رضي أنه قال: الراكب مع
الجنازة كالجالس في أهله. ورُوي عن ثوبان أنه قال لرجل راكب في جنازة: تركب،
وعبادُ اللَّه يمشون، وأخذ بلجام دابته، فجعل يَكْبَحُها(١). ورُوِيَ عن الشعبيّ أنه قال
كقول ابن عباس. وقد روينا عن ابن عباس رواية أخرى أنه رئي راكبا في جنازة. وقال
عبدالله بن رباح الأنصاريّ: للماشي في الجنازة قيراطان، وللراكب قيراط انتهى(٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي في هذه المسألة القول الأول،
وحاصله أنه يجوز الركوب لمن يتبع الجنازة، وأن الأولى أن يكون خلفها؛ لحديث الباب،
وغيره، كما سيأتي في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب،
(١)- كبح الدّابة باللجام كَبْحًا، من باب نَّفَع: جذبها به لتقف.
(٢)- ((الأوسط)) ج٥ ص٣٨٤ -٣٨٦.

١٦٩ -
٥٦- مكَانُ الْمَاشِي مِنَ الْجَنَازَةِ - حديث رقم ١٩٤٣
وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٥٦- مَكَانُ الْمَاشِي مِنَ الْجَنَازَةِ
١٩٤٣- أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ بَكَّارِ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ
الثّقَفِيّ، عَنْ عَمْهِ، زِيَادِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ، وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا، وَالطَّفْلُ يُصَلَّى
عَلَيْهِ)).
رجال هذا الإسناد: ستة، كلهم تقدموا في الباب الماضي، سوى اثنين:
١- (أحمد بن بكّار الْحَرَّانيّ) ابن أبي ميمونة الأمويّ مولاهم، أبو عبدالرحمن،
صدوق، وكان له حفظ [١٠]١٣٦٥/١٠٤، وهو من أفراد المصنّف.
٢- (بشر بن السّريّ) أبو عَمرو الأَفْوَهُ البصريّ، سكن مكة، وكان واعظا، فلُقِّبَ
بالأفوه، ثقة متقن، طُعِن فيه برأي جهم، ثم اعتذر، وتاب [٩]١٠٤ / ١٣٦٥.
والحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله، وبقي الكلام على
ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مكان الماشي من الجنازة، فأقول - مستعينًا
بالله تعالى -:
مسألة: قال الإمام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: قد اختلف أهل العلم في المشي أمام
الجنازة، وخلفها، فممن كان يرى المشي أمام الجنازة: أبو بكر الصديق، وعمر بن
الخطاب، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وأبو هريرة، والحسن بن عليّ، وابن الزبير،
وأبو أُسَيد الساعديّ، وأبو قتادة، وقال عبدالرحمن بن أبي ليلى: لقد كنّا مع أصحاب
رسول اللَّه ◌َ ل﴿ نمشي بين يدي الجنازة، ولا يرون بذلك بأسًا. وهو قول عُبيد بن عُمير،
وشُريح، والقاسم بن محمد، وسالم، والزهريّ، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، واحتَجَّ
(١)- قال ابن المنذر: حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن الثوريّ، عن محمد بن المنكدر، قال:
أخبرني شيخ لنا يقال له: ربيعة بن عبدالله بن الحدير، قال: رأيت عمر بن الخطاب يضرب
الناس يقدّمهم أمام جنازة زينب بنت جحش انتهى. وإسناده صحيح، وربيعة بن عبدالله من
رجال البخاريّ.

==
١٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
بتقديم عمر بن الخطاب الناس أمام جنازة زينب بنت جحش(١).
وقال أصحاب الرأي: لا بأس بالمشي قدّامها، والمشيُ خلفها أحبّ إلينا. وقال
إسحاق ابن راهويه: يتأخر أحبّ إلينا، وقد روينا عن عليّ أنه مشى خلفها. وسئل
الأوزاعيّ عن المشي أمام الجنازة؟ فقال: هو سعة، والأفضل عندنا خلفها.
وقالت طائفة: إنما أنتم مُتَّبِعُون، تكونون بين يديها، وخلفها، وعن يمينها، وعن
شمالها، هذا قول مالك بن أنس، وبه قال معاوية بن قرّة، وسعيد بن جبير. وقال
إسحاق في موضع آخر: لا بأس أن يمشي الرجل أمام الجنازة، وخلفها قريبًا.
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: المشي أمام الجنازة، وخلفها، وعن شمالها(٢) جائز،
والمشي أمامها أحبّ إليّ، لحديث ابن عمر تؤثّهتا - يعني حديثه الآتي عند المصنّف بعد
هذا- ولأن عليه الأكثرَ من أصحاب رسول اللَّه وَالر، والتابعين، ومن بعدهم.
فليُكثِر مع تبع الجنازة، حيث مشى منها ذكرَ الموت، والفكر في صاحبهم، وأنهم
صائرون إلى ما صار إليه، وليستعدّوا للموت، ولِمَا بعده، سَهَّل الله لنا حسن
الاستعداد، واللقاء به انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى(٣).
وقال الحافظ ابن عبدالبرّ رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الاختلاف بين العلماء في هذه
المسألة: ما نصّه:
قال أبو عمر: المشي أمام الجنازة أكثر عن العلماء، من الصحابة، والتابعين، ومن
بعدهم من الخالفين، وهو مذهب الحجازيين، وهو الأفضل -إن شاء الله- ولا بأس
عندي بالمشي خلفها، وحيث شاء الماشي منها، لأن اللَّه عزّ وجلّ لم يحظُر ذلك، ولا
رسوله وَ﴿ه، ولا أعلمُ أحدًا من العلماء كره ذلك، ولا ذكر أن مشي الماشي خلف
الجنازة يُحبط أجره فيها، ويكون كمن لم يشهدها، وقد قال رسول اللّه ◌َله: ((من شهد
الجنازة، حتى يصلي، فله قيراط، ومن شهدها حتی تُدفن کان له قیراطان». ولم يخصّ
الماشي خلفها من الماشي أمامها انتهى كلام ابن عبد البر رحمه اللَّه تعالى (٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الإمامان الحافظان: أبو بكر ابن
المنذر، وأبو عمر ابن عبد البرّ رحمهما الله تعالى هو الحقّ عندي.
وحاصله أن المشي أمام الجنازة، أفضل، لحديث ابن عمر رضيتها الآتي بعد هذا،
وهو حديث صحيح، والجواب عن إعلاله سيأتي قريبا، إن شاء الله تعالى، ولأنه عَمَلُ
(١)-الظاهر أنه سقط من النسخة لفظة ((وعن يمينها)). والله تعالى أعلم.
(٢)-((الأوسط)) باختصار ج٥ ص ٣٨٠-٣٨٤.
(٣)- ((الاستذكار)) ج٨ ص٢٢٢-٢٢٣ . بتغيير نص الحديث بنصّ حديث البخاريّ رحمه الله تعالى.

١٧١
٥٦- مكانُ المَاشِي مِنَ الجنازة - حديث رقم ١٩٤٤
أكثر الصحابة، والتابعين، ومَن بعدهم، هذا من حيث الأفضليةُ، وإلا فالمشي حيث
تيسر: أمامها، وخلفها، ويمينها، وشمالها جائز؛ لحديث المغيرة بن شعبة وتعطيه
المذكور في هذا الباب، والذي قبله، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. واللّه تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٩٤٤- أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَقُتَنِبَةُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ
الزُّهْرِىِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِهِ، ((أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ تَهَا، يَمْشُونَ
أَمَامَ الْجَنَازَةِ».
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المروزيّ الإمام الثبت الحجة الفقيه[١٠]٢/٢.
٢- (عليّ بن حُجر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار[٩]١٣/١٣.
٣- (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رَجَاء البَغْلَانيّ، ثقة ثبت [١٠]١/١.
٤- (سفيان) بن عيينة، أبو محمد الهلالي مولاهم المكي الإمام الثبت الحجة [٨]
١/١ .
٥- (الزهري) محمد بن مسلم، أبو بكر المدنيّ الإمام الثبت الحجة [٤]١/١.
٦- (سالم) بن عبدالله بن عمر العدويّ المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣]٢٣ /٤٩٠.
٧- (عبدالله بن عمر) بن الخطاب رؤيا ١٢ / ١٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهري، وسفيان مكي، وقتيبة
بغلاني، والباقيان مروزيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أحد الفقهاء
السبعة، وهو سالم، وفيه ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أحد العبادلة الأربعة،
والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ) عبدالله بن عمر رَبِّهَا ( ((أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ وَّةِ، وَأَبَا بَكْرٍ،
وَعُمَرَ رَِيّا) وفي الرواية التالية ذكر عثمان رَنْثُ معهم (يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ) ) فيه دليل
على أن المشي أمام الجنازة أفضل؛ لأنه حكاية عادة، وكانت عادتهم اختيار الأفضل،
وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق،
وهو المستعان، وعليه التكلان.

١٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عبدالله بن عمر تبيّتا هذا صحيح على الراجح.
المسألة الثانية: اختُلِف في وصل هذا الحديث، وإرساله:
قال المصنّف رحمه الله تعالى في ((الكبرى)) بعد ذكر هذا الحديث: قال أبو
عبدالرحمن: هذا الحديث خطأ، وهم فيه ابن عُيينة، خالفه مالك، رواه عن الزهريّ
مرسلاً . وقال أيضًا بعد الحديث الثاني: قال أبو عبدالرحمن: وهذا أيضًا خطأ،
والصواب مرسلاً(١)، وإنما أتى هذا، لأن الحديث رواه الزهريّ، عن سالم، عن أبيه،
أنه كان يمشي أمام الجنازة، قال: وكان النبي بَلتر، وأبو بكر، وعمر يمشون أما
الجنازة، وقال: ((كان النبي ◌َّ)) إنما هو من قول الزهريّ.
قال ابن المبارك: الحفّاظ عن ابن شهاب ثلاثة: مالك، ومعمر، وابن عُيينة، فإذا
اجتمع اثنان على قول أخذنا به، وتركنا قول الآخر. قال أبو عبدالرحمن: وذَكَرَ ابنُ
المبارك هذا الكلام عند أهل الحديث انتهى كلام المصنف رحمه اللَّه تعالى(٢).
وقال الحافظ رحمه الله تعالى في ((التلخيص الحبير)): ما نصّه: حديث ابن عمر:
((رأيت رسول اللَّه وَ له، وأبا بكر، وعمر، يمشون أمام الجنازة)).
رواه أحمد، وأصحاب السنن، والدارقطنيّ، وابن حبّان، والبيهقيّ، من حديث ابن
عيينة، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، به. قال أحمد: إنما هو عن الزهريّ مرسل،
وحديث سالم فعل ابن عمر، وحديث ابن عيينة وَهَمْ. قال الترمذيّ: أهل الحديث
يرون المرسل أصح، قاله ابن المبارك، قال: وروى معمر، ويونس، ومالك، عن
الزهريّ: ((أن النبي (وَ لير كان يمشي أمام الجنازة)). قال الترمذيّ: ورواه ابن جريج، عن
الزهريّ، مثل ابن عيينة، ثم روى عن ابن المبارك أنه قال: أرى ابن ◌ُريج أخذه عن ابن
عيينة. وقال النسائيّ: وَضْلُه خطأ، والصواب مرسل. وقال أحمد: ثنا حجاج، قرأت
على ابن جريج، ثنا زياد بن سعد، أن ابن شهاب أخبره، حدثني سالم، عن ابن عمر،
أنه كان يمشي بين يدي الجنازة، وقد كان رسول اللّه ◌َله، وأبو بكر، وعمر يمشون
أمامها)». قال عبدالله: قال أبي: ما معناه: القائل: وقد كان رسول اللَّه وَل إلى
آخره ... هو الزهريّ، وحديث سالم فعل ابن عمر. وأخرجه ابن حبّان في «صحيحه))
(١)- هكذا بالنصب، وهو جائز، تقديره والصواب كونه مرسلاً.
(٢)- ((السنن الكبرى)) للمصنف ج١ ص٦٣٢ رقم الحديث ٢٠٧١ .

١٧٣
٥٦- مكَانُ الْمَاشِي مِنَ الجنازة - حديث رقم ١٩٤٤
من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، عن سالم: أن عبدالله بن عمر، كان
يمشي بين يديها، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، قال الزهريّ: وكذلك السنّة. فهذا أصحّ
من ابن عيينة(١).
وقد ذكر الدارقطنيّ في ((العلل)) اختلافًا كثيرًا فيه على الزهريّ، قال: والصحيح قول
من قال: عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه: أنه كان يمشي. قال: وقد مشى رسول الله
رَالر، وأبو بكر، وعمر.
واختار البيهقيّ ترجيح الموصول، لأنه من رواية ابن عيينة، وهو ثقة حافظ، وعن
عليّ بن المدينيّ، قال: قلت لابن عيينة: يا أبا محمد خالفك الناس في هذا الحديث،
فقال: أستیقن الزهريّ حدثني مرارًا، لست أحصیه، یعید، ويبدیه، سمعته من فيه، عن
سالم، عن أبيه.
قال الحافظ: وهذا لا ينفي عنه الوهم، فإنه سمعه منه، عن سالم، عن أبيه، والأمر
كذلك، إلا أن فيه إدراجًا، لعلّ الزهريّ أدمجه إذ حدّث به ابن عيينة، وفصله لغيره، وقد
أوضحته في ((المدرج)) بأتمّ من هذا. وجزم أيضًا بصحته ابن المنذر، وابن حزم، وقد رُوي
عن يونس، عن الزهريّ، عن أنس مثله، أخرجه الترمذيّ، وقال: سألت عنه البخاريّ،
فقال: هذا خطأ، أخطأ فيه محمد بن بكر انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى(٢).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الموصول أصحّ، كما رجّحه
البيهقيّ، وممن صححه أيضًا ابن حبان، فقال في ((صحيحه)):
((ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر أخطأ فيه سفيان بن عيينة))، ثم
أخرج بسنده عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ، عن سالم بن عبدالله، أن عبدالله
ابن عمر كان يمشي بين يدي الجنازة، قال: وإن رسول الله پے کان یمشي بین یدیها،
وأبا بكر، وعمر، وعثمان))، قال الزهريّ: وكذلك السنّة انتهى.
وممن صححه أيضا ابن المنذر، كما تقدّم في استدلاله به، وابن حزم، فقال في
((المحلى)) بعد أن ذكر رواية المصنف الآتية بعد هذا من طريق همام بن يحيى: ولم
يَخْفَ علينا قول جمهور أصحاب الحديث أن خبر همام هذا خطأ، لكنا لا نلتفت إلى
دعوى الخطإ في رواية الثقة إلا ببيان، لا يُشكّ فيه انتهى(٣).
(١)- هذه الجملة، أعني قوله: ((فهذا أصحّ من ابن عيينة)) ليس في ((صحيح ابن حبان))، انظر
(صحيحه" ج٧ ص ٣٢٠ رقم الحديث ٣٠٤٨، تحقيق الأرنؤوط.
(٢)- ((التلخيص الحبير)) ج٢ ص٢٢٦-٢٢٧.
(٣)- ((المحلى)) ج٥ ص١٦٤ -١٦٥.

١٧٤
شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ
وقد تابع ابن عيينة فيه ابن أخي الزهريّ -واسمه محمد بن عبدالله بن مسلم- عن عمه،
قال الإمام أحمد في ((مسنده)) جـ٢ص١٢٢ رَعْذَلمُ: ثنا سليمان بن داود الهاشميّ، أنا
إبراهيم بن سعد، حدثني ابن أخي الزهريّ، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، قال:
((كان رسول اللَّه وَّر، وأبو بكر، وعمر، وعثمان يمشون أمام الجنازة)). وإسناده صحيح
على شرط مسلم، وهو صريح في الرفع(١). والحاصل أن رواية ابن عيينة بالوصل
صحيحة. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٩٤٤/٥٦ و١٩٤٥ - وفي («الكبرى»٢٠٧١/٥٦ و٢٠٧٢ - وأخرجه
(د) ٣١٧٩ (ت)١٠٠٧ و ١٠٠٨ و١٠٠٩ و١٠١٠ (ق) ١٤٨٢ و١٤٨٣ (أحمد)٤٥٢٥
(مالك في الموطأ) ٥٢٤ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
١٩٤٥- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ،
قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَمَنْصُورٌ، وَزِيَادٌ، وَبَكْرٌ - هُوَ ابْنُ وَائِلِ - كُلَّهُمْ ذَكَرُوا، أَتُّهُمْ سَمِعُوا
مِنَ الزُّهْرِيِّ، يُحَدِّثُ، أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ، ((أَنَّهُ رَأَى النَِّيَّ ◌َِّ، وَأَبَا بَكْرٍ ،
وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، يَمْشُونَ بَيْنَ يَدَيِ الْجَنَازَةِ)). بَكْرٌ وَحْدَهُ لَمْ يَذْكُرْ عُثْمَانَ.
قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَّأْ، وَالصَّوَابُ مُرْسَلٌ.
رجال هذا الإسناد: عشرة :
١- (محمد بن عبدالله بن يزيد) أبو يحيى المكيّ، ثقة [١٠]١١/١١.
٢- (عبدالله بن يزيد) المقرئ، أبو عبد الرحمن المكيّ، بصري الأصل، أو
الأهواز، ثقة فاضل [٩]٤/ ٧٤٦ .
٣- (همام) بن يحيى بن دينار العَوْذيّ البصريّ، ثقة، ربما وهم [٧]٤٦٥/٥.
٤- (منصور) بن المعتمر، أبو عَتَّب الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [٥]٢/٢.
٥- (زياد) بن سعد بن عبدالرحمن الخراسانيّ، نزيل مكة، ثم اليمن، ثقة
ثبت [٦]٥١/ ٦٤.
٦- (بكر بن وائل) بن داود التيميّ الكوفيّ، صدوق [٨].
قال أبو حاتم: صالح. وقال النسائيّ: ليس به بأس، مات قبل أبيه. وقال الحاكم:
(١)- وقد أحسن الشيخ الألباني في (الإرواء)) ج٣ ص١٨٦- ١٩٢ في ذكر متابعات كثيرة لابن عيينة،
فأجاد، وأفاد، فراجعه، تستفد.

٥٧- الأمَّرُ بالصَّلاَةِ عَلَى الْمَنْتِ - حديث رقم ١٩٤٦
١٧٥ ==
وائل وابنه ثقتان. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال عبدالحقّ في ((الأحكام)):
ضعيف. وردّ ذلك عليه ابن القطّان، فأجاد، وقال: لم يذكره أحد ممن صنّف في
الضعفاء، ولا قال فيه أحد: إنه ضعيف.
روى له الجماعة، سوى البخاري، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، و ٣٦٦٣
حديث: ((اقضه عنها))، وأعاده برقم ٣٨١٩.
والباقون ذُكِرُوا في الذي قبله، والحديث صحيح كما سبق إيضاحه في الحديث
الماضي، ومضى شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به هناك.
وقوله: ((بَكْرٌ وحده لم يذكر عثمان)) يعني أن بكر بن وائل لم يذكر في روايته عن
الزهريّ عثمان بن عفان مع النبي وَ لّر، وأبي بكر، وعمر له، وإنما ذكره معهم
سفيان، ومنصور، وزياد. وقوله: ((قال أبو عبدالرحمن: هذا خطأ الخ)) قد تقدم
الجواب عنه في الذي قبله، فتنبه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٥٧- الأَمْرُ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيْتِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد بالصلاة هنا هي الصلاة الشرعية المعهودة، لا
الصلاة اللغوية التي هي الدعاء، كما زعمه بعضهم، وقد أشار الإمام البخاري رحمه الله
تعالى إلى الردّ على هذا الزعم، فبؤَّب له في (صحيحه))، فقال: ((باب سنة الصلاة)).
والله تعالى أعلم بالصواب.
١٩٤٦- أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَعَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةٌ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((إِنَّ أَخَاكُمْ قَدْ مَاتَ، فَقُومُوا، فَصَلُوا عَلَيْهِ)) .
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١- (علي بن حُجر) السَّغْدي المروزيّ المذكور في الباب الماضي.
٢- (عمرو بن زُرَارة النيسابوريّ) ثقة ثبت [١٠]٣٦٨/٧.
٣- (إسماعيل) ابن عُليّة الحافظ الثبت البصريّ [٨]١٩/١٨.
٤- (أيوب) بن أبي تميمة السختيانيّ، الحجة الثبت الفقيه [٥]٤٨/٤٢.
٥- (أبو قلابة) عبدالله بن زيد بن عمرو الْجَزمي البصريّ، ثقة فاضل كثير الإرسال

١٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
[٣]٣٢٢/١٠٣ .
٦- (أبو المهَلَّب) الْجَزميّ البصري، عم أبي قلابة، اسمه عمرو، أو عبدالرحمن بن
معاوية، وقيل غيره، ثقة [٢]١٢٣٦/٢٣.
٧- (عمران بن حصين) بن عُبيد بن خَلَف الخزاعيّ، أبو نُجَيد الصحابي ابن
الصحابيّ رَّت٣٢١/٢٠٠. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أنه مسلسل
بالبصريين، غير شيخيه، فالأول مروزيّ، والثاني نيسابوريّ، وفيه ثلاثة من التابعين
يروي بعضهم، عن بعض، وفيه من اشتهر بالكنية، أبو قلابة، وأبو المھلّب، وفيه رواية
الراوي، عن عمه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) رَا، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ أَخَاكُمْ قَدْ مَاتَ)
يعني النجاشي، ففي حديث جابر رَفي الآتي في ٧٢/ ١٩٧٠: ((إن أخاكم النجاشيّ قد
مات ... )) (فَقُومُوا) فيه الأمر بالقيام في الصلاة على الجنازة، وسيأتي في باب خاصّ -
١٩٧٦/٧٣ - إن شاء الله تعالى (فَصَلُّوا عَلَيْهِ))) فيه الأمر بالصلاة على الميت، وهو
محلّ الترجمة، وفيه الصلاة على الغائب، وفيه خلاف سيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عمران بن حُصين رضي اللَّه تعالى عنهما هذا
أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٩٤٦/٥٧ و١٩٧٠/٧٠ و١٩٧٣ و١٩٧٥ - وفي ((الكبرى)) ٥٧/
٢٠٧٣ و٢٠٩٧/٧٢ و٢١٠٠ و٢١٠٢. وأخرجه (م)٩٥٢ و٩٥٣ و١٠٣٩ (ت) ١٥٣٦
(أحمد) ١٩٣٩٠ و١٩٤٣٩ و١٩٤٤٠. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف رحمه اللّه تعالى، وهو الأمر بالصلاة على الميت،
والأمر للوجوب، لكن وجوبًا كفائيًّا. ومنها: القيام في الصلاة على الجنازة، وسيأتي
في باب خاصّ، كما أشرت إليه قريبًا. ومنها: مشروعية الصلاة على الميت الغائب،

١٧٧
٥٧- الأمَّرُ بِالصَّلَةِ عَلَى الْمَيْتِ - حديث رقم ١٩٤٦
وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: في المراد بالصلاة على الميت:
(اعلم): أن المراد بالصلاة هناهي الصلاة المعهودة الشرعية، لا الصلاة اللغوية،
التي هي الدعاء، كما زعم بعضهم، وقد أشار الإمام البخاري رحمه اللّه تعالى إلى
الرّدّ على هذا الزعم، فبوّب له في «صحيحه»، فقال: ((باب سنة الصلاة على
الجنائز))، وقال النبي وَلقوله: ((من صلى على الجنازة))، وقال: ((صلوا على صاحبكم))،
وقال: ((صلوا على النجاشيّ)) سماها صلاة، ليس فيها ركوع ولا سجود، ولا يُتْكَلَّمُ
فيها، وفيها تكبير وتسليم. وكان ابن عمر لا يصلي إلا طاهرًا، ولا يصلي عند طلوع
الشمس، ولا غروبها، ويرفع يديه. وقال الحسن: أدركت الناس، وأحقهم على
جنائزهم من رضوه لفرائضهم. وإذا أحدث يوم العيد، أو عند الجنازة يطلب الماء
ولا يتيمم، وإذا انتهى إلى الجنازة، وهم يصلون يدخل معهم بتكبيرة. وقال ابن
المسيب: يكبر بالليل والنهار، والسفر والحضر أربعًا. وقال أنس ◌َّه: تكبيرة
الواحد استفتاح الصلاة. ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَىَ أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا﴾ الآية [التوبة: ٨٤]. وفيه
صفوف، وإمام. ثم أخرج بسنده عن الشعبي قال: أخبرني من مرّ مع نبيكم تَّر على
قبر منبوذ، فأمنا، فصففنا خلفه، فقلنا: يا أبا عمرو من حدثك؟ قال: ابن عباس
رَّا. انتهى كلام البخاري رَخْذَلُهُ.
قال في ((الفتح)): قال الزين ابن المنيِّر: المراد بالسنة ما شرعه النبي ◌َّ فيها يعني
فهو أعم من الواجب والمندوب، ومراده بما ذكره هنا من الآثار والأحاديث أن لها حكم
غيرها من الصلوات من الشرائط والأركان، وليست مجرد دعاء، فلا تجزئ بغير طهارة
مثلًا. وقال في ((الفتح)) أيضًا: قال ابن رشد نقلًا عن ابن المرابط وغيره: ما محصّله:
مراد هذا الباب الرد على من يقول: إن الصلاة على الجنازة إنما هي دعاء لها،
واستغفار، فتجوز على غير طهارة. فحاول المصنف الردّ عليه من جهة التسمية التي
سماها رسول اللَّه ◌َله، ولو كان الغرض الدعاء وحده لما أخرجهم إلى البقيع، ولدعا
في المسجد، وأمرهم بالدعاء معه، أو التأمين على دعائه، ولما صفهم خلفه، كما
يصنع في الصلاة المفروضة والمسنونة. وكذا وقوفه في الصلاة، وتكبيره في افتتاحه،
وتسليمه في التحلل منها، كل ذلك دالّ على أنها على الأبدان، لا على اللسان وحده،
وكذا امتناع الكلام فيها، وإنما لم يكن فيها ركوع ولا سجود؛ لئلا يتوهم بعض الجهلة
أنها عبادة للميت، فيضل بذلك. انتهى ما في ((الفتح))، وهو بحث نفيس جدًّا. والله

١٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة على الميت:
قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى: ما حاصله: اختلف العلماء في حكم الصلاة
على الجنائز، فقال أكثرهم: هي فرض على الكفاية، يسقط وجوبها بمن حضرها عمن
لم يحضرها، وقال بعضهم: هي سنة واجبة على الكفاية.
وقال أيضًا: وفي صلاة النبي ◌َّير على النجاشي، إذ لم يصلّ عليه أحد من قومه،
وأمره وَليل أصحابه بالصلاة عليه معه دليل على تأكيد الصلاة على الجنائز، وعلى أنه لا
يجوز أن تترك الصلاة على مسلم مات، ولا يجوز دفنه دون أن يصلّى عليه لمن قدر
على ذلك.
وعلى هذا جمهور علماء المسلمين، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، من فقهاء
الأمصار، إلا أنهم اختلفوا في الصلاة على الشهداء، وعلى البغاة، وعلى أهل الأهواء،
لمعان مختلفة متباينة، على ما نذكره في مواضعه، إن شاء الله تعالى.
وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على المسلمين المذنبين من أجل ذنوبهم،
وإن كانوا أصحاب كبائر انتهى كلام ابن عبد البرّ رحمه اللّه تعالى ببعض تصرّف(١).
وقال العلامة القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه - أي في قوله: ((فقوموا، فصلوا عليه))-
دليل على وجوب الصلاة على الميت المسلم، وهو المشهور من مذاهب العلماء أنه
واجب على الكفاية، ومن مذهب مالك، وقيل عنه: إنه سنة مؤكدة انتهى (٢).
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: الصلاة على ميت فرض كفاية بلا خلاف عندنا، وهو
إجماع، والمرويّ عن بعض المالكية مردود انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن الصلاة على الميت المسلم، وكذا
المسلمة فرض على الكفاية، للأدلة الواردة في ذلك، كحديث الباب، والأحاديث
الأخرى الصحيحة في صلاته وَلير على الأموات، وأجمع على ذلك أهل العلم، فلا
اختلاف بينهم في ذلك، إلا ما نُقل عن مالك، وهو مردود، كما بيّنه النوويّ رحمه الله
تعالى آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: في اختلاف أهل العلم في الصلاة على الميت الغائب عن البلد:
ذهب جمهور السلف، إلى مشروعية الصلاة عليه، وإليه ذهب الشافعيّ، وأحمد.
(١)-((الاستذكار)) ج٧ ص٢٣٦-٢٣٨.
(٢)-((المفهم)) ج٢ ص ٦٠٩.
(٣)-((المجموع)) شرح المهذّب)) ج٥ ص١٦٩ .

١٧٩
٥٧- الأمّرُ بِالصَّلاة على المَنْتِ - حدیث رقم ١٩٤٦
قال أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى: ويصلّى على الميت الغائب بإمام وجماعة، قد
صلى رسول اللّه وَ الله على النجاشيّ ◌َمثله، ومات بأرض الحبشة، وصلى معه أصحابه
عليه صفوفًا، وهذا إجماع منهم، لا يجوز تعدّيه انتهى(١).
وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: الصلاة على الميت دعاء له، فکیف لا يُدعَى
له، وهو غائب، أو في القبر.
وذهبت الحنفيّة، والمالكية إلى أنه لا تشرع الصلاة عليه مطلقًا.
وذهب بعض أهل العلم: إنما يجوز ذلك في اليوم الذي يموت فيه، أو ما قرب منه،
لا إذا طالت المدة، حكاه ابن عبد البرّ. وذهب ابن حِبّان إلى أنه إنما يجوز ذلك لمن
كان في جهة القبلة، قال المحبّ الطبريّ: لم أر ذلك لغيره. واعتذر من لم يقل بالصلاة
على الغائب عن قصة النجاشيّ بأعذار، منها أنه كان بأرض لم يصلّ عليه بها أحد، ومن
ثمّ قال الخطابيّ: لا يُصلى على الغائب إلا إذا وقع موته بأرض، ليس فيها من يصلي
عليه، واستحسنه الرويانيّ، وترجم بذلك أبو داود في ((السنن))، فقال: ((باب الصلاة
على المسلم يليه أهل الشرك في بلد آخر)). قال الحافظ: وهذا محتمل إلا أنني لم أقف
في شيء من الأخبار أنه لم يصلّ عليه في بلده أحد انتهى.
وممن اختار هذا التفصيل شيخ الإسلام ابن تيميّة، والمقبليّ، واستدلّ له بما أخرجه
الطيالسيّ، وأحمد، وابن ماجه، وابن قانع، والطبرانيّ، والضياء المقدسيّ، عن أبي
الطفيل، عن حذيفة بن أسيد، أن النبي وَل فر قال: ((إن أخاكم مات بغير أرضكم،
فقوموا، فصلّوا علیه)).
ومن الأعذار قولهم: كُشف له وَ ل ◌ّ حتى رآى، فيكون حكمه حكم الحاضرين بين
يدي الإمام الذي لا يراه المؤتمون، ولا خلاف في جواز الصلاة على من كان كذلك.
قال ابن دقيق العيد ◌َّلهُ: هذا يحتاج إلى نقل، ولا يثبت بالاحتمال. وتعقّبه بعض
الحنفية بأن الاحتمال كاف في مثل هذا من جهة المانع.
قال الحافظ: وكأن مستند القائل بذلك ما ذكره الواحديّ في أسباب النزول بغير
إسناد عن ابن عباس تَويّ، قال: ((كُشف للنبي وَلّل عن سرير النجاشيّ، حتى رآه،
وصلى عليه)). ولابن حبّان من حديث عمران بن حصين رَبِّهَا: ((فقاموا، وصفّوا
خلفه، وهم لا يظنّون إلا أن جنازته بين يديه)). ولأبي عوانة من طريق أبان وغيره، عن
يحيى: ((فصلينا خلفه، ونحن لا نرى إلا أن الجنازة قُدّامنا)).
(١)- ((المحلى)) ج٥ ص١٦٩ .

١٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ
ومن الأعذار أن ذلك خاصّ بالنجاشيّ، لأنه لم يثبت أنه ربَّله صلى على ميت غائب
غيره. وتعقّب بأنه وَّ ه صلى على معاوية بن معاوية الليثيّ، وهو مات بالمدينة، والنبي
وَلّ كان إذ ذاك بتبوك، ذكر ذلك في ((الاستيعاب)).
وروي أيضًا عن أبي أمامة الباهليّ مثل هذه القصّة في حقّ معاوية بن مقرّن. وأخرج
مثلها أيضًا عن أنس في ترجمة معاوية بن معاوية المزنيّ، ثم قال بعد ذلك: أسانيد هذه
الأحاديث ليست بالقويّة، ولو أنها في الأحكام لم يكن شيء منها حجة.
وقال الحافظ في ((الفتح))، متعقّبًا لمن قال: إنه لم يصلّ على غير النجاشيّ، قال:
وكأنه لم يثبت عنده قصّة معاوية بن معاوية الليثيّ، وقد ذكرت في ترجمته في الصحابة أن
خبره قويّ بالنظر إلى مجموع طرقه انتهى.
وقال الذهبيّ: لا نعلم في الصحابة معاوية بن معاوية، وكذلك تكلّم فيه البخاريّ.
وقال ابن القيّم: لا يصحّ حديث صلاته وَلقر على معاوية بن معاوية، لأن في إسناده
العلاء بن يزيد، قال ابن المدينيّ: كان يضع الحدیث.
وقال النوويّ رحمه اللَّه تعالى مجيبًا عمن قال بأن ذلك خاصّ بالنجاشيّ: إنه لو فُتح
باب هذا الخصوص لانسدّ كثير من ظواهر الشرع، مع أنه لو كان شيء مما ذكروه
لتوفّرت الدواعي إلى نقله انتهى.
وقال ابن العربيّ رحمه الله تعالى: قال المالكيّة: ليس ذلك إلا لمحمد رَله. قلنا:
وما عمل به محمد بَل# تعمل به أمته . -يعني لأنَّ الأصل عدم الخصوص- قالوا:
طُوِيت له الأرضُ، وأُحضرت الجنازة بين يديه. قلنا: إن ربّنا عليه لقادر، وإن نبيّنا وَل
لأَهلٌ لذلك، ولكن لا تقولوا: إلا ما رويتم، ولا تخترعوا حديثًا من عند أنفسكم، ولا
تحدثوا إلا بالثابت، ودعوا الضعاف، فإنه سبيل إتلاف، إلى ما ليس له تلاف انتهى.
وقال الكرمانيّ رحمه الله تعالى: قولهم: رُفع الحجاب عنه. ممنوع، ولئن سلّمنا،
فكان غائبًا عن الصحابة الذين صلّوا عليه مع النبيّ وَّر . قال العلامة الشوكانيّ رحمه
اللّه تعالى بعد ذكر ما تقدّم:
والحاصل أنه لم يأت المانعون من الصلاة على الغائب بشيء يعتدّ به، سوى
الاعتذار بأن ذلك مختصّ بمن كان في أرض لا يصلّي عليه فيها أحد، وهو أيضًا جمود
على قصّة النجاشيّ، يدفعه الأثر، والنظر انتهى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجّح عندي في هذه المسألة قول من قال
(١)- ((نيل الأوطار)) ج٤ ص ٦٠- ٦٣.