Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ ٤٤- السُّرْعَةُ بالجَنازة - حديث رقم ١٩١٠ وعلي بن الحسين . وعن أبي الصدّيق الناجيّ: إن كان الرجل ليتقطّع شِسْعُهُ في الجنازة، فما يدركها، وما يكاد أن يدركها. وعن ابن عمر: لَتُسرعنّ بها، أو لأرجعنّ. وعن الحسن، ومحمد(١) أنهما كانا يعجبهما أن يسرع بالجنازة. وكان الحسن إذا رأى منهم إبطاء قال: امضوا، لا تحبسوا ميتكم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن أباه أوصاه، فقال: إذا أنت حملتني على السرير، فامش بي مشيًا بين الماشيين . وحكى الطحاوي في المسألة خلافًا، فحكى عن قوم أن السرعة بالجنازة أفضل، قال: وهو قول أبي حنيفة، وصاحبيه، وجمهور العلماء، قال: وخالفهم آخرون، وقالوا: المشي بها مشيّا ليّنا أفضل . وقال القاضي عياض: معنى هذا الإسراع عند بعضهم ترك التراخي في المشي بها، والتباطؤ، والزَّهْوِ في المشي، ويكره الإسراع الذي يشقّ على من تبعها، ويحرك الميت، وربما كان سبب خروج شيء منه، وعلى هذا حملو نهي مَن نهى من السلف عن الدَّبيب بها دبيب اليهود، وأمر بالإسراع، وجمعوا بينه وبين من رُوي عنه النهي عن الإسراع. واستدلوا بما جاء في الحديث مفسّرًا عنه وَّ: ((هو ما دون الْخَبَب))، وفي حديث آخر: ((عليكم بالقصد في جنائزكم)) . وهو قول جمهور العلماء، وأبي حنيفة، وأصحابه، والشافعيّ، وابن حبيب من أصحابنا، وحمل بعضهم ما جاء في ذلك من الآثار عن السلف على الخلاف في المسألة، والجمع بينهما على ما تقدّم انتهى . ورجّح القاضي عياض نفي الخلاف في المسألة، وأن من أمر بالإسراع أراد به المتوسّط، ومن نهى عنه أراد المفرط، ويوافق هذا كلام النوويّ، فإنه بعد أن نقل عن الشافعية وغيرهم استحباب الإسراع، قال: وجاء عن بعض السلف كراهة الإسراع، وهو محمول على الإسراع المفرط الذي يُخاف معه انفجارها، أو خروج شيء منها انتهى . قال الحافظ ولي الدين تَخّْلهُ: ولنذكر الأحاديث في ذلك، فنقول: روى أبو داود بسند صحيح من رواية عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه: أنه كان في جنازة عثمان بن أبي العاص، وكنا نمشي مشيًا خفيفًا، فلَحِقَنا أبو بكرة، فرفع سوطه، وقال: ((لقد رأيتنا، ونحن مع رسول اللَّه وَ﴿ نرمُلُ رَمَلًا)). وفي رواية له: ((في جنازة (١)-أي الحسن البصري، ومحمد بن سيرين. ٨٢ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ عبد الرحمن بن سمرة))، بدل ((عثمان بن أبي العاص))، ورواه النسائيّ(١)، وقال في روايته: ((عبد الرحمن بن سمُرة))، وقال: ((وإنا لنكاد نَرْمُلُ بها رَمَلًا)). وروه الحاكم في ((مستدركه)) مختصرًا بدون القصّة التي في أوله، بلفظ: ((وإنا لنكاد))، وصحّح إسناده . وروى أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، من رواية أبي ماجدة، عن ابن مسعود، قال: سألنا رسول اللّه وَ لجر عن المشي مع الجنازة؟، فقال: ((ما دون الخبب)) الحديث. قال الترمذيّ: حديث غريب، لا نعرفه من حديث ابن مسعود، إلا من هذا الوجه، وسمعت محمد بن إسماعيل يضعّفه، وقال: قال الحميديّ: قال ابن عيينة: قيل ليحيى: مَن أبو ماجدة هذا؟ قال: طائر طار، فحدّثنا . وقال النوويّ: اتفقوا على ضعفه، وأن أبا ماجدة مجهول، منكر الحديث . وفي ((الصحيحين)) عن عطاء، قال: حضرنا مع ابن عبّاس جنازة ميمونة تَعَّها بسَرِفَ، فقال ابن عبّاس: ((هذه ميمونة، إذا رفعتم نعشها، فلا تزعزعوه، ولا تزلزلوه، وارفُقُوا)) . وفي ((مصنّف ابن أبي شيبة)) عن أبي موسى، قال: مُرّ على النبي وَّ بجنازة، وهي تَمْخَضُ(٢) كما يمخض الزِّقُّ، فقال: ((عليكم بالقصد في جنائزكم)). ورواه البيهقيّ في (سننه)) بلفظ: ((عليكم بالقصد في المشي بجنائزكم)). قال الجامع: وفي سنده ليث بن أبي سُليم، وهو متروك. والله تعالى أعلم . قال ولي الدين: واستدلّ والدي ◌َّهُ في ((شرح الترمذيّ)) على أن المراد التوسط بين شدّة السعي، وبين المشي المعتاد بقوله في حديث أبي بكرة: ((وإنا لنكاد أن نرمل))، قال: ومقاربة الرمَل ليس بالسعي الشديد. قال ولي الدين: وقد عرفت أن لفظ أبي داود ((نرمُلُ)). وأجاب والدي عن قول ابن عباس أنه -والله أعلم - أراد الرفق في كيفية الحمل، لا في كيفية المشي بها، فإنه خَشِي أن تسقط، أو تنكشف، أو نحو ذلك، قال: وإن أراد الرفق في السير، فيحتمل أنه كان حصل لها ما يُخشى معه انفجارها، إن أزعجوها في السير، أو أن هذا رأي لابن عباس، والحديث المرفوع أولى بالاتباع انتهى . وجزم النووي في ((الخلاصة)) بذلك الاحتمال، فبوّب على هذه القضية ((كراهة شدة الإسراع، مخافة انفجارها))، وكذا بوّب عليه قبله البيهقيّ انتهى كلام ولي الدين رحمه اللَّه تعالى(٣). (١)- هو الحديث الآتي بعد هذا. (٢)- أي تتحرّك، وتضطرب. (٣)-(طرح التثريب)) ج٣ ص ٢٩٠-٢٩١. ٤٤- السّزعةُ بالجنازة - حديث رقم ١٩١٢ ٨٣ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص من هذه الأقوال، وأدلتِها أن الصواب مشروعية الإسراع بالجنازة، لصحة النصوص الواردة في ذلك، كما في أحاديث الباب، لكن يكون إسراعًا لا يؤدي إلى أمر محظور، من سقوط الميت، أو انفجاره، أوحصول الضرر لمن يتبع الجنازة، وبهذا يجمع بين مذهب القائلين بالإسراع، وبين من حُكِي عنهم النهي عنه، فلا اختلاف بينهم في الحقيقة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٩١١- (أَخْبَرَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلَ يَقُولُ: ((أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً، قَدَّمْتُمُوهَا(١) إِلَى الْخَيْرِ (٢)، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ، كَانَتْ شَرًّا تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَائِكُمْ))) . رجال هذا الإسناد: ستة، وكلهم تقدّموا قريبًا. و((سويد)): هو ابن نصر. و((عبد اللَّه)): هو ابن المبارك. و((يونس)): هو ابن يزيد الأيليّ. و((الزهريّ)): هو محمد بن مسلم. و((أبو أمامة بن سهل)): هو أسعد بن سهل بن حُنيف . والحديث متفق عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٩١٢- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عُيَيْنَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يُونُسَ(٣)، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: شَهِدْتُ جَنَازَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَخَرَجَ زِيَادٌ، يَمْشِي بَيْنَ يَدَي السَّرِيرِ، فَجَعَلَ رِجَالٌ، مِنْ أَهْلِ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ، وَمَوَالِيهِمْ، يَسْتَقْبِلُونَ السَّرِيرَ، وَيَمْشُوَنَ عَلَى أَعْقَابِمْ، وَيَقُولُونَ: رُوَيِدًا، رُوَيِدًا، بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ، فَكَانُوا يَدِبُّونَ دَبِيبًا، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضٍ طَرِيقِ الْمِرْبَدٍ، لَحِقَنَا أَبُو بَكْرَةَ، عَلَى بَغْلَةٍ، فَلَّمَّا رَأَىِ الَّذِي يَصْنَعُونَ، حَمَلَ عَلَيْهِمْ بِبَّغْلَتِهِ، وَأَهْوَى إِلَيْهِمْ بِالسَّوْطِ، وَقَالَ: خَلُّوا، فَوَالَّذِي أَكْرَمَ وَجْهَ أَبِي الْقَاسِمَِّهِ، لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بِهِ، وَإِنَّا لَنَكَادُ، نَزْمُلُ بِهَا رَمَلًا، فَانْبَسَطَ الْقَوْمُ. رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ البصريّ، ثقة [١٠]٥/٥. ٢- (خالد) بن الحارث الْهُجَيميّ البصريّ، ثقة ثبت [٨]٤٧/٤٢. (١) -وفي نسخة: ((قرّبتموها)). (٢) - وفي نسخة: ((إلى الجنة)). (٣) هكذا نسخة ((المجتبى)) ((ابن يونس)) والظاهر أنه مُصَحَّفٌ من ((ابن جَوْشَن)). ٨٤ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ ٣- (عُيينة بن عبد الرحمن بن يونس) بن جَوْشَن الغَطَفَانيّ الجَوْشنيّ(١) أبو مالك البصريّ، صدوق [٧]. قال أحمد: ليس به بأس، صالح الحديث. وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ليس به بأس، وقال مرّة: ثقة. وقال ابن سعد: ثقة إن شاء الله. وقال أبو حاتم: صدوق، وقال أيضًا: حدثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، عن عيينة بن عبد الرحمن، وكان ثقة. وقال النسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). مات في حدود (٢٥٠) روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والأربعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب أربعة أحاديث . [تنبيه]: قوله: ((ابن يونس)) هكذا وقع في نسخ ((المجتبى))، والظاهر أنه غلطً، تصحّف، من ((ابن جَوْشَن))، فقد ترجمه في ((التقريب)) ص٢٧٣ و(تهذيب التهذيب)) ج٨ ص [٢٤٠- ٢٤١] و(تهذيب الكمال)) ج٢٣ ص [٧٧ -٨١] و((الخلاصة)) ص [٣٠٧] وكلهم ذكروه بأنه عُيينة بن عبد الرحمن بن جَوْشَن، فتنبّه. والله تعالى أعلم . ٤ - (أبوه) عبد الرحمن بن جَوْشَن الْغَطَفَانيّ البصريّ، صِهْرُ أبي بكرة على ابنته، ثقة [٣]. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس بالمشهور. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، إن شاء الله تعالى. وقال العجليّ: عُيينة ثقة، وأبوه ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). روى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والأربعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب أربعة أحاديث أيضًا . ٥- (أبو بكرة) نُفيع بن الحارث بن كَلَّدَة الثقفي صحابي مشهور نزل البصرة تَّه ٨٣٦٠/٤١ والله تعالى أعلم . لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن أبا بكرة رَظعليه ممن اشتهر بهذه الكنية، وهي لقب بصورة الكنية؛ لُقْب بها؛ لكونه تدلّى من حصن الطائف بكرة البئر، فأسلم، وكنيته أبو عبد الرحمن. والله تعالى أعلم . شرح الحديث عن عبد الرحمن بن جَوْشَن أنه (قال: شَهِدْتُ جَنَازَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةً) أي حضرتها، أو اطّلعت عليها، وعاينتها، يقال: شَهِدتُ المجلس، من باب علم، شهودًا : (١)- (عُيينة)) بتحتانيتين، مصغّراً. و(جَوْشن)) بجيم، ومعجمة مفتوحتين، بينهما واو ساكنة. و((الغطفانيّ)) بفتح المعجمة، والمهملة، ثم فاء. اهـ ((ت). ٨٥ ٤٤- السُّزْعَةُ بِالجنازة - حديث رقم ١٩١٢ حضرته، فأنا شاهد، والجمع أشهاد، وشهود، وشَهِدت الشيء: اطلعت عليه، وعاينته، فأنا شاهد، وشَهِيدٌ، وعليه قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْةٌ ﴾ الآية [البقرة: ١٨٥]. أفاده في ((المصباح)). وعبد الرحمن بن سَمُرة بن حبيب بن عبد شمس العبشميّ، أبو سعيد، صحابيّ من مسلمة الفتح، يقال: كان اسمه عبد كلال، افتتح سِجِسْتَان، ثم سكن البصرة، ومات رَظ قيه بها سنة خمسين من الهجرة، أو بعدها، وتقدمت ترجمته في ٢/ ١٤٦٠ . [تنبيه]: قوله: ((شهدت جنازة عبد الرحمن بن سمرة))، هذه رواية الجماعة: إسماعيل ابن علية، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجرّاح، وخالد بن الحارث الهجيمي، وعيسى بن يونس، كلهم عن عُيينة، عن أبيه، فقالوا: ((جنازة عبد الرحمن ابن سمرة، وخالفهم شعبة، عن عيينة، فقال: جنازة عثمان بن أبي العاص(١) وروايته شاذّة، والمحفوظ رواية الجماعة. والله تعالى أعلم . (وَخَرَجَ زِيَادٌ) لعله أراد زياد ابن أبيه، لأنه كان أميرًا (يَمْشِي بَيْنَ يَدَي السَّرِيرِ) أي أمام الجنازة (فَجَعَلَ رِجَالٌ، مِنْ أَهْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سمرة ◌َّهِ (وَمَوَالِيْهِمْ) وفي نسخة: ((ومواليه)) (يَسْتَقْبِلُونَ السَّرِيرَ) أَي يواجهونَه (وَيَمْشُونَ عَلَى أَعْقَابِمْ) أي وراءهم (وَيَقُولُونَ: رُوَيْدًا، رُوَيِدًا) أي أمهلوا، ولا تسرعوا في المشي (بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ) جملة دعائية، أرادوا بها حَثّ الناس على عدم الإسراع (فَكَانُوا) أي الناس الذين حملوا جنازته (يَدِبُونَ دَبِيبًا) أي يُيطئون في المشي، يقال: دبّ الصغیر یدِب، من باب ضرب، دَبیبًا، ودبّ الجيشُ دَبيبًا أيضا: ساروا سيرًا ليّنا. قاله في ((المصباح، ونحوُهُ في ((ق)) (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ طَرِيقِ الْمِرْبَدِ) بكسر الميم، وسكون الراء، وفتح الباء: اسم موضع بالبصرة، سمي به لأنهم كانوا يَحبسون فيه الإبل. أفاده في («اللسان» (لَحِقَنَا أَبُو بَكْرَةً) بكسر الحاء المهملة، يقال: لَحِقته، ولحقت به، من باب تَعِب، لَحَاقًا: أدركته. أي أدركنا أبو بكرة وَيِ (عَلَى بَغْلَةٍ) متعلّق بحال مقدّر، أي حال كونه راكبًا على بغلة . والبَغلة بفتح، فسكون: الأنثى من ولد الفرس من الحمار، وجمعها بَغَلات، مثلُ سجْدَة، وسَجَدَات، وبِغَالٌ بالكسر، والذكر بَغْلٌ، وجمعه في القلّة أَبْغَالٌ، وفي الكثرة بِغَالٌ (فَلَمَّا رَأَى الَّذِي) وفي نسخة: ((الذين)) (يَصْنَعُونَ) أي لما رأى أبو بكرة رَلَّهُ عَمَلَ أهلِ عبد الرحمن، من حملهم الناس على عدم الإسراع (حَمَلَ عَلَيْهِمْ بِبَغْلَتِهِ) أي شَدّ في ركوبه نحوهم، ليحثّهم على الإسراع (وَأَهْوَى إِلَيْهِمْ) وفي نسخة: ((لهم)) (بِالسَّوْطِ) أي (١)-انظر ((السنن الكبرى)) للبيهقيّ ج٤ ص٢٢ . ٨٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ مدّ يده بالسوط نحوَهم، ليسوقهم به، ويَّدِّدهم، حيث تركوا السنة، وهو الإسراع بالجنازة (وَقَالَ: خَلَّوا) أي اتركوا فعلكم هذا، ودعوا الناس يسرعون بالجنازة، كما هو السنّة . وفيه فضل أبي بكرة تَظمثّه، حيث أزال المنكر، امتثالاً لأمره مَ ل﴾ بذلك، حيث قال: ((من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). رواه مسلم (فَوَالَّذِي أَكْرَمَ وَجْهَ أَبِي الْقَاسِمِ وَّ﴾ إنما خصّ الوجه، لأنه مجمع شرف الإنسان، ومظهر محاسنه، أو أراد به ذاته الشريفة وَلِّ، وإنما آثر القسم بهذه الصيغة حثًا لهم، وتأكيدًا على أن هذا الأمر من سنته وَّل، فينبغي التمسّك به، والاهتمام باتباعه (لَقَدْ رَأَيْتُنَا) أي رأيت نفسي، وأصحاب النبي ◌َِّ (مَعَ رَسُولِ اللّهِ بِهِ، وَإِنَّا لَنَكَادُ) أي نقرُب (نَزْمُلُ بِهَا رَمَلًا) أي نسرع بالجناز، يقال: رَمَلَ رَمَلًا، من باب طَلَب، ورَمَلَانًا أيضًا: إذا هَزْوَلَ(١). قاله في ((المصباح)) (فَانْبَسَطَ الْقَوْمُ) أي انشرحوا لما سمعوا من أن سنة النبي و له في المشي بالجنازة هو الإسراع، خلاف ما هم عليه، ويحتمل أن يكون المعنى: فانبسطوا بسبب فتح الطريق لهم، وتمكّنِهِم من الإسراع بعد أن كانوا متضايقين بمنعهم عنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي بكرة تَّه هذا صحيح . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١٩١٢/٤٤ و١٩١٣ وفي ((الكبرى)) ٢٠٣٩/٤٤ و٢٠٤٠٠ وأخرجه (د) ٣١٨٢ (أحمد) ١٩٨٦٢ و١٩٨٧٥ و١٩٨٨٧، وبقية المسائل تقدّمت قريبًا، والحديث صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الو کیل. ١٩١٣ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَهُشَيْمٍ، عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ:" لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، وَإِنَّا لَتْكَادُ نَرْمُلُ بِهَا، رَمَلًا)». وَاللَّفْظُ(٢) حَدِيثُ هُشَيْمٍ . (١)-قال في ((المصباح)): هَزول: أسرع في مشيه، دون الْخَبَب، ولهذا يقال: هو بين المشي والْعَذْو، وجعل جماعة الواوّ أصلا انتهى. (٢) -وفي نسخة: ((وهذا اللفظ)). ٨٧ ٤٤- السُّرْعَةُ بالجَنازة - حديث رقم ١٩١٤ رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (علي بن حُجر) المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩]١٣/ ١٣. ٢- (إسماعيل) بن إبراهيم ابن عُليّة البصري، ثقة ثبت [٨]١٩/١٨. ٣- (هُشيم) بن بشير الواسطيّ، ثقة حافظ يدلّس ويرسل [٧]١٠٩/٨٨. [تنبيه]: قوله: ((وهُشيم)) بالجرّ عطفًا على إسماعيل، فكلاهما يروي عنهما علي بن حُجر، ويرويان عن عيينة بن عبد الرحمن، فما يوجد في نسخ ((المجتبى)) مرفوعًا بضبط القلم، فغلط، فليُتنبّه . والباقون تقدّموا في السند الذي قبله. والحديث صحيح، ومضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٩١٤ - أَخْبَرَنَا(١) يَخْتِى بْنُ دُرُسْتَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَخْتِى، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ، قَالَ: إِذَا مَرَّتْ بِكُمْ جَنَازَةٌ، فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا، فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ)) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث أورده المصنف، كما هو في نسخ ((المجتبى)) التي بين يديّ في هذا الباب، ولا مطابقة بينهما، وإنما هو من أحاديث الباب التالي، كما هو صنيعه في ((السنن الكبرى)) حيث أورده فيه ج١ ص-٦٢٥ -٦٢٦ - رقم -٢٠٤٤ - . وقد جرت للمصنف عادة غريبة، حيث يورد في بعض المواضع في آخر الباب حديثًا من أحاديث الباب الذي يليه، ولعله لبيان المناسبة بين البابين، والله تعالى أعلم. رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (يحيى بن دُرُستَ(٢)) بن زياد البصريّ، ثقة [١٠]٢٤/٢٣. ٢- (أبو إسماعيل) القَنَّاد إبراهيم بن عبد الملك البصريّ، صدوق في حفظه شيء[٧]٢٣ / ٢٤. ٣- (يحيى) بن أبي كثير، أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبت، يدلّس، ويرسل [٥]٢٤/٢٣. ٤- (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه [٣]١/١. ٥- (أبو سعيد) الخُذْريّ سعد بن مالك رَّت، ٢٦٢/١٦٩. والله تعالى أعلم . (١) - وفي نسخة: ((أخبرني)) (٢)- بضمتين، وسكون المهملة. اهـ ((التقريب)). ٨٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ يحيى، عن أبي سلمة. (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو أبو سلمة. (ومنها): أن أبا سعيد رقبته أحد المكثرين السبعة روى (١١٧٠) من الأحاديث. والله تعالى أعلم . شرح الحديث (عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخدريّ) ◌َّهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، قَالَ: إِذَا مَرَّتْ بِكُمْ جَنَازَةٌ) تقدّم ضبطه بالفتح، والكسر (فَقُومُوا) فيه الأمر بالقيام للجنازة، إذا مرّت بالمكلّف القاعد، وإن لم يقصد تشييعها، والمراد عموم كلّ جنازة، من مؤمن وغيره، كما سيأتي أن النبي وَلير قام لجنازة يهوديّ مرّت به، وعلّل ذلك بأنها نفس، وفي رواية بأن الموت فَزَعٌ، كما سيأتي في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى (فَمَنْ تَبِعَهَا، فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ))) يحتمل أن المراد حتى توضع على الأرض، أو توضع في اللحد. وقد روي عن أبي هريرة رَّه باللفظين، إلا أن البخاريّ أشار إلى ترجيح رواية ((حتى توضع بالأرض))، حيث قال: ((باب من تبع جنازة، فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال))، وصرّح أبو داود بترجيحها، حيث قال بعد رواية حديث أبي سعيد تنظيمه من طريق سهيل بن أبي صالح، بلفظ: ((إذا تبعتم الجنازة، فلا تجلسوا حتى توضع)): ما نصّه: وروى الثوريّ هذا الحديث، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال فيه: ((حتى توضع بالأرض))، ورواه أبو معاوية، عن سهيل، قال: ((حتى توضع في اللحد))، وسفيان أحفظ من أبي معاوية انتهى . وكذا قال الأثرم، قال الحافظ: دَّثُ: ورواه جرير، عن سهيل، أي عن أبي صالح، عن أبي سعيد، فقال: ((حتى توضع)) حسبُ، وزاد سهيل: ((ورأيت أبا صالح لا يجلس حتى توضع عن مناكب الرجال)». أخرجه أبو نعيم في ((المستخرج)) بهذه الزيادة، والبيهقيّ ج٤ ص٢٦ وهو في مسلم بدونها. قال الحافظ: ورجح رواية ((حتى توضع بالأرض)) عند البخاريّ بفعل أبي صالح، لأنه رواي الخبر، وهو أعرف بالمراد منه. ورواية أبي معاوية مرجوحة، كما قال أبو داود انتهى.(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . (١)- ((فتح)) ج٣ ص ٥٣٢ . ٨٩ ٤٤- السُّرْعَةُ بِالْجَنَازَةِ - حديث رقم ١٩١٤ مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي سعيد الخدريّ رَظّه هذا متفق عليه . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: خرجه هنا - ١٩١٤/٤٥ و١٩١٧ و١٩١٨ و١٩١٩ و١٩٩٨/٨٠. وفي «الكبرى»٢٠٤٣/٤٥ و٢٠٤٤ و٢٠٤٥ و٢٠٤٦ و٢١٢٥/٨٠ . وأخرجه (خ) ١٣٠٩ و١٣١٠ (م) ٩٦٢ (د) ٣١٧٣ (ت) ١٠٤٣ . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو الأمر بالقيام للجنازة(١). ومنها: أن هذا الأمر للاستحباب على الراجح، وسيأتي تحقيق الخلاف، هل هو للوجوب، أم للاستحباب، أم هو منسوخ؟ في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. ومنها: أن ظاهر هذا الأمر يعمّ كل جنازة، سواء كانت لمسلم، أو لكافر، كما تدلّ عليه أحاديث الباب الثالث. ومنها: أن القيام للجنازة قد جاء تعليله في الحديث الآتي بقوله: ((إن للموت فَزَعًا))، فدلّ على أن القيام لتذكر الموت، وإعظامه، وجعله من أهمّ ما يخطر بالإنسان، ولذا استوى فيه جنازة المؤمن والكافر، ويأتي أيضًا تعليله بقوله: ((أليست نفسًا))، وثبت في رواية أحمد، وابن حبان تعليله بقوله: ((إنما تقومون إعظاما للذي يقبض النفوس))، وفي رواية الحاكم بقوله: ((إنما قمنا للملائكة))، ولا تنافي بين هذه الروايات، كما سيأتي بيان ذلك قريبًا، إن شاء الله تعالى (ومنها): ما قاله في ((الفتح)) من أن حديث أبي سعيد هذا أبين سياقًا من حديث عامر بن ربيعة الآتي بعده، وهو يوضّح أن المراد بالغاية المذكورة مَن كان معها، أو مشاهدًا لها، وأما من مرّت به، فليس عليه القيام إلا قدر ما تمرّ عليه، أو توضع عنده بأن يكون بالمصلَّى مثلًا. وروى أحمد من طريق سعيد بن مَرْجَانة، عن أبي هريرة تَّه، مرفوعًا: ((من صلی علی جنازة، فلم یمش معها، فليقم حتى تغيب عنه، وإن مشی معها، فلا یجلس حتی توضع)). وفي هذا السياق بیان لغاية القیام، وأنه لا يختصّ بمن مرّت به، ولفظ القيام يتناول من كان قاعدًا، فأما من كان راكبًا، فيحتمل أن يقال: ينبغي له أن يقف، ويكون الوقوف في حقّه كالقيام في حقّ القاعد انتهى. (٢) ومنها: أنه يستفاد من قوله: ((فمن تبعها فلا يقعد الخ)) على أن شهود الجنازة لا يجب على الأعيان، ووجه ذلك أنه يدلّ على أن من لم يتبعها لا يقوم إلى أن توضع، (١) هذا بالنسبة لأصل وضعه، وهو الذي صنعه في ((الكبرى)) وإلا فقد ذكره هنا في ((المجتبى)) في آخر باب ((السرعة بالجنازة)» فتنبه. (٢) - ((فتح)) بتصرّف ج٣ ص٥٣٣. ٩٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ بل حتى تخلّفه، فدلّ على أنه إن شاء اتبعها، ولا يجلس حتى توضع، وإن شاء لم يتبعها، ولكن يقوم حتى تخلّفه، وأصرح من هذا ما يأتي في حديث عامر بن ربيعة ◌َعليه، بلفظ: ((فلم يكن ما شيّا معها ... )). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في حكم القيام للجنازة: قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: قد اختلف أهل العلم في القيام للجنائز إذا مرّت، فقالت طائفة: يقوم لها، فعل ذلك أبو مسعود البدريّ، وأبو سعيد الخدريّ، وقيس بن سعد، وسهل بن حُنيف، وسالم بن عبد الله . ورأت طائفة أن لا يقوم المرأ للجنازة تمرّ به، مُرَّ على سعيد بن المسيّب بجنازة، فلم يقم لها، وكان عروة بن الزبير يَعيب من يفعل ذلك، وقال مالك: ليس على الرجل أن يقوم للجنازة إذا رآها، ولا يقعد حتى تجاوزه، مسلما كان، أو كافرًا. وقال الشافعيّ: لا يقوم للجنازة من لا يشهدها، والقيام لها منسوخ. وقال أحمد: إن قام لم يقعد، وإن قعد فلا بأس، وكذلك قال إسحاق. وقال أحمد: قوله: ((فليقم)) إنما ذا على القاعد يقوم، وقال أحمد: من قام للجنازة فذاك، ومن لم يقم ذهب إلى حديث عليّ تظلّه : ((قام رسول اللّه وَ له، فقمنا، وقعد، فقعدنا))، قال أبو عبد الله: أما أنا فلا أقوم. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: مذهب أحمد، وإسحاق حسن في الوجهين انتهى (١) . وقال النووي رحمه اللّه تعالى في ((شرح مسلم)): قال القاضي عياض: اختلف الناس في هذه المسألة، فقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعيّ: القيام منسوخ، وقال أحمد، وإسحاق، وابن حبيب، وابن الماجشون: هو مخيّر. قال: واختلفوا في قيام من يشيّعها عند القبر، فقال جماعة من الصحابة والسلف: لا يقعد حتى توضع، قالوا: والنسخ إنما هو في قيام من مرّت به، وبهذا قال الأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن. قال: واختلفوا في القيام على القبر حتى تدفن، فكرهه قوم، وعمل به آخرون، روي ذلك عن عثمان، وعليّ، وابن عمر، وغيرهم . هذا كلام القاضي. قال النوويّ: والمشهور في مذهبنا أن القيام ليس مستحبًا، وقالوا: هو منسوخ بحديث عليّ، واختار المتولي من أصحابنا أنه مستحب، وهذا هو المختار، فيكون الأمر به للندب، والقعودُ بيانًا للجواز، ولا يصحّ دعوى النسخ في مثل هذا، لأن النسخ (١)- ((الأوسط) ج٥ص٣٩٤-٣٩٥. ٤٤ - السُّزعة بالجنازة - حديث رقم ١٩١٤ = ٩١ إنما يكون إذا تعذّر الجمع بين الأحاديث، ولم يتعذر. والله أعلم انتهى كلام النووي رحمه اللّه تعالى(١) . وقال في ((الفتح)): وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال أكثر الصحابة، والتابعين باستحبابه، كما نقله ابن المنذر، وهو قول الأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن الحسن، ورَوَى البيهقيّ من طريق أبي حازم الأشجعيّ، عن أبي هريرة، وابن عمر، وغيرهما أن القائم مثل الحامل -يعني في الأجر - وقال الشعبيّ، والنخعيّ: يكره القعود قبل أن توضع. وقال بعض السلف: يجب القيام، واحتجّ له برواية سعيد، عن أبي هريرة، وأبي سعيد -يعني الآتية للمصنف بعد ثلاثة أحاديث -. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث علي تتّ الذي استدلّوا به على النسخ هو الآتي للمصنف رحمه الله تعالى في - ١٩٩٩/٨١-، ولفظه: عن علي بن أبي طالب، أنه ذُكر القيامُ على الجنازة حتى توضع، فقال عليّ بن أبي طالب: قام رسول اللّه وَلتر، ثم قعد))، ورواه مسلم بلفظ: ((قام رسول اللَّه وَليره، ثم قعد)). انظر ((صحيحه)) رقم - ٢٢٢٤ و٢٢٢٥ و٢٢٢٧ - ٠ ورواه أحمد، وابن حبان، وغيرهما: ((كان رسول اللَّه ◌َليل أمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس)). ولفظ البيهقيّ: ((ثم قعد بعد ذلك، وأمرهم بالقعود)» . ثم إن حديث علي باللفظ الأول لا يدلّ على النسخ، وإنما غايته أن يدلّ على أن الأمر ليس للوجوب، وأما حديثه باللفظ الثاني، فلو صحّ لكان دالّاً على النسخ، لقوله فيه: ((وأمرنا بالجلوس))، لكنه بهذا اللفظ لا يصحّ، لمخالفة محمد بن عمرو بن علقمة لمن هو أحفظ منه، وهو يحيى بن سعيد الأنصاريّ، كما أخرجه مسلم وغيره من طريقه، وتابعه شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن مسعود بن الحكم، وسيأتي للمصنف برقم -١٩٩٩ و٢٠٠٠- باللفظ الأول، وليس عندهما زيادةُ: ((وأمرنا بالجلوس)) وإنما هو حكاية فعله وَ له، وهو يدلّ على الندب، كما ذكرنا، لا على النسخ. وأما ما أخرجه أبو داود والترمذيّ، وابن ماجه، والبزار عن عبادة بن الصامت رَضُعليه، قال: ((كان رسول اللّه ◌َله يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد، فمرّ حبر من اليهود، فقال: هكذا نفعل، فجلس النبي وَّر، وقال: ((اجلسوا، خالفوهم)). فإنه ضعيف، لأن في سنده بشر بن رافع، وقد ضعفه غير واحد، وقال عنه في (١)- (شرح مسلم)) ج٧ ص٣٢. (٢)- (فتح)) ج٣ ص ٥٣٢ . '٣ ٩٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ (ت)): فقيه ضعيف الحديث، من السابعة، وفيه أيضا عبد الله بن سليمان، قال البخاريّ: فيه نظر، لا يتابع على حديثه، وأبوه سليمان، قال البخاريّ، وأبو حاتم: منكر الحديث . وأما ما أخرجه أحمد ج١ ص١٤٢، والحازمي في ((الناسخ والمنسوخ)) ص١٢١ من طريق أبي معمر، قال: كنا مع علي، فمر به جنازة، فقام لها ناس، فقال عليّ: من أفتاكم هذا؟ فقالوا: أبو موسى، قال: إنما فعل رسول اللّه وَ لّ مرّة، فكان يتشبه بأهل الكتاب، فلما نُهي انتهى))، لفظ أحمد، ولفظ الحازميّ: «فلما نُسِخ ذلك، ونُهي عنه انتهى)). ففي سنده ليث بن أبي سُليم، وهو متروك . والحاصل أن دعوى النسخ، غير صحيحة، فإن أحاديث الأمر بالجلوس، لا تصحّ، وكذا حديث عليّ المذكور الدال على النسخ، لا يثبت، فلا ينبغي الالتفات إليها، في نسخ تلك السنة الثابتة بالأحاديث الصحيحة من طرق جماعة من الصحابة، بل المتحتّم الأخذ بها، واعتقاد أنها مستحبّة، مَن فعلها، فقد أحسن، ومن لا، فلا لوم عليه، لأنه وَّ قام، وقعد، وهذا هو الحقّ، كما تقدّم ترجيح النوويّ رحمه الله تعالى له، مخالفا المشهور مذهبه، من دعوى النسخ، فجزاه الله تعالى خيرًا على اتباعه الدليلَ، وعدم تعصّبه لمشهور مذهبه، كما هو ديدن المتفقهة، ولا سيما المتأخرون، فإنا لله وإنا إليه راجعون. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب)) . ٤٥- بَابُ الأَمْرِ بِالْقِيَامِ لِلْجَنَازَةِ ١٩١٥- أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ، قَالَ: ((إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الْجَنَازَةَ، فَلَمْ يَكُنْ مَاشِيًّا مَعَهَا، فَلْيَقُمْ، حَتَّى تُخُلْفَهُ، أَوْ تُوضَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخُلُّفَهُ)) . رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (نافع) مولى ابن عمر المدني الفقيه الثبت [٣]١٢/١٢. ٢- (ابن عمر) عبد الله تعافيه ١٢ / ١٢. ٩٣ == ٤٥- بابُ الأَمْرِ بِالقِيَام لِلْجَنَازَة - حديث رقم ١٩١٥ ٣- (عامر بن ربيعة) بن كعب بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مالك بن حُجْر بن سَلامان بن مالك بن ربيعة بن رُفيدة بن عَنْز - بسكون النون- ابن وائل بن قاسط بن هِنْب ابن أَقْصَى ابن دُعمى بن جَدِيلة بن أسد بن ربيعة بن نزار العَنْزِيّ، أبو عبد الله العدويّ، وقيل: غير ذلك في نسبه، حليف آل الخطاب، كان من المهاجرين الأولين، أسلم قبل عمر، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، والمشاهد كلها مع رسول اللّه وَليل. روى عن النبي ◌َّر، وعن أبي بكر، وعمر. وعنه ابنه عبد الله، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وأبو أمامة بن سهل بن حُنيف، وعيسى الحگميّ. وكان صاحب لواء عمر بن الخطاب لما قدم الجابية، واستخلفه عثمان على المدينة لما حجّ. وقا ابن إسحاق: كان أول من قدم المدينة مهاجرًا بعد أبي سلمة بن عبد الأسد. وقال ابن سعد: كان قد حالف الخطاب، فتبنّاه، فكان يقال: عامر بن الخطاب، حتى نزلت: ﴿آدَعُوهُمْ ◌ِأَبَآئِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٥] فرجع عامر إلى نسبه، وهو صحيح النسب. وقال يحيى ابن سعيد الأنصاريّ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة: قام عامر بن ربيعة يصلي من الليل، وذلك حين شَغَبَ الناسُ في الطعن على عثمان، فصلى من الليل، ثم نام، فأُتي في منامه، فقيل له: قم، فسل اللَّه أن يُعِيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام، فصلى، ثم اشتكى، فما خرج بعدُ إلا جنازةً . قال يعقوب بن سفيان: مات في خلافة عثمان، وقال مصعب الزبيريّ وغيره: مات سنة (٣٢) وقيل: غير ذلك. روى له الجماعة، وله عند المصنّف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده . وأما قتيبة بن سعيد، والليث بن سعد، فقد ذُكرا في الباب الماضي . والسند فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وفيه أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب رَؤيتا. وأما شرح الحديث فيعلم مما قبله . وقوله: ((فلم يكن ماشيا معها الخ)) فيه بيان أن اتباع الجنائز ليس على الأعيان، وإنما هو على الكفاية، كما تقدّم، وفي رواية لمسلم من طريق ابن جريج، عن نافع بلفظ: ((إذا رأى أحدكم الجنازة، فليقم حين يراها، حتى تخلّفه، إذا كان غير مُتَّبِعِها)). وقوله: ((حتى تُخْلّفكم)) بضم أوله، وفتح المعجمة، وتشديد اللام المكسورة: أي تترككم وراءها، ونسبة ذلك إليها على سبيل المجاز، لأن المراد حاملها . وقوله: ((أو توضع)) ((أو)) ليست للشكّ، وإنما هي للتنويع، فإن من رأى الجنازة، إما أن لا يتبعها، فهذا يقوم حتى تتجاوزه، ويكون وراءها، أو توضع عنده بأن كان في المصلَّى، وإما أن يتبعها، فهذا لا يجلس حتى توضع. والله تعالى أعلم . ٩٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عامر بن ربيعة رَّ هذا متّفق عليه، أخرجه المصنف هنا -١٩١٥/٤٥ و١٩١٦ وفي («الكبرى»٢٠٤١/٤٥ و٢٠٤٢٠ وأخرجه (خ) ١٣٠٧ و١٣٠٨ (م) ٢٢١٤ و٢٢١٥ و٢٢١٦ (د) ٣١٧٢ (ت) ١٠٤٢ (ق) ١٥٤٢ (أحمد) ١٥٢٥٥، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩١٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِیهِ، عَنْ عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ الْعَدَوِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ، فَقُومُوا، حَتَّى تُخْلَفَكُمَْ، أَوْ تُوضَعَ)) . رجال الإسناد: ستة، تقدموا في الذي قبله، سوى: ١- (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني الحافظ الفقيه الحجة [٤]١/ ١ . ٢- (سالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدويّ المدنيّ، ثقة ثبت فقيه[٣]٣٢/ ٤٩٠ . وهذا سند آخر لحديث عامر بن ربيعة رتّه ، وهو أنزل مما قبله، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية الابن عن أبيه، وفيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو سالم بن عبد الله. والله تعالى أعلم . [تنبيه]: قوله: ((العَدَوِيّ)) الظاهر أنه نسبة إلى بني عدي؛ لأنه كما سبق آنفًا في ترجمته أنه كان حالف الخطاب والد عمر، فكان يُدْعَى عامر بن الخطاب، فنُسِبَ إلى قبيلته. والله تعالى أعلم. والحديث متفق عليه، كما سبق بيانه في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٩١٧ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ هِشَامٍح وأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَخْتَى، عَنْ أَبِيَّ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ، فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا، فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ)) . رجال هذا الإسناد: ثمانية : ١- (إسماعيل بن مسعود) الْجَحدَريّ البصريّ، ثقة [١٠]٤٧/٤٢. ٢- (هشام) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت رمي بالقدر، من كبار[٧]٣٤/٣٠ . والباقون تقدموا قريبًا. و((إسماعيل)) شيخ علي بن حجر: هو ابن عليّة. و((خالد)) هو ابن الحارث الهجيميّ. و((يحيى)): هو ابن أبي كثير . والحديث متفق عليه، كما تقدم شرحه، والكلام على مسائله في الباب الماضي. ٤٥- بابُ الأَمَّرِ بِالقِيَامِ لِلْجَنازة - حديث رقم ١٩١٩ ٩٥ = والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٩١٨ - أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، عَنِ ابْنِ جُرَیْجِ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، قَالَا: مَا رَأَيْنَا رَسَّولَ اللَّهِ وَ شَهِدَّ جَنَازَةً قَطْ، فَجَلَسَ حَتَّى تُوَضُّعَ . رجال هذا الإسناد: سبعة: ١- (يوسف بن سعيد) المصّيصيّ، ثقة حافظ [١١]١٩٨/١٣١. ٢- (حجاج) بن محمد الأعور المصيصيّ، ثقة ثبت [٩]٣٢/٢٨. ٣- (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة فقيه فاضل مدلس [٦]٣٢/٢٨. ٤- (ابن عجلان) محمد المدني، صدوق، اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة [٥]٤٠/٣٦ . والباقون تقدّموا قريبًا. و((سعيد)) هو المقبريّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((ما رأينا رسول اللَّه وَلي شهد جنازة قطّ الخ)). يُعارض هذا ما يأتي من حديث عليّ، وابن عباس، والحسن بن عليّ له، من أنه وَله قام، ثم قعد، لكن أحاديث هؤلاء أصحّ من هذا، فتقدّم عليه، ويحتمل أن يعود النفي إلى علمهما، فلا ينافي ما رآه غيرهما، لكن فيه بعدٌ. والله تعالى أعلم . والحديث من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا-١٩١٨/٤٥ وفي ((الكبرى)) ٢٠٤٥/٤٥ . ورجاله وإن كانوا رجال الحسن، من أجل محمد بن عجلان، فإنه صدوق، لكن فيه عنعنة ابن جريج، وهو مدلّس، وفي متنه نكارة، كما أشرت إليه آنفا، فالظاهرِ عدم صحته. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٩١٩- أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيًّا، عَنِ الشّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدِحْ وِ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُوَ زَيْدٍ، سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدِّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِيَ السَّفَرِ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّغْيِيَّ، يُحَدِّثُ عَنِ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَه مَرُّواَ عَلَّيْهِ بِجَنَازَةٍ، فَقَامَ، وَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ، فَقَامَ . رجال هذا الإسناد: تسعة: ١- ( عمرو بن عليّ) الفلاس البصريّ، ثقة حافظ [١٠]٤/٤. ٢- (إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق) الْجُوزجانيّ، نزيل دمشق، ثقة حافظ رمي بالنصب [١١]١٢٢ /١٧٤. ٣- (يحيى بن سعيد) القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩]٤/٤. ٩٦ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ ٤- (أبو زيد سعيد بن الربيع) العامريّ الْحَرَشيّ الهَرَويّ البصريّ، ثقة، من صغار[٩] أقدم شيخ للبخاريّ وفاةً، مات سنة (٢١١)١٣/ ١٤٨١. ٥- (شعبة) بن الحجاج الإمام الشهير الثبت الحجة [٧]٢٦/٢٤ . ٦- (زكريا) بن أبي زائدة الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة يدلّس [٦]١١٥/٩٣. ٧- (عبد الله بن أبي السَّفَر) -بفتح الفاء- سعيد بن يُحمِد، ويقال: أحمد الهَمْدَانيّ الثوريّ الكوفيّ، ثقة [٦]. قال أحمد، وابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: كوفيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن سعد: كان ثقة، وليس بكثير الحديث، مات في خلافة مروان ابن محمد . روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله عند المصنّف في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط . ٨- (الشعبي) عامر بن شَرَاحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٨٢/٦٦ . والصحابي تقدم في الذي قبله . وقوله: ((وقال عمرو)) هو الفَلّاس، شيخه الأول، يعني أن اللفظ الأول لهذا الحديث لفظ شيخه إبراهيم، وأما لفظ شيخه عمرو: ((إن رسول اللَّه وَ ل مرّت به جنازة، فقام)). وهذا يدلّ على شدة اهتمام المحدثین، وکمال احتیاطهم، وورعهم، حیث يراعون ألفاظ شيوخهم، ويؤدونها، كما سمعوها، لينالوا الفضل الذي ثبت عن رسول اللّه وَيتِ، في قوله: ((نضر الله امرؤا، سمع منا شيئًا، فبّغه كما سمع، فربّ مبلّغ أوعى من سامع)). رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، واللفظ له، وقال: حديث حسن صحيح . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف رحمه الله تعالى، وهو صحيح الإسناد، أخرجه هنا-١٩١٩/٤٥ وفي ((الكبرى)) ٢٠٤٦/٤٥ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٩٢٠ - أَخْبَرَنِي أَيُوبُ بْنُ مُحَمَّدِ الْوَزَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ، أَنُهُمْ كَانُوا جُلُوسًّا، مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ، فَطَلَعَتْ جَنَازَةٌ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ، وَقَامَ مَنْ مَعَهُ، فَلَمْ يَزَالُوا قِيَامًا حَتَّى نَفَذَتْ . رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (أيوب بن محمد الوزان) أبو محمد الرّقّيّ، ثقة [١٠]٣٢/٢٨. ٩٧ ٤٥- بابُ الأَمْرِ بِالقِيام للجنازة - حديث رقم ١٩٢٠ ٢- (مروان) بن معاوية بن الحارث بن أسماء الفَزَاريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقة حافظ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨]٥٠/ ٨٥٠. ٣- (عثمان بن حَكِيم) بن عبّاد بن حُنَيف الأنصاريّ الأوسيّ، أبو سَهْل المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة [٥]٣٨/ ٩٤٤. ٤- (خارجة بن زيد بن ثابت) الأنصاريّ، أبو زيد المدنيّ، ثقة فقيه [٣] ١٢٢/ ١٧٩ . ٥- (يزيد بن ثابت) بن الضحاك الأنصاريّ. روى عن النبي وَلتر. قال خليفة: شهد بدرًا، ورُمِي يوم اليمامة بسهم، فمات في الطريق، وكان أكبر من أخيه زيد بن ثابت. روى عنه ابن أخيه خارجة بن زيد بن ثابت، ويقال: لم يسمع منه. وقال ابن سعد، والبغويّ، وغير واحد: لم يشهد بدرًا . علق عنه البخاريّ، وأخرج المصنف، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (١٩٢٠) و(٢٠٢٢) . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين من عثمان (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن عمه. ومنها: أن خارجة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدموا غير مرة. والله تعالى أعلم . شرح الحديث (عَنْ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريّ ◌َّهُ (أَنَّهُمْ) أي الصحابة ، ولفظ أحمد: (( أنه كان جالسا مع النبي وَّر في أصحابه)) (كَانُوا جُلُوسًا) جمع جالس، خبر ((كان)»، ويحتمل أن يكون مصدرًا، فيكون على حذف مضاف، أي ذوي جلوس (مَعَ النَّبِيِّ وَّرَ، فَطَلَعَتْ) من باب قعد: أي ظهرت (جَنَازَةٌ) تقدم ضبطها بالفتح، والكسر، وهو اسم للميت، وقيل: بالفتح، اسم للميت، وبالكسر اسم للسرير، وعليه الميت (فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَرِ، وَقَامَ مَنْ مَعَهُ) من الصحابة : ﴾. ولفظ ((الكبرى)): ((فثار رسول اللَّه ◌َّر، وثار من معه من أصحابه ... )). ومعنى (ثار)): وَثَبَ، ونَّض . ولفظ أحمد: ((فلما رآها رسول اللَّه وَلَه ثار، وثار أصحابه معه ... )) (فَلَمْ يَزَالُوا قِيَامًا) أي قائمين، أو ذوي قيام (حَتَّى نَفَذَتْ) أي مرّت بهم، وجاوزتهم، يقال: نَفَّذَ السهمُ، نُفُوذًا، من باب قعد، ونَفَاذًا: خَرَقَ الرَّمِيَّةَ، وخرج منها، ويتعدّى بالهمزة، والتضعيف. قاله في ((المصباح)) . ١ ٩٨ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ زاد في رواية أحمد: «قال: واللّه، ما أدري، مِنْ تَأَذِّ بها، أو من تضايق المكان، ولا أحسبها، إلا يهوديا، أو يهودية، وما سألنا عن قيامه وَ لات)). يعني أنه لم يعلم سبب قيام النبي والتر، هل لأجل تأذيه بالجنازة، فأراد أن يبتعد عن أذاها، أو لأجل ضيق مكان مرورها، فأراد أن يُوسّع لها . وهذا يدلّ على أن يزيد بن ثابت رَّه لم يسمع من النبي ◌َّه قوله: ((إذا رأيتم الجنازة، فقوموا))، وأيضا أنه لم يره قائمًا إلّ في ذلك اليوم، وهذا لا ينافي إثبات من نقله عنه وَله قولا، وفعلًا من الصحابة الآخرين، كما تقدم، فيقدّم المثبتون عليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث يزيد بن ثابت رقمّ هذا صحيح الإسناد، إلا أنه اختلف في سماع خارجة عنه، والذي يظهر لي أنه لم يسمع منه؛ لأنه مات في حرب اليمامة زمن أبي بكر تَظمي ، ومات خارجة سنة (٩٩) أو سنة (١٠٠) وهو ابن (٧٠) سنة، كما يظهر من ترجمته في ((تهذيب الكمال)) جـ ٨ ص ١٢، فتكون ولاته سنة (٢٩) أو (٣٠) في خلافة عثمان رَّه، فلا يمكن أن يلقى عمه. والله تعالى أعلم. وهو من أفراد المصنّف رحمه اللّه تعالى، أخرجه هنا-١٩٢٠/٤٥- وفي («الكبرى»٢٠٤٧٠/٤٥ وأخرجه أحمد -١٨٩٥٩ -. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)). ٤٦- (الْقِيَامُ لِجَنَازَةٍ أَهْلِ الشّرْكِ(١)) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أراد رحمه اللَّه تعالى بأهل الشرك ما يعمّ الذمّين، من اليهود، والنصارى، والمشركين، وغيرهم. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٩٢١ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو ابْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّخَمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَىَ، قَالَ: كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةً، بِالْقَادِيَّةِ، فَمُرَّ عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ، فَقَامَا، فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَقَالاَ: مُرَّ عَلَى (١)- وفي نسخة ((لجنازة المشركين)). ٩٩ ٤٦- (القِيَامُ لِجَنَازَةِ أَهْلِ الشِّرْكِ) - حديث رقم ١٩٢١ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ بِجَنَازَةٍ، فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ يُودِيٍّ، فَقَالَ: ((أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟))) . رجال هذا الإسناد: سبعة: ١- (عمرو بن مُرّة) الْجَمَليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة عابد، رُمي بالإرجاء [٥]٢٦٥/١٧١. ٢- (عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقة [٢]١٠٤/٨٦. ٣- (سهل بن حُنَيف) بن واهب الأنصاريّ الأوسيّ، صحابيّ بدريّ، استخلفه عليّ على البصرة، مات رَّه في خلافته، تقدم ٩/ ٦٩٩. ٤- (قيس بن سعد بن عُبادة) بن دُليم بن حارثة الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الملك، ويقال: أبو الفضل المدنيّ. قال أنس بن مالك: كان قيس بن سعد من النبي وَلهر بمنزلة صاحب الشُّرطة من الأمير. قال الحميديّ، عن سفيان، عن عمرو بن دينار: كان قيس بن سعد رجلا ضخما جسيمًا، وكان إذا ركب الحمار خَطَّت رجلاه الأرض. وقال بكر بن سَوَادة، عن أبي حمزة الحميريّ، عن جابر، فذكر حديثا، قال: وكان عليهم قيس بن سعد، ونحر لهم تسع ركائب، وقال فيه: فلما قدموا على رسول اللّه وَّر ذكروا له من أمر قيس بن سعد، فقال: ((إن الجود من شيمة أهل ذلك البيت)). وقال يونس، عن الزهريّ: كان من دُهَاة العرب. وقال عروة: قال قيس بن سعد: اللَّهم ارزقني مالا ، فإنه لا تصلح الفعال إلا بالمال. قال خليفة وغيره: توفي بالمدينة في آخر خلافة معاوية. وقال ابن حبان: يُكنى أبا القاسم، وكان على مقدمة علي يوم صفّين، ثم هرب من معاوية سنة (٥٨) وسكن تفليس، ومات بها في ولاية عبد الملك بن مروان. انتهى. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. و((خالد)): هو ابن الحارث الْهُجَيميّ. والله تعالى أعلم . لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسيات المصنف ◌َخّْلهُ، وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ رحمهِ اللَّه تعالى، وفي رواية للبخاريّ، ذكرها تعليقًا عن أبي حمزة السُّكّريّ، عن عمرو، عن ابن أبي ليلى، قال: كنت مع قيس، وسهل تَ يّ، فقالا: (كنا مع النبيّ وَّل انتهى. ففيها بيان سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى لهذا الحديث من سهل، وقيس . ١٠٠ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ (قَالَ: كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ بْنِ عُبَادَةً) ◌َّهَا (بِالْقَادِسِيَّةِ) موضع بقرب الكوفة، من جهة الغرب، على طرف البادية، نحو خمسة عشر فرسخًا، وهي آخر أرض العرب، وأول حَدّ سواد العراق، وكان هناك وقعة عظيمة في خلافة عمر تظلّه ، ويقال: إن إبراهيم الخليلَالَّلهُ دعا لتلك الأرض بالقُدُس، فسميت بذلك. ذكره في (المصباح)). وقال في ((القاموس)): ((القادسية)) قرية قرب الكوفة، مرّ بها إبراهيمَ لِّلِ، فوجد بها عجوزًا، فغسلت رأسه، فقال: قُدِّستٍ من أرض، فسميت بالقادسيّة انتهى . واختلف في وقعة القادسية فذكر ابن إسحاق أنها كانت سنة (١٥) وزعم الواقديّ أنها سنة (١٦) وذكر سيف بن عمر، وابن جرير، وجماعة أنه سنة (١٤) وكانت وقعة القادسية وقعة عظيمة، لم يكن بالعراق أعجب منها، وكان عدد المسلمين على ما قال ابن إسحاق ما بين سعبة آلاف، إلى ثمانية آلاف، وكان قائدهم سعد بن أبي وقاص ◌َّه ، وأن الفرس كانوا ستين ألفا، وقيل: كان عددهم أكثر من ذلك، وقائد الفرس رجل اسمه رستم، وانتهت المعركة بانتصار المسلمين(١). (فَمُرَّ) بالبناء للمفعول (عَلَيْهِمَا) أي على سهل بن حُنيف، وقيس بن سعد رُهنا (بِجَنَازَةٍ) متعلّق بـ(امرٌ))، وتقدّم ضبطها بالفتح والكسر (فَقَّامَا، فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا) أي الجنازة، وفي نسخة ((إنه))، أي الميت (مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ) أي من أهل الذمّة، وإنما سمي أهل الذمة بأهل الأرض، لأن المسلمين لما فتحوا البلاد أقرّوهم على عمل الأرض، وحمل الخراج إليهم (فَقَالَا: مُرَّ) بالبناء للمفعول أيضا (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ إِ لّه بِجَنَازَةٍ، فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنهَ يُودِيٌّ) أي منسوب إلى يهود، القبيلة المعروفة، قال الفيّومي رحمه الله تعالى: ويقال: هو يُهُودُ، غير منصرف، للعلمية، ووزن الفعل، ويجوز دخول الألف واللام، فيقال: اليهود، وعلى هذا، فلا يمتنع التنوين، لأنه نُقل عن وزن الفعل إلى باب الأسماء، وقيل: اليهوديّ نسبة إلى يهودا بن يعقوب،ّالَّلهُ، هكذا أورده الصغانيّ ((يَهُودا)) في باب المهملة انتهى . والياء فيه للفرق بين اسم الجنس، وبين واحده، كما يقال: عرب وعربيّ، وعجم وعجميّ، وروم ورميّ، وترك وتركيّ. والله تعالى أعلم. (فَقَالَ: ((أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟))) يعني أن القيام شرع لكونها نفسًا، لا لكونها مؤمنة، ومعنى القيام لكونها نفسًا أنها حلّ بها الموت الذي هو أمر عظيم، وخَطَر جسيم على الإنسان، فينبغي له أن يقابله بالفزع والرهبة، والخضوع والاستكانة، لا بالغفلة، والذهول، (١)-راجع قصة القادسية ((البداية والنهالية)) لابن كثير ج٧ ص٣٨ - ٥٠ وغير من كتب التواريخ.