Indexed OCR Text
Pages 341-360
٢٢ - الأمْرُ بِالاخْتِسَاب وَالصَّبْرِ عِنْدَ ...- حديث رقم ١٨٦٩ ٣٤١ ليدعوا له، وجواز القسم عليهم لذلك. ومنها: جواز المشي إلى التعزية، والعيادة بغير إذن، بخلاف الوليمة. ومنها: جواز إطلاق اللفظ الموهم لما وقع على ما سيقع، وذلك حيث قالت: أن ابنًا لي قُبض، مبالغة في ذلك، لينبعث خاطر المسؤول في المجيء للإجابة إلى ذلك. ومنها: مشروعيّة إبرار القسم. ومنها: أَمْرُ صاحب المصيبة بالصبر قبل وقوع الموت ليقع، وهو مستشعر بالرضا، مقاومًا للحزن بالصبر. ومنها: إخبار من يُسْتَدْعَى بالأمر الذي يُسْتَدْعَى من أجله. ومنها: تقديم السلام على الكلام. ومنها: عيادة المريض، ولو كان مفضولًا، أو صبيّا صغيرًا. ومنها: أن أهل الفضل لا ينبغي أن يَقطعوا الناس عن فضلهم، ولو رَدُّوا أول مرّة. ومنها: استفهام التابع من إمامه عما أشكل عليه، مما يتعارض ظاهره. ومنها: حسن الأدب في السؤال، لتقديمه قوله: ((يا رسول اللّه)) على الاستفهام. ومنها: الترغيب في الشفقة على خلق الله، والرحمة لهم، والترهيب من قساوة القلب، وجمود العين. ومنها: جواز البكاء من غير نوح ونحوه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٨٦٩ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِهِ: ((الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى)). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١- (عمرو بن عليّ) الفلاس الصيرفيّ الحافظ الثبت [١٠]٤/٤. ٢- (محمد بن جعفر) غُندر البصريّ المذكور قبل باب . ٣- (شعبة) الإمام المشهور المذكور قبل باب . ٤- (ثابت) بن أسلم البنانيّ البصريّ، ثقة عابد [٤]٤٥/ ٤٧. ٥- (أنس) بن مالك رَّه ٦/٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من خماسيات المصنف، وأنه مسلسل بالبصريين، وفيه ((عمرو بن عليّ)) الفلاس، أحد مشايخ الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة، وفيه ثابت من ألزم الناس لأنس رَالثّه، لزمه أربعين سنة، وفيه أنس أحد المكثرين السبعة روى (٢٢٨٦) حديثًا، بالبصرة. والله تعالى أعلم . وأنه آخر من مات من الصحابة شرح الحدیث (عَنْ ثَابِتٍ) البنانيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) رَّهِ (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى) مبتدأ وخبر، وفي رواية للشيخين: ((عند أول صَدْمة)). وهي مرّة من الصدم، وهو ضرب الشيء الصلب بمثله، ثم استعمل في كلّ مكروه حصل ٣٤٢ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزْ بغتة، والمعنى: أن الصبر الكامل الذي يُحمَد عليه صاحبه، ويثاب عليه فاعله بجزيل الأجر ما كان منه عند مفاجأة المصيبة، بخلاف ما بعد ذلك، فإنه على مدى الأيام یسلو، وينسى . وقال في ((الفتح)): المعنى: إذا وقع الثبات أولَ شيءٍ يَهَجُمُ على القلب، من مقتضيات الجَزَع، فذلك هو الصبر الكامل الذي يترتّب عليه الأجر، وأصل الصدم ضربك الشيء الصلب بمثله، فاستعير للمصيبة الواردة على القلب. وحكى الخطابي عن بعضهم: أن المرأ لا يؤجر على المصيبة لأنها ليست من صنعه، وإنما يؤجر على حسن تثبته، وجميل صبره. وقال ابن بطال: أراد أن لا يجتمع على المصاب مصيبة الهلاك، وفقد الأجر. انتهى(١) . وهذا الحديث فيه قصّةٌ، وقد ساقها البخاري في «صحيحه»، قال: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك، تزيّه، قال: مر النبي وَليل بامرأة تبكي، عند قبر، فقال: ((اتقي الله، واصبري))، قالت: إليك عني(٢)، فإنك لم تصب بمصيبتي(٣)، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي ◌َّهِ، فأتت باب النبي ◌َّر، فلم تجد عنده بَوَّابِين، فقالت: لم أعرفك، فقال: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى)). قال الطبيبي ◌َخّْلهُ: صدر هذا الجواب منه وَ ل* من قولها: لم أعرفك على أسلوب حكيم، كأنه قال لها: دعي الاعتذار، فإن من شِيمَتي أن لا أغضب إلا لله، وانظري لنفسك . وقال الزين ابن المنيّر: فائدة جواب المرأة بذلك أنها لما جاءت طائعة لما أمرها به من التقوى والصبر، معتذرةً عن قولها الصادر عن الحزن بيّن لها أن حقّ هذا الصبر أن يكون في أول الحال، فهو الذي يترتّب عليه الثواب. انتهى . قال الحافظ: ويؤيده أن في رواية أبي هريرة: فقالت: أنا أصبر، أنا أصبر. وفي مرسل يحيى بن أبي كثير، فقال: ((اذهبي إليك، فإن الصبر عند الصدمة الأولى))، وزاد عبد الرزاق فيه من مرسل الحسن: ((العَبْرة لا يملكها ابن آدم)). انتهى (٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . (١)- (فتح)) بتصرّف ج٣ ص٤٩٤-٤٩٥ . (٢)- اسم فعل، بمعنى ابعُد عني. (٣)- وعند أبي يعلى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أنها قال: يا عبد الله إني أنا الحريّ الثكلى، ولو كنت مصابا عذرتني)). (٤) - ((فتح)) ج٣ ص ٤٩٥ . ٣٤٣ ٢٢- الأَمْرُ بالاخْتِسَاب وَالصَّبْرِ عِنْدَ ...- حديث رقم ١٨٧٠ مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس رَّ هذا متفق عليه . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١٨٦٩/٢٢ - وفي («الكبرى» ١٩٩٦٠/٢٢ وأخرجه (خ) ١٢٨٣ و١٣٠٢ و٧١٥٤ (م) ٩٢٦ و٩٨٧ (د) ٣١٢٤ (ت) ٩٨٨ (ق) ١٥٩٦ (أحمد) ١٢٨٦٠. والله تعالى أعلم . المسألة الثالثة: في ذكر الفوائد التي اشتمل عليها الحديث بطوله: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو الأمر بالاحتساب، والصبر عند المصيبة، فإن قوله: (الصبر عند الصدمة الأولى)) فيه الحثّ على التَّغَلُّب على الجزع عند أول نزول المصيبة، واحتسابها على اللّه تعالى. ومنها: ما كان عليه النبي ◌َّ من التواضع والرفق بالجاهل. ومنها: مسامحة المصاب، وقبول اعتذاره. ومنها: أن القاضي لا ينبغي له أن يتخذ من يحجبه عن حوائج الناس. ومنها: أن من أُمِر بمعروف ينبغي له أن يقبل، ولو لم يعرف الآمر. ومنها: كونُ الجزع من المنهيات، لأمره وَلّ لها بالتقوى، مقرونا بالصبر. ومنها: الترغيب في احتمال الأذى عند بذل النصيحة، ونشر الموعظة. ومنها: أن المواجهة بالخطاب إذا لم تُصادف المنويَّ لا أثر لها، وبَنَى عليه بعضهم ما إذا قال: يا هند أنت طالق، فصادف عمرة، أن عمرة لا تطلق. ومنها: جواز زيارة القبور، سواء كان الزائر رجلًا، أو امرأةً، وسواء كان المزور مسلمًا أو كافرًا، لعدم الاستفصال في ذلك، قال النوويّ ◌َخّْثمُ: وبالجواز قطع الجمهور، وقال صاحب ((الحاوي)): لا تجوز زيارة قبر الكافر، وهو غلط انتهى. وسيأتي اختلاف العلماء في زيارة القبور في بابه [٢٠٣٢/١٠٠ ٢٠٣٣] إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٨٧٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْبَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِيَاسٍ، وَهُوَ مُعَاوِيَّةُ بْنُ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، وَقِّ، أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيِّ ◌َِّ، وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: ((أَيُحِبُّهُ؟))، فَقَالَ: أَحَبَّكَ اللَّهُ، كَمَا أُحِبُّهُ، فَمَاتَ، فَفَقَدَهُ، فَسَأَلَ عَنْهُ؟ فَقَالَ: ((مَا يَسُرُّكَ، أَنْ لاَ تَأْتَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، إِلاَّ وَجَدْتَهُ، عِنْدَهُ يَسْعَى، يَفْتَحُ لَكَ)). رجال هذا الإسناد : خمسة : ١- (يحيى) بن سعيد القطان البصريّ الإمام الحجة [٩]٤/٤. ٢- (معاوية بن قرّة) بن إياس بن هلال المزنيّ، أبو إياس البصريّ، ثقة عالم [٣]. وثقه ابن معين، وأبو حلاتم، والنسائيّ، وابن سعد، وابن حبان، وقال: كان من ٣٤٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ عقلاء الرجال. وقال مطر الأعنق، عن معاوية بن قرّة: لقيت من الصحابة كثيرًا، منهم خمسة وعشرون من مزينة. مات سنة (١١٣) وهو ابن (٧٦) سنة. قال أبو زرعة: معاوية بن قرة عن عليّ مرسل. وقال أبو حاتم: لم يلق ابن عمر. وقال الشافعيّ: روايته عن عثمان منقطعة. أخرج له الجماعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا، وقد كرره مرتين، و٢٦١٠ حديث: ((ابن أخت القوم من أنفسهم .... و٣٢٢٧ حديث: ((تزوجوا الولود الودود ... )). ٣- (أبوه) قرة بن إياس بن هلال بن رئاب المزنيّ، أبو معاوية البصريّ، صحابيّ روى عن النبي ◌َّل، وعنه ابنه معاوية. قال ابن عبد البرّ: سكن البصرة، ولم يرو عنه غير ابنه، ويقال له: قرة بن الأغرّ، قتل في حرب الأزارقة مع عبد الرحمن بن عُبيس في زمن معاوية رًَّا. قال الحافظ: وقد أرخه ابن سعد، وخليفة، وأبو عروبة، وابن حبان، وغيرهم سنة (٦٤) فيكون ذلك في زمن معاوية بن يزيد بن معاوية، وذكره ابن سعد في طبقات الخندقيين. انتهى. علّق له البخاريّ أثرًا، وأخرج له في ((الأدب المفرد))، والأربعة، وله عند المصنف هذا الحديث فقط، وقد أعاده برقم ٢٠٨٨ . والباقيان تقدما في السند الماضي . وقوله: ((أحبك اللَّه الخ)) دعاء للنبي ◌َّله بزيادة محبّة الله له، كما يحب هو لده، . وأراد بذلك أنه يحبّ ولده حبًا شديدًا، بلغ الغاية، بحيث إنه يَطلَب أن يحبّ اللَّه تعالى النبي وَّر مثله، أي في بلوغ الغاية، وإلا فشتان بين المحبتين. وقوله: ((ففقده)) أي فقد النبي وَّر ذلك الرجل، كما تدلّ عليه الرواية الآتية في ((باب التعزية))، ويحتمل أن يكون المراد الابن، والأول أظهر . وقوله: ((فقال ما يسرك الخ)» مرتب على محذوف، أي فلقيه، فقال له الخ. وقوله: ((ما يسرّك)) بتقدير همزة الاستفهام، أي أما يسرّك الخ. والله تعالى أعلم. والحديث صحيح، وسيأتي مطوّلًا في ((باب التعزية))- ٢٠٨٨/١٢٠- وسيأتي تمام شرحه، وبيان مسائله هناك، إن شاء اللّه تعالى، ومطابقته للباب واضحة، إذ فيه الحثّ على احتساب الأجر، والأمر بالصبر على المصيبة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». ٣٤٥ ٢٣ - ثَوَّابُ مَنْ صَبَرَ، واخْتَسَبَ - حديث رقم ١٨٧١ ٢٣- ثَوَابُ مَنْ صَبَرَ، واحْتَسَبَ ١٨٧١ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ(١)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ، كَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، يُعَزِّبِهِ بِابْنٍ لَهُ هَلَكَ، وَذَكَرَ فِي كِتَابِهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ، يُحَدِّثُ عَنْ جَدِّهِ، عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى لِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، إِذَا ذَهَبَ بِصَفِيْهِ، مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَصَبَرَ، وَاحْتَسَبَ، وَقَالَ مَا أُمِرَ بِهِ، بِثَوَابِ دُونَ الْجَنَّةِ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (عمر بن سعيد بن أبي حُسين) النوفليّ المكيّ، ثقة [٦]١٣٦٥/١٠٤. [تنبيه]: وقع في بعض نسخ ((المجتبى)) ((عمرو)) بفتح العين، بدل عُمر بضمها، وهو تصحيف، فتنبّه. والله تعالى أعلم . ٢- (عمرو بن شُعيب) بن محمد، صدوق [٥]١٤٠/١٠٥. ٣- (أبوه) شُعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو صدوق ثبت سماعه من جده [٣]١٤٠/١٠٥ . ٤- (عبد الله) بن عمرو بن العاص تَظ فات١١١/٨٩. والباقيان تقدما في الباب الماضي. وعبد الله: هو ابن المبارك. والله تعالى أعلم . لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن جده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن عبد الله بن المبارك أنه (قال: أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) النوفلي (أَنَّ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ، كَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) بن الحارث بن عامر بن نوفل ابن عبد مناف النوفليّ المكيّ، وثقه أحمد، والنسائيّ، وأبو زرعة، والعجلي. وقال أبو حاتم: صالح. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال ابن عبد البرّ: ثقة عند الجميع، فقيه، عالم بالمناسك. وقال (١) -سقط من بعض النسخ ((ابن نصر)). ٣٤٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ في (ت)) ثقة عالم بالمناسك من الخامسة. انتهى. روى له الجماعة. وهو ابن عمّ عمر الراوي المذكور (يُعَزِّيهِ) حال من الفاعل، يقال: عزّيته تعزيةً: قلت له: أحسن الله عزاءك، أي رزقك الصبر الحسن. قاله في ((المصباح)) (بِابْنِ لَهُ) الجار الأول متعلق بـ((يعزّي))، والثاني بصفة [((ابن)) (هَلَكَ) أي مات (وَذَكَر) وفي بعض النسخ: ((فذكر)) بالفاء: أي ذكر عمرو (فِي كِتَابِهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ) شعيبًا (يُحَدِّثُ عَنْ جَدِّهِ، عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بجرّ ((عبد اللَّه)) بدلًا من ((جده)) (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((إِنَّ اللَّهَ لَّ يَرْضَى لِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنٍ، إِذَا ذَهَبَ بِصَفِيّهِ) أي قبض صفيّه، و((الصفيّ)) بفتح الصاد المهملة، وكسر الفاء، وتشديد التحتانيّة: هو الحبيب المصافَى، كالولد، والأخ، وكلِ من يُحبّه الإنسان، قال في ((النهاية)): صَفِيّ الرجل الذي يُصافيه الودَّ، ويُخلصه له، فَعيل بمعنى فاعل، أو مفعول انتهى(١). (مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ) متعلق بصفة لـ«صفيّه)) (فَصَبَرَ) على ذلك (وَاحْتَسَبَ) أي ادّخر أجره عند الله تعالى، وأصل الحسبة الأجرة، والاحتساب طلب الأجر من الله تعالى (وَقَالَ مَا أُمِرَ بِهِ) في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الصَّئْبِيِنَ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم ◌ُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، وإنما قال: ((ما أُمر به))، وإن كان ظاهر الآية إخبارًا، وليس أمرًا، إشارةً إلى أن المقصود بالإخبار هنا الأمر، والله تعالى أعلم . وفي بعض النسخ: ((وقال: ما أرضى له)) بدل ((وقال: ما أمر به))، والظاهر أنه تصحيف. والله تعالى أعلم . وقال الأبيّ: يحتمل أن الأمر بوحي في غير القرآن، ويحتمل أن الأمر مفهوم من الثناء على قائل ذلك، لأن المدح على الفعل يستلزم الأمر به. وقال الباجيّ: لم يُرد لفظ الأمر بهذا القول، لأنه إنما ورد القرآن بتبشير من قاله، والثناء عليه، ويحتمل أن يُشير إلى غير القرآن، فيخبر وَله عن أمر الباري لنا بذلك. وقال الطيبيّ: فإن قلت: أين الأمر في الآية؟ قلت: لما أمره بالبشارة، وأطلقها ليعمّ كلّ مبشّر به، وأخرجه مخرج الخطاب، ليعمّ كل أحد نَبَّهَ على تفخيم الأمر، وتعظيم شأن هذا القول، فنبّه على كون القول مطلوبًا، وليس الأمر إلا طلب الفعل. وقال القاري: والأقرب أن كلّ ما مَدَح اللَّه تعالى في كتابه من خصلة يتضمّن الأمر بها، كما أن المذمومة فيه تقتضي النهي عنها (٢) . انتھی قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله القاري رحمه الله تعالى حسنٌ جداً، (١)- ((النهاية)) ج٣ ص ٤٠ . (٢) - انظر ((المرعاة)) ج ٥ ص ٩٠٣ - ٠١٣ . ٢٣- ثَوَابُ مَنْ صَبَرَ، واخْتَسَبَ - حديث رقم ١٨٧١ ٣٤٧ === والله تعالى أعلم . (بِشَوَابٍ) متعلق بـ((يرضى)) (دُونَ الْجَنَّةِ))) متعلق بمحذوف صفة ((ثواب))، أي بثواب غيرِ الجنة، فجزاؤه الجثّة، أي دخولها أوّلًا، ويلزم منه مغفرة الذنوب أجمع، صغيرة، أو كبيرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص تبييت هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -١٨٧١/٣٢- وفي ((الكبرى)) ١٩٩٨/٣٢ - وزاد في آخره: قال أبو عبد الرحمن: عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهم ثلاثة إخوة: عمرو، وعُمَر، وشعيب، بنو شُعيب انتهى. والله تعالى أعلم . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ويشهد لحديث الباب ما أخرجه البخاري رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة تَظفيه في ((كتاب الرقاق)) من ((صحيحه))، ولفظه: ٦٤٢٤- حدثنا قتيبة، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه وَليل، قال: ((يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن، عندي جزاء، إذا قبضت صفيه، من أهل الدنيا، ثم احتسبه، إلا الجنة)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . المسألة الثانية: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان ثواب من صبر على المصيبة، واحتسب الأجر عند الله تعالى. ومنها: ما كان عليه السلف من تعزية بعضهم بعضا إذا أصابته مصيبة، وما كانوا عليه من شدة الحرص على نشر السنة، ولو بالمكاتبة. ومنها: بيان فضل الله تعالى على عبده المؤمن حيث يثيبه على قبض صفيه بثواب عظيم، ألا، وهو الفوز بدخول الجنة، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَةَ فَقَدْ فَازَّ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب» .. ٣٤٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِز ٢٤ - ثَوَابُ مَنِ اخْتَسَبَ ثَلَاثَةً مِنْ صُلْبِهِ ١٨٧٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَمْرٌو، قَالَ: حَدَّثَنِي بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِمَّرَانَ بْنَّ نَافِعٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: (مَنِ احْتَسَبَ ثَلَاثَةَ، مِنَّ صُلْبِهِ، دَخَلَ اَلْجَنَّةَ))، فَقَامَتِ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: أَوِ اثْنَانٍ؟ قَالَ: (أَوِ اثْنَانٍ))، قَالَتِ الْمَرْأَةُ: يَا لَّيْتَنِي قُلْتُ وَاحِدًا . رجال هذا الإسناد: سبعة: ١- (أحمد بن عمرو بن السَّزح) المصريّ، ثقة [١٠]٣٩/٣٥. ٢- (ابن وهب) عبد الله المصريّ الحافظ الثقة [٩]٩/٩. ٣- (عمرو) بن الحارث بن يعقوب المصريّ، ثقة ثبت [٧]٧٩/٦٣. ٤- (بُكير بن عبد الله) بن الأشجّ المدنيّ، ثم المصريّ، ثقة [٥]٢١١/١٣٥. ٥- (عمران بن نافع) المدنيّ، روى عن حفص بن عبيدالله بن أنس، وعنه بُكير بن الأشجّ، ووثقه النسائيّ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، كما في (تت))، وقال في ((ت)): ثقة (١) من [٧]. تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم. ٦- (حفص بن عبيدالله) بن أنس بن مالك، ويقال فيه: عبيدالله بن حفص، ولا يصحّ، صدوق [٣]. قال أبو حاتم: لا يثبت له السماع إلا من جده. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: هو أحب إلي من حفص بن عمر، ولا ندري أسمع من جابر، وأبي هريرة أم لا؟، وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). أخرج له الجماعة، سوى أبي داود، وله عند المصنف هذا الحديث فقط . ٧- (أنس) بن مالك رَنبيّه ٦/٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه اللّه تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير عمران. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى بكير. (ومنها): أن فيه رواية الكبير، عن الصغير، فبكير تابعيّ صغير، وعمران من تابع التابعين. (ومنها): أن (١) -وقال في ((التقريب)): مقبول، والصواب أنه ثقة، فقد وثقه المصنف، وابن حبان. فتنبه. ٢٤- ثَوَابُ مَنِ احْتَسَبَ ثلاثةٌ مِنْ صُلْهِ - حديث رقم ١٨٧٢ ٣٤٩ فيه رواية الراوي، عن جده، فأنس رَّه جدّ لحفص. (ومنها): أن فيه أنسًا رَبِّه أحد المكثرين، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة. والله تعالى أعلم . [تنبيه]: زاد في ((الكبرى)) بعد إخراج الحديث: ما نصه: قال أبو عبد الرحمن: بكير هو ابن عبد الله بن الأشجّ، وهم ثلاثة إخوة: يعقوب، وبُكير، وعُمَر، وأجلّهم، وأكثرهم حديثًا بُكير انتهى(١). والله تعالى أعلم. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسِ) رَّهُ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ قَالَ: (مَنِ احْتَسَبَ ثَلَاثَةً) أي صبر راضيًا بقضاء الله تعالى، راجيًا فضله، ووقع التقييد بالاحتساب في هذا الحديث، ومثله حديث مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رَظثه، مرفوعًا: ((لا يموت لإحداكنّ ثلاثة من الولد، فتحتسبهم، إلا دخلت الجنّة ... )) الحديث، ولأحمد، والطبرانيّ، من حديث عُقبة بن عامر، رفعه: ((من أَعْطَى ثلاثة من صلبه، فاحتسبهم على اللَّه، وجبت له الجنة))، وفي ((الموطإ)) عن أبي النضر السلميّ، رفعه: ((لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فيحتسبهم، إلا كانوا جُنّةً من النار ... ))، ولم يقع التقييد بالاحتساب في شيء من الأحاديث الآتية في الباب التالي . قال الحافظ رحمه الله تعالى: وقد عرف من القواعد الشرعية أن الثواب لا يترتّب إلا على النيّة، فلا بدّ من قيد الاحتساب، والأحاديث المطلقة محمولة على المقيّدة . ولكن أشار الإسماعيليّ إلى اعتراض لفظيّ، فقال يقال في البالغ: احتسب، وفي الصغير: افترط انتهى. وبذلك قال الكثير من أهل اللغة، لكن لا يلزم من كون ذلك هو الأصل أن لا يستعمل هذا موضع هذا، بل ذكر ابن دُرَيد وغيره احتسب فلان بكذا: طلب أجرًا عند الله، وهذا أعمّ من أن يكون لكبير، أو صغير، وقد ثبت ذلك في الأحاديث التي ذكرناها، وهي حجة في صحّة هذا الاستعمال انتهى (٢). (مِنْ صُلْبِهِ) أي من ظهره، قال الفيّومي تَخّْتُهُ: الصُّلْب -أي بضم، فسكونه -: كلُّ ظهر له فَقَّار، وتضمّ لامه للاتباع انتهى. وقال ابن منظور ◌َّلهُ: وكلُّ شيء من الظهر فيه فَقَارٌ، فذلك الصُّلْب -أي بضم، فسكون- والصَّلَب بالتحريك لغة فيه، وقال أيضًا: ويقال للظهر: صُلْبٌ، وصَلَبٌ، وصَالَبٌ- أي بفتح اللام- انتهى(٣) وقيّد بالصلب (١)- راجع ((الكبرى)) ج١ ص٦١٤ . (٢)- «فتح» ج٣ ص٤٥٦ . (٣)- راجع ((المصباح المنير))، و((لسان العرب)) في مادة (صلب)). ٣٥٠ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزْ لإخراج أولاد الأولاد، سواء كانوا أولاد بنين، أو أولاد بنات (دَخَلَ الْجَنَّةَ))) أي دخولا أوليّا، ولا ينافيه ما سيأتي من استثناء تحلّة القسم، لما سيأتي إن شاء اللّه تعالى. [تنبيه] قال الحافظ ولي الدین رگآثمُ : ظاهر الحديث أنه لا فرق بین أن یکون شدید المحبة لأولاده، أو خفيفها، أو خاليا من محبتهم، أو كارها لهم، لأن الولد مظنة المحبة والشفقة، فنيط الحكم به، وإن تخلف في بعض الأفراد، وقد يحبّ الشخص بعض أقاربه، أو أصدقائه أكثر من محبة ولده، ومع ذلك فلم يَرِذ ترتيب هذا الأمر على موت القريب والصديق، ولا على موت الأب والأمّ، لكن في ((معجم الطبراني الأسط)) بإسناد ضعيف، عن سهل بن حُنيف رَ قال: قال رسول اللّه وَله: ((من لم يكن له فَرَط لم يدخل الجنة إلا تصريدًا))، قال رجل: يا رسول الله ما لكلنا فرط، قال: أو ليس من فرط أحدكم أن يفقد أخاه المسلم؟)) . وقوله: ((تصريدًا)) بالصاد المهملة، أي قليلًا، وأصله السقي دون الزّيّ، ومنه صرّد له العطاء: قَلَّله انتهى(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله وليّ الدين ظاهر في حديث: ((لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فتمسه النار إلا تحلّة القسم))، الآتي في الباب التالي، وأما حديث الباب فيفيد التقييد بالمحبة، حيث قال: ((من احتسب))، لأن الاحتساب معناه الصبر راضيا بقضاء الله تعالى، ولا يكون ذلك إلا حيث يتألم قلبه بمصيبته، وأما من مات له من لا يحبه، فلا يتصور منه الصبر عليه. والحاصل أن تقييد الأحاديث المطلقة عن الاحتساب لا بد منه، كما تقدم التنبيه عليه في كلام الحافظ رحمه اللّه تعالى. والله تعالى أعلم . (فَقَامَتِ امْرَأَةٌ) يحتمل أن تكون أمَّ سليم، وهي أمَّ أنس الراوي تَّا، كما رواه الطبرانيّ بإسناد جيّد عنها، قالت: قال رسول اللَّه وَ لل ذات يوم، وأنا عنده: ((ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة، لم يبلغوا الحلم، إلا أدخله الجنّة بفضل رحمته إياهم))، فقلت: واثنان؟ قال: ((واثنان)). وأخرجه أحمد، لكن الحديثَ دون القصّة، ووقع لأمّ مبشر الأنصارية أيضًا السؤال عن ذلك، فروى الطبرى أيضًا من طريق ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر: أن النبي و ﴿ دخل على أم مبشر، فقال: ((يا أم مبشّر، من مات له ثلاثة من الولد دخل الجنة))، فقلت: يا رسول اللّه واثنان؟ فسكت، ثم قال: ((نعم، واثنان))، وفي حديث جابر بن سمرة، أن أم أيمن ممن سأل عن ذلك، ومن حديث ابن (١)- ((طرح التثريب)) ج٣ ص٢٤٦ -٢٤٧ . ٢٤- ثَوَابُ مَنِ احْتَسَبَ ثَلاَثَةٌ مِنْ صُلِيْهِ - حديث رقم ١٨٧٢ ٣٥١ عباس أن عائشة أيضًا منهنّ، وحكى ابن بشكوال أن أم هانىء أيضًا سألت عن ذلك . قال الحافظ رحمه الله تعالى: ويحتمل أن يكون كلّ منهنّ سأل عن ذلك في ذلك المجلس، وأما تعدد القصّة ففيه بُعْدٌ، لأنه وَّ لما سئل عن الاثنين بعد ذكر الثلاثة، وأجاب بأن الاثنين كذلك، فالظاهر أنه كان أوحي إليه ذلك في الحال، وبذلك جزم ابن بطال وغيره، وإذا كان كذلك كان الاقتصار على الثلاثة بعد ذلك مستعبدًا جداً، لأن مفهومه يخرج الاثنين اللذين ثبت لهما ذلك الحكم بالوحي، بناء على القول بمفهوم العدد، وهو معتبر هنا، كما سيأتي البحث فيه، نعم في حديث جابر بن عبد الله أنه ممن سأل عن ذلك، وروى الحاكم، والبزّار من حديث بُريدة أن عمر سأل عن ذلك أيضًا، ولفظه: ((ما من امرىء، ولا امرأة يموت له ثلاثة أولاد إلا أدخله الله الجنة))، فقال عمر: يا رسول اللّه واثنان؟ قال: ((واثنان)). قال الحاكم: صحيح الإسناد، وهذا لا بعد في تعدده، لأن خطاب النساء بذلك لا يستلزم علم الرجال به انتهى (١) . (فَقَالَتْ: أَوِ اثْنَانٍ؟) وفي رواية البخاري من حديث أبي سعيد الخدريّ: رَّه قالت: واثنان؟، بالواو، أي أو إن مات اثنان، فما الحكم؟ وفي رواية مسلم: ((واثنين)) بالنصب (قَالَ: ((أَوِ اثْنَانٍ) أي أو إن مات اثنان، فالحكم كذلك . ويحتمل أن يكون قوله: ((أواثنان)) معطوفًا على ((ثلاثة))، ومثله يسمى العطف التلقينيّ، أي قل يا رسول الله: أواثنان، ونظيره قوله تعالى حكاية عن إبراهيمعليََّلُ: ﴿مِن ذُرِّيَّتِ﴾. وارتضى هذا الوجه العينيّ رحمه اللَّه تعالى(٢). وقال في ((الفتح)): وهو ظاهر في التسوية بين حكم الثلاثة والاثنين، وقد تقدّم النقل عن ابن بطال أنه محمول على أنه أوحي إليه بذلك في الحال، ولا بُعد أن ينزل عليه الوحي في أسرع من طرفة عين، ويحتمل أن يكون كان العلم عنده بذلك حاصلًا، لكنه أشفق عليهم أن يتكلوا لأن موت الاثنين غالبًا أكثر من موت الثلاثة، كما وقع في حديث معاذ وغيره في الشهادة بالتوحيد، ثم لما سئل عن ذلك لم يكن بُدُّ من الجواب. والله أعلم . وقال ابن التين تبعًا لعياض رحمهما اللَّه تعالى: هذا يدلّ على أن مفهوم العدد لیس بحجة، لأن الصحابيّة من أهل اللسان، ولم تَعتبره، إذ لو اعتبرته لانتفى الحكم عندها عما عدا الثلاثة، لكنها جوّزت ذلك، فسألته . قال الحافظ يَخْذَ تُهُ: كذا قال، والظاهر أنها اعتبرت مفهوم العدد، إذ لو لم تعتبره لم (١)- ((فتح)) ج٣ ص ٤٥٩. (٢)- عمدة القاري ج٦ ص٣٨٩ . ٣٥٢ : شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِز تسأل، والتحقيق أن دلالة مفهوم العدد ليست يقينية، وإنما هي محتملة، ومن ثَمّ وقع السؤال عن ذلك . وقال الحافظ ولي الدين رحمه اللَّه تعالى: ما حاصله: ثبت في الصحيح من غير وجه أنه قيل: يا رسول الله، واثنان؟ فقال: ((واثنان)). ورَوَى الترمذيّ عن ابن عباس رَّا أنه سمع رسول اللَّه وَلل يقول: ((من كان له فَرَطَان من أمتي أدخله اللَّه بهما الجنة))، فقالت عائشة: فمن كان له فَرَطْ من أمتك؟ فقال: ((ومن كان له فَرَطْ يا موفقة)» قالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك؟ قال: ((أنا فَرَط أمتي، لن يُصابوا بمثلي)). قال الترمذيّ: حسنٌ غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبدربه بن بارق، وقد رَوَى عنه غير واحد من الأئمة انتهى . قال وليّ الدين: وعبدربه هذا مختلف فيه، ضعفه ابن معين، والنسائيّ، وقال أحمد: ما به بأس، ووثقه ابن حبان. ورَوَى الترمذيّ، وابن ماجه عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: قال رسول اللّه وَله: ((من قدّم ثلاثة، لم يبلغوا الحنث، كانوا له حصنًا حصينًا))، قال أبو ذرّ: قدمت اثنين، قال: ((واثنين))، فقال أبيّ بن كعب، سيد القرّاء: قدّمت واحدًا، قال: ((وواحدًا، ولكن إنما الصبر عند الصدمة الأولى)). قال الترمذيّ: حسن غريب، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه . ورُوي ذكرُ الواحد من حديث جماعة من الصحابة أيضًا، وهو محمول عند العلماء على أنه ير أوحي إليه ذلك عند سؤالهم عن الاثنين، وعن الواحد إن صحّ، ولا يمتنع نزول الوحي عليه في أسرع من طرفة عين، كما في نزول قوله تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِى اُلْقَلِدُونَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] لما قام ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله إني رجل ضرير البصر، فنزلت: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾، هذا. على أن العلماء يختلفون في مفهوم العدد، هل هو حجة، أم لا، فمن لم يجعله حجة لا يحتاج إلى ذكر هذا الجواب، ويقول: ذكر هذا العدد لا ينافي حصول ذلك بأقلّ منه، بل ولو جعلناه حجة، فليس نصّا قاطعًا، بل دلالته ضعيفة، يقدّم عليها غيرها عند معارضتها. وقال أبو العباس القرطبيّ بعد ذكره نحو ما قلناه: ويحتمل أن يقال: إن ذلك بحسب شدّة وجد الوالدة، وقوّة صبرها، فقد لا يبعد أن يكون مَن فَقَدت واحدًا، أو اثنين أشدّ ممن فقدت ثلاثةً، أو مساوية لها، فتُلحَق بها في درجاتها . قال ولي الدين: ظاهر الحديث حَمْلُ ذلك على كلّ فاقد اثنين، وعلى كلّ فاقد واحد، فالتقييد بشدّة الوجد الذي يصيّره كفاقد ثلاثة يحتاج إلى دليل . وقال القاضي عياض: يحتمل أنه والر قاله ابتداء لأتمّ الأشياء، لأن ثلاثًا أول الكثرة، ٢٤- ثَوَابُ مَنِ احْتَسَبَ ثَلاثَةٌ مِنْ صُلْهِ - حديث رقم ١٨٧٢ ٣٥٣ فأخبرهم بذلك، لئلا يتكل من مات له ولد على ولده في شفاعته، وسكت عما وراءه، فلما سئل أَعْلَمَ بما عنده في ذلك، قال: وفي قولها: ((أو اثنان)) بعد ذكر النبي ◌َّ ذلك في الثلاثة، وهي من أهل اللسان دليل على أن تعليق الحكم بعددٍ مّا لا ينافيه (١) من جهة دليل الخطاب عما عداه من العدد، كان أقلّ، أو أكثر إلا بنصّ انتهى . وقال أبو العباس القرطبي: إنما خصّ الولد بثلاثة، لأن الثلاثة أول مراتب الكثرة، فبعظم المصائب تكثر الأجور، فأما إذا زادت على الثلاثة، فقد يخفّ أجر المصيبة بالزائد، لأنها كأنها صارت عادة ودَيدّنا، كما قال المتنبي [من الكامل]: أَنْكَزْتُ طَارِقَةَ الْحَوَادِثِ مَرَّةً ثُمَّ اعْتَرَفْتُ بِهَا فَصَارَتْ دَيْدَنَا وقَال آخر [من البسيط]: رُوْغتُ بِالْبَيْنِ حَتَّى مَا أُرَاعُ لَهُ وَبِالْمَصَائِبِ فِي أَهْلِي وَجِيرَانِي ثم قال: ويحتمل أن يقال: إنما لم يذكر ما بعد الثلاثة لأنه من باب الأحرى والأولى، إذ من المعلوم أن مَن كثرت مصائبه كثر ثوابه، فاكتفى بذلك عن ذكره . قال الحافظ ولي الدين: إذا جعلنا لمفهوم العدد دلالة، فدلالته في هذه الصورة في منع النقصان، لا في منع الزيادة، فإن من مات له أربعة، فبالضرورة قد مات له ثلاثة، فلا معنى لهذا الكلام الذي ذكره القرطبيّ، وإذا أخبر الصادق بأن من مات له ثلاثة لم يَلِجِ النارَ إلا تَجِلَّةَ القسم، فمات لشخص ثلاثة، فحصلت له هذه البشرى، ثم مات له أربع انقطعت هذه البشرى بموت هذا الرابع، وصار على خطر دخول النار بعد تلك البشری، وهَبْ أن حزنه بهذا الرابع خفيف لاعتیاده المصائب، فهل یزید ذلك على كونه لم تحدث له هذه المصيبة أصلًا، وكيف السبيل إلى إحباط ثواب ما مضى من المصائب بهذه المصيبة الرابعة، هذا ما لا يتخيّله ذو فهم، فإن فُرض أن الأربعة ماتوا دفعة واحدةً كموت نفس واحدة على خلاف ما أجرى اللَّه تعالى العادة ترتبت البشرى بعدم دخول النار على موت ثلاثة، ويثيب اللّه تعالى على موت الرابع بما يشاء، وقد دخلت هذه الصورة في هذا الحديث، لكونه صَدَقَ أنه مات له ثلاثة من الولد، والله أعلم إنتهى (٢). وقال الحافظ تَخّْلهُ بعد نقل كلام القرطبيّ المذكور: ما نصه: وهذا مصير منه إلى انحصار الأجر المذكور في الثلاثة، ثم في الاثنين، بخلاف الأربعة والخمسة، وهو جمود شديد، فإن من مات له أربعة، فقد مات له ثلاثة ضرورةً، لأنهم إن ماتوا دفعة (١)- أي لا ينافي الحكم عما عدى العدد المعلق به ذلك الحكم. (٢)-((طرح التثريب)) ج٣ ص٢٤٣-٢٤٥. ٣٥٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِز واحدة، فقد مات له ثلاثة وزيادة، ولا خفاء أن المصيبة بذلك أشدّ، وإن ماتوا واحدًا بعد واحد، فإن الأجر يحصل له عند موت الثالث بمقتضى وعد الصادق، فيلزم على قول القرطبيّ أنه إن مات له الرابع أن يرتفع عنه ذلك الأجر، مع تجدد المصيبة، وكفى بهذا فسادًا، والحقّ أن تناول الخبر الأربعةً، فما فوقها من باب أولى، وأحرى، ويؤيد ذلك أنهم لم يسألوا عن الأربعة، ولا ما فوقها، لأنه كالمعلوم عندهم، إذ المصيبة إذا كثرت كان الأجر أعظم، والله أعلم. انتهى(١) . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: تَعَقُّبُ الحافظين: ولي الدين وابن حجر على ما ذكره القرطبي فيما زاد على الثلاثة تعقب جميل، ومما يؤيده أنه قد ورد النصّ على الأربعة، فيما أخرجه الإمام أحمد في «مسنده))، ونصه: ١٧٤٠٣- حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن عبد الله بن قيس، عن الحارث بن أُقَيش، قال: كنا عند أبي برزة ليلة، فحدث ليلتئذ، عن النبي وَلّ، أنه قال: ((ما من مسلمين، يموت لهما أربعة أفراط، إلا أدخلهما الله الجنة، بفضل رحمته))، قالوا: يا رسول اللَّه وثلاثة؟ قال: ((وثلاثة))، قالوا: واثنان؟ قال: ((واثنان)) قال)) ((وإنّ من أمتي لمن يدخل الجنة بشفاعته مثل مضر))، قال: ((وإن من أمتي، لمن يَعظُمُ للنار حتى يكون أحدَ زواياها». انتهى . ورجاله إسناده ثقات، غير عبد الله بن قيس، وقد وثقه ابن حبان، وجهله ابن المدينيّ، و(داود)) هو ابن أبي هند، والحارث بن أقيش صحابيّ مقلّ. والله تعالى أعلم. (قَالَتِ الْمَزْأَةُ: يَا لَيْتَنِي قُلْتُ وَاحِدًا) أي سألت حكم موت واحد من الولد . وهذا الحديث نصّ في كونه وي ليه لم يسأل عن حكم الواحد، ومثله ما أخرجه أحمد من طريق محمود بن لبيد، عن جابر، رَّه، رفعه: ((من مات له ثلاثة من الولد، فاحتسبهم دخل الجنة))، قلنا: يا رسول الله، واثنان؟ قال: ((واثنان))، قال محمود: قلت لجابر: أراكم لو قلتم: وواحد، لقال: وواحد؟ قال: وأنا والله أظنّ ذلك)). وأخرج ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن عبد الرحمن بن الأصفهاني، قال: أتاني أبو صالح يُعَزّيني عن ابن لي، فأخذ يحدّثني عن أبي سعيد، وأبي هريرة أن النبي ◌َّ قال: ((ما من امرأة تدفِنُ ثلاثة أفراط، إلا كانوا لها حجابا من النار))، فقالت امرأة: يا رسول اللّه قدمت اثنين، قال: ((واثنين))، ولم تسأله عن الواحد انتهى . (١)- (فتح)) ج٣ ص ٤٦٠. ٢٤ - ثَوَابُ مَنِ احْتَسَبَ ثلاثةٌ مِنْ صُلِيْهِ - حديث رقم ١٨٧٢ ٣٥٥ في سؤالهم عن الواحد، وقد تقدم حديث أبيّ بن كعب، وعائشة، وأم أيمن .. لكنها ليس في شيء من طرقها ما يصلح للاحتجاج بها، بل أحاديث عدم السؤال مقدمة عليها لصحتها . لكن يشهد لأحاديث السؤال عن الواحد ما تقدم قبل باب من حديث معاوية بن قرّة، عن أبيه، في قصة الرجل الذي مات ولده، وفيه: ((ما يسرّك أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنّة إلا وجدته عنده، يسعى، يفتح لك))، فإنه صريح في كون الولد الواحد كالثلاثة والاثنين، ويشهد لها أيضًا ما تقدم في الباب الماضي من حديث عبد الله بن عمرو رَّا، مرفوعًا: ((إن الله لا يرضى لعبده المؤمن إذا ذهب بصفيه من أهل الأرض ... )) الحديث، وهو عند البخاريّ في ((كتاب الرقَاقِ)) من حديث أبي هريرة تَمّه، بلفظ: ((ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة))، وهو أصحّ ما ورد في ذلك، كما قال الحافظ رحمه اللّه تعالى . والحاصل أن أحاديث السؤال عن الولد الواحد، قويّة بما ذُكر لها من الشواهد، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس تَّ هذا حديث صحيح . فإن قلت: كيف يصحّ، وفيه عمران بن نافع، لم يرو عنه غير بكير بن عبد الله؟ . قلت: الحديث صححه ابن حبان برقم -٢٩٤٣ - وعمران قد وثقه النسائيّ، وابن حبّان، ولحديثه هذا شواهد: منها: حديث أبي هريرة رضيّه: أن رسول اللَّه و ◌َل قال لنسوة من الأنصار: ((لا يموت لإحداكنّ ثلاثة من الولد، فتحتسبه، إلا دخلت الجنة، فقالت امرأة منهنّ: أو اثنتين يا رسول الله؟ قال: ((أو اثنين)). أخرجه مسلم ٣٩/٨، وأحمد ٢٤٦/٢ و ٣٧٨ . ومنها: حديث أبي سعيد الخدريّ رَّهِ مرفوعًا نحوه، وفيه: فقال رسول اللّه وَل : ((واثنين، واثنين، واثنين)). أخرجه مسلم أيضا، وكذا البخاري ٣/ ٤٥٥ نسخة الفتح دون تكرار ((واثنين)). والله تعالى أعلم . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا-١٨٧٢/٢٣ - وفي ((الكبرى)) ١٩٩٩/٢٣، وهو من أفراده رحمه الله تعالى، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه ابن حبّان في (صحيحه)) ٢٩٤٣ . والله تعالى أعلم. ٣٥٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزْ المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان ثواب من احتسب ثلاثة من صلبه. ومنها: أن من احتسب اثنين، فهو كالثلاثة. ومنها: ما كان عليه الصحابيات من الحرص في معرفة أحكام الشرع، حيث إن هذه المرأة سألت عن الاثنين، ثم لما فاتها السؤال عن الواحد تأسفت على ذلك، فقالت: ياليتني قلت: واحدًا. ومنها: بيان فضل الله تعالى على المسلمين، حيث جعل لهم الجنة عوضًا عما يصيبهم من البلاء بموت أولادهم. ومنها: أن المصيبة بمن لم يبلغ الحلم أشدّ من غيره، فلذا كان الأجر عليه أعظم. ومنها: أن أولاد المسلمين في الجنّة، لأن من يكون سببا في حجب النار عن أبويه أولى بأن يُحجّبَ هو، لأنه أصل الرحمة، وسببها، بل جاء التصريح به في الحديث الأخير من الأحاديث الآتية في الباب التالي، ولفظه: «فيقال: ادخلوا الجنّة أنتم وآباؤكم)). والله تعالى أعلم . [تنبيه]: كون أولاد المسلمين في الجنّة هو الذي عليه الجمهور، وتوقفت طائفة قليلة في ذلك : قال النووي ◌َقّْلهُ: أجمع من يُعتدّ به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين، فهو من أهل الجنة، وتوقف فيه بعضهم، لما أخرجه مسلم عن عائشة رَ ◌ّها، قالت: أَتي رسول اللَّه وَله بصبي من صبيان الأنصار، فصلى عليه، قالت عائشة: فقلت: طوبى لهذا، عصفور، من عصافير الجنة، لم يعمل سوءا، ولم يدركه، قال: ((أو غير ذلك يا عائشة، خلق اللّه عز وجل الجنة، وخلق لها أهلا، وخلقهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار، وخلق لها أهلا، وخلقهم في أصلاب آبائهم)). قال: والجواب عنه أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». ٢٥- مَنْ يُوَفَّى لَهُ ثَلَاثَةٌ - حديث رقم ١٨٧٣ ٣٥٧ == ٢٥- مَنْ يُتَوَفَّى لَهُ ثَلَاثَةٌ ١٨٧٣ - أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ حَمَّاد، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَس، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ هِ: ((مَا مِنْ مُسْلِمِ، يُتَوَفَّى لَهُ، ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَد، لَّمَ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ، إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ)) . رجال هذا الإسناد: أربعة: ١- (يوسف بن حماد) الْمَغْنِيّ -بفتح الميم، وسكون المهملة، ثم نون، وتشدید الياء- أبو يعقوب البصريّ، ثقة [١٠]. وثقه النسائيّ، وابن حبّان، وأبو بكر البزار، ومسلمة بن قاسم. قال ابن أبي عاصم: مات سنة (٢٤٥) روى عن مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه . وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (١٨٧٣) و(٢٨٢٣) و(٤٤٨٥) و(٤٦٥١) و(٥١٨٧) و(٥٥٠٠). ٢- (عبد الوارث) بن سعيد التَّنُّوريّ البصريّ، ثقة ثبت [٨] ٦/٦. ٣- (عبد العزيز) بن صُهيب البُنَانيّ البصريّ، ثقة [٤] ١٦٤٣/١٧. ٤ - (أنس) بن مالك تنظيمه ٦/٦. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من رباعيات المصنف ◌َّلهُ، وهو (١١١) من رباعيات الكتاب. ومنها: أنه مسلسل بثقاة البصريين. ومنها: أن فيه أنسًا وَظّه أحد المكثرين السبعة، روى ه بالبصرة. والله تعالى أعلم. (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة شرح الحديث (عَنْ أَنَسِ) رَّهِ، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ) ((من)) زائدة، و((مسلم)) اسم ((ما)) الحجازية، أو مبتدأ على أنها تميمية، والخبر جملة الاستثناءَ، لأنه مفرّغ. وللبخاريّ: ((ما من الناس من مسلم))، فقال في ((الفتح)): ((من)) الأولى بيانية، والثانية زائدة انتهى. والحديث ظاهر في اختصاص ذلك بالمسلم، وهو واضح، فإن الكافر ليس من أهل الأجور، لكن لو مات له أولاد في حال الكفر، ثم أسلم بعد ذلك، هل ينفعه ما مضى من موتهم في زمن كفره، أو لا بدّ أن يكون موتهم في حالة إسلامه؟ قد يدلّ للأول قوله وَّلي- لحكيم بن حزام رَّ: ((أسلمت على ما أسلفت من خير)) لَمَّا قال له: أرأيتَ أمورًا كنتُ أتحنّث بها في الجاهلية، هل لي فيها من شيء؟ . لكن قد جاءت أحاديث فيها تقييد ذلك بكونه في الإسلام، فالرجوع إليها أولى، ففي ((مسند أحمد)) بإسناد صحيح عن امرأة، يقال لها: رجاء، قالت: كنت عند رسول الله ٣٥٨ شرح سنن النسائي - کِتَابُ الْجَنَائِزِ وَالر، إذ جاءته امرأته بابن لها، فقالت: يا رسول اللَّه ادع الله لي فيه بالبركة، فإنه قد توفي لي ثلاثة، فقال لها رسول اللَّه وَالر: ((أمنذ أسلمت؟)) قالت: نعم، فقال رسول الله وَله: ((جُنّة حَصِينة))، فقال لي رجل: اسمعي يا رجاء ما يقول رسول اللَّه وَله. وفي (مسند أحمد)) وغيره بإسناد لا بأس به، عن عمرو بن عَبَسَة، قال: سمعت رسول اللَّه وَالله يقول: ((من وُلِد له ثلاثة أولاد في الإسلام، فماتوا قبل يبلغوا الحنث، أدخله الله الجنة برحمته إياهم)). وفي ((مسند أحمد))، و((معجم الطبراني الكبير)) بإسناد فيه مجهول، عن أبي ثعلبة الأشجعيّ، قال: قلت: يا رسول الله مات لي ولدان في الإسلام، فقال: ((من مات له ولدان في الإسلام أدخله الله الجنة)) . قال الحافظ ولي الدين ◌َقّْلهُ: ما حاصله: وفي حديث عمرو بن عَبَسَة زيادة على غيره، وهي أن تکون ولادتهم في الإسلام، ومقتضاه أنهم لو وُلدوا له قبل أن يسلم، وماتوا بعد إسلامه لم يكن له هذا الثواب انتهى(١). (يُتَوَفَّى لَهُ) بالبناء للمفعول، ووقع في رواية ابن ماجه: ((ما من مسلمين يَتَوَفَّى لهما ... )) (ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَد، لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ) بكسر المهملة، وسكون النون، بعدها مثلثة، وحكى ابن قرقول، عن الداوديّ أنه ضبطه ((الْخَبَثَ)) بفتح المعجمة، والموحّدة، وفسّره بأن المراد لم يبلغوا أن يعملوا المعاصي، قال: ولم يذكره كذلك غيره، والمحفوظ الأول، والمعنى لم يبلغوا الْحُلُمَ، فتكتبَ عليهم الآثام. قال الخليل: بلغ الغلام الحنث: إذا جرى عليه القلم، والحنث الذنب، قال الله تعالى: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى اَلْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦]. وقيل: المراد بلغ إلى زمانٍ يؤاخذ بيمينه إذا حنث. وقال الراغب: عبّر بالحنث عن البلوغ، لما كان الإنسان يؤاخذ بما يرتكبه فيه بخلاف ما قبله، وخصّ الإثم بالذكر لأنه الذي يحصل بالبلوغ، لأن الصبيّ قد يثاب، وخصّ الصغير بذلك لأن الشفقة عليه أعظم، والحبّ له أشدّ، والرحمة له أوفر، وعلى هذا فمن بلغ الحنث لا يحصل لمن فقده ما ذكر من هذا الثواب، وإن كان في فقد الولد أجر في الجملة، وبهذا صرّح كثير من العلماء، وفرقوا بين البالغ وغيره بأنه يتصوّر منه العقوق المقتضي لعدم الرحمة، بخلاف الصغير، فإنه لا يتصوّر منه ذلك، إذ ليس بمخاطب . وقال الزين ابن المنير ◌ّْلهُ : بل يدخل الكبير في ذلك من طريق الفحوى، لأنه إذا (١)- ((طرح التثريب)) ج٣ ص٢٤٩. ٣٥٩ ٢٥- مَنْ یُتَوَفِی لہُ ثلاثةٌ - حديث رقم ١٨٧٣ ثبت ذلك في الطفل الذي هو كَلِّ على أبويه، فكيف لا يثبت في الكبير الذي بلغ معه السعي، ووصل له من النفع، وتوجه إليه الخطاب بالحقوق؟ن قال: ولعلّ هذا هو السرّ في إلغاء البخاري التقييد بذلك في الترجمة انتهى. أي حيث قال: ((باب فضل من مات له ولد، فاحتسب)) . قال الحافظ رحمه اللّه تعالى: ويقويّ الأول قوله في بقية الحديث: ((بفضل رحمته إياهم))، لأن الرحمة للصغار أكثر، لعدم حصول الإثم منهم، وهل يلتحق بالصغار من بلغ مجنونا مثلًا، واستمرّ على ذلك، فمات؟ فيه نظر، لأن كونهم لا إثم عليهم يقتضي الإلحاق، وكون الامتحان بهم يَخِفُّ بموتهم يقتضي عدمه . ولم يقع التقييد في طرق الحديث بشدّة الحبّ ولا عدمه، وكان القياس يقتضي ذلك، لما يوجد من كراهة بعض الناس لولده، وتبرّمه منه، ولا سيما من كان ضيّق الحال، لكن لما كان الولد مظنة المحبّة، والشفقة، نِيطَ به الحكم، وإن تخلّف في بعض الأفراد. انتهى (١) . (إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ) تقدم أن هذا الاستثناء، وما بعده خبر ((ما)) الحجازية، أو خبر المبتدإ. وفي حديث عُتبة بن عبد الله السلميّ، عند ابن ماجه بإسناد حسن، نحو حديث الباب، لكن فيه: ((إلا تلقّوه من أبواب الجنة الثمانية، من أيها شاء دخل))، وهذا أمر زائد على مطلق دخول الجنة، ويشهد له ما تقدم للمصنّف قبل بابين بإسناد صحيح، من حديث معاوية بن قرّة، عن أبيه، مرفوعًا، وفيه: ((ما يسرّك أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته عنده يسعى يفتح لك)) (بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ))) أي بفضل رحمة الله تعالى للأولاد. وقال ابن التين: قيل: إن الضمير في ((رحمته)) للأب، لكونه كان يرحمهم في الدنيا، فيُجازَى بالرحمة في الآخرة، والأول أولى، ويؤيده أن في رواية ابن ماجه من هذا الوجه ((بفضل رحمة اللَّه إياهم))، وللمصنف من حديث أبي ذرّ ◌َظّيه الحديثُ التالي لهذا الحديث بلفظ: ((إلا غفر الله لهما بفضل رحمته إياهم)). ولأحمد والطبراني، من حديث الحارث بن أُقَيش -بقاف ومعجمة مصغّرًا- عن أبي برزة تَّه مرفوعًا: ((ما من مسلين يموت لهما أربعة أفراط، إلا أدخلهما اللَّه الجنة بفضل رحمته))، وقد تقدم في الباب الماضي وكذا في حديث عمرو بن عَبَسَّة، كما تقدم . وقال الكرماني: الظاهر أن المراد بقوله: ((إياهم)) جنس المسلم الذي مات أولاده، (١)- ((فتح)) ج٣ ص ٤٥٧ - ٤٥٨ . ٣٦٠ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجَنَائِزِ لا الأولاد، أي بفضل رحمة اللَّه لمن مات لهم، قال: وساغ الجمع لكونه نكرة في سياق النفي، فتعمّ انتهى . قال الحافظ: وهذا الذي زعم أنه ظاهر ليس بظاهر، بل في غير هذا الطريق ما يدلّ على أن الضمير للأولاد، ففي حديث عمرو بن عَبَسَة عند الطبرانيّ: ((إلا أدخله الله برحمته هو وإياهم الجنة))، وفي حديث أبي ثعلبة الأشجعيّ المتقدم ذكره: ((أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم))، قاله بعد قوله: ((من مات له ولدان))، فوضح بذلك أن الضمير في قوله: ((إياهم)) للأولاد، لا للآباء، والله أعلم انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث عمرو بن عَبَسَة، وحديث أبي ثعلبة قد تقدم أنهما متكلم فيهما، فالأولى في الردّ على الكرماني حديث أبي ذرّ، وأبي هريرة رَوَّهت المذكوران في هذا الباب، مرفوعًا: ((ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة أولاد، لم يبلغوا الحنث إلا غفر الله لهما بفضل رحمته إياهم))، لفظ أبي ذرّ ◌َظّه، ولفظ أبي هريرة: ((إلا أدخلهما اللَّه بفضل رحمته إياهم الجنة)). ففيه بيان واضح أن الضمير للأولاد لا للآباء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسألتان تتعلقان بهذا الحديث : المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس تَّ هذا أخرجه البخاري . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٨٧٣/٢٣ - وفي ((الكبرى)) ٢٠٠١/٢٥- وأخرجه (خ) ١٢٤٨ و١٣٨١ (ق) ١٦٠٥ (أحمد). ١٢١٢٦ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٨٧٤ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرُّ، قُلْتُ: حَدْثْنِيَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَّ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَا مِنْ مُسْلِمَيْنٍ، يَمُوتُ بَيْتَهُمَا، ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ، لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ، إِلَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُمَا، بِفَضْلِ رَخْمَيْهِ إِيَّاهُمْ)) . رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (إسماعيل بن مسعود) الْجَخدريّ البصريّ ثقة [١٠] ٤٧/٤٢. ٢- (بشر بن المفضّل) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٨]٦٦/ ٨٢. ٣- (يونس) بن عبيد بن دينار العبديّ البصريّ، ثقة ثبت فاضل وَرِع [٥]١٠٩/٨٨. (١)- ((فتح)) ج٣ ص٤٥٨ .