Indexed OCR Text

Pages 41-60

=
٤١
٢٩- بابُ نَّهْي النَّيِّ وَّهُ عَنِ الْوَثْرَيْنِ فِي لَيْلَةِ - حديث رقم ١٦٧٩
ركعة أخرى، ثم يصلي ما بداله، ثم يوتر في آخر صلاته، واحتجّ بعضهم بأن رسول
اللَّه وَلّ أمر أن يجعل آخر الصلاة بالليل وترًا، هكذا قال إسحاق وغيره .
فممن رُوي عنه أنه كان يشفع وتره عثمانُ بن عفّان، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله
ابن عمر بن الخطاب. وممن رُوي عنه أنه فعل ذلك علي بن أبي طالب، وعبد الله بن
مسعود، وابن عباس ». وبه قال عمرو بن ميمون، وابن سيرين .
ومذهب سعد، وابن عمر، وابن عبّاس، وابن مسعود، وابن سيرين، وإسحاق: إذا
نقض وتره أوتر في آخر صلاته، ولعلّ هذا مذهبُ الآخرين، وإن لم يُذكر ذلك عنهم .
قال: وأنكر بعضهم هذا، وقال: إذا نام الرجل، وأحدث أحداثًا، ثم قام، فتوضّأ،
وتكلّم بين ذلك، ثم صلى ركعة، وهذه الركعة غير الركعة التي ركعها قبل أن ينام، إذ
بينهما من الفصل بالنوم والأحداث ما بينهما، ثم إذا صلى، وأوتر بعد ذلك في آخر
صلاته، فقد صار مُوتِرًا مرّتين(١) في ليلة، وقد روي عن النبي وَل أنه قال: ((لا وتران
في ليلة))، وإنما قول النبي وَلّ: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا)) في الرجل يريد
الصلاة من الليل، فإذا أراد ذلك، فالسنّة أن يصلي مثنى مثنى، ثم يوتر آخر صلاته،
وليس ذلك لمن قد أوتر مرّة، إذ ليس من السنّة أن يوتر في ليلة مرتين، والدليل على أن
معنى قول ابن عمر المعنى الذي قلناه أن ابن عمر، وهو الراوي لقول النبي ◌َئيّ:
(اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا))، وقد سئل عن نقض الوتر، فقال: إنما هو شيء
أفعله برأي، لا أرويه عن أحد. ثم أخرج بسنده عن مسروق، أنه قال: سألت ابن عمر
عن نقضه الوتر؟ فقال: إنما هو شيء أفعله برأي، لا أرويه عن أحد .
قال ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: ولا أعلم اختلافًا في أن رجلًا بعد أن أدى صلاة
فرض كما فُرضت عليه، ثم أراد بعد أن فرغ منها نَقْضَها أن لا سبيل له إليه، فحُكْمُ
المختَلَفِ فيه من الوتر حُكْمُ ما لا نعلمهم اختلفوا فيه، مما ذكرناه، وكذلك الحجّ،
والصوم، والعمرة، والاعتكاف، لا سبيل إلى نقض شيء منها بعد أن يُكْمِلها .
رَوَينا عن أبي بكر الصدّيق وَظّه أنه قال: إنما أنا فإني أنام على وتر، فإن استيقظت
صليت شفعًا حتى الصباح، وروي هذا القول عن ابن عبّاس، خلاف القول الأول،
ورَوَينا ذلك عن عائذ بن عمرو، وسعد بن أبي وقّاص، وعمّار بن ياسر، وعائشة
ه، ومَن رُوي عنه من أصحاب رسول اللّه وَليل في هذه المسألة قولان، فلعلّه قد
فعل الفعلين جميعًا .
(١)- وقع في ((الأوسط)) ((فقد صار موتراً في ليلة))، والظاهر أن الصواب ما أثبتّه هنا.

٤٢٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ الَّتِلِ
وكان علقمة لا يرى نقض الوتر، وهكذا مذهب النخعيّ، وطاوس، وأبي مِجْلّز،
وبه قال مالك، والأوزاعيّ، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور. انتهى كلام ابن المنذر رحمه
اللّه تعالى باختصار(١) .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: المذهب الراجح عندي مذهب أكثر أهل العلم، وهو
عدم نقض الوتر، إذ لا دليل عليه، كما قرره ابن المنذر تَخّْثهُ، وأن من صلى الوتر قبل
النوم، ثم استيقظ بعد النوم صلى ركعتين ركعتين، وأما احتجاج القائلين بنقض الوتر
بحدیث «اجعلوا آخر صلاتکم بالليل وترًا»، فالجواب عنه أن الأمر فیه لیس للإيجاب،
وإنما هو للاستحباب، بدليل أنه وال* كان يصلي بعد الوتر ركعتين جالسًا، فإنه يدلّ على
أن الأمر المذكور للاستحباب، لا للإيجاب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)».
٣٠- بَابُ وَقْتِ الْوِثْرِ
١٦٨٠- أَخْبَرَنَا(٢) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي
إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ◌ِ؟، فَقَالَتْ:
كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَقُومُ، فَإِذَا كَانَ مِنَ السَّحَرِ أَوْتَرَ، ثُمَّ أَتَى فِرَاشَهُ، فَإِذَا(٣) كَانَ لَهُ
حَاجَةٌ، أَلَمَّ بِأَهْلِهِ، فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ، وَثَبَ، فَإِنْ كَانَ جُنُبًا، أَفَاضَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ، وَإِلَّا
تَوَضَّأَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في -١٧/
١٦٤٠- وتقدم شرحه، والكلام على المسائل المتعلّقة به هناك، فراجعه تستفد، وبا لله
تعالى التوفيق .
(١)- ((الأوسط)) ج٥ ص١٩٦ - ٢٠٠.
(٢)-وفي نسخة ((حدثنا)).
(٣)- وفي نسخة ((فإن كان)).

٤٣
٣٠- بابُ وقتٍ الوتر - حديث رقم ١٦٨١
و(محمد) شيخ ابن المثنّى: هو محمد بن جعفر غُندر. و((أبو إسحاق)): هو السبيعيّ.
وقولها: (فإن كان له حاجة ألمّ بأهله): أي إن كان حاجة إلى زوجته، نزل بها، وهو
كناية عن الجماع .
وقولها: (وثب): أي قام سريعًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٦٨١ - أخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي
حَصِينٍ، عَنْ يَخْتِى بْنٍ وَثَّبٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ مِنْ
أَوَّلِهِ، وَآخِرِهِ، وَأَوْسَطِهِ، وَأَنْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحْرِ .
رجال هذا الإسناد : سبعة:
١ - (إسحاق بن منصور) الكَوْسَج المروزيّ ثقة ثبت [١١]٨٨/٧٢.
٢- (عبد الرحمن) بن مهدي الحافظ الحجة البصريّ [٩]٤٩/٤٢.
٣- (سفيان) بن سعيد الثوري الكوفيّ الإمام الحجة الثبت [٧]٣٧/٣٣.
٤- (أبو حَصين) بالفتح - عثمان بن عاصم الأسديّ الكوفي، ثقة ثبت سنّيّ ربما
دلّس [٤]١٥٢/١٠٢.
٥- (يحيى بن وَثّاب) الأسديّ مولاهم الكوفيّ المقرئ، ثقة عابد [٤]١٠٠٦/٧٥.
٦ - (مسروق) بن الأجدع الكوفي، ثقة فقيه مخضرم [٢]٩٠/ ١١٢.
٧- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها٥/٥. والله تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سباعيّات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فمروزيّ، وعبد الرحمن،
فبصريّ، وعائشة رضي اللّه تعالى عنها، فمدنيّة. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين
يروي بعضهم عن بعض: أبو حصين، عن يحيى بن وثّاب، عن مسروق. والله تعالى
أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي اللّه تعالى عنها، أنها (قَالَتْ: أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّهِ مِنْ أَوَّلِهِ) هكذا
نسخ ((المجتبى)) دون ذكر مرجع الضمير، وهو ((الليل))، أي في أول الليل، وفي نسخة
من ((الكبرى)): ((أوتر رسول اللّه وَ له من كلّ الليل، من أوله ... ))، ولفظ مسلم: ((من
: كل الليل أوتر رسول اللّه وَلير ... ))، ولفظ البخاريّ: ((كل الليل أو تر رسول اللّه وَلَّه

٤٤
شرح سنن النسائي - کِتَابُ قِیّام اللَّيْلِ
وانتهى وتره إلى السحر)) .
والمراد بأول الليل بعد صلاة العشاء، للإجماع على أن ابتداء وقت الوتر مغيب الشفق
بعد صلاة العشاء، هكذا نقل الإجماع ابن المنذر رحمه الله تعالى. لكن أطلق بعضهم أنه
يدخل بدخول العشاء، قالوا: ويظهر أثر الخلاف فيمن صلّى العشاء، وبان أنه بغير
طهارة، ثم صلى الوتر متطهّرًا، أو ظنّ أنه صلى العشاء، فصلى الوتر، فإنه يجزئ على
هذا القول دون الأول. قاله في ((الفتح))(١) .
(وَآخِرِهِ، وَأَوْسَطِهِ، وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ) زاد أبو داود، والترمذيّ: ((حين مات)).
قال النوويّ رحمه الله تعالى: معناه كان آخر أمره الإيتار في السحر، والمراد به آخر
الليل، كما قالت في الروايات الأخرى، ففيه استحباب الإیتار آخر الليل، وقد تضافرت
الأحاديث الصحيحة عليه، قال: وفيه جواز الإيتار في جميع أوقات الليل بعد دخول
وقته. انتهى .
وقال في ((الفتح)»: يحتمل أن يكون اختلاف وقت الوتر باختلاف الأحوال، فحيث
أوتر في أوّله لعله كان وجعًا، وحيث أوتر في وسطه لعله كان مسافرًا، وأما وتره في
آخره، فكأنه غالب أحواله، لما عُرف من مواظبته على الصلاة في أكثر الليل. والله
تعالى أعلم .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الذي ذكره غير ظاهر. والله تعالى
أعلم.
و((السحر)) قُبيل الصبح، وحكى الماروديّ أنه السدس الأخير، وقيل: أوله الفجر
الأول، وفي رواية طلحة بن نافع، عن ابن عباس تًَّا عند ابن خزيمة: ((فلما انفجر
الفجر قام، فأوتر بركعة))، قال ابن خزيمة: المراد به الفجر الأول .
ورَوَى أحمد من حديث معاذ، مرفوعًا: ((زادني ربي صلاةً، وهي الوتر، وقتها من
العشاء إلى طلوع الفجر))، وفي إسناده ضعف
وأخرج ((أصحاب السنن)) عن خارجة بن حُذافة ◌َّه، قال: خرج علينا رسول الله
وَله، فقال: ((إن الله تعالى قد أمدّكم بصلاة، وهي خير لكم من حُمْرِ النَّعَم، وهي
الوتر، فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر))، وهو ضعيف، وهو الذي احتجّ
به من قال بوجوب الوتر، وليس صريحا في الوجوب. والله تعالى أعلم .
وأما حديث بُريدة، رفعه: ((الوتر حقّ، فمن لم يوتر فليس منّا، وأعاد ذلك ثلاثًا»،
(١)- ((فتح)) ج٣ص١٧١ .

٤٥
٣٠- بابُ وقتٍ الوتر - حديث رقم ١٦٨١
ففي سنده أبو الْمُنِيب، وفيه ضعف، وعلى تقدير قبوله، فيحتاج من احتجّ به إلى أن
يُثبت أن لفظ ((حقّ)) بمعنى واجب في عرف الشرع، وأن لفظ واجب بمعنى ما ثبت من
طريق الآحاد. (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة رضي اللّه تعالى عنها هذا متفق عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له:
أخرجه هنا- ١٦٨٢/٣٠- وفي ((الكبرى)) ١٣٩٠/٤٤- بالإسناد المذكور. والله
تعالى أعلم .
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجہ (خ) ٣١/٢ (م) ١٦٨/٢ (د) ١٤٣٥ (ت) ٤٥٦ (ق) ١١٨٥ (الحميدي)١٨٨
(أحمد) ٤٦/٦ و١٠٠ و١٠٧ و١٢٩ و٢٠٤ (الدارميّ). ١٥٩٥ والله تعالى أعلم .
المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في وقت الوتر:
قال النووي رحمه اللّه تعالى: اختلفوا في أول وقته: فالصحيح في مذهبنا،
والمشهور عن الشافعيّ، والأصحاب أنه يدخل وقته بالفراغ من صلاة العشاء، ويمتدّ
إلى طلوع الفجر الثاني، وفي وجه يدخل بدخول وقت العشاء، وفي وجه لا يصحّ
الإيتار بركعة إلا بعد نفل بعد العشاء، وفي قول يمتد إلى صلاة الصبح، وقيل: إلى
طلوع الشمس. انتهى .
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: أحاديث الباب تدلّ على أن جميع الليل وقت
للوتر، إلا الوقت الذي قبل صلاة العشاء، ولم يخالف في ذلك أحد، لا أهل الظاهر،
ولا غيرهم، إلا ما ذُكر في وجه لأصحاب الشافعي أنه يصحّ قبل العشاء، وهو وجه
ضعيف صرّح به العراقيّ وغيره، وقد حكى صاحب ((المفهم)) الإجماع على أنه لا يدخل
وقت الوتر إلا بعد صلاة العشاء. انتهى (١).
وأما آخر وقته فهو إلى طلوع الفجر الثاني، وبعد طلوع الفجر يكون قضاء، وهو
المشهور المرجّح الصحيح عند الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وعند
المالكية للوتر وقتان: وقت اختيار، وهو إلى طلوع الفجر، ووقت ضرورة، وهو إلى
(١)- المصدر السابق ص ١٧٢ .
(٢) - ((نيل الأوطار)) ج٣ ص ٥٢ .

٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِیّام اللّيلِ
تمام صلاة الصبح، ويكره تأخيره لوقت الضرورة بلا عذر، ويندب قطع صلاة الصبح
للوتر لفذٌ، لا لمؤتمّ، وفي الإمام روايتان .
قال الحافظ: وحكى ابن المنذر عن جماعة من السلف أن الذي يخرج بالفجر وقته
الاختياريّ، ويبقى وقت الضرورة إلى قيام صلاة الصبح، وحكاه القرطبي عن مالك،
والشافعيّ، وأحمد، وإنما قاله الشافعيّ في القديم. انتهى .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحقّ هو ما عليه الجمهور من أن وقت الوتر من
مغيب الشفق بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الصادق، وبعده يكون قضاء، كما دلّت
عليه الأحاديث الكثيرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل .
١٦٨٢ - أَخْبَرَنَا قُتَنِبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، أَنَّ ابْنَ عُمَّرَ، قَالَ: ((مَنْ صَلَّى
مِنَ اللَّيْلِ، فَلْيَجْعَلْ آخِرَ صَلَاتِهِ وِتْرًا، فَإِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ، كَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدّم في -١٦٦٦-
وتقدم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق .
ودلالته على الترجمة واضحة، إذ يدلّ على أن وقت الوتر هو الليل .
وقوله: ((كان يأمر بذلك)) أي أمرَ ندب، كما تقدم بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
:
٣١- بَابُ الأَمْرِ بِالْوِثْرِ قَبْلَ الصُّبْحِ
١٦٨٣- أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدٌ، وَهُوَ ابْنُ
الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، وَهُوَ ابْنُ سَلَّام بْنِ أَبِي سَلَام، عَن يَخْتِى بْنِ أَبِي كَثِيرِ،
قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو نَضْرَةَ الْعَوَقِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَّعِيدِ الْخُذْرِيِّ،َ يَقُولُ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ.
عَنِ الْوِثْرِ ؟، فَقَالَ: ((أَوْبِرُوا قَبْلَ الصُّبْحِ)) .
رجال هذا الإسناد : ستة:
١- (عُبيدالله بن فَضَالة بن إبراهيم) أبو قُدَيدِ النسائيّ، ثقة ثبت [١١]١٧/ ٨٩٨.

س-
٤٧
٣١- بابُ الأمر بالوتر قبل الصُّبْح - حديث رقم ١٦٨٣
٢- (محمد بن المبارك) الصوريّ نزيل دمشق، ثقة، من كبار[١٠]١٧ / ١٥٤١.
٣- (معاوية بن سلام بن أبي سلّام) الدمشقيّ الحمصيّ، ثقة [٧]١٤٧٩/١٣.
٤- (يحيى بن أبي كثير) أبو نصر اليماميّ، ثقة ثبت يدلس ويرسل [٥]٢٤/٢٣.
٥- (أبو نضرة العَوَقِيّ) - بفتحتين - المنذر بن مالك بن قُطَعَة البصريّ، ثقة [٣]٢١/
٥٣٨ .
٦- (أبو سعيد الخُذريّ) سعد بن مالك بن سنان رضي الله تعالى عنهما ١٦٩/
٢٦٢ .
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ.
(ومنها): أن فيه أبا سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى
(١١٧٠). والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ يَخْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك (الْعَوَقِيُّ) -
بعين مهملة، وواو مفتوحتين، وقاف- منسوب إلى العَوَقَة بطن من عبد القيس، وحكى
صاحب ((المطالع)) فتح الواو وإسكانها، والصواب المشهور المعروف الفتح، لا غير.
قاله النووي تَخْذَلُهُ (١) (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُذْرِيَّ) رضي الله تعالى عنه (يَقُولُ: سُئِلَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ عَنِ الْوِثْرِ؟) الظاهر أن السؤال عن وقته، ويحتمل أن يكون عن جوازه
بعد الصبح، (فَقَالَ: ((أَوْتِرُوا قَبْلَ الصُّبْح))) أي صلّوا الوتر قبل دخول وقت صلاة
الصبح، وفي الرواية التالية: ((أو تروا قبل الفجر))، أي قبل طلوع الفجر، والمراد الفجر
الصادق، وهو الثاني. وفي حديث ابن عمر روزيتا عند مسلم: ((بادروا الصبح بالوتر)).
قال الطيبيّ رحمه اللّه تعالى: ((بادروا)) أي سارعوا، كأن الصبح مسافر، يَقْدَم إليك،
طالبا منك الوتر، وأنت تستقبله، مسرعًا بمطلوبه، وإيصاله إلى بُغيته. انتهى .
وهو دليل على أن وقت الوتر قبل الصبح، وأنه إذا طلع الفجر خرج وقت الوتر .
واستَدَلّ به الحنفية على وجوب الوتر، قال القاري: والأمر للوجوب عندنا. انتهى .
وأجيب بأنه إنما يدلّ على وجوب الإيتار قبل طلوع الصبح، لا على وجوب نفس
(١)- ((شرح مسلم)) ج٦ ص٣٤ .

٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَامِ اللَّيْلِ
الإيتار، فإن الصلاة النافلة لها شروط، كالطهارة، واستقبال القبلة، وسترة العورة،
ووجوب قراءة الفاتحة، وغير ذلك، وإيجاب هذه الأشياء لا يستلزم وجوب تلك
الصلاة، فكذلك إيجاب كون وقوع الوتر قبل الصبح لا يستلزم وجوب نفس الوتر، كما
لا يخفى على منصف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي سعيد الخدري رضي اللَّه تعالى عنه هذا
أخرجه مسلم .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٦٨٣/٣١ - وفي ((الكبرى)) ١٣٩٣/٤٥- بالسند المذكور، وفي
[١٦٨٤/٣١] و ((الكبرى)) ١٣٩٢/٤٥- بالإسناد الآتي. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه :
أخرجه (م) ١٧٤/٢ - (ت) ٤٦٨ (ق) ١١٨٩ (أحمد) ٤/٣ و١٣ و٣٥ و٣٧
(الدارمي) ١٥٩٦ (ابن خزيمة). ١٠٨٩ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٦٨٤- أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ دُرُسْتَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْقَنَّادُ، قَالَ: حَدَّثْنَا
يَخْتِى، وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَِّيِّ وَِّ، قَالَ: ((أَوْتِرُوا
قَبْلَ الْفَجْرِ)) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا طريق آخر لحديث أبي سعيد رَّه ، تقدم
الكلام عليه في الذي قبله .
و(يحيى بن دُرُسْتَ) البصريّ، ثقة [١٠] ٢٤/٢٣.
و(أبو إسماعيل القَنَّد) إبراهيم بن عبد الملك البصريّ، صدوق في حفظه
شيء[٧]٢٤٠/٢٣ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .

٤٩
٣٢- الوترُ بَعْدَ الأذانِ - حدیث رقم ١٦٨٥
٣٢- الْوِثْرُ بَعْدَ الأَذَانِ
١٦٨٥ - أَخْبَرَنَا يَخْتِى بْنُ حَكِيم، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عِديٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ
ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِهِ، أَنَّهُ كَانَ فِي مَسْجِدٍ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، فَأَقِيمَتِ
الضَّلَاةُ، فَجَعَلُوا يَنْتَظِرُوَنَهُ، فَجَاءَ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أُوتِرُ، قَالَ: وَسُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ، هَلْ بَعْدَ
الْأَذَانِ وِتْرٌ؟، قَالَ: نَعَمْ، وَبَعْدَ الْإِقَامَةِ، وَحَدَّثَ عَنِ النَّبِيِّ بَِّ، أَنَّهُ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى
طَلَعَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه في
[٦١٢/٥١]، وأذكر هنا الكلام على ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو قضاء
الوتر :
اعلم: أن المصنف رحمه الله تعالى يرى مذهب القائلين بمشروعية قضاء الوتر بعد
طلوع الفجر، ولذا ترجم عليه، واستدلّ بحديث عبد الله بن مسعود ◌َظّه على ذلك،
ووجه الاستدلال به كونه وقّل قضى الصلاة التي فاتته نائمًا، والنفل في ذلك کالفرض،
وأيضًا ثبت أنه وَلّ قضى سنة الصبح حينما فاتته صلاة الصبح مع سنتها، بالنوم، وقد
اختلف العلماء في ذلك:
قال الإمام ابن المنذر تَّلهُ : أجمع أهل العلم على أن ما بين صلاة العشاء إلى طلوع
الفجر وقت للوتر. واختلفوا فيمن لم يوتر حتى طلع الفجر على أقوال:
الأول: أنه إذا طلع الفجر، فقد فات الوتر، كذلك قال عطاء بن أبي رباح، وإبراهيم
النخعيّ، وسعيد بن جُبير، وقال مكحول: من أصبح، ولم يوتر فلا وتر عليه. وقال
سفيان الثوريّ، وإسحاق، وأصحاب الرأي: الوتر ما بين صلاة العشاء إلى طلوع
الفجر .
الثاني: إن الوتر ما بين صلاة العشاء الآخرة إلى صلاة الصبح، روينا عن عبد الله بن
مسعود أنه قال: الوتر ما بين الصلاتين، ورُوي عن أبي موسى الأشعريّ، أنه قال: لا
وتر بعد الأذان، فأتوا عليّا، فقال: لقد أغرق في النزع، وأفرط في الفتيا، الوتر ما بيننا
وبين صلاة الغداة، ورُوي عن ابن عباس أنه أوتر بعد طلوع الفجر، وروي ذلك عن ابن
عمر خلت .
وممن رُوي عنه أنه أوتر بعد طلوع الفجر عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء،
وحذيفة، وابن مسعود، وعائشة، وعبد الله بن عامر بن ربيعة

٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَامِ اللَّيْلِ
قال: وكان مالك، والشافعيّ، وأحمد، يقولون: يوتر ما لم يصلّ الصبح، وحُكي
عن سفيان الثوريّ، أنه قال: إن أوترت بعد طلوع الفجر فلا بأس، وهكذا قال
الأوزاعيّ، وقال النخعيّ، والحسن، والشعبيّ: إذا صلى الغداة فلا يوتر، وقال أيوب
السختياني، وحميد الطويل: إنّ أكثر وترنا بعد طلوع الفجر .
الثالث: يصلي الوتر، وإن صلى الصبح، كذلك قال طاوس، وقيل لأحمد بن حنبل:
قال سفيان: اقض الوتر، إذا طلعت الشمس. قال أحمد: لا . وقال إسحاق كما قال أحمد.
وقال النعمان: إذا صلى الفجر، ولم يوتر، ثم ذكر الوتر، فعليه قضاء الوتر.
الرابع: يصلي الوتر، وإن طلعت الشمس، روي هذا القول عن عطاء، وطاوس،
ومجاهد، والحسن، والشعبيّ، وحماد بن أبي سليمان، وبه قال الأوزاعيّ، وأبو ثور .
الخامس: قول سعيد بن جبير فيمن فاته الوتر حتى صلى الصبح، قال: يوتر من
القابلة. انتهى كلام ابن المنذر رحمه اللّه تعالى بتصرّف، واختصار(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الراجح عندي قول من قال: إن الوتر إذا فات
يُقضَى مطلقًا أبدًا ليلًا أو نهارًا، لحديث أبي داود وغيره من حديث أبي سعيد الخدري
رَّهِ، مرفوعًا: ((من نام عن وتره، أو نسيه، فليصلّه إذا ذكره)). صححه الحاكم،
ووافقه الذهبيّ، وصححه أيضا الحافظ العراقي، وفي لفظ للترمذيّ: ((من نام عن
الوتر، أو نسيه، فليصلّ إذا ذكر، وإذا استيقظ))، ولحديث الباب، ولأنه وَلّ قضى سنة
الصبح بعد طلوع الشمس حينما فاتته مع الفرض، ولعموم: ((من نام عن صلاة، أو
نسيها، فليصلّها إذا ذكرها))، فإنه يدخل فيه الفرض، والنفل، وهو في الفرض أمر
فرض، وفي النفل أمر ندب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٣٣- بَابُ الْوِتْرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ
١٦٨٦ - أخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ
الْأَخْتَسِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الرَّاحِلَةِ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((عبيدالله بن سعيد)): هو السرخسيّ، و((يحيى بن
(١)- ((الأوسط)) ج٥ ص ١٩٠ - ١٩٤.

٥١
٣٣- بأبُ الْوُثْرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ - حديث رقم ١٦٨٦
سعيد)) هو القطان .
و((عبيدالله بن الأخنس)) النخعيّ، أبو مالك الخزاز - بمعجمات- ويقال: مولى
الأزد، صدوق [٧] .
روى عن ابن أبي مليكة، ونافع، وأبي الزبير، وغيرهم. وعنه يحيى القطّان، وسعيد
ابن أبي عروبة، ورَوْح بن عُبَادة، وغيرهم .
قال أحمد، وابن معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن الْجُنيد، عن ابن
معين: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يخطىء كثيرًا. روى له
الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث برقم ١٦٨٦ و٢٤٩٤ و٣٢٢٨ و٣٧٨١
و ٣٧٩٢ و٤٢٩٦ و٤٧٢٠ و٤٩٥٧ .
والحديث متفق عليه، وقد تقدم في ٢٣/ ٤٩٠ - وتقدم أيضًا برقم ٤٩١ و٤٩٢ و ٧٤٣
و٧٤٤، ويأتي أيضًا برقم ١٦٨٧ و١٦٨٨. وتقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلّقة به
فيما مضى .
لكن بقي البحث فيما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز أداء الوتر على
الراحلة، فأذكره هنا:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: قد اختلف أهل العلم في صلاة الوتر
على الراحلة :
فقالت طائفة بظاهر الحديث، ورخّصت أن يوتر المرء على راحتله، ثبت عن ابن
عمر أنه كان يوتر على راحلته، وروي ذلك عن عليّ، وابن عباس، وبه قال عطاء،
ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور. وروينا عن ابن عمر أنه كان إذا أراد أن يوتر
نزل عن راحلته، فأوتر بالأرض .
وقال النخعيّ: كانوا يصلون الفريضة والوتر بالأرض، وقال سفيان الثوريّ: صلّ
الفريضة والوتر بالأرض، وإن أوترت على دابتك فلا بأس، والوتر بالأرض أحب إليّ،
وحُكي عن النعمان أنه قال: لا يوتر على الدابة .
قال ابن المنذر: أما نزول ابن عمر عن راحلته حتى أوتر بالأرض، فمن المباح، إن
شاء الذي يصلي الوتر صلّى على الراحلة، وإن شاء صلّى على الأرض، أيّ ذلك فعل
يُجزيه، وقد فعل ابن عمر الفعلين جميعًا، روينا عن ابن عمر أنه كان ربما أوتر على
راحلته، وربّما نزل. والوتر على الراحلة جائز، للثابت عن النبيّ وَّر أنه أوتر على
الراحلة، ويدلّ ذلك على أن الوتر تطوّع، خلاف قول من شذّ عن أهل العلم، وخالف
السنّة، فزعم أن الوتر فرض. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا.

٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ اللَّيْلِ
والحاصل أن أداء الوتر على الدّابّة جائز؛ الأحاديث الصحيحة المذكورة في هذا
الباب وغيرها، وأن الوتر سنة، وليس بواجب؛ لهذه الأحاديث، ولما تقدم من الأدلة
الكثيرة الدّالّة على أن الوتر ليس بواجب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٦٨٧- أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، كَانَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ، وَيَذْكُرُ
أَنَّ النَّبِيِّ ◌َّهِ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ((إبراهيم بن يعقوب)): هو الْجُوزَجاني الحافظ
الدمشقيّ. و((عبد الله بن محمد بن عليّ)): هو أبو جعفر الحرّانيّ الحافظ. و((زهير)):
هو ابن معاوية بن حُديج، أبو خيثمة الجعفي الكوفيّ. و((الحسن بن الحرّ)): هو أبو
محمد الكوفي نزيل دمشق الثقة الفاضل، تقدّم ٢٦/ ١٦٦٧٠ .
والحديث متفق عليه، وقد تقدم البحث فيه في الحديث الذي قبله. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٦٨٨ - أخْبَرَنَا قُتَنِيَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ: إِنَّ رَسُولَ
اللَّهِ وَلِ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيْرِ.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر
ابن الخطّاب)): القرشيّ العَدَويّ المدنيّ، ثقة، من كبار [٧].
روى عن سالم، وسعيد بن يسار، ونافع، وغيرهم. وعنه مالك، وإبراهيم بن
طَهْمَان، وعبيدالله بن عمر، وغيرهم .
قال أبو حاتم: لا بأس به، لا يُسمّى. وقال القاسم اللا لَكَائيّ: ثقة. وذكره ابن
حبان في ((الثقات)). روى له الجماعة، سوى أبي داود، حديثَ الباب فقط.
و (سعيد بن يسار) هو أبو الْحُبَاب المدنيّ، ثقة متقن، تقدم ٤٦/ ٧٤٠.
والحديث متفقٌ عليه، كما تقدّم بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).

٥٣
٣٤- بابٌّ كَم الْوِتْرُ - حديث رقم ١٧٨٩
٣٤- بَابٌ کم الْوِتْرُ
١٦٨٩- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ، قَالَ:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي النَّاحِ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ قَالَ: ((الْوِتْرُ
رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ)» .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: (محمد بن يحيى بن عبد الله) هو الذهليّ الحافظ
النيسابوريّ، تقدم قبل أبواب. و((أبو التيّاح)): هو يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ البصريّ، ثقة
ثبت [٥] ٦٧٠/٥٣ و((أبو مِجْلَز)) بكسر الميم، وسكون الجيم: هو لاحق بن حُميد
الضبعيّ البصريّ ثقة من كبار [٣] ٢٩٦/١٨٨.
والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم شرحه، وبيان مسائله في ١٦٦٦٠/٢٦ وأذكر هنا
ما لم يتقدم ذكره هناك، وهو ماترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان كميّة
الوتر، فأقول :
[مسألة]: في اختلاف أهل العلم في عدد صلاة الوتر:
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: قد اختلف أهل العلم في الوتر، فروينا عن
ابن عمر رَبِّهَا أنه قال: الوتر ركعة، ويقول: كان ذلك وتر رسول اللّه وَ ل، وأبي بكر،
وعمر، وممن روي عنه أنه رأى الوتر ركعةً عثمانُ بن عفّان، وسعد بن مالك، وزيد بن
ثابت، وابن عباس، ومعاوية بن أبي سُفيان، وأبو موسى الأشعريّ، وعبد الله بن
الزبير، وعائشة، وفَعَل ذلك معاذ القاري(١)، ومعه رجال من أصحاب النبي ◌َّ، لا
ينكر ذلك عليه منهم أحد. ثم أخرج ابن المنذر هذه الآثار بأسانيدها .
ثم قال: وبه قال سعيد بن المسيّب، وعطاء بن أبي رباح، ومالك بن أنس،
والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، غير أن مالكًا، والأوزاعيّ،
والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق رأوا أن يصلي ركعتين، ثم يسلّم، ثم يوتر بركعة .
وقالت طائفة: يوتر بثلاث، وممن روي عنه ذلك عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي
طالب، وأُبيّ بن كعب، وأنس بن مالك، وابن عباس، وابن مسعود، وأبو أمامة، وعمر
ابن عبد العزيز .
قال: وبه قال أصحاب الرأي، وقال سفيان: أعجب إليّ ثلاث .
(١)- هو معاذ بن الحارث القاري الأنصاريّ، أبو حليمة، اختلف في صحبته، قتل يوم الحرّة سنة
(٦٣).

٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِیّام اللّيل
وأباحت طائفة الوتر بثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة. قال أبو أيوب
الأنصاريّ: من شاء أن يوتر بسبع، ومن شاء أن يوتر بخمس، ومن شاء أن يوتر
بثلاث، ومن شاء أن يوتر بركعة(١). وقال ابن عباس: إنما هي واحدة، أو خمس، أو
سبع، أو أكثر من ذلك، يوتر بما شاء. وقال سعد بن أبي وقاص: ثلاث أحبّ إليّ من
واحدة، وخمس أحبّ إليّ من ثلاث، وسبع أحبّ إليّ من خمس. وروينا عن عائشة
أنها قالت: الوتر سبع، وخمس، والثلاث بَثْرَاء. وروي عن أبي موسى الأشعريّ أنه
قال: ثلاث أحبّ إليّ من واحدة، وخمس أحبّ إليّ من ثلاث، وسبع أحبّ إليّ من
خمس. وروينا عن زيد بن ثابت أنه أوتر بخمس ركعات، لا ينصرف فيها .
قال: وقال إبراهيم النخعيّ: الوتر ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة،
وكان سفيان الثوريّ يقول: الوتر ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة.
وکان إسحاق ابن راهویه یقول: إن شئت أوترت برکعة، وإن شئت فبثلاث، وإن شئت
فبخمس، وإن شئت فبسبع، وإن شئت فبتسع، لا تُسلّم إلا في إحداهنّ إذا فرقته، وإن
أوترت بإحدى عشرة تسلّم في كلّ ركعتين، ثم أفرد الوتر بركعة .
قال: ابن المنذر رحمه اللّه تعالى: والذي نُحبّ أن يصلي الرجل ما قُضي له من
الليل ركعتين ركعتين، ثم يوتر بواحدة، وإن أوتر بواحدة ليس قبلها شيء جاز ذلك.
انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى باختصار(٢) وهو حسنٌ جدًا.
وقال الإمام محمد بن نصر رحمه اللّه تعالى في ((كتاب الوتر)): فالأمر عندنا أن الوتر
بواحدة، وبثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، كل ذلك جائز، على ما روينا من الأخبار
عن النبي وَلهر، وأصحابه من بعده، والذي نختار ما وصفنا من قبلُ. قال: فإن صلى
رجل العشاء الآخرة، ثم أراد أن يوتر بعدها بركعة واحدة لا يصلي قبلها شيئًا، فالذي
نختاره له، ونستحبّه أن يقدّم قبلها ركعتين، أو أكثر، ثم يوتر بواحدة، فإن هو لم يفعل،
وأوتر بواحدة جاز ذلك، وقد روينا عن غير واحد من عِلْيَة(٣) أصحاب محمد وَلّل أنهم
فعلوا ذلك، وقد كره ذلك مالك، وغيره، وأصحابُ النبي ◌ّر أولى بالاتباع انتهى كلام
محمد بن نصر رَقْذَتْهُ(٤).
قال الجامع عفا لله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر، ومحمد بن نصر رحمهما
(١)- سيأتي أثر أبي أيوب ◌َّ هذا للمصنف في ١٧١٢/٤٠ و١٧١٣.
(٢)- («الأوسط)) ج٥ ص١٧٧ - ١٨٥.
(٣)- عِلْيَة الناس، وعِلْيُهُم بكسر العين، وسكون اللام: جِلّتهم، وأشرافهم.
(٤)- كتاب الوتر ١٢٧.

٥٥
٣٥- بابٌ كَيفَ الوترُ بواحِدةٍ - حديث رقم ١٦٩٢
اللَّه تعالى بحثٌ نفيس، وتحقيقٌ أنيس .
وحاصله أنه يستحسن أن يوتر بركعة بعد أن يصلي ركعتين، ركعتين، فإن لم يفعل
ذلك، بل أوتر بركعة دون أن يُقدّم عليها شفعًا فلا بأس؛ لصحة أحاديث النبي ◌َّ-،
وآثار الصحابة ** المذكورة بذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٦٩٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْبَى، وَمُحَمَّدٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا، ثُمَّ ذَكَرَ
كَلِمَةٌ، مَعْنَاهَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، قَالَ:
((الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ)).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا طريق آخر لحديث ابن عمر رَّها، وقد أخرجه
مسلم أيضًا .
و(يحيى): هو ابن سعيد القطّان. و((محمد)) هو ابن جعفر، المعروف بغُندر .
وقوله: (ثم ذكر كلمة) الظاهر أن فاعل ((ذكر)) هو محمد بن بشار. وقوله: (معناها)
مبتدأ خبره قوله ((شعبة، عن قتادة الخ)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١ ١٦٩١ - أخبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَفَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ،
عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ؟، قَالَ: مَثْنَى مَثْنَى، وَالْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آَخِرِ اللَّيْلِ)) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا طريق آخر لحديث ابن عمر رَّها، وقد أخرجه
مسلم أيضًا .
و(الحسن بن محمد) هو الزعفرانيّ أبو عليّ البغداديّ، صاحب الشافعيّ. و((عفان)):
هو ابن مسلم الصَّفّار البصريّ. و((همّام)): هو ابن يحيى العَوْذيّ البصريّ. و((عبد الله بن
شقيق)): هو العُقيليّ البصريّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٣٥- بَابٌ كَيْفَ الْوِتْرُ بِوَاحِدَةٍ
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: الظاهر أن المصنف رحمه الله تعالى أراد أن المراد
بقوله في الأحاديث الماضية: ((الوتر ركعة من آخر الليل)) هو أن يصلي صلاة الليل شفعًا

===
٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ اللَّيِل
شفعًا، فإذا أراد أن يختم صلاته ختمها بركعة واحدة، وقد تقدّم أن هذا على سبيل
الاستحباب، لا على الوجوب، على الراجح. والله تعالى أعلم بالصواب .
١٦٩٢ - أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَثَنَا حَجَّاجُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ
وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بَنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ، قَالَ: صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْتَّى، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْصَرِفَ،
فَارْكَعْ بِوَاحِدَةٍ، تُوتِرُ لَكَ مَا قَدْ صَلّيْتَ)).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا أيضًا طريق آخر لحديث ابن عمر تصديها،
والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه فيما مضى .
و(الربيع بن سليمان) هو المراديّ، أبو محمد المصريّ المؤذِّن صاحب
الشافعي[١١]٣١١/١٩٥.
و(حجّاج بن إبراهيم) هو الأزرق، أبو محمد، أو أبو إبراهيم البغداديّ، نزيل
طَرَسُوس، ومصر، ثقة فاضل [١٠].
روى عن ابن وهب، وحُديج بن معاوية، ومبارك بن سعيد الثوريّ، وغيرهم. وعنه
الربيع بن سليمان، وموسى بن سهل الرمليّ، وأحمد بن الحسن الترمذيّ، وغيرهم .
قال أبو حاتم: ثقة. وقال العجليّ: ثقة صاحب سنّة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)).
وقال ابن يونس: قدم مصر، وحدّث بها، وكان رجلاً صالحًا ثقة، وتوفي بمصر. وذكر
أبو يزيد القَرَاطيسيّ أنه خرج عن مصر إلى الثَّغْر، فمات هناك، وكان خروجه سنة
(٢١٣) وذكر الخطيب أنه مات بعد ذلك بزمان طويل. أخرج ه أبو داود، والمصنّف،
وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط .
و(عمرو بن الحارث) هو المصريّ الحافظ الثبت [٧] ٦٣ / ٧٩.
وقوله: (توتر) يحتمل الجزم على أنه جواب الأمر، والرفعَ على الاستئناف، قال
السنديّ: أي تجعل أنت بذلك تمام ما صلّيت وترًا، فإن تلك الواحدة، كما أنها بذاتها
وتر كذلك يصير بها جميع صلاة الليل وترًا انتهى .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا على نسخة ((توتر بذلك ما قد صلّيت))، وأما
على نسخة ((توتر لك ما صليت)) ففاعل ((توتر)) ضمير يعود إلى ((واحدةٍ))، أي تجعل تلك
الركعةُ الواحدة ما قد صليت من صلاة الليل وترًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٦٩٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيِّبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ له: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَالْوِتْرُ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ)) .

٣٥- بابٌ كَيفَ الوترُ بواحدة - حديث رقم ١٦٩٥
=
٥٧
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا طريق آخر لحديث ابن عمر تَوجّهت من رواية القاسم
بن محمد عنه، وهو حديث صحيح، والإسناد من رباعيات المصنّف رحمه الله تعالى،
وهو أعلى الأسانيد له، كما سبق بيانه غير مرّة، وهو (١٠٥) من رباعيات الكتاب.
و(خالد بن زياد) هو الأزديّ، أبو عبد الرحمن الترمذيّ، قاضيها، صاحب السابَريّ،
صدوق [٨].
روى عن مقاتل بن حيّان، وقتادة، ونافع، وغيرهم. وعنه ابنه عبد العزيز، وقتيبة،
وصالح بن عبد اللّه الترمذيّ، وغيرهم .
قال سعيد بن سُويد: حدثنا خالد بن زياد، وكان ثقة. وقال ابن حبّان في ((الثقات)):
يروي عن نافع صحيفةً مستقيمة، وعن قتادة الحرف بعد الحرف، مات وهو ابن مائة
سنة وسنة، وكان على القضاء بترمذ، وكان ابنه بعده. روى له الترمذيّ، والمصنّف،
وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٦٩٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ،
وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارِ، عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ:
((صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْتَى مَثْتَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ، صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةٌ، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ
صَلَّى)) .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا طريق آخر أيضًا لحديث ابن عمر رَوّهتا من رواية نافع،
وعبد الله بن دينار، كلاهما عنه، وهو متفقٌ عليه .
و(ابن القاسم) هو عبد الرحمن بن القاسم العُتَقيّ المصريّ الفقيه الثبت، صاحب
الإمام مالك رحمهما اللَّه تعالى .
وقوله: (وعبد الله بن دينار) بالجرّ عطفًا على ((نافع))، فمالك يروي عنهما جميعًا .
وقوله: (توتر له ما قد صلّى) أي تجعل تلك الواحدةُ له تمام ما صلّ وترًا، فالضمير في
(توتر)) يعود إلى ((واحدة)). واستُدِلّ به على أن الركعة الأخيرة هي الوتر، وأن كلّ ما تقدّمها
شفع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٦٩٥- أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي ابْنَ
الْمُبَارَكِ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ -وَهُوَ ابْنُ سَلََّمَ - عَنْ يَخْتَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو
سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَنَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّرِ، أَنَّهُ سَمِعَهُ، يَقُولُ:
((صَلَاةُ اللَّيْلِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنٍ، فَإِذَا خِفْتُمُ الصُّبْحَ، فَأَوْتِرُوا بِوَاحِدَةٍ)) .

F
٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ اللَّيْلِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا أيضًا طريق آخر لحديث ابن عمر روڤيتا، من رواية
أبي سلمة، ونافع، كلاهما عنه، وهو متفق عليه، وقد تقدّم هذا الإسناد قبل ثلاثة أبواب.
وقوله: (ركعتين ركعتين) هكذا نُسَخُ ((المجتبى)) بالنصب على أنه مفعول لفعل
مقدر، أي أن تصلّوا ركعتين ركعتين، والجملة في تأويل المصدر خبرُ ((صلاةُ الليل))،
يعني أن صفة صلاة الليل أن يُصَلّ المتهجّد ركعتين ركعتين. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل .
١٦٩٦ - أخبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيِّ ◌َِّ، كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ
رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقْهِ الْأَيْمَنِ .
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: حديث عائشة تعنيها هذا متفقٌ عليه، لكن ذكر
الاضطجاع بعد الوتر فيه كلام، فقد اتّفق أصحاب الزهريّ، فرووا هذا الحدیث عنه،
فجعلوا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، لا بعد الوتر، وخالفهم مالك، فجعله بعد الوتر،
وقال الإمام محمد بن يحيى الذهليّ الحافظ وغيره: الصواب رواية الجمهور، وردّ ذلك
الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ بأنه لا يُدفع ما قاله مالك؛ لموضعه من الحفظ والإتقان،
فيحمل على أنه وَ ﴿ كان يضطع مرّة كذا، ومرّة كذا. وقد تقدم تمام البحث في ذلك في
شرح الحديث رقم ٦٨٥/٤١ - مستوفّى، وترجيح ما قاله الحافظ أبو عمر رحمه الله
تعالى، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق .
و(إسحاق بن منصور) هو الكَوْسج المروزيّ الحافظ. و(عبد الرحمن): هو ابن
مهديّ الإمام الحافظ الحجة الثبت .
ومطابقته للباب ظاهرة، حيث بيّن كيفية الوتر بواحدة، وهو أن يتنفّل قبلها بالشفع،
ثم يصليها آخرًا، وهذا كما تقدّم على سبيل الاستحباب. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
٣٦- بَابٌ كَيْفَ الْوِتْرُ بِثَلَاثٍ
١٦٩٧- (أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ،
وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدِ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ

٣٦- بَأَبِّ كَيَْ الوِتْرُ بِثلاثٍ - حديث رقم ١٦٩٧
=
٠ ٥٩
أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ
رَسُولِ اللّهِ وَ لَّفِي رَمَضَانَ؟، قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَ لّهِ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ، وَلَا غَيْرِهِ
عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ، وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي
أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ، وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّ ثَلَاثًا، قَالَتْ: عَائِشَةُ، فَقُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، أَتَتَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟، قَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنِي تَنَامُ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي)) .
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١-(محمد بن سلمة) المراديّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١]٢٠/١٩.
٢- (الحارث بن مسكين) بن محمد المصري القاضي، ثقة فقيه [١٠]٩/٩.
٣- (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصري الفقيه، ثقة، من كبار [١٠]٢٠/١٩.
٤ - (مالك) بن أنس الإمام المدنيّ الحجة المشهور[٧]٧/ ٧.
٥- (سعيد بن أبي سعيد المقبريّ) أبو سَعْد المدنيّ، ثقة [٣]١١٧/٩٥.
٦- (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٣]١/١.
٧- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللَّه تعالى عنها٥/٥ . والله تعالى أعلم .
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم
رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل
بالمدنيين من مالك، ومن قبله مصريون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ،
سعيد، عن أبي سلمة، وهو من رواية الأقران، وفيه أبو سلمة من الفقهاء السبعة على
بعض الأقوال، وفيه عائشة رضي الله تعالى عنها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠)
أحاديث. والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ)
رضي اللّه تعالى عنها (كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ وَ فِي رَمَضَانَ؟، قَالَتْ: مَا كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ لِهِ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ، وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) فيه دلالة على أن
صلاته وَّ كانت متساوية في جميع السنة (يُصَلِّي أَرْبَعًا) أي متصلةً (فَلَا تَسْأَلْ عَنْ
حُسْنِهِنَّ، وَطُولِهِنَّ) قال النوويّ ◌َخْذَّتُهُ: معناه هنّ في نهاية من كمال الحسن، والطول،
مستغنيات بظهور حسنهنّ، وطولهنّ عن السؤال عنه، والوصفٍ(١) .
(١) - ((شرح مسلم)) ج ٦ ص ٢٠.

٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ قِيَّامِ اللَّيْلِ
وفي هذا الحديث دليل لمذهب الشافعي وغيره، ممن قال: تطويلُ القيام أفضل من
تكثير الركوع والسجود، وهو المذهب الراجح في المسألة. وقالت طائفة : تكثير الركوع
والسجود أفضل. وقالت طائفة: تطويل القيام في الليل أفضل، وتكثير الركوع والسجود
في النهار أفضل. وقد تقدّم تفاصيل المسألة بدلائلها في ١١٣٧/١٦٨ -فراجعه تستفد،
وبالله تعالى التوفيق .
(ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا) أي أربع ركعات موصولة أيضًا (فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ، وَطُولِهِنَّ،
ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا) أي بتسلیم واحد، وهذا هو موضع استدلال المصنف رحمه الله تعالى
على الترجمة، حيث بُيّن فيه كيفيةُ الإيتار بثلاث، وهو أن يصليهن بتسليمة واحدة .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اختلفت الرواة على عائشة تعثّها في صلاة النبي
و10َ في الليل، ففي رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن أنها إحدى عشرة ركعةً، كما هو
المذكور في الباب، وفي رواية مسروق، قال: سألتُ عائشة عن صلاة رسول اللّه وَلّ؟
فقالت: سبع، وتسع، وإحدى عشرة، سوى ركعتي الفجر. وفي رواية القاسم عنها:
كان يصلي من الليل ثلاث عشرة، منها الوتر، وركعتا الفجر. وفي رواية له: كانت
صلاته عشر ركعات، ويوتر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة. وفي
رواية الزهريّ، عن عروة عنها: كان يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع
النداء بالصبح ركعتين خفيفيتين .
والجواب عن ذلك -كما قال في ((الفتح)): أن مرادها في رواية مسروق، أن ذلك
وقع منه في أوقات مختلفة، فتارة كان يصلي سبعًا، وتارة تسعًا، وتارة إحدى عشرة .
وأما حديث القاسم عنها، فمحمول على أن ذلك كان غالب أحواله، وأما رواية أبي
سلمة، فهي بمعنى رواية القاسم، إذ كونها إحدى عشرة إنما هو بغير ركعتي الفجر، فلا
مخالفة بين روايتيهما .
وأما حديث عروة، فيحتمل أن تكون أضافت إلى صلاة الليل سنة العشاء، لكونه
کان يصليها في بيته، أو ما كان يفتتح به صلاة الليل، فقد ثبت عند مسلم من طريق سعد
ابن هشام عنها أنه كان يفتتحها بركعتين خفيفتين .
قال الحافظ: وهذا أرجح في نظري، لأن رواية أبي سلمة التي دلّت على الحصر في
إحدى عشرة ركعة، جاء في صفتها عند البخاريّ وغيره ((يصلي أربعًا، ثم أربعًا، ثم
ثلاثًا))، فدل على أنها لم تتعرّض للركعتين الخفيفتين، وتعرضت لهما في رواية
الزهريّ، والزيادة من الحافظ مقبولة، وبهذا يُجمع بين الروايات .
وينبغي أن يُستحضَرَ هنا ما تقدّم في أبواب الوتر من ذكر الركعتين بعد الوتر،