Indexed OCR Text
Pages 261-280
١- بَابُ الْحَثِّ عَلَى الصَّلاَةِ فِي الْبُيُوتِ ... - حديث رقم ١٥٩٨ ٢٦١ = الأخرى عند مسلم أيضًا: ((فإن اللّه جاعل في بيته من صلاته خيرًا))(١). (وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا) أي لا تصيّروها كالقبور التي ليست فيها صلاة. وقال السنديّ: أي كالقبور في الخلوّ عن ذكر الله، والصلاة، أو لا تكونوا كالأموات في الغفلة عن ذكر اللَّه، والصلاة، فتكون البيوت لكم قبورًا، مساكن للأموات انتهى . وقد احتجّ الإمام البخاري رَّْلهُ في ((صحيحه)) بهذا الحديث على كراهية الصلاة في المقابر، فقال: ((باب كراهية الصلاة في المقابر))، فاعترض عليه الإسماعيليّ بأن الحديث دال على كراهة الصلاة في القبر، لا في المقابر. ورُدّ عليه بأنه قد ورد الحديث بلفظ ((المقابر)) كما رواه مسلم من حديث أبي هريرة راث: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر)). وقال ابن التين: تأوله البخاريّ على كراهة الصلاة في المقابر، وتأوله جماعة على أنه إنما فيه الندب إلى الصلاة في البيوت، إذ الموتى لا يصلّون، كأنه قال: لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلّون في بيوتهم، وهي القبور، قال: فأما جواز الصلاة في المقابر، أو المنع منه، فليس في الحديث ما يؤخذ منه ذلك . قال الحافظ: إن أراد أنه لا يؤخذ منه بطريق المنطوق، فمسلّم، وإن أراد نفي ذلك مطلقًا، فلا، فقد قدمنا وجه استنباطه(٢) . وقال في ((النهاية))، تبعًا لـ((المطالع)): إن تأويل البخاريّ مرجوح، والأولى قول من قال: معناه إن الميت لا يصلي في قبره . وقد نقل ابن المنذر عن أكثر أهل العلم أنهم استدلّوا بهذا الحديث على أن المقبرة ليست بموضع الصلاة، وكذا قال البغويّ في ((شرح السنّة))، والخطابيّ، وقال أيضًا: يحتمل أن المراد لا تجعلوا بيوتكم وطنًا للنوم فقط، لا تصلّون فيها، فإن النوم أخو الموت، والميت لا يصلّي . وقال التوربشتيّ: حاصل ما يحتمله أربعة معان، فذكر الثلاثة الماضية، ورابعها: يحتمل أن يكون المراد أنّ مَن لم يصلّ في بيته جعل نفسه كالميت، وبيته كالقبر . قال الحافظ: ويؤيده ما رواه مسلم: ((مثلُ البيت الذي يُذكرُ اللَّهُ فيه، والبيت الذي لا يُذكر اللَّه فيه، كمثل الحيّ والميت)). قال الخطابيّ: وأما مَن تأوّله على النهي عن دفن الموتى في البيوت، فليس بشيء، فقد دُفن رسول اللَّه وَلّر في بيته الذي كان يسكنه أيام حياته. (١)- ((شرح مسلم)) ج ٦ ص ٦٧ -٦٨. (٢)- وهو قوله في شرح الترجمة: استنبط من قوله في الحديث: ((ولا تتخذوها قبوراً)) أن القبور ليست بمحلّ العبادة، فتكون الصلاة فيها مكروهة. ٢٦٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَین قال الحافظ: ما ادعى أنه تأويل هو ظاهر لفظ الحديث، ولا سيّما إن جُعل النهي حكما منفصلاً عن الأمر، وما استدلّ به على ردّه تَعَقّبه الكرمانيّ، فقال: لعلّ ذلك من خصائصه، وقد رُوي أن الأنبياء يُدفنون حيث يموتون . قال الحافظ: هذا الحديث رواه ابن ماجه من حديث ابن عباس، عن أبي بكر ، مرفوعًا: ((ما قُبض نبيّ إلا دُفن حيث يُقبض))، وفي إسناده حسين بن عبد الله الهاشميّ، وهو ضعيف، وله طرق أخرى، مرسلة، ذكرها البيهقيّ في ((الدلائل))، ورَوَى الترمذيّ في ((الشمائل))، والنسائيّ في ((الكبرى)) من طريق سالم بن عُبيد الأشجعيّ الصحابيّ رَّه، عن أبي بكر الصديق رَّه أنه قيل له: «فأين يُدفن رسول اللّه وَلَ؟ قال: في المكان الذي قَبَض الله فيه روحَهُ، فإنه لم يَقبض روحَه إلا في مكان طيّب)). وإسناده صحيح، لكنه موقوف، والذي قبله أصرح في المقصود . وإذا حُمل دفنه في بيته على الاختصاص لم یبعد نهي غيره عن ذلك، بل هو متّجه، لأن استمرار الدفن في البيوت ربما صيّرها مقابر، فتصير الصلاة فيها مكروهة، ولفظ حديث أبي هريرة رَّه عند مسلم أصرح من حديث الباب، وهو قوله: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر))، فإن ظاهره يقتضي النهي عن الدفن في البيوت مطلقًا. والله أعلم انتهى كلام الحافظ رحمه اللَّه تعالى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هو كلام نفيسٌ جدًّا .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متفق عليه . المسألة الثانية: في بیان مواضع ذکر المصنف له: أخرجه هنا-١٥٩٨/١ - وفي ((الكبرى)) - ١٢٩٠/١- بالإسناد المذكور. والله تعالى أعلم . المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) في («كتاب الجمعة))٩٠١ (م) في ((صلاة المسافر))٦٩٩ (د) ٧٧٧ (ت) ١٠٦٦ (ق) ١٢٥٥ (أحمد) ٣٥٩٠ و٤٤٩٧ و٢١١٦٩٠ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٥٩٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّنُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، (١)- فتح ج٣ ص ٩٥ -٩٦ . ١- بَابُ الْحَثِّ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ ... - حديث رقم ١٥٩٩ ٢٦٣ قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ عُقْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ، يُحَدِّثُ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتِ، أَنَّ النَّبِيِّ ◌ََّ، اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَسْجِدِ، مِنْ حَصِيرٍ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ فِيهَا لَيَالِيَ، حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ، ثُمَّ فَقَدُوا صَوْتَهُ لَيْلَةً، فَقِّئُوا أَنَّهُ نَائِمٌ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتْتِحْتَحُ، لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: ((مَا زَالَ بِكُم الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صُنْعِكُمْ، حَتَّى خَشِيتُ، أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ، مَا قُمْتُمْ بِهِ، فَصَلُّوا أَيََّا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ، إِلَّ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ)). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١- (أحمد بن سليمان) الرُّهاويّ، ثقة حافظ [١١] ٤٢/٣٨. ٢- (عفّان بن مسلم) الصفّار البصريّ، ثقة ثبت، من كبار[١٠] ٤٢٧/٢١. ٣- (وُهيب) بن خالد الباهلي مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، تغيّر قليلًا بآخره [٧]٢١/ ٤٢٧ . ٤- (موسى بن عُقبة) بن أبي عيّاش الأسديّ مولى آل الزبير المدني، ثقة فقيه إمام في المغازي [٥]١٢٢/٩٦. ٥- (أبو النضر) سالم بن أبي أميّة، مولى عمر بن عبيدالله التيميّ المدنيّ، ثقة ثبت، يرسل [٥]١٢١/٩٨. ٦- (بُسر بن سعيد) المدني العابد، مولى ابن الحضرميّ، ثقة جليل [٢]١١/ ٥١٧. ٧- (زيد بن ثابت) بن الضحاك الأنصاريّ النجاري، الصحابي الشهير رضي اللّه تعالى عنه١٢٢ /١٧٩٠ والله تعالى أعلم . لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من موسى بن عقبة، وشيخه رُهاويّ، والباقيان بصريان. (ومنها): أن فيه ثلاثة من ثقات التابعين المدنيين يروي بعضهم عن بعض: موسى، عن أبي النضر، عن بُسْر. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ذِكرُ سالم أبي النضر بين موسى بن عقبة، وبسر في هذا الإسناد هو رواية الأكثرين، عن موسى، وخالفهم ابن جريج، عن موسى، فلم يذكر أبا النضر في الإسناد، أخرجه المصنّف في ((الكبرى)) ٢/ ١٢٩١-، قال الحافظ: ورواية الجماعة أولى، وقد وافقهم مالك في الإسناد، لكن لم يرفعه في ((انموطإ)»، وقد أخرجه من طريقه المصنف في ((الكبرى)) أيضًا ١٢٩٢/٢ - ورُوي عنه خارج ((الموطإ)) مرفوعًا. والله تعالى أعلم . ٢٦٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ شرح الحديث (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتِ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّ النَّبِيِّ وَِّ، اَتَّخَذَ حُجْرَةً) بالراء قال الحافظ رحمه الله تعالی: کذا للأکثر بالراء، ولأبي ذر عن الکشمیھنيّ بالزاي، أي شيئًا حاجزًا، يعني مانعًا بينه وبين الناس . قال في ((المصباح)): ((الحُجْرة)) أي بضمّ، فسكون -: البيت، والجمع حُجَر، وحُجُرَات، مثلُ غُرَف، وغُرُفات في وجوهها انتهى . (فِي الْمَسْجِدِ) أي النبويّ، متعلق بـ((اتخذ))، أو بصِفَة لـ((حجرة))، وكذا قوله (مِنْ حَصِيرٍ) أو هو متعلق بحال محذوف من ((حجرة)) . والمعنى أنه ور حوّط في رمضان موضعا من المسجد بحصير، ليستره، فجعل الحصير كالْحُجْرة، ليصلي فيه التطوّع، ولا يمرّ بين يديه مارّ، ويتوفّر خشوعه، ويتفرّغ قلبه . وفيه جواز مثل هذا في المسجد، إذا لم يكن فيه تضييق على المصلين، ونحوهم، ولم يتّخذه دائمًا، لأن النبي ◌َّ كان يحتجره بالليل، يصلي فيه، ويبسطه بالنهار، فيجلس عليه، كما في رواية عائشة رضيّها، عند الشيخين، وغيرهما (فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَيُّ فِيهَا) أي في تلك الحُجْرة. واسْتُشْكِلَ صلاته وَلّر في المسجد، لأنه يلزم منه أن يكون تاركًا للأفضل الذي أَمَر الناس به، حيث قال: ((صلّوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)). وأجيب عنه بأوجه: منها: أن هذه الصلاة مما استُثنِيَ، لأن الأفضل عند الجمهور في صلاة التراويح المسجد . ومنها: أنه وَّله كان معتكفًا، إذ ذاك، والمعتكف لا يصلي إلا في المسجد . ومنها: أنه إذا احتجر صار كأنه بيت بخصوصه . ومنها: أن السبب في كون صلاة التطوّع في البيت أفضل عدم شَوْبه بالرياء غالبًا، والنبي وَّر منزه عن الرياء في بيته، وفي غير بيته(١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ويظهر لي وجه آخر، وهو أنّ ذلك لبيان الجواز، والنبي ◌َّه إذا فعل شيئًا للتشريع يكون أفضل في حقه، وإن كان في حقّ غيره أدون. والله أعلم. (١)- انظر ((المرعاة)) ج ٤ ص٣١٢ . ١- بَابُ الْحَثُّ عَلَى الصَّلاَةِ فِي الْبُيُوتِ ... - حديث رقم ١٥٩٩ ٢٦٥ = (لَيَالِيَ) أي من رمضان، كما بيّن في حديث عائشة رضي اللَّه تعالى عنها (حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ) أي ليصلُّوا بصلاته، ففي حديث عائشة رَبّها عند البخاريّ(١): ((أن رسول اللَّه ◌َ لّ صلّى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة، أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله وَلجر ... )) الحديث، وفي رواية ((فلما أصبح تحدثوا أن النبي وَ له صلى في المسجد من جوف الليل، فاجتمع أكثر منهم))، وفي رواية ((فخرج النبي ◌َّر في الليلة الثانية، فصلّوا معه، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج، فصلّوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله)) (ثُمَّ فَقَدُوا صَوْتَهُ لَيْلَةً) أي لكراهته اجتماعهم لصلاة الليل، لما سيذكره من العلة (فَظّنُّوا أَنَّهُ نَائِمٌ) حيث لم يخرج كعادته (فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَتَحْنَحُ، لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ) وفي رواية البخاري في ((كتاب الأدب)): (ثم جاءوا ليلة، فحضروا، وأبطأ رسول اللَّه وَ ر عنهم، فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم، وحَصَبُوا الباب)) . وقوله: ((حصبوا الباب)) يدلّ بظاهره على أنه دخل بيتًا من بيوت أزواجه بعد ما صلى بهم الفريضة، فلم يخرج منه إلى الحجرة التي كان احتجرها في المسجد بالحصير، فحصبوا باب بيته، ليخرج منه إلى حجرة الحصير، فيصلّوا بصلاته من ورائها . وفي حديث عائشة عند أحمد ((حتى سمعتُ ناسا منهم يقولون: الصلاة)) (فَقَالَ) منكرًا عليهم (مَا زَالَ بِكُم الَّذِي رَأَيْت) ((بكم)) خبر ((زال)) قدّم على الاسم، وهو الموصول وقوله (مِنْ صُّنْعِكُمْ) بيان للموصول، وللبخاريّ (صَنيعكم)). يعني اجتماعهم، وتنحنحهم، ونحو ذلك، وفي حديث عائشة عند البخاري: ((فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم))، وفي رواية ((فلما قضى صلاة الفجر أقبل على الناس، فتشهّد، ثم قال: أما بعد، فإنه لم يَخْفَ عليّ مكانكم)) (حَتَّى خَشِيتُ، أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ) أي يُفرض عليكم قيام الليل، وهذا ظاهر في أن عدم خروجه إليهم كان لهذه الخشية، لا لكون المسجد امتلأ، وضاق عن المصلين، قاله في ((الفتح)) (وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ، مَا قُمْتُمْ بِهِ) أي لتركتموه مع القدرة عليه، وفي رواية للبخاري: ((ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل، فتعجزوا عنها))، أي تشق عليكم، فتتركونها مع القدرة عليها، وليس المراد العجز الكلّيّ، لأنه يُسقطُ التكليفَ من أصله . قال في (الفتح)): ثم إنّ ظاهر هذا الحديث أنه يَّل و توقّع ترتّب افتراض الصلاة بالليل (١)- ويأتي للمصنف في ٤/ ١٦٠٤. = ٢٦٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَیْنِ جماعةً على وجود المواظبة عليها، وفي ذلك إشكال، وقد بناه بعض المالكية على قاعدتهم في أن الشروع مُلزِم، وفيه نظر . وأجاب المحبّ الطبريّ بأنه يحتمل أن يكون اللَّه عزّ وجلّ أو حى إليه أنك إن واظبت على هذه الصلاة معهم افترضتُها عليهم، فأَحَبَّ التخفيف عنهم، فترك المواظبة، قال: ويحتمل أن يكون ذلك وقع في نفسه، كما اتفق في بعض القُرَب التي داوم عليها، فافْتُرضت. وقيل: خشي أن يَظنّ أحد من الأمة من مداومته عليها الوجوبَ، وإلى هذا الأخير نحا القرطبيّ، فقال: قوله: ((فتفرض عليكم))، أي تظنّونه فرضًا، فيجب على من ظنّ ذلك، كما إذا ظنّ المجتهد حِلّ شيءٍ، أو تحريمه، فإنه يجب عليه العمل به، قال: وقيل: كان حكم النبي وَالر أنه إذا واظب على شيء من أعمال البرّ، واقتدى الناسُ به فيه أنه يُفرض عليهم انتهى. ولا يخفى بُعْدُ هذا الأخير، فقد واظب النبي ◌َّر على رواتب الفرائض، وتابعه أصحابه، ولم تُفرض . وقال ابن بطال: يحتمل أن يكون هذا القول صدر منه وَ ل# لَمّا كان قيام الليل فرضًا عليه، دون أمته، فخشي إن خرج إليهم، والتزموا معه قيام الليل أن يسوّي اللَّه بينه وبينهم في حكمه، لأن الأصل في الشرع المساواة بين النبي ◌َِّ، وبين أمته في العبادة، قال: ويحتمل أن يكون خشي من مواظبتهم عليها أن يضعفوا عنها، فيعصي من تركها بترك اتباعه الخير . وقد استشكل الخطّابي أصل هذه الخشية، مع ما ثبت في حديث الإسراء من أن الله تعالى قال: ((هنّ خمس، وهنّ خمسون، لا يُبدّل القول لديّ)»، فإذا أُمن التبديل، فكيف يقع الخوف من الزيادة؟ وهذا يدفع في صدور الأجوبة التي تقدّمت، وقد أجاب عنه الخطّابيّ بأن صلاة الليل كانت واجبة عليه وَله، وأفعاله الشرعيّة يجب على الأمة الاقتداء به فيها -يعني عند المواظبة- فترك الخروج إليهم لئلا يدخل ذلك في الواجب من طريق الأمر بالاقتداء به، لا من طريق إنشاء فرض جديد زائد على الخمس، وهذا كما يوجب المرء على نفسه صلاة نذر، فتجب عليه، ولا يلزم من ذلك زيادة فرض في أصل الشرع، قال: وفيه احتمال آخر، وهو أن اللَّه فرض الصلاة خمسين، ثمّ حطّ معظمها بشفاعة نبيه وَلخير، فإذا عادت الأمة فيما استوهبه لها، والتزمت ما استعفى لهم نبيهم وَّليل منه لم يُستنكر أن يثبت ذلك فرضًا عليهم، كما التزم ناس الرهبانية من قِبَل أنفسهم، ثم عاتب اللَّه عليهم التقصير فيها، فقال: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ الآية [الحديد: ٢٧]، فخشي ◌َّر أن يكون سبيلُهم سبيلَ أولئك، فقطع العمل، شفقةً عليهم من ذلك، وقد تلقّى هذين ١- بَابُ الْحَثِّ عَلَى الصَّلاَةِ فِي الْبُيُوتِ ... - حديث رقم ١٥٩٩ ٢٦٧ == الجوابين من الخطّابي جماعةٌ من الشرّاح، كابن الجوزيّ، وهو مبنيّ على أن قيام الليل كان واجبا عليه وسل﴿ وعلى وجوب الاقتداء بأفعاله، وفي كلّ من الأمرين نزاع. وأجاب الكرمانيّ بأن حديث الإسراء يدلّ على أن المراد بقوله تعالى: ((ما يبدل القول لديّ)) الأمنُ من نقص شيء من الخمس، ولم يتعرّض للزيادة انتهى . لكن في ذكر التضعيف بقوله: ((هنّ خمس، وهنّ خمسون)) إشارة إلى عدم الزيادة أيضًا، لأن التضعيف لا ينقص عن العشر . ودفع بعضهم في أصل السؤال بأن الزمان كان قابلًا للنسخ، فلا مانع من خشية الافتراض. وفيه نظر، لأن قوله: ((لا يبدل القول لديّ)) خبر، والنسخ لا يدخله على الراجح، وليس هو كقوله مثلًا لهم: صوموا الدهر أبدًا، فإنه يجوز فيه النسخ . قال الحافظ: وقد فتح الباري بثلاثة أجوبة أخرى: (أحدها): يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام، بمعنى جعل التهجّد في المسجد جماعةً شرطًا في صحة التنفّل بالليل، ويومىء إليه قوله في حديث زيد بن ثابت -يعني حديث الباب -: ((حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلّوا أيها الناس في بيوتكم))، فمنعهم من الجمع في المسجد، إشفاقًا عليهم من اشتراطه، وأَمِنَ مع إذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم. (ثانيها): يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية، لا على الأعيان، فلا يكون ذلك زائدًا على الخمس، بل هو نظير ما ذهب إليه قوم في العيد ونحوها. (ثالثها): يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصّة، فقد وقع في حديث عائشة أن ذلك كان في رمضان، وفي رواية سفيان ابن حسين: ((خشيت أن يفرض عليكم قيام هذا الشهر))، فعلى هذا يرتفع الإشكال، لأن قيام رمضان لا يتكرّر كلّ يوم في السنة(١)، فلا يكون ذلك قدرًا زائدًا على الخمس. قال: وأقوى هذه الأجوبة الثلاثة في نظري الأول، والله سبحانه، وتعالى أعلم انتهى كلام الحافظ رحمه اللّه تعالى . وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم. (فَصَلُوا أَنَّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ) أي صلّوا النوافل التي لا تستحبّ فيها الجماعة، والتي لا تختصّ بالمسجد، كركعتي تحيّة المسجد، والأمرُ للاستحباب (فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَزْءٍ فِي بَيْتِهِ) هذا عام في جميع النوافل والسنن، إلا النوافل التي هي من شعار الإسلام، كالعيد، والكسوف، والاستسقاء، وكذا ما يختصّ بالمسجد، كركعتي تحية المسجد . قال السنديّ تَكّْلهُ: قد ورد هذا الحديث في صلاة رمضان في مسجده وَّرَ، فإذا (١)- هكذا نسخة ((الفتح))، ولعل الصواب ((بل في السنة)) بزيادة (بل)). ٢٦٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِیدَیْنِ كان صلاة رمضان في البيت خيرًا منها في مسجده ◌َّرَ، فكيف غيرها في مسجد آخر، نعم كثير من العلماء يرون أن صلاة رمضان في المسجد أفضل، وهذا يخالف هذا الحديث، لأن مورده صلاة رمضان، إلا أن يقال: صار أفضل، حين صار أداؤها في المسجد من شعار الإسلام، والله تعالى أعلم انتهى(١). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: في كلامه الأخير نظر لا يخفى، ومتى صارأداؤها في المسجد شعار الإسلام؟ وقد قال عمر تظلّه بعد ما جمع الناس على إمام واحد: ((نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون)). يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله. رواه البخاري . والحاصل أن صلاة رمضان في البيت أفضل في كلّ زمن، على ظاهر حديث الباب. والله تعالى أعلم (إِلَّ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ) أي المفروضة، وتقدّم أنه إنما حثهم على التنفّل في البيت، لكونه أخفى، وأبعد عن الرياء، ولتحصل البركة للبيت به، وتنزل الرحمة فيه، وينفر الشيطان .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا-١٥٩٨/١- وفي («الكبرى» ١٢٩٢/٢- بالإسناد المذكور، وفي ((الكبرى)) ١٢٩١/٢- عن عبد الله بن محمد بن تميم المصّيصيّ، عن حجاج الأعور، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن بُسر سعيد، عنه، ولم يذكر أبا النضر. والله تعالى أعلم . المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) ١٨٢/١و٣٤/٨و١١٧/٩ (م) ١٨٨/٢ (د) ١٤٤٧ و١٠٤٤ (ت) ٤٥٠ (أحمد)٥/ ١٨٢ و١٨٣/٥ و١٨٤/٥ و١٨٦/٥و١٨٧/٥ (عبد بن حميد) ٢٥٠ (الدارمي) ١٣٧٣ (ابن خزيمة) ١٢٠٣ و١٢٠٤٠ والله تعالى أعلم . المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو الحثّ على الصلاة في البيوت، وبيان فضل ذلك، ووجهه أنه ◌َ﴿ فَضَّلَّ الصلاة في البيت على الصلاة في مسجده، مع (١)- ((شرح السندي)) ج٣ص١٩٨ . ٢٦٩ == ١- بَابُ الْحَثِّ عَلَى الصَّلاَةِ فِي الْبُيُوتِ ... - حديث رقم ١٦٠٠ أن الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. ومنها: مشروعيّة قيام الليل، ولا سيما في رمضان جماعة، لأن الخشية المذكورة أُمنت بعد النبي ◌ٍَّ، ولذا جمعهم عمر بن الخطاب على أبي بن كعب ◌َّهَا، قاله في ((الفتح)). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا لا ينافي أفضلية الصلاة في البيت. والله تعالى أعلم . ومنها: أن الكبير إذا فعل شيئًا، خلافَ ما اعتاده منه أتباعه يذكر لهم عذره، وحكمه، والحكمة فيه. ومنها: ما كان عليه النبي ◌ّ من الزهادة في الدنيا، والاكتفاء بما قلّ منها، والشفقة على أمته، والرأفة بهم. ومنها: ترك بعض المصالح لخوف المفسدة، وتقديم أهمّ المصلحتين. ومنها: جواز الاقتداء بمن لم ينو الإمامة. ومنها: ترك الأذان والإقامة للنوافل إذا صُلّيتْ جماعةً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل . ١٦٠٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا(١) إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْفِطْرِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَقَ بْنِ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِهِ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، فِي مَسْجِدٍ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فَلَمَّا صَلَى، قَامَ نَاسٌ يَتَتَفَّلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (محمد بن بشار) بُندار البصري الحافظ الثبت [١٠]٢٧/٢٤. ٢- (إبراهيم بن أبي الوزير) عُمر بن مطرّف، الهاشميّ مولاهم، أبو عمرو، أو أبو إسحاق المكيّ، نزيل البصرة، صدوق [٩]. روى عن مالك، وفُليح، ومحمد بن موسى الفِطْريّ، وغيرهم. وعنه بندار، ومحمد بن المثنى، وابن المدينيّ، وغيرهم . قال أبو حاتم: لا بأس به. ووثقه بُندار. وقال الدارقطني: ثقة، ليس في حديثه ما يخالف الثقات، وقال ابن حبّان في ((الثقات)): هو خال عبد الرحمن بن مهديّ. قال البخاريّ: مات بعد أبي عاصم، ومات أبو عاصم سنة (٢١٢) وقال ابن قانع: مات سنة (٢١٢). روى له الجماعة، إلا مسلمًا، روى له البخاري مقرونًا، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١٦٠٠) و(٤٠٣٨) و(٥٢١٩). ٣- (محمد بن موسى) بن أبي عبد اللَّه، الفِطْريّ -بكسر الفاء، وسكون الطاء- مولاهم، أبو عبد الله المدني، صدوق رُمي بالتشيع [٧]. (١)- وفي نسخة ((حدثنا)). ٢٧٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ روى عن المقبريّ، ويعقوب بن سلمة الليثيّ، وسعد بن إسحاق، وغيرهم. وعنه ابن مهديّ، وإبراهيم بن أبي الوزير، ومَعْن بن عيسى، وغيرهم . قال أبو حاتم: صالح الحديث، كان يتشيّع، وقال الترمذي: ثقة. وقال أبو جعفر الطحاوي. محمود في روايته، ذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن شاهين في (الثقات)): قال أحمد بن صالح: محمد بن موسى الفطريّ شيخ ثقة، من الفطريين، حسن الحديث، قليل الحديث. روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث برقم (١٦٠٠) و(١٩٣٨) و(٣٣٤٠) و(٥٣٧١). ٤- (سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرة) البَلَويّ المدني، حليف بني سالم من الأنصار، ثقة [٥]. روی عن أبيه، وعمته زینب، وعمه عبد الملك، وأنس، ومحمد بن کعب، وغيرهم. وعنه الزهريّ، أكبر منه، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ومحمد بن موسى الفِطْريّ، وغيرهم . قال ابن معين، والنسائيّ، والدارقطنيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. ووثّقه صالح جَزَرَة، وابن المدينيّ، وابن نمير، والعجليّ. وقال ابن عبد البرّ: ثقة، لا يُختَلف فيه. وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: مات قبل خروج محمد بن عبد الله بن الحسن. وأَرّخه ابن سعد بعد سنة (١٤٠) وقال: كان ثقة، وله أحاديث. روى له الأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١٦٠٠) و(٣٥٢٨) وكرّره أربع مرّات و(٤٤٢٨). ٥- (أبوه) إسحاق بن كعب بن عُجرة البَلَويّ، حليف الأنصار، مجهول الحال [٣]. روى عن أبيه، وأبي قتادة. وعنه ابنه سعد، ذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن القطان: مجهول الحال، ما روى عنه غير ابنه سعد. وذكر الدمياطيّ أنه قُتل في الحرّة (٦٣). روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط . ٦- (جدّه) كعب بن عُجْرة الأنصاريّ المدني، أبو محمد الصحابي الشهير رضي الله تعالى عنه ١٠٤٠/٨٦ والله تعالى أعلم . لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير سعد بن إسحاق، فمن رجال الأربعة، وغير أبيه، فمن رجالهم إلا ابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن جدّه، وتابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم . ٢٧١ ١- بَابُ الْحَثِّ عَلَى الصَّلاَةِ فِي الْبُيُوتِ ... - حديث رقم ١٦٠٠ شرح الحديث (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَقَ بْنِ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) إسحاق (عَنْ جَدِّهِ) كعب رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، فِي مَسْجِدٍ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ) بطن من الأنصار (فَلَمَّا صَلَّى) أي انتهى من صلاة المغرب. ولفظ أبي داود: ((فلما قضوا صلاتهم رآهم يسبّحون بعدها ... (قَامَ نَاسٌ يَتَتَفِّلُونَ، فَقَالَ النَِّيُّ وَلَّ: ((عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ))) أي الزموا هذه الصلاة في بيوتكم، لا في المسجد. ولفظ أبي داود: ((هذه صلاة البيوت)). وهو خبر بمعنى الأمر، وفي رواية أحمد: ((اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم)) للسبحة بعد المغرب)). قال السندي وَقَّلهُ: قوله: ((بهذه الصلاة)) أي الصلاة بعد المغرب، أو النافلة مطلقًا، والأول أقرب، ويلزم منه أن يكون للصلاة التي بعد المغرب زيادة اختصاص بالبيت فوق اختصاص مطلق النافلة به، انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث كعب بن عُجْرة ◌َّ هذا صحيح . [فإن قلت]: کیف یصح، وفي إسناده إسحاق بن كعب، وهو مجهول الحال، كما تقدم؟ [قلت]: یشهد له حدیث محمود بن لبید، عند الإمام أحمد رآآته، في «مسنده» ج٥ ص٤٢٧ قال: حدثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاريّ، عن محمود بن لبيد، أحد بني عبد الأشهل، قال: أتانا رسول اللَّه وَلِّ، فصلى بنا المغرب في مسجدنا، فلما سلّم منها قال: ((اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم ((للسبحة بعد المغرب)). وقال أيضًا: جدثنا ابن أبي عديّ، عن محمد بن إسحاق، حدثني عاصم عمر ... فذكره. ورجاله رجال الصحيح، فيشهد لحديث كعب المذكور . والحاصل أن حديث كعب ◌َّ هذا صحيح. والله تعالى أعلم . المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا-١/ ١٦٠٠ بالإسناد المذكور. والله تعالى أعلم. (١)- ((شرح السندي)) ج٣ص١٩٩ . ٢٧٢ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَیْنِ المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) ١٣٠٠ (ت) ٦٠٤ (ابن خزيمة). ١٢٠١ والله تعالى أعلم . المسألة الرابعة: دلّ حديث كعب رضي اللّه تعالى عنه هذا على الأمر بأداء سنة المغرب في البيوت . وقد أخذ بظاهر الأمر ابن أبي ليلى، فقال بعدم صحة سنة المغرب في المسجد، واستحسنه أحمد. فقد ذكر عبد الله بن أحمد بعد ذكر حديث محمود بن لبيد المتقدّم: ما نصه: قلت لأبي: إن رجلاً قال: من صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد لم ◌ُجزه، إلا أن يصليهما في بيته؛ لأن النبي وَ ل﴿ قال: ((هذه من صلوات البيوت)). قال: من قال هذا؟ قلت: محمد بن عبد الرحمن، قال: ما أحسن ما قال! أو ما أحسن ما انتزع !. انتهى(١). لكن الجمهور حملوا الأمر على الندب الأحاديث الصحيحة الدالة على جواز النافلة في المسجد: فمنها: الحديث الماضي أنه وَلهو اتخذ حجرة في المسجد، فصلى فيها، وصلى بصلاته قوم، فلو كانت النافلة لا تصحّ لبيّن لهم ذلك، وإنما أرشدهم إلى ما هو الأفضل، وهو التنفل في البيوت . ومنها: ما رواه مسلم في ((صحيحه)) من حديث أبي هريرة ◌َه، مرفوعًا: ((إذا صلّيتم الجمعة، فصلّوا أربعًا))، زاد في رواية: ((فإن عجل بك شيء، فصلّ ركعتين في المسجد، وركعتين إذا رجعت)). ومنها: حديث أنس رَّ، قال: كنا بالمدينة، فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب، ابتدروا السواري، فركعوا ركعتين، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد، فيحسب أن الصلاة قد صُلّيت، من كثرة من يصليهما)). رواه مسلم، ورواه البخاري أيضًا بنحوه، ورواه أحمد، والنسائي، والبيهقيّ . ومنها: حديث حذيفة رضي اللّه تعالى عنه، قال: أتيت النبي وَ لّره، فصليت معه المغرب، فصلى إلى العشاء. رواه النسائي بإسناد جيّد. وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة الدالّة على مشروعية التطوع في المسجد، لكن الأفضل التطوع في البيوت؛ لحديث زيد بن ثابت وَقّ المتقدم: ((فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)). هذا كله في حقّ غير المعتكف، أما هو فيتنفّل في المسجد بلا كراهة، اتفاقًا(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . (١)- («المسند» ج٥ ص٤٢٨ . (٢)- راجع ((المنهل)) ج٧ص٢١٧. ٢٧٣ == ٢- بابُ قِيام الليل - حديث رقم ١٦٠١ ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب». ٢- بَابُ قِيَامِ اللَّيْل ١٦٠١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ سَعِيد، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةً، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّهُ لَقِيَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْوِتْرِ؟، فَقَالَ: أَلَا أُنْبِّئُكَ بِأَعْلَمْ أَهْلِ الْأَرْضِ بِوِتْرِ رَسُولِ اللّهِ وَِّ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: عَائِشَةُ، اثْتِهَا، فَسَلْهَا، ثُمَّ ارْجِعْ إِلَيَّ، فَأَخَبِرْنِي بِرَدِّهَا عَلَيْكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى حَكِيمِ بْنِ أَقْلَحَ، فَاسْتَلْحَقْتُهُ إِلَيْهَا، فَقَالَ: مَا أَنَا بِقَارِبِهَا، إِنِّي نَهَيْتُهَا، أَنْ تَقُولَ فِي هَاتَيْنِ الشِّيعَتَيْنِ شَيْئًا، فَأَبَتْ فِيهَا، إِلَّ مُضِيًّا، فَأَقْسَمْتُ عَلَيْهِ، فَجَاءَ مَعِي، فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ لِحَكِيمَ: مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ قُلْتُ: سَعْدُ بْنُ هِشَامِ، قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قُلْتُ: ابْنُ عَامِرٍ، فَتَرَجَّمَتَْ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ: نِعْمَ الْمَرْءُ، كَانَ عَامِرَاً، قَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِنِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، قَالَتْ: أَيْسَ تَقْرَأُ الْقُرْآن؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللّهِ وَّهِ الْقُرْآنُ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ، فَبَدَا لِي قِيَّامُ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِنِي عَنْ قِيَامِ نَبِيِّ اللَّهِ بَلِّ، قَالَتْ: أَلَيْسَ تَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ، يَا أَّهَا الْمُؤَّمِّل، قُلْتُ: بَلَىِ، قَالَتْ: فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ، فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللّهِ بِهِ، وَأَصْحَابُهُ، حَوْلًا، حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ، وَأَمْسَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَاتِمَتَهَا، اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، النَّخْفِيفَ فِي آخِرٍ هَذِهِ السُّورَةِ، فَصَارَ قِيَّامُ اللَّيْلِ تَطَوَّعًا، بَعْدَ أَنْ كَانَ فَرِيضَةً، فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ، فَبَدَا لِي وِتْرُ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينِ، أَنْبِئِينِي عَنْ وَثْرِ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ، قَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ، وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، لِمَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَّهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ، وَيَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، لَا يَجْلِسُ فِيهِنَّ، إِلَّا عِنْدَ الثَّامِنَةِ، يَجْلِسُ،َ فَيَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَدْعُوَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا، يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنٍ، وَهُوَ جَالِسٌ، بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةٌ، يَا بُنَيَّ، فَلَمَّا أَسَنَّ رَسُولُ اللّهِ ◌ِِّ، وَأَخَذَ اللَّحْمَ، أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، وَهُوَ جَالِسٌ، بَعْدَ مَا سَلَّمِ، فَتِلْكَ تِسْعُ رَكَّعَاتٍ، يَا بُنَيَّ، وَكَانَ رَسُوَّلُ اللّهَِّ، إِذَا صَلَى صَلَاةً، أَحَبَّ أَنْ يَدُوَمَ عَلَيْهَا، وَكَانَ إِذَا شَغَلَهُ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ نَوْمٌ، أَوْ مَرَضٌ، أَوْ وَجَعْ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ اثْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَلَّا أَعْلَمُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وَّهِ قَرَأْ الْقُرْآنَ كُلّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا قَامَ لَيْلَةٌ كَامِلَةٌ، حَتَّى الصَّبَاحَ، وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا، غَيْرَ ٢٧٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَیْنِ رَمَضَانَ، فَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاس، فَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِهَا، فَقَالَ: صَدَقَتْ، أَمَا إِنِّي لَوْ كُنْتُ أَدْخُلُ عَلَيْهَا، لَأَتَيْتُهَا، حَتَّى تُشَافِهَنِي مُشَافَهَةً. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كَذَا وَقَعَ فِي كِتَابِي، وَلَا أَدْرِي مِمَّنِ الْخَطَأْ، فِي مَوْضِعٍ وِثْرِهِ ◌ِ السَّلِّمُ). رجال هذا الإسناد : سبعة: ١- (محمد بن بشّار) بُندار البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٧/٢٤. ٢- (يحيى بن سعيد) القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩]٤/٤. ٣- (سعيد) بن أبي عروبة: مِهْرَان البصريّ، ثقة ثبت، يدلّس، واختلط بآخره [٦]٣٨/٣٤. ٤- (قتادة) بن دعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت مدلس [٤]٣٤/٣٠. ٥- (زُرَارة) بن أوفَى العامريّ الْحَرَشيّ، أبو حاجب البصريّ، قاضيها، ثقة عابد [٣]٩١٧/٢٧. ٦- (سعد بن هشام) بن عامر الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [٣]٦٧ /١٣١٥. ٧- (عائشة) أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها ٥٠/٥ والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين إلى زرارة، والباقيان مدنيّان. (ومنها): أن فيه ثلاثة من ثقات التابعين، يروي بعضهم عن بعض: قتادة، عن زرارة، عن سعد. والله تعالى أعلم . شرح الحديث (عَنْ سَعْدٍ) بسكون العين المهملة (بْنِ هِشَام) الأنصاري المدني ابن عمّ أنس رَّه ، من أوساط التابعين، استُشهد بأرض الهند غازيًّا ببلدة تسمّى مُكران - بمضم الميم- (أَنَّهُ لَقِيَ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما (فَسَأَلَهُ عَنِ الْوَثْرِ؟) وفي الحديث قصّة ساقها مسلم في ((صحيحه)) من طريق محمد بن أبي عديّ، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، أن سعد ابن هشام بن عامر، أراد أن يغزو في سبيل اللَّه، فقدم المدينة، فأراد أن يبيع عَقَّارًا له بها، فيجعله في السلاح، والكُرَاع، ويجاهد الروم حتى يموت، فلما قدم المدينة لقي أناسًا، من أهل المدينة، فتَهَوه عن ذلك، وأخبروه أن رهطًا ستّةً، أرادوا ذلك في حياة نبيّ اللَّهِ وَّه، فنهاهم نبي اللَّهُ وَّه، وقال: ((أليس لكم فيّ أسوةً؟))، فلمّا حدّثوه بذلك، ٢٧٥= ٢- بَأَبُ قِيَامِ اللَّيَّل - حديث رقم ١٦٠١ راجع امرأته، وقد كان طلّقها، وأشهد على رجعتها، فأتى ابن عباس، فسأله عن وتر رسول اللَّه وَ ل؟ فقال ابن عبّاس: ألا أدلك على أعلم أهل الأرض ... )) الحديث. (فَقَالَ) ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما (أَلَا أَنَبِّئُكَّ) من الإنباء، أو من التنبيء، ولفظ مسلم: ((ألا أدلك)) (بِأَعْلَم أَهْلِ الْأَرْضِ بِوِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ وَلّهِ) فيه أنه يستحبّ للعالم إذا سئل عن شيء، ويعرف أن غيره أعلم به منه أن يرشد السائل إليه، فإن الدين النصحية، ويتضمّن مع ذلك الإنصاف، والاعتراف بالفضل لأهله، والتواضع . (قَالَ) سعد (نَعَمْ) أي أنبئيني به، ولفظ مسلم: ((مَن؟))، أي من هو الأعلم بذلك؟ (قَالَ) ابن عباس (عَائِشَةُ) خبر لمحذوف، أي هي عائشة رضي اللّه تعالى عنها، وإنما كانت عائشة أعلم بذلك لأن الوتر صلاة ليليّة، تؤذى في البيت، وأمهات المؤمنين أعلم بذلك، وأَولاهنّ به عائشة، لشدة حرصها على حفظ آثار النبي وَله، وكان يخصّها بما لم يخصّ به غيرها، من نسائه، فقد كان يحبّ الْمُقام عندها كثيرًا، وقد تنازلت لها سودة بنت زَمْعة عن نَوْبتها رَهَا (اثْتِهَا) بهمزتين، الأولى همزة وصل، والثانية فاء الكلمة، وفي نسخة ((ايتها)) بإبدال الهمزة الثانية ياء، لوقوعها ساكنة بعد كسرة همزة الوصل، ولم تُبدل في النسخة الأولى على تقدير إسقاط همزة الوصل، لوصل الكلمة السابقة بها (فَسَلْهَا) وفي نسخة ((فاسألها)» (ثُمَّ ارْجِعْ إِلَيَّ، فَأَخْبِزْنِي) وفي نسخة ((وأخبرني)) (بِرَدْهَا عَلَيْكَ) أي بجوابها على سؤالك، وفيه شدّة حرص ابن عبّاس تَّتا على تعلم سنة النبي وَّته، وإنما لم يتعلّم بنفسه منها، لكونه لا يدخل عليها، كما سيذكره آخر الحديث (فَأَتَيْتُ عَلَى حَكِيم ابْنِ أَفْلَحَ) حجازيّ، روى عن أبي مسعود، وعائشة، وروى عنه جعفر بن عبد الله، والد عبد الحميد، لم يرو عنه غيره، كما قاله الذهبيّ، له في ((ابن ماجه)) حديث واحد في ما للمسلم على المسلم، وذكره ابن حبّان في ((الثقات)) (فَاسْتَلْحَقْتُهُ) وفي نسخة ((واستلحقته)) (إِلَيْهَا) أي طلبت منه أن يلحق بي، ويصاحبني في ذهابي إلى عائشة وحديثها، وإنما طلب ذلك منه لمعرفتها إياه، دون سعد ابن هشام، كما يدلّ عليه ما يأتي (فَقَالَ: مَا أَنَا بِقَارِبِهَا) اسم فاعل من قَرَب يقرُب، كقتل يقتُلُ، وفيه لغة أخرى، كتعب، يقال: قَرَبْتُ الأمرَ، أَقْرُبُهُ، من باب قَتَلَ، وتَعِبَ، قِرْبَانًا بالكسر: فعلته، أو دانيته، ومن الأول قوله تعالى: ﴿وَلَ نَّقْرَبُواْ الزَّفْ﴾، ومن الثاني قولك: لا تقرب الحمى، أي لا تدن منه. وأما قرُب بضم الراء، ككَرُم، فإنه لازم يتعدى بـ((من))، يقال: قرُب الشيءُ منّا، قُرْبًا، وقَرَابة، وقُرْبة، وقُرْبَى(١). (١)- راجع ((المصباح المنير). ٢٧٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَیْن (إِنِّي نَّيْتُهَا) هذا بيان لسبب عدم قربه منها (أَنْ تَقُولَ فِي هَاتَيْنِ الشّيعَتَيْنِ شَيْئًا) ((الشيعتان)) الفرقتان، والمراد تلك الحروب التي جرت بين فرقتي عليّ ومعاوية تطبيقها (فَأَبَثْ فِیھا، إِلَّا مُضِيًّا) أي امتنعت من قبول نصحي، ومضت على وجهها، حتى حصل وقعة الْجَمَلِ المشهور (فَأَقْسَمْتُ عَلَيْهِ) أي حلفت عليه على أن يذهب معي (فَجَاءَ مَعِي، فَدَخَلَ عَلَيْهَا) أي بعد الاستئذان، ففي رواية مسلم: ((فجاء، فانطلقنا إلى عائشة، فاستأذنًا عليها، فأذنت لنا، فدخلنا عليها)) (فَقَالَتْ لِحَكِيمٍ: مَنْ هَذَا مَعَكَ؟) ولمسلم ((فقالت: أحكيمٌ؟ فعرفَتْهُ، فقال: نعم، فقالت: ومن معك؟ قال: سعد (قُلْتُ: سَعْدُ بْنُ هِشَام) خبر لمحذوف: أي أنا سعد بن هشام (قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قُلْتُ: ابْنُ عَامِرٍ، فَتَرَخَّمَتْ عَلَيْهِ) أي دعت له بالرحمة، وفي الرواية الآتية ١٦٥١/١٨ - من طريق الحسن، عن سعد بن هشام: «قالت: رحم اللَّه أباك)) (وَقَالَتْ: نِعْمَ الْمَرْءُ، كَانَ عَامِرًا) هكذا في رواية المصنّف بنصب عامر، وفي رواية مسلم: ((نعم المرء كان عامر)) برفعه، وهو الظاهر، قال أبو البقاء الْعُكبريّ في ((إعراب الحديث)) ص٤٧٤-٤٧٦: ((المرء)» فاعل ((نعم))، و((عامر)) المخصوص بالمدح، و((كان)) يجوز أن تكون زائدة، ويجوز أن تكون الجملة من «نعم» والمرفوعین بعدها خبر ((كان))، ويكون في ((كان)) ضمير الشأن، كما تقول: كان نعم الرجل زيد، وزيد نعم الرجل كان، ليس من ضمير الشأن؛ لأن ضمير الشأن مُصدَّرٌ على الجملة، وإنما ينبغي أن يكون على هذا اسم كان مضمرًا فيها، وهو عامر، وتكون الجملة المتقدّمة خبرًا لها مُقدّمًا، ونظير زيادة ((كان)) ههنا زيادتها في التعجّب، كقولك: ما كان أحسن زيدًا. انتهى كلام أبي البقاء . وزاد في رواية مسلم: ((قال قتادة: وكان أصيب يوم أحد)). يعني إنما ترحمت عليه عائشة ◌َّ، ومدحته لأنه كان ممن استشهد يوم أحد (قَالَ) ولمسلم ((فقلت)) (يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَتْبِئِينِي) أي أخبريني، ولأبي داود ((حدثيني)) (عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ وََّ) أي عن صفاته الطبيعية، والخُلُق بضم المعجمة، واللام، وقد تسكن، في الأصل مَلَكَة راسخة في النفس، تَصدُر عنها الأفعال بسهولة، فإن صدر عنها المحمود عقلًا وشرعًا، فهي الخلق الحسن، وإلا فهي الخلق السيّء، والمراد به هنا ما كان عليه النبي ◌َّ من الآداب والمكارم ( قَالَتْ: أَلَيْسَ تَقْرَأُ الْقُرْآن؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ وَلِهِ الْقُرْآنُ) قال النووي رَخْذَثُ: معناه العمل بالقرآن، والوقوف عند حدوده، والتأدب بآدابه، والاعتبار بأمثاله، وقصصه، وتدبّره، وحسن تلاوته انتهى . فكان وَالغير متمسكًا بآدابه، وأوامره، واقفًا عند حدوده، معتبرًا بأمثاله وقصصه، محسّنًا لتلاوته، فكان عاملاً بقول الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٢٧٧ ٢- بَابُ قِيَامِ اللَّيّل - حديث رقم ١٦٠١ الْجَهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وقوله تعالى إخبارًا عن لقمان: ﴿أَقِمِ الصَلَوَةَ وَأَمُرْ بِلْمَعْرُوفِ وَأَنَّهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكٌ﴾ الآية [لقمان: ١٧]، وقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣]، وغير ذلك، متحلًّا بما حثّ عليه اللَّه تعالى بنحو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ وَ إِيْتَآٍَ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُكَرِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى اللهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، متجنّبًا ما نهى اللَّه عنه، بنحو قوله: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْرٍ عَسَى أَنْ يَكُونُواْ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١١]. وبالجملة، فكلّ ما قصّ اللَّه تعالى في كتابه عن الأنبياء وغيرهم، من مكارم الأخلاق، أو حثّ عليه، أو ندب إليه، أو ذكر بالوصف الأتمّ، والنعت الأكمل، كان النبي ◌َ ل﴿ متحلًّا به، ومتوليّا له، ومتخلّقًا به، وبالغًا فيه من المراتب أقصاها، حتى شجمع له من ذلك ما تفرّق في سائر الخلق، وكلّ ما نهى اللَّه عنه كان پر لا يحوم حوله، بل كان أبعد الناس منه، ولذا أثنى الله تعالى عليه بأعظم الثناء، حيث قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. (فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ) زاد في رواية مسلم: ((ولا أسأل أحدًا عن شيءٍ، حتى أموت)). يعني أن سعدًا أراد أن يقوم من عند عائشة رائها ، حيث أجملت له ما كان عليه النبي وَله من مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، على وجه أكمل، وأوجز، حينما أحالته على القرآن الكريم الجامع لكلّ صفات الكمال، والمنفّر عن كلّ ذميم الخصال، فيمكنه تتبع أخلاقه وَله منه إجمالًا وتفصيلًا، فلا يبقى عليه حاجة إلى سؤال شيء من أخلاقه وَلّ، كما قال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِ اَلْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقوله: ﴿ِبْيَنًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وهذا من فصاحة عائشة ربطثها، وغزارة علمها، حيث أو جزت، وأبلغت، وأتقنت (فَبَدَا لِي قِيَامُ رَسُولِ اللَّهِ وَله) أي ظهر لي السؤال عن كيفية قيامه وَهّل في الليلِ (فَقَال) ولمسلم: ((فقلت)) (يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِنِي عَنْ قِيَامِ نَبِيَّ اللَّهِ وَّه قَالَتْ: أَلَيْسَ تَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ، ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ﴾ [المزمّل: ١]) بدل منَ («هذه السورة)) (قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ افْتَرَضَ) وفي نسخة ((فرض)) (قِيَامَ اللَّيْل، فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ) أي في قوله: ﴿قُِّ الَِّلَ إِلَّ قَلِيلًا﴾ (فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ وَّهِ، وَأَصْحَابُهُ، حَوْلًا) أي سنة كاملة (حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ) أي من طولٍ قيامهم (وَأَمْسَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَاتِمَتَهَا، اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا) هو معنى قولها: ((حولًا)) (ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، التَّخْفِيفَ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ) أي في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْفَ مِن تُلُنِى الَّلِ﴾ الآية [المزّمّل: ٢٠] (فَصَارَ قِيَّامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا، بَعْدَ أَنْ كَانَ فَرِيضَةً) قال النووي رحمه الله تعالی: هذا ظاهر أنه صار ٢٧٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَیْنِ تطوّعًا في حقّ رسول اللَّه وَ له والأمة، فأما الأمة، فهو تطوّع في حقهم بالإجماع، وأما النبي ◌َّر، فاختلفوا في نسخه في حقّه، والأصحّ عندنا نسخه. وأما ما حكاه القاضي عياض تَخّْلهُ عن بعض السلف أنه يجب على الأمة من قيام الليل ما يقع عليه الاسم، ولو قدر حلب شاة، فغلط، ومردود بإجماع مَنْ قبله، مع النصوص الصحيحة أنه لا واجب إلا الصلوات الخمس انتهى . (فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ، فَبَدَا لِي وِتْرُ رَسُولِ اللَّهِ وَعليه) أي ظهر لي السؤال عن وتره وَلآل (فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينِ، أَنْبِئِنِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ وَل#) أي عن وقته، وكيفيته، وعدد ركعاته (قَالَتْ: كُنَّا نُعِدُ) من الإعداد، أي نهيّء (له سِوَاكَهُ، وَطَهُورَهُ) بفتح الطاء، أي الماء الذي يتطهر به، وفيه استحباب إعداد ذلك، والتأهب بأسباب العبادة قبل وقتها، والاعتناء بها (فَيْعَثُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) أي يوقظه (لِمَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ) اللام للتوقيت، أي في الوقت الذي شاء أن يوقظه فيه، ويحتمل أن يكون بفتح اللام، وتشديد الميم، فتكون بمعنى ((حين))، أي يوقظه حين شاء اللَّه عزّ وجلّ (مِنَ اللَّيْلِ) أي في بعض ساعات الليل، وأوقاته، فـ(من)) تبعيضية، وقيل: بيانية (١) (فَيَتَسَوَّكُ) أي يستعمل السواك، وفيه استحباب السواك عند القيام من النوم (وَيَتَوَضَّأَ، وَيُصَلِّي ثَمَانِيَ) وفي نسخة ((ثمان)) (رَكَعَاتٍ) هذا من الأخطاء في هذه الرواية، وسيأتي أن الصواب ((تسع ركعات)) (لَا يَجْلِسُ فِيهِنَّ) أي في خلال تلك الركعات (إِلَّا عِنْدَ الثَّامِنَةِ) فيه الرد على الحنفية القائلين بوجوب الجلسة عند كلّ ركعتين، لأنه وي # كان يصلي ثمانيّا متصلًا، بلا تخلّل جلسات بينها على الشفعات . وأجابوا بأن المراد بالجلسة المنفية الجلسة الخالية عن السلام، قالوا: فالوتر منها ثلاث ركعات، والست قبله من النفل. قال العيني: وهذا اقتصار منها على بيان جلوس الوتر وسلامه، لأن السائل إنما سأل عن حقيقة الوتر، ولم يسأل عن غيره، فأجابته مبيّنة بما في الوتر من الجلوس على الثانية بدون سلام، والجلوس أيضًا على الثالثة بسلام، وسكتت عن جلوس الركعات التي قبلها، وعن السلام فيها، كما أن السؤال لم يقع عنها، فجوابها قد طابق سؤال السائل انتهى (٢). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي قاله العيني مكابرة، وتحريف للنصّ الصريح -قاتل الله التعصّب- كيف يقول: وسكتت عن جلوس الركعات التي قبلها الخ، وقد صرّحت بقولها: لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فأين السكوت المزعوم، (١)- ((المرعاة)) ج٤ ص٢٦٤. (٢)- ((المرعاة)) ج٤ ص٢٦٥ . ٢٧٩ ٢- بابُ قِيَامِ اللَّيّل - حديث رقم ١٦٠١ فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ بتقليد ذوي الاعتساف . والحاصل أنه ولو أوتر بتسع ركعات، جلس في الثامنة بلا تسليم، وفي التاسعة بتسليم، ولم يجلس في غيرهما، وهذه إحدى أنواع إيتاره وَلاير . (يَجْلِسُ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ) أي يقرأ التشهد (وَيَدْعُو، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا، يُسْمِعُنَا) من الإسماع، أي يرفع صوته بالتسليم بحيث نسمعه، وهذا أيضًا من الأخطاء، فإن هذا التسليم بعد التاسعة، لا بعد الثامنة، كما يأتي (ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ، بَعْدَ مَا يُسَلْمُ) فيه مشروعية ركعتين بعد الوتر عن جلوس، وقد ذهب إليه بعض أهل العلم، وجعل الأمر في قوله: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا)) مختصًا بمن أوتر آخر الليل، وحمله النووي على أنه # فعل ذلك لبيان جواز النفل بعد الوتر، وجواز التنفل جالسًا، يعني أن الأمر فيه أمر ندب، لا أمر إيجاب، فلا تعارض بينهما . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله النووي رحمه الله تعالى من وجه الجمع هو الصواب عندي، وأما ما جمع به الشوكاني ◌َّثُ من أنه لا يعارض فعله قوله، فالجواز مختصّ به، والأمر مختصّ بالأمة، فليس بصحيح، وقد تقدم الرد عليه غير مرة، فتنبّه والله تعالى أعلم . (ثُمَّ يُصَلِّ رَكْعَةً) وهذا من الأخطاء أيضًا، فإن الصواب أن هذه الركعة قبل الركعتين اللتين يصليهما، وهو جالس، وهذا هو الخطأ الذي أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى في آخر الحديث . (فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يَا بُنَيَّ، فَلَمَّا أَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ﴾ أي كبر سِنُّهُ (وَأَخَذَ اللَّخْمَ) وفي نسخة ((وأخذه اللحم)). قيل: أي السمن، وقيل: معناه ضَعُفَ، وكان ذلك قبل موته بنحو سنة، على ما قيل . وقال السندي رحمه الله تعالى: فيه أنه أخذ اللحم في آخر عمره وَ له، ولعلّ ذلك لفرحه بقدومه على الله بما جاءه من البشارات الأخروية بَ لّ انتهى. (أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ، بَعْدَ مَا سَلَّم) وفي نسخة ((يسلّم)) (فَتِلْكَ تِسْعُ رَكَعَاتٍ، يَا بُنَيَّ) فنقص ركعتين من التسع لأجل الضعف (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ، إِذَا صَلَّى صَلَاةً) أي من النوافل، وفي نسخة ((إذا صلى الصلاة)) بالتعريف (أَحَبَّ أَنْ يَدُومَ عَلَيْهَا) وفي نسخة ((أن يداوم))، أي لأن أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها (وَكَانَ إِذَا شَغَلَهُ عَنْ قِيَّامِ اللَّيْلِ نَوْمٌ، أَوْ مَرَضٌ، أَوْ وَجَعْ) كمَرَضٍ وَزْنًا ومعنى، قال الفيّومِيّ ◌َكُّْ: يقال: وجِعَ فلانًا رأسُهُ، أو بطنُهُ، يُجعل الإنسان مفعولًا، والعضوُ فاعلًا، وقد يجوز العكس، وكأنه على القلب، لفهم المعنى، يَوْجَعُ وَجَعًا، من باب تَعِبَ، فهو وَجِعٌ: أي مريض متألم، ويقع ٢٨٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْن الوجع على كلّ مرض، وجمعه أَوْجاع، مثل سبب وأسباب، ووِجَاع أيضًا بالكسر، مثل جَبَل وجِبَال انتهى. فيكون عطفه على ((مرض)) للتأكيد (صَلَّى مِنَ النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً) تعني أنه ◌َّر إذا منعه من قيام الليل مانع صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة بدلًا مما فاته من قيام الليل، وهو ظاهر في كونه يقتصر في القضاء على ثنتي عشرة ركعة فقط . وإنما لم تذكر الوتر لأنه لم يقضه، فلعلّه وَال﴿ كان إذا طرأ عليه ما يفوّت صلاة الليل بادر بالوتر فأوتر بالليل، وأخر غيره، فقضاه بالنهار. والله تعالى أعلم. وقال النووي تَخْذّلهُ: هذا فيه دليل على استحباب المحافظة على الأوراد، وأنها إذا فاتت تُقضَى انتهى. (وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وَهَ، قَرَّأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ) تعني أنه بَّهِ ما ختم القرآن كله في ليلة واحدة (وَلَا قَامَ لَيْلَةً كَامِلَةً، حَتَّى الصَّبَاحَ) هذا على حسب علمها تَّها، كما يدل عليه قولها: ((ولا أعلم))، وإلا فقد ثبت في حديث خبّاب ابن الأرتّ تَظّه الآتي ١٦٣٨/١٦ أنه راقب رسول اللَّه ◌َ ليل في ليلة، فصلى الليلة كلها حتى كان مع الفجر (وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا، غَيْرَ رَمَضَانَ) هذا لا ينافي ما ثبت عنها أنه ◌ِِّ كان يصوم شعبان كله، لأن المراد به أنه يصوم أكثره، كما سيأتي في محله، إن شاء اللّه تعالى وقوله: (فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) من كلام سعد بن هشام: أي ثم، بعد ما سمعت الحديث من عائشة رَّهَا، جئتُ إلى ابن عباس رَّهَا لأخبره بما سمعت منها حيث طلب مني ذلك (فَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِهَا، فَقَالَ) أي ابن عباس ◌َّهَا (صَدَقَتْ، أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، مثل ((ألا)) (إِنِّي لَوْ كُنْتُ أَدْخُلُ عَلَيْهَا) قيل: سبب عدم دخوله عليها هو السبب الذي تقدّم في عدم دخول حكيم بن أفلح عليها، وهو الأمر الذي كان بين علي ومعاوية تعطيها (لَأَتَيْتُهَا، حَتَّى تُشَافِهَنِي مُشَافَهَةً) أي حتى تكلمني بهذا الحديث مشافهة. زاد في رواية مسلم: ((قلت لو علمت أنك لا تدخل عليها ما حدّثتك حديثها))، وهذا قاله سعد معاتبة لابن عباس على مقاطعته إياها، وعدم دخوله عليها . [فإن قيل]: كيف جاز لابن عباس مقاطعتها، وقد صح عنه وَّ ر: ((لا يحلّ لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)) متفق عليه؟ . [أجيب]: بأنه ليس المنهي عنه ترك الكلام مطلقا، وإنما المنهي عنه الإعراض، وترك الكلام عند اللقاء، كما يدلّ عليه قوله: ((يلتقيان الخ))، وابن عباس لم يترك الكلام عند اللقاء، بل ترك الدخول عليها، والقرب منها . أو يقال: إن مقاطعته لها، لا لغرض نفسيّ، بل لأمر دينيّ في ظنه، وذلك أنه ظنّ أنها عاصية في دخولها في أمر الشيعتين المتقدّمتين، ولا شكّ أن هجران العاصي جائز.