Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١ =
١٤- (كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ فِي السَّفَرَ) - حديث رقم ١٤٣٧
وعن الأوزاعي، قال: كان أنس بن مالك يقصر الصلاة فيما بينه وبين خمسة
فراسخ، وذلك خمسة عشر ميلًا.
قال الأوزاعي: وعامة العلماء يقولون: مسيرة يوم تامّ، وبهذا نأخذ. انتهى كلام ابن
المنذر باختصار (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لما لم يوجد نص قاطع في تحديد مسافة القصر،
حتى يُرجَع إليها، وكانت أقوال الصحابة ** ، فمن بعدهم مضطربة في هذا الباب،
حتى تكون المسألة إجماعية، لزم الرجوع إلى مَعْنَى السفر شرعًا، فوجدنا النبي ◌َّ سمى
ثلاثة أيام سفرًا، وسمى اليومين سفرًا، وسمى اليوم سفرًا، وسمى البريد أيضًا سفرا،
فأقلّ ما ثبت عنه من تسمية بعض المسافات سفرًا هو البريد، فثبت كون البريد سفرًا
بالنصّ، لكن لما صح حديث أنس رَّه في ((صحيح مسلم)) وغيره، من طريق شعبة،
عن يحيى بن يزيد الْهُنَائي، قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة؟ فقال: كان رسول الله
وَالر إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين - شعبة الشاكّ- ورواه
أيضًا أحمد، وأبو داود.
علمنا من هذا النص أن ثلاثة فراسخ هي أقلّ ما صحّ من تحديد المسافة مرفوعًا،
وإنما لم نعتبر الثلاثة أميال، مع كونها أقل منها، لوقوع الشك فيها، فاعتبرنا الفراسخ
احتياطًا، فتبين من هذا أن أقل المسافات التي صحّ التحديد به هي ثلاثة فراسخ(٢).
قال في ((الفتح)): وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك، وأصرحه، وقد حمله من
خالفه على أن المراد به المسافة التي يُبتدأ منها القصر، لا غاية السفر، ولا يخفى بُعد
هذا الحمل، مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راويه عن
أنس، قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة - يعني من البصرة-
فأصلي ركعتين حتى أرجع؟ فقال أنس ... فذكر الحديث، فظهر أنه سأله عن جواز
القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يُبتدأ القصر منه، ثم إن الصحيح في ذلك أنه لا
يتقيد بمسافة، بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منه انتهى (٣).
فتبين بما قاله في ((الفتح)) أن هذا الحديث ذكره أنس رضي الله تعالى تحديدا للمسافة
التي كان النبي وََّ إذا خرج إليها قصر الصلاة.
(١) ((الأوسط)) جـ ٤ ص ٣٤٦ - ٣٥١ .
(٢) الفرسخ: ثلاثة أميال، والميل بالتحديد المعاصر كيلو متر ونصف كيلو متر، فيكون الفرسخ ثمانية
عشر كيلو متر، وعليه فتكون مسافة القصر أربعًا وخمسين كيلو متر تقريبًا. والله تعالى أعلم.
(٣) ((فتح)) ٢٧٦/٣.

٣٤٢
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ
والحاصل أن الفراسخ الثلاثة هي أقل المسافة التي يثبت بها حكم السفر من القصر
وغيره، هذا ما عندي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[فائدة]: ذكر الفرّاء أن الفرسخ فارسي معرّب(١)، وهو ثلاثة أميال، والميل من
الأرض منتهى مَدّ البصر، لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه،
وبذلك جزم الجوهريّ، وقيل: حده أن ينظر إلى شخص في أرض مسطحة، فلا يدري
أهو رجل، أو امرأة، أو ذاهب، أو آت.
وقال النووي: الميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعًا معترضة
معتدلة، والإصبع ست شعيرات معترضة معتدلة انتهى.
وهذا الذي قاله: هو الأشهر، ومنهم من عبّر عن ذلك باثني عشر ألف قدم بقدم
الإنسان، وقيل: هو أربعة آلاف ذراع، وقيل: بل ثلاثة آلاف ذراع، نقله صاحب
((البيان))، وقيل: خمسمائة، صححه ابن عبدالبرّ، وقيل: ألفا ذراع، ومنهم من عبّر عن
ذلك بألف خطوة للجمل.
قال الحافظ: ثم إن الذراع الذي ذكر النووي تحديده قد حرره غيره بذراع الحديد
المستعمل الآن في مصر والحجاز في هذه الأعصار، فوجده ينقص عن ذراع الحديد
بقدر الثمن، فعلى هذا فالميل بذراع الحديد على القول المشهور خمسة آلاف ذراع
ومائتان وخمسون ذراعًا. وهذه فائدة نفيسة قلّ من نبّه عليها انتهى(٢). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٣٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ يَخْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ،
قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَّ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمْ يَزَلْ يَقْصُرُ حَتَّى رَجَعَ، فَأَقَامَ
بِهَا عَشْرًا).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١- (قتيبة) بن سعيد المذكور قبل حديث .
٢- (أبو عوانة) وَضّاح بن عبداللّه اليشكري الواسطي، ثقة ثبت [٧] تقدم ٤٦/٤١.
٣- (يحيى بن أبي إسحاق) الحضرمي مولاهم البصري النحوي، صدوق ربما أخطأ
[٥].
روى عن أنس،، وسالم بن عبدالله، وسلمان الأغرّ، وغيرهم. وعنه محمد بن
(١) اختُلفَ في معنى ((الفَرسخ))، فقيل: السكون، ذكره ابن سيده، وقيل: السعة، وقيل: المكان
الذي لا فرجة فيه، وقيل: الشيء الطويل. انتهى ((فتح)) ١٧٦/٣ - ١٧٧.
(٢) ((فتح)) ٢٧٦/٣ .

١٤ - (كِتَبُ تَقْصِيرِ الصَّلاَةِ فِي السَّفَر) - حديث رقم ١٤٣٨
٣٤٣
سيرين أكبر منه، وشعبة، وأبو عوانة، وغيرهم.
قال عبدالله بن أحمد: سألت ابن معين عن عبدالعزيز بن صُهيب، ويحيى بن أبي
إسحاق، أيهما أوثق؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، وكان
صاحب قرآن، وعلم بالعربية والنحو. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: لا
بأس به. وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال العقيلي: قال أحمد
ابن حنبل: في حديثه نكارة. وقال يحيى بن معين: في حديثه بعض الضعف.
قال عمرو بن علي: مات سنة (١٣٦)، وهو مولى الحضارمة. وقال ابن حبان:
مات سنة ست، ويقال: سنة اثنتين. روى له الجماعة، وروى له المصنف في هذا
الكتاب (١٢) حديثًا .
٤- (أنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه، تقدم ٦/٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو (٨٦) من رعيات الكتاب.
(ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أن صحابيه أحد المكثرين السبعة،
روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة رضي الله تعالى بالبصرة، مات
سنة (٢) أو (٩٢)، وقد جاوز مائة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لِهِ) ولفظ
البخاري من طريق عبدالوارث، عن يحيى بن أبي إسحاق: ((خرجنا مع النبي (وَلِّ))،
وذلك في حجة الوداع (مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكّةَ، فَلَمْ يَزَلْ يَقْصُرُ) ولفظ البخاري: («فكان
يصلي ركعتين ركعتين))، وفي رواية البيهقي من طريق علي بن عاصم، عن يحيى بن أبي
إسحاق، عن أنس: ((إلا المغرب)) (حَتَّى رَجَعَ) وللبخاري: (( حتى رجعنا إلى المدينة))
(فَأَقَامَ) وفي نسخة: ((وأقام)) بالواو (بَهَا) أي بمكة، والمراد إقامته بها، وبحواليها، من
منى وعرفة (عَشْرًا) أي عشرة أيام بلياليها، وإنما حذفت التاء مع أن المعدود مذكر،
وهو اليوم، لأن التمييز إذا لم يُذْكَر جاز الوجهان في العدد، التذكير والتأنيث.
قال في ((الفتح)): لا يُعارض ذلك حديث ابن عباس رَويّا: ((أقام النبي ◌َّل تسعة عشر
يوما يقصر))، لأن حديث ابن عباس كان في فتح مكة، وحديث أنس في حجة الوداع.
وفي الحديث أن الإقامة في أثناء السفر تسمى إقامة، وفيه إطلاق اسم البلد على ما
جاورها، وقرب منها، لأن منى وعرفة ليسا من مكة، أما عرفة فلأنها خارج الحرم،

٣٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ
فليست من مكة قطعًا، وأما منى ففيها احتمال، والظاهر أنها ليست من مكة، إلا إن
قلنا: إن اسم مكة يشمل الحرم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته :
حديث أنس رضي اللّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١ / ١٤٣٨- وفي ((الكبرى)) -١٨٩٦/١- عن قتيبة، عن أبي عوانة،
عن يحيى بن أبي إسحاق، عنه. وفي ٤/ ١٤٥٢ - و ((الكبرى)) ١٩١٠/٤ - عن حميد بن
مسعدة، عن يزيد بن زريع، عن يحيى به. وفي ((الكبرى)) عن زياد بن أيوب، عن
إسماعيل ابن عُلية، عن يحيى به.
وأخرجه (خ) ٥٣/٢٥ و١٩٠/٥ (م) ١٤٥/٢ و(د) ١٢٣٣ (ت) ٥٤٨ (ق) ١٠٧٧
(أحمد) ١٨٧/٣ و١٩٠/٣ و٢٨٢/٣ (الدارمي) ١٥١٨ (ابن خزيمة) ٩٥٦ و٢٩٩٦.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٣٩- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٌّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ:
أَخْبَرَناَ(١) أَبُو حَمْزَةَ -وَهُوَ السُّكَّرِيُّ- عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَ لَه فِي السَّفَرِ زَّكْعَتَيْنِ، وَمَعَ أَبِي بَكْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ
عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ تَا).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (محمد بن علي بن الحسن بن شقيق) المروزي، ثقة صاحب حديث [١١] تقدّم
٢٠٦/٢٢.
٢- (علي بن الحسن بن شقيق) أبو عبدالرحمن المروزيّ، ثقة حافظ، من كبار
[١٠] تقدم ٢٠٦/٢٢.
٣- (أبو حمزة السُّكّريّ) محمد بن ميمون المروزيّ، ثقة فاضل [٧] تقدم ٢٠٦/٢٢.
٤- (منصور) بن المعتمر، أبو عَتَّاب الكوفي، ثقة ثبت [٥] تقدم ٢/ ٢ .
٥- (إبراهيم) بن يزيد النخعي الفقيه الثبت الكوفي [٥] تقدم ٢٩/ ٣٣ .
(١) هكذا في النسخة ((الهندية))، ووقع في النسختين المطبوعتين ((أخبرنا محمد بن علي بن الحسن بن
شقيق، قال أبي: أنبأنا أبو حمزة إلخ))، وعلى هذا فيقدر قبل قوله: ((قال أبي)) لفظة ((قال))، أي:
قال محمد بن علي: قال أبي و((أبو حمزة)) فاعل ((أنبأنا))، والجملة مقول ((قال أبي))، فتنبه. والله
تعالى أعلم.

٣٤٥
١٤ - (كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرَ) - حديث رقم ١٤٤١
٦- (علقمة) بن قيس النخعي الكوفي، ثقة ثبت فقيه عابد [٢] تقدم ٦١/ ٧٧
٧- (عبدالله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه، تقدم ٣٩/٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سباعيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله رجال
الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو والترمذيّ. ومنها: أنه مسلسل بالمراوزة إلى أبي
حمزة، وبالكوفيين بعده. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم، عن بعض،
منصور(١)، وإبراهيم، وعلقمة، وكلهم كوفيون. والله تعالى أعلم.
وشرح الحديث واضح، وهو حديث صحيح، انفرد به المصنف، أخرجه هنا- ١/
١٤٣٩ - وفي ((الكبرى)) - ١٨٩٧/١ - بالسند المذكور.
ودلالته على ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى واضحة. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٤٠ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ - وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ - عَنْ شُعْبَةً، عَنْ
زُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: صَلَاةُ الْجُمُعَّةِ رَكْعَتَانِ، وَالْفِطْرِ
رَكْعَتَانِ، وَالنَّحْرِ رَكْعَتَانٍ، وَالسَّفَرِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ، غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ النَّبِّ وََّ).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم للمصنف رحمه الله
تعالى في ١٤٢٠/٣٧ - رواه عن علي بن حُجْر، عن شَريك، عن زُبَيد به .
وتقدم الكلام عليه سندا ومتنا، وبيان المسائل المتعلقة به هناك، فلا حاجة إلى
تطويل الكتاب بإعادته هنا .
وممن لم يُذكر هناك من رجال إسناده:
١- (حُميد بن مَسعدة) الباهلي البصري، صدوق [١٠] تقدم ٥/٥ .
٢- (سُفيان بن حُبيب) البصري البزاز، ثقة [٩] تقدم ٦٧ / ٨٢.
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] تقدم ٢٦/٢٤.
و((زبيد)) هر ابن الحارث اليامي.
وبقية الكلام تُراجع هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٤١ - (أَخْبَرَنَا(٢) مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو
(١) هذا على جعل منصور من صغار التابعين كما قال في ((الفتح))، لكن الصحيح أنه من الطبقة
السادسة، فتنبه.
(٢) وفي نسخة ((أخبرني)).

٣٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ
عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدٌ، عَنْ أَيُّوبَ -وَهُوَ ابْنُ عَائِذٍ - عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَخْنَسِ، عَنْ
مُجَاهِدٍ أَبِي الْحَجَّاجِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ((فُرِضَتِ صَلَاةُ الْحَضَرِ عَلَّى لِسَانٍ نَبِيْكُمْ وَه
أَرْبَعًا، وَصَلَاةُ السَّفِّرِ رَكْعَتَيْنِ، وَصِّلَاةُ الْخَوْفِ رَكْعَةً))).
رجال هذا الإسناد : ثمانية :
١- (محمد بن وهب) بن عمر بن أبي كريمة، أبو الْمُعافَى الحَرّاني، صدوق [١٠]
تقدم ١٩١ / ٣٠٦ .
٢- (محمد بن سَلَمة) بن عبدالله الباهلي مولاهم الحرّاني، ثقة [٩] تقدم ٣٠٦/١٩١.
٣- (أبو عبدالرحيم) خالد بن أبي يزيد الأموي مولاهم الحرّاني، ثقة [٦] تقدم
٣٠٦/١٩١ .
٤- (زيد) بن أبي أنيسة الجزري، الكوفي الأصل، ثم الرُّهَاوي، ثقة له أفراد [٦]
تقدم ٣٠٦/١٩١ .
٥- (أيوب بن عائذ) بن مُدلج الطائي الْبُحتُريّ - بضم الموحّدة، وسكون المهملة،
وضم المثناة- الكوفي، ثقة رُمي بالإرجاء [٦].
روى عن قيس بن مسلم، وبكير بن الأخنس، والشعبي. وعنه زيد بن أبي أنيسة،
والسفيانان، وغيرهم. قال البخاري، عن علي: له نحو عشرة أحاديث. وقال الدُّوريّ:
عن يحيى: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث، صدوق. وقال البخاري: كان
يرى الإرجاء، وهو صدوق، وليس له عنده سوى حديث واحد. وقال ابن المبارك:
كان صاحب عبادة، ولكنه كان مرجئًا. وقال ابن حبان في ((الثقات)): كان مرجئًا
يخطىء. وقال أبو داود: لا بأس به، وفي رواية: ثقة. إلا أنه مرجىء. وقال ابن
المديني: حدثنا سفيان، حدثنا أيوب بن عائذ - وكان ثقة -. وقال النسائي: ثقة. وقال
العجلي: كوفي ثقة. روى له الجماعة، سوى أبي داود، وابن ماجه، وله في هذا
الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده.
٦- (بُكير بن الأخنس) السَّدُوسيّ، ويقال: الليثيّ، كوفي ثقة [٤] تقدم ٣/ ٤٥٦ .
٧- (مجاهد أبو الحجّاج) ابن جبر المخزومي المكيّ الإمام الحجة الثبت [٣]
تقدم ٢٧ / ٣١ .
٨- (ابن عباس) عبدالله البحر رضي الله تعالى عنهما، تقدم٣١/٢٧. والله تعالى
أعلم .
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من ثمانيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح،
:

١٤- (کِتابُ تقصِير الصَّلاةِ فِي السَّفر) - حديث رقم ١٤٤٢
٣٤٧=
غير شيخه، فإنه من أفراده. ومنها: أنه مسلسل بالحرّانيين إلى زيد، وبكير كوفيّ،
والباقيان مكيان. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعيّ. ومنها: أن فيه ابن عباس رضي
الله تعالى عنهما من العبادة الأربعة، والمكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قَالَ: فُرِضَتِ صَلَاةُ الْحَضَرِ) أي
الرباعيةَ (عَلَّى لِسَانٍ نَبِيْكُمْ بَ طَهِ﴾ أي بوحي من الله تعالى، لقوله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا يَطِقُ عَنِ
الْمَوَ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحِىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣] (أَرْبَعًا) منصوب على الحال، أي حال كونها أربع
ركعات بعد أن كانت ركعتين، ثم قصرت في السفر، فكانت صلاة السفر كأنها ما زيد
فيها، وهذا معنى قوله (وَصَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنٍ) فلا يعارض هذا الحديث حديث عائشة
رَلَّهَا: ((فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين في الحضر، والسفر ... ))، وقد تقدم
وجه الجمع مفصلا في أوئل كتاب الصلاة - ٤٥٣/٣-
وقوله: ((صلاة السفر)) بالرفع عطفًا على ((صلاة الحضر))، وقوله: ((ركعتين)) بالنصب
عطفًا على ((أربعًا))، فيه عطف المعمولين على معمولي عامل واحد، وهو جائز بلا
خلاف، فـ((صلاة)) مرفوع بـ((فُرضت))، و((أربعا)) منصوب على الحال به، ومثله إعراب
قوله (وَصَلَاةُ الْخَوْفِ رَكْعَةً) أي فرضت ركعة واحدة، وفيه أن اللازم في الخوف ركعة
واحدة، وبه قال طائفة من السلف، وهو الراجح، وخالف في ذلك الجمهور، وسيأتي
تحقيق ذلك في موضعه من ((كتاب صلاة الخوف))، إن شاء الله تعالى ١٨,/١٥٣٢.
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم للمصنف
رحمه الله تعالى -٤٥٦/٣- رواه عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان، عن أبي
عوانة، عن بُكير به، وتقدم الكلام على مسائله هناك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٤٢- (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مَاهَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكِ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ
عَائِذٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَخْنَسِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَرَضَ
الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيْكُمْ رََّ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعَا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنٍ، وَفِي الْخَوْفِ
رَكْعَةً))).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم الكلام عليه في الذي
قبله، وممن لم يتقدم من رجاله هناك:
١- (يعقوب بن مَاهَان) البنَّاء، مولى بني هاشم، أبو يوسف البغدادي، صدوق
[١٠].

٣٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ
روى عن هُشيم، والقاسم بن مالك. وعنه النسائي، وأبو حاتم، ويعقوب بن
سُفيان، وغيرهم.
قال ابن أبي حاتم: كَتَبَ عنه أبي، وسألته عنه؟ فقال: صدوق، قال: وقال لي
حجاج بن الشاعر: ليس ببغداد مثل يعقوب بن ماهان. وقال النسائي: لا بأس به.
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: ربما أغرب، مات سنة (٢٤٤) وفيها أرّخه
السرّاج. انفرد به المصنف بهذا الحديث فقط.
٢- (القاسم بن مالك) الْمُزَني، أبو جعفر الكوفي، صدوق، فيه لين، من صغار
[٨].
روى عن المختار بن فُلفُل، وابن عون، وأيوب بن عائذ، وغيرهم. وعنه أحمد،
وابن المديني، وابن معين، ويعقوب بن ماهان، وغيرهم.
قال أبو داود، عن أحمد: كان صدوقًا، قال: وذُكر أنه كان يلي بعض العمل في
السواد. وقال الدُّوري عن ابن معين: ثقة. وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: ما كان به
بأس، صدوق. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: ليس به بأس، وقال في موضع آخر:
ثقة. وقال أبو حاتم: صالح، وليس بالمتين. وقال إبراهيم بن عبداللَّه الْهَرَوِيُّ، ومحمد
ابن عبدالله بن عَمَّار، وأبوه الحسن العجلي: ثقة. وقال الساجيّ: ضعيف، وقد روى
عنه علي بن المديني، والناس. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وذكره ابن سعد في أهل
الكوفة، وقال: كان ثقة، صالح الحديث، بقي إلى بعد التسعين ومائة.
أخرج له الجماعة، سوى أبي داود، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا
الحديث، و(٢٥١٩) حديث: ((كان الصاع على عهد رسول اللَّه وَ ل مدًا وثلثًا ... )).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
٢- (بَابُ الصَّلَاةِ بِمَكَّةَ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا بيان حكم
المسافر ين من الْحُجّاج حينما ينزلون مكة لأداء المناسك، وذلك أنهم يقصرون
الصلاة، ولا يتمّون، لأنهم لا يخرجون عن حكم السفر بسبب إقامتهم بها أيام الحج،

٣٤٩
٢- (بَأَبُ الصَّلَاةِ بِمَكَّةً) - حديث رقم ١٤٤٣
فقد أقام النبي وَّر، وأصحابه مثله بها أيام الحج، فقصروا، كما يأتي في حديث أنس
رضي الله تعالى عنه. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٤٤٣ - (أَخْبَرَنَا(١) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، فِي حَدِيثِهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ،
قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى -وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ- قَالَ: قُلْتُ لابْنِ
عَبَّاسِ: كَيْفَ أُصَلِي بِمَكَّةَ، إِذَا لَمْ أُصَلُّ فِي جَاعَةٍ؟، قَالَ: رَكْعَتَيْنِ، سُنَّةً أَبِي الْقَاسِم
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (محمد بن عبدالأعلى) الصنعاني البصري، ثقة [١٠] تقدم ٥/٥.
وقوله: ((في حديثه)) متعلق بـ(أخبرنا)»، أوبحال محذوف، أي حال كون هذا الحديث
كائنًا في جملة ما حدثنا به عن خالد بن الحارث.
٢- (خالد بن الحارث) الْهُجَيمي البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٤٢ / ٤٧ .
٣- (شعبة) هو المذكور في الباب الماضي.
٤ - (قتادة) بن دعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصري، ثقة ثبت مدلس [٤] تقدم ٣٠/
٣٤ .
٥- (موسى بن سَلَمَة) بن المحبَّق -بمهملة، وموحّدة بوزن محمد - الهُذَلي
البصريّ، ثقة [٤].
روى عن ابن عباس. وعنه ابنه مثنى، وقتادة، وأبو التيّاح.
قال أبو زرعة: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن سعد: كان قليل
الحديث. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط،
هذا الحديث، وأعاده بعده، و(٢٦٣٣) حديث: ((نعم لو كان على أمها دين،
فقضته ... )) الحديث .
٦ - (ابن عباس) رضي اللَّه تعالى عنهما، ذكر في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله رجال
الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعيّ.
ومنها: أن فيه ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما من العبادة الأربعة، والمكثرين السبعة،
روى (١٦٩٦) حديثًا. والله تعالى أعلم.
(١) وفي نسخة: ((حدثنا)).

٣٥٠ -
شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ
شرح الحديث
عن موسى بن سَلَمَة أنه (قال: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسِ) رَبِّهَا (كَيْفَ أُصَلِّي بِمَكَّةَ، إِذَا لَمْ
أُصَلٌ فِي جَمَاعَةٍ؟) وفي الرواية التالية: ((قلت: تفوتني الصلاة في جماعة، وأنا بالبطحاء،
ما ترى أن أصلي؟)). والبَطحَاء: مَسيل فيه دُقاق الحصى، وقيل: بطحاء الوادي تُراب
لين مما جَرّته السيول، والجمع بطحاوات، وبطاح بالكسر(١).
(قَالَ) أي ابن عباس رَّ (رَكْعَتَيْنِ) أي صل ركعتين قصرًا (سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِم ص)
بالنصب على الحالية، ويحتمل الرفع خبرا لمحذوف، أي هذه سنة أبي القاسمَ وَلؤ .
يعني أن القصر للحاج المسافر أيامَ إقامته بمكة سنةُ النبي وَّرَ، فالأيام التي يقيمها
خلال أداء النسك تُعتبر من جملة السفر.
والحاصل أن الحاج أيام أداء المناسك في مكة، وفيما حولها من منى، ومزدلفة،
وعرفة، ونحوها، يُعتبر مسافرًا، فيقصر صلاته، سواء صلاها جماعة، أو منفردًا.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢/ ١٤٤٣ - وفي ((الكبرى))-١٩٠١/٢-عن محمد بن عبدالأعلى، عن
خالد بن الحارث، عن شعبة، عن قتادة، عن موسى بن سلمة، عنه. وفي ٢/ ١٤٤٤ -
و((الكبرى)) ١٩٠٢/٢ - عن إسماعيل بن مسعود، عن يزيد بن زُرَيع، عن سعيد بن أبي
عروبة، عن قتادة به .
وأخرجه (م) ١٤٣/٢ و١٤٤/٢ (أحمد)٢١٦/١ و٢٩٠/١ و٣٣٧/١ (ابن خزيمة)
٩٥١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الو کیل .
١٤٤٤- (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَنِع،، قَالَ: حَدَّثَنَا
سَعِيدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ مُوسَى بْنَ سَلَمَةَ، حَدَّثَهُمْ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنٌّ عَبَّاسِ، قُلْتُ:
تَقُوتُنِي الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ، وَأَنَا بَالْبَطْحَاءِ، مَا تَرَى أَنْ أُصَلِّيَ؟ قَالَ: ((رَكْعَتَيْنِ، سُنََّ أَبِي
الْقَاسِمِ مَّهِ﴾.
(١) ((لسان العرب)) في مادة ((بطح)).

٣- (بَابُ الصَّلاةِ فِي مِنَى) - حديث رقم ١٤٤٥
٣٥١
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (إسماعيل بن مسعود) الْجَخدريُّ البصري، ثقة [١٠] تقدم ٤٢/،٤٧ من أفراد
المصنف .
٢- (يزيد بن زُريع) البصري، ثقة ثبت [٧] تقدم ٥/٥ .
والباقون تقدموا في الذي قبله، وكذا الكلام على الحديث.
وقوله: ((قلت)) فيه التفات، إذا الظاهر أن يقول: ((قال)). وقوله: ((ما)) في (ما ترى))
استفهامية. وقوله: ((ركعتين)) مفعول المحذوف، أي صلّ ركعتين. وتقدم إعراب ((سنة
أبي القاسم)) في الحديث السابق.
والحديث صحيح، كما سبق بيانه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)) .
٣- (بَابُ الصَّلَاةِ فِي مِنَى)
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ((منى)) بكسر الميم، وتخفيف النون، مقصورًا: اسم
موضع بمكة، والغالب فيه التذكير، فيصرف. وقال ابن السرّاج: ومنى ذَكَرٌ، والشام
ذكر، وهَجَرٌ ذكر، والعراق ذكر، وإذا أنْث مُنع، أي من الصرف، وأمنى الرجلُ
بالألف: أتى منى، ويقال: بينه وبين مكة ثلاثة أميال، وسُمي منى لما يُمنى فيه من
الدماء، أي يُراق. قاله الفيومي(١).
قال الحريريّ في ((ملحته)) مبينًا بعض ما يُصرف من البقاع:
وَلَيْسَ مَضْرُوفًا مِنَ الْبِقَاعِ إِلَّ بِقَاعٌ جِثْنَ فِي السَّمَاعِ
مِثْلُ حُنَيْنٍ وَمِنّى وَبَذْرٍ وَوَاسِطٍ وَدَابِقٍ وَحِجْرٍ
والصلاة في منى مما اختلف فيها أهل العلم، وسيأتي بيان ذلك في المسألة الثالثة،
إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
(١) ((المصباح)) جـ٢ ص ٥٨٢ .

٣٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ
١٤٤٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ
وَهْبِ الْخُزَاعِيٌّ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ الشَِّيِّ وَّهَ بِمِنَى آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ، وَأَكْثَرَهُ رَكْعَتَيْنِ) .
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١- (قتيبة) بن سعيد المذكور قبل باب.
٢- (أبو الأحوص) سلام بن سُليم الحنفي الكوفي، ثقة ثبت [٧] تقدم ٧٩ /٩٦ .
٣- (أبو إسحاق) عمرو بن عبدالله السبيعي الكوفي، ثقة عابد اختلط بآخره (٣)
تقدم٣٨/ ٤٢ .
٤- (حارثة بن وهب الْخُزَاعيّ) أخو عُبيدالله بن عمر لأمه، واسمها أم كلثوم بنت
جَزول بن مالك الخزاعية، صحابي نزل الكوفة، رضي اللّه تعالى عنه.
روى عن النبي ◌َّر، وعن جندب الخير الأزديّ، قاتل الساحر، وحفصة بنت عمر.
وعنه معبد بن خالد، وأبو إسحاق السبيعي، والمسيب.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وأعاده بعده،
و(٢٥٥٥) حديث: ((تصدّقوا، فإنه سيأتي عليكم زمان يمشي الرجل ... )) الحديث.
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من رباعيات المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو (٨٧) من رباعيات الكتاب.
ومنها: أن رجاله رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيخه،
فبغلاني. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبِ الْخُزَاعِيِّ) رضي اللَّه تعالى عنه، أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النِّيّ ◌َه
بِمِنّى آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ، وَأَكْثَرَهُ رَكْعَتَيْنِ) قال أبو البقاء: ((آمن))، و((أكثر)) منصوبان
نصبَ الظرف، والتقدير زمنَ آمن ما كان الناس، فحذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه
مقامه، قال: وضمير ((أکثره)) عائد إلى جنس الناس، وهو مفرد.
قال السندي: وهذا غلط، وإنما هو عائد إلى ما كان الناس، بناء على أن ((ما))
مصدرية، و((كان)) تامّة، و((الناس)) بالرفع فاعله، ألا ترى أنه كان في الأصل آمن ما كان
الناس، وأكثر ما كان الناس، وحاصل المعنى في زمن كان الناس فيه أكثر أمنًا، وعددًا.
والله تعالى أعلم انتهى(١).
(١) ((شرح السندي)) ١١٩/٣ - ١٢٠ .

٣- (بَأَبُ الصَّلاَةِ فِي مِنَى) - حديث رقم ١٤٤٥
٣٥٣=
وفي هذا الحديث ردّ على من زعم أن القصر مختصّ بالخوف، والذي قال ذلك
تمسك بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَيْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ
يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَفِينَ﴾ الآية [النساء: ١٠١]، ولم يأخذ الجمهور بهذا المفهوم،
فقيل: لأن شرط مفهوم المخالفة أن لا يكون خرج مخرج الغالب، وقيل: هو من
الأشياء التي شُرع الحكم فيها بسبب، ثم زال السبب، وبقي الحكم، كالرمل، وقيل :
المراد بالقصر في الآية قصر الصلاة في الخوف إلى ركعة، وفيه نظر، لحديث يعلى بن
أمية في سؤاله عمر رَوَّهَا. وقد تقدم أول (كتاب تقصير الصلاة)) ١٤٣٣/١- فإنه ظاهر
في أن الصحابة فهموا من ذلك قصر الصلاة في السفر مطلقًا، لا قصرها في الخوف
خاصّةً، وفي جواب عمر إشارة إلى القول الثاني، أفاده في ((الفتح))(١). واللَّه تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث حارثة بن وهب الخزاعي رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٤٤٥/٣- وفي ((الكبرى)) -١٩٠٣/٣ - عن قتيبة، عن أبي الأحوص،
عن أبي إسحاق، عنه. وفي -١٤٤٦/٣ - و((الكبرى)) -١٩٠٤/٣ - عن عمرو بن علي،
عن يحيى بن سعيد، عن شعبة، وسفيان، كلاهما عن أبي إسحاق به .
وأخرجه (خ) ٥٣/٢ و٢/ ١٩٧ (م) ١٤٧/٢ (د) ١٩٦٥ (ت) ٨٨٢ (أحمد) ٤/
٣٠٦ (ابن خزيمة) ١٧٠٢ . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة بمنى:
قال الحافظ رحمه الله تعالى: اختلف السلف في المقيم بمنى، هل يقصر، أو يتمّ،
بناءً على أن القصر بها للسفر، أو للنسك؟ واختار الثاني مالك. وتعقبه الطحاوي بأنه لو
كان كذلك لكان أهل منى يُتمون، ولا قائل بذلك. وقال بعض المالكية: لو لم يجز
لأهل مكة القصر بمنى لقال لهم النبي ◌َّر: أتموا، وليس بين مكة، ومنى مسافة
القصر، فدلّ على أنهم قصروا للنسك.
وأجيب بأن الترمذي روى من حديث عمران بن حصين ◌َويّها: أنه وَّر كان يصلي
بمكة ركعتين، ويقول: (يا أهل مكة أتموا، فإنا قوم سفر))، وكأنه ترك إعلامهم بذلك
(١) ((فتح)) ٢٧٢/٣.

٣٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ
بمنى استغناء بما تقدم بمكة.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذا ضعيف؛ لأن الحديث من رواية علي بن زيد بن
جُذْعان، وهو ضعيف، ولو صحّ فالقصة كانت في الفتح، وقصة منى في حجة الوداع،
وكان لا بدّ من بيان ذلك لبعد العهد، ولا يخفى أن أصل البحث مبنيّ على تسليم أن
المسافة التي بين مكة ومنى لا يُقصر فيها، وهو من محالّ الخلاف. انتهى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الراجح عندي ما ذهب إليه مالك رحمه الله تعالى،
من أن القصر للنسك؛ لأن أحاديث الباب ظاهرة فيه، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك في
محله من ((كتاب الحج))، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٤٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ(٢): حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ حَ وَأَنْبَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ
اللَّهِ وَّهِ بِمِنَّ أَكْثَرَ مَا كَانَ النَّاسُ، وَآمَنَهُ رَكْعَتَيْنِ) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه
في الذي قبله.
و((عمرو بن عليّ))، هو الفلاس، و((يحيى بن سعد)) هو القطان، و((سفيان)) هو
الثوري. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل .
١٤٤٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي
سُلَيْمَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّهُ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَ لَّهِ بِمِنِى، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ،
وَعُمَرَ رَكْعَتَيْنٍ، وَمَعَ عُثْمَانَ رَكْعَتَيْنِ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ).
رجال هذا الإسناد : خمسة:
١- (قتيبة) بن سعيد المذكور قريبًا.
٢- (الليث) بن سعد الإمام الحجة المصري [٧] تقدم ٣٥/٣١ .
٣- (ُكير) بن عبدالله بن الأشجّ المدني نزيل مصر، ثقة (٥) تقدم ١٣٥/ ٢١١.
٤- (محمد بن عبدالله بن أبي سليمان) المدني، صدوق [٥].
(١) ((فتح)) ٢٧١/٣.
(٢) وفي نسخة بإسقاط لفظة ((قال)).

٣٥٥
٣- (بَابُ الصَّلاَةِ فِي مِنَى) - حديث رقم ١٤٤٧
روى عن أنس بن مالك. وعنه بُكير بن عبدالله بن الأشج. قال النسائي: ثقة.
وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال الذهبي في ((الميزان)): لا يُعرف، وقال في
((الكاشف)): وُثّق. انفرد به المصنف، أخرج له حديث الباب فقط.
[تنبيه]: وقع في نسخ ((المجتبى)) ((محمد بن عبدالله بن أبي سليمان))، والذي في
((الكبرى)) ((محمد بن عبدالله بن أبي سليم))، وهو الصواب، كما هو في ((تحفة
الأشراف)»١/ ٣٧٤، وكذا في كتب الرجال، فتنبّه. والله تعالى أعلم.
٥- (أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه، تقدم٦/٦ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه اللّه تعالى. ومنها: أن رجاله رجال
الصحيح، غير محمد بن عبد اللَّه، فإنه من أفراده، وهو صدوق. ومنها: أنه مسلسل
بالمدنيين، سوى شيخه، فبغلاني، ثم مصري، والليث، فمصري. ومنها: أن فيه رواية
تابعي عن تابعي، بكير عن محمد بن عبد الله، وهو من رواية الأقران. ومنها: أن
صحابيه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا. والله تعالى أعلم.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رضي اللَّه تعالى عنه (أَنَّهُ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَّهِ بِمِنى)
أي الصلاة الرباعية، إذ هي التي تتغير، فأما المغرب، فلا تُقْصَر، وأما الصبح، فلا
يختلف الحكم فيها، في منى، وغيره حتى يُخبر عنه أنس رضي اللَّه تعالى عنه (وَمَعَ أَبِي
بَكْرٍ، وَعُمَرَ) رَّهَا (رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُثْمَانَ) ◌َّهِ (رَكْعَتَيْنِ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ) أي في
أوائل خلافته، وذلك ثمان سنين، أوست، كما في ((صحيح مسلم)) من حديث ابن عمر
رَوَّهَا، ولفظه من رواية نافع، عنه: (صلى رسول اللَّه بَ له بمنى ركعتين، وأبو بكر
بعده، وعُمر بعد أبي بكر، وعثمان صدرًا من خلافته، ثم إن عثمان صلى بعدُ أربعًا))،
وفي رواية حفص بن عاصم، عنه: (صلى النبي ◌َّر بمنى صلاة المسافر، وأبو
بكر، وعمر، وعثمان ثماني سنين، أو قال: ست سنين)). والله تعالى أعلم، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته :
حديث أنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه هذا صحيح، انفرد به المصنف وَيَخّْتهُ ،

٣٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ
أخرجه هنا-١٤٤٧/٣ - وفي ((الكبرى)) - ١٩٠٥/٣- بالسند المذكور.
وأخرجه (أحمد) ١٤٤/٣ و١٦٨/٣ . والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: دلّ حديث أنس رضي اللّه تعالى عنها هذا أن عثمان رضي الله تعالى
عنه أتمّ في منى في أواخر إمارته، وكذا ثبت عن عائشة رَّها أنها كانت تتم فيه:
فقد أخرج البخاري في ((صحيحه)) عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله
تعالى عنها، قالت: ((الصلاة أول ما فرضت ركعتان، فأقرّت صلاة السفر، وأتمّت
صلاة الحضر))، قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتمّ؟ قال: تأولت ما تأول
عثمان انتهى .
فاختلف في سبب إتمامهما رضي اللَّه تعالى عنهما:
فأما عثمان رضي اللّه تعالى عنه، فقيل: سبب إتمامه لكونه تأهل بمكة، أو لأنه أمير
المؤمنين، وكلّ موضع له دار، أو لأنه عزم على الإقامة بمكة، أو لأنه استجدّ له أرضا
بمنى، أو لأنه كان يسبق الناس إلى مكة.
قال الحافظ: يردّ هذا كله قول عروة: ((تأولت ما تأول عثمان))، لأن جميع ذلك منتف
في حق عائشة تعجّها، وأكثره لا دليل عليه، بل هي ظنون ممن قالها، ويردّ الأول أن
النبي وَّ كان يسافر بزوجاته وقصر، والثاني أن النبي وَّر كان أولى بذلك، والثالث أن
الإقامة بمكة على المهاجر حرام، والرابع والخامس لم يُنقلا، فلا يكفي التخرّص في
ذلك، والأول، وإن كان نُقل، وأخرجه أحمد، والبيهقي من حديث عثمان، وأنه لما
صلى بمنى أربع ركعات أنكر الناس عليه، فقال: إني تأهلت بمكة لَمَّا قدمتُ، وإني
سمعت رسول اللّه وَ ل يقول: ((من تأهل ببلدة، فإنه يصلي صلاة مقيم)). فهذا الحديث
لا يصحّ، لأنه منقطع، وفي رُواته من لا يُحتجّ به، ويردّه قول عروة: إن عائشة تأولت
ما تأول عثمان، ولا جائز أن تتأهل عائشة أصلًا، فدلّ على وَهْن ذلك الخبر.
قال الحافظ: ثم ظهر لي أنه يمكن أن يكون مراد عروة بقوله: ((كما تأول عثمان))
التشبيه بعثمان في الإتمام بتأويل، لا اتحاد تأوليهما، ويقوّيه أن الأسباب اختلفت في
تأويل عثمان، فتكاثرت، بخلاف تأويل عائشة.
وقد أخرج ابن جرير في ((تفسير سورة النساء)) أن عائشة كانت تصلي في السفر أربعًا،
فإذا احتجّوا عليها، تقول: ((إن النبي ◌َّ كان في حرب، وكان يخاف، فهل تخافون
أنتم؟)).
وقد قيل في تأويل عائشة إنما أتمت في سفرها إلى البصرة إلى قتال علي، والقصر
عندها إنما يكون في سفر طاعة. وهذا القولان باطلان، لا سيما الثاني.

٣٥٧
٣- (بَأَبُ الصَّلَاةِ فِي مِنَى) - حديث رقم ١٤٤٧
والمنقول أن سبب إتمام عثمان أنه کان یری القصر مختصًا بمن کان شاخصًا سائرًا،
وأما من أقام في مكان في أثناء سفره، فله حكم المقيم، فيتمّ، والحجة فيه ما رواه
أحمد بإسناد حسن، عن عباد بن عبدالله بن الزبير، قال: لما قدم معاوية حاجًّا صلى بنا
الظهر ركعتين بمكة، ثم انصرف إلى دار الندوة، فدخل عليه مروان، وعمرو بن
عثمان، فقالا: لقد عبت أمر ابن عمّك، لأنه كان قد أتمّ الصلاة، قال: وكان عثمان
حيث أتمّ الصلاة إذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء أربعًا، ثم إذا خرج إلى
منى وعرفة قصر الصلاة، فإذا فرغ من الحجّ، وأقام بمنى أتمّ الصلاة.
وقال ابن بطال: الوجه الصحيح في ذلك أن عثمان وعائشة كانا يريان أن النبي وَل
إنما قصر لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته، فأخذا لأنفسهما بالشدّة اهـ.
قال الحافظ: وهذا رجحه جماعة، من آخرهم القرطبي. لكن الوجه الذي قبله أولى
لتصريح الراوي بالسبب.
وأما ما رواه عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، أن عثمان إنما أتمّ الصلاة لأنه
نوى الإقامة بعد الحجّ، فهو مرسل، وفيه نظر، لأن الإقامة بمكة على المهاجرين
حرام، وصحّ عن عثمان أنه كان لا يودّع النساء إلا على ظهر راحلته، ويسرع الخروج،
خشية أن يرجع في هجرته، وثبت عن عثمان أنه قال لما حاصروه - وقال له المغيرة:
اركب راحلتك إلى مكة- قال: لن أفارق دار هجرتي، ومع هذا النظر في رواية معمر،
عن الزهريّ، فقد روى أيوب، عن الزهري ما يُخالفه:
فروى الطحاوي وغيره من هذا الوجه عن الزهري، قال: إنما صلى عثمان بمنى
أربعًا، لأن الأعراب كانوا كثروا في ذلك العام، فأحبّ أن يُعلمهم أن الصلاة أربع.
وروى البيهقي من طريق عبدالرحمن بن حُميد بن عبدالرحمن بن عوف، عن أبيه،
عن عثمان، أنه أتمّ بمنى، ثمّ خطب، فقال: إن القصر سنة رسول اللَّه ◌َّل وصاحبيه،
ولكنه حدث طَغَام - بفتح الطاء والمعجمة- فخفتُ أن يستنّوا.
وعن ابن جُريج أن أعرابيا ناداه في منى: يا أمير المؤمنين ما زلت أَصليها منذ رأيتك
عام أول ركعتين.
قال الحافظ: وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا، ولا ما نع أن يكون هذا أصل سبب
الإتمام، وليس بمعارض للوجه الذي اخترته، بل يُقوّيه، من حيث إن الإقامة في أثناء
السفر أقرب إلى قياس الإقامة المطلقة عليها بخلاف السائر، وهذا ما أدى إليه اجتهاد
عثمان رضي الله تعالى عنه.
وأما عائشة رَعَّها ، فقد جاء عنها سبب الإتمام صريحًا، وهو فيما رواه البيهقي من

٣٥٨
==
شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ
طريق هشام بن عروة، عن أبيه: أنها كانت تصلي في السفر أربعًا، فقلت لها: لو صليت
ركعتين، فقالت: ((يا ابن أختي إنه لا يشقّ عليّ))، وإسناده صحيح، وهو دالٌ على أنها
تأولت أن القصر رخصة، وأن الإتمام لمن لا يشقّ عليه أفضل انتهى (١).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: هذا الذي ثبت عن عثمان، وعائشة تؤيّا من اختيار
الإتمام على القصر هو اجتهاد منهما، لا يتابعان عليه، لأن المختار والأفضل هو الذي
كان عليه رسول اللَّه ◌َ لَّ، وأبو بكر، وعمر تتؤيّا من القصر في السفر مطلقا.
هذا من حيث الأفضلية، وأما من حيث الجواز فالمختار جواز الإتمام، كما تقدّم
تحقيقه في المسألة الرابعة في أول ((كتاب القصر)) -١٤٣٣/١ -. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٤٤٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُالْوَاحِدِ، عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ
عَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ ح وَأَنْبَأَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَِّ، قَالَ:
صَلَّيْتُ بِمِنَى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ ﴿ رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة :
١- (قتيبة) المذكور قبله.
٢- (عبدالواحد) بن زياد العبدي مولاهم، أبو بشر، وقيل: أبو عُبيدة البصري، أحد
الأعلام، ثقة، وفي حديثه عن الأعمش وحده مقال [٨].
روى عن أبي إسحاق، وعاصم الأحول، والأعمش، وغيرهم.
وعنه: ابن مهديّ، وعفان، وعارم، وقتيبة، وغيرهم.
قال معاوية بن صالح: قلت لابن معين: مَنْ أثبت أصحاب الأعمش؟ قال: بعد
شعبة، وسفيان، أبو معاوية، وبعده عبدالواحد. وقال عثمان الدارمي: قلت ليحيى:
عبدُالواحد أحبّ إليك، أو أبو عوانة؟ قال: أبو عوانة أحبّ إليّ، وعبدالواحد ثقة.
وقال صالح بن أحمد، عن علي بن المدينيّ: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما رأيت
عبدالواحد بن زياد يطلب حديثًا قطّ بالبصرة، ولا بالكوفة، وكنا نجلس على بابه يوم
الجمعة بعد الصلاة أُذاكره حديث الأعمش، فلا يعرف منه حرفًا. وقال ابن سعد: كان
يُعرَف بالثقفيّ، وهو مولى لعبد القيس، وكان ثقةً كثير الحديث. وقال أبو زرعة، وأبو
حاتم: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو داود: ثقة عَمَدَ إلى أحاديث كان
(١) ((فتح)) ٣/ ٢٨٠ - ٢٨١.

٣- (بابُ الصّلاةِ فِي مِنی) - حدیث رقم ١٤٤٨
٣٥٩ =
يُرسلها الأعمش، فوصلها. وقال العجلي: بصريّ ثقة حسن الحديث. وقال
الدارقطنيّ: ثقة مأمون. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن عبدالبر: أجمعوا أنه لا
خلاف بينهم أن عبدالواحد بن زياد ثقة ثبت. وقال ابن القطان الفاسيّ: ثقة لم يُعتلّ عليه
بقادح .
قال عمرو بن علي، وغيره: مات سنة (١٧٦) وقال أحمد: (٧٧) وقال البخاري،
عن محمد بن محبوب: مات سنة (٧٩). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة
أحاديث فقط .
٣- (محمود بن غَيلان) المرزوي، ثقة [١٠] تقدم ٣٣/ ٣٧ .
٤- (يحيى بن آدم) بن سليمان الأموي مولاهم الكوفي، ثقة حافظ فاضل، من كبار
[٩] تقدم ١ / ٤٥١ .
٥- (سفيان) بن سعيد الثوري، تقدم قريبًا .
٦- (الأعمش) سليمان بن مهران تقدم قريبا.
٧- (إبراهيم) بن يزيد النخعي الثقة الفقيه [٥] تقدم٢٩/ ٣٣.
٨- (عبدالرحمن بن يزيد) بن قيس النخعي، أبو بكر الكوفي، ثقة، من كبار [٣]
تقدم ٣٧/ ٤١ .
٩- (عبدالله) بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه تقدم قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى بالنسبة إلى السند الأول، ومن
سباعياته بالنسبة إلى الثاني، فالأول أعلى بدرجتين. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح.
ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيخيه، فلأول بغلاني، والثاني مروزي، وغير
عبد الواحد، فبصريّ. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض :
الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود (رَّه) أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ بِمِنَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ مِ ﴿ رَكْعَتَيْنِ)
هذا الكلام ذكره عبداللَّه ◌َوّه لما ذُكر له أن عثمان رَّه أتم في منى، ففي الرواية
الآتية: ((صلى عثمان بمنى أربعًا حتى بلغ ذلك عبدَالله، فقال: لقد صليت مع رسول
اللّه وَّ ركعتين)). وفي رواية مسلم بسند المصنف عن إبراهيم، قال: سمعت
عبدالرحمن بن يزيد، يقول ((صلى بنا عثمان بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبدالله بن

= ٣٦٠
=
شرح سنن النسائي - كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ
مسعود، فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول اللَّه وَل بمنى ركعتين، وصليت مع أبي
بكر الصدّيق بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي من
أربع ركعات ركعتان متقبلتان)).
قال النووي ◌َّلهُ: معناه ليت عثمان صلى ركعتين، بدل الأربع، كما كان النبي
وَلَّهِ، وأبو بكر، وعمرُ، وعثمان رضوان الله عليهم أجمعين في صدر خلافته يفعلون،
ومقصوده كراهة مخالفة ما كان عليه رسول اللّه وَ لهره وصاحباه، ومع هذا فابن مسعود
رَّهِ موافق على جواز الإتمام، ولهذا كان يُصلي وراء عثمان رَّ مُتمّا، ولو كان
القصر عنده واجبًا لما استجاز تركه وراء أحد انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): ((مِنْ)) -أي في قوله: ((من أربع ركعات))- للبدلية، مثل قوله
تعالى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾ الآية [التوبة: ٣٨]، وهذا يدلّ على
أنه كان يرى الإتمام جائزًا، وإلا لما كان له حظّ من الأربع، ولا من غيرها، فإنها كانت
تكون فاسدة كلها، وإنما استرجع ابن مسعود لما وقع عنده من مخالفة الأولى، ويؤيده
ما روى أبو داود: ((أن ابن مسعود رَّه صلى أربعًا، فقيل له: عبت على عثمان، ثم
صليت أربعًا، فقال: الخلاف شرّ))، وفي رواية البيهقي: ((إني لأكره الخلاف))،
ولأحمد من حديث أبي ذرّ رَّ مثل الأول، وهذا يدلّ على أنه لم يكن يعتقد أن
القصر واجب، كما قال الحنفية، ووافقهم القاضي إسماعل من المالكية، وهي رواية
عن مالك، وعن أحمد، قال ابن قدامة: المشهور عن أحمد أنه الاختيار، والقصر عنده
الأفضل، وهو قول جمهور الصحابة، والتابعين(٢).
قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى هو الأرجح
عندي، وقد تقدم بيان ذلك، في المسألة الرابعة في أول ((كتاب القصر)). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته :
حديث عبدالله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٤٤٨/٣ - وفي (الكبرى)) -١٩٠٦/٣ - عن قتيبة، عن عبدالواحد - ح
(١) ((شرح مسلم)) ٢٠٤/٦.
(٢) ((فتح)) ٢٧٣/٣ .