Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٣ - (بَابُ التَّكِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٨٦
١٦١=
=
واعترضه ابن دقيق العيد بأن الردّ إلى الساعة المعروفة أولى، وإلا لم يكن لتخصيص
هذا العدد بالذكر معنى؛ لأن المراتب متفاوتة جدًّا.
وأولى الأجوبة الأول، إن لم تكن زيادة ابن عجلان محفوظة، وإلا فهي
المعتمدة انتهى(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن الأرجح هو القول بدلالة الحديث على
جواز صحة صلاة الجمعة قبل الزوال، إذ هذه التأويلات كلها فيها تكلف وتعسّف، كما
لا يخفى على من تأمل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٨٦ - (أخبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ(٢)، عَنْ
سَعيد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ نَّهِ: ((إِذَا كَانَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، كَانَ عَلَى كُلِّ بَابِ، مِنْ
أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ، يَكْتُبُونَ النَّاسَ عَلَى مَنَازِلِهِمُ الأَوَّلَ، فَالأَوَّلَ، فَإِذَا خَرَجَ اَلِمَامُ،
طُوِيَتِ الصُّحُفُ، فَاسْتَمَعُوا (٣) الْخُطْبَةَ، فَالْمُهَجِّرُ إلَى الصَّلَاةِ(٤) كَالْمُهْدِيَ بَدَنَّةً، ثُمَّ الَّذِي
يَلِيِهِ كَالْمُهْدِي بَقَرَةَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيَهِ كَالْمُهْدِي كَبْشَا، حَتَّى ذَكَرَ الدَّجَاجَةَ، والْبَيْضَةَ»).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (محمد بن منصور) الجَوّاز المكي، ثقة [١٠] تقدم ٢١/٢٠.
٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة المشهور [٨] تقدم ١/١ .
٣- (سعيد) بن المسيب الإمام الفقيه الحجة من كبار [٣] تقدم ٩/٩.
والباقيان تقدما في الذي قبله، وكذا شرح الحديث، والكلام على مسائله وهو
حديث صحيح. وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: ((على منازلهم))، أي: على حسب درجاتهم التي ينالونها بالتقدّم إلى الجمعة.
وقوله: ((الأول، فالأول)) بدل من الناس، ويحتمل أن يكون منصوبًا على الحال،
وإن كان جامدًا معرفة، لتأوّله بالمشتق النكرة، أي: مترتبين، كما قال في
((الخلاصة)) .
وَيَكْثُرُ الْجُمُودُ فِي سِعْرٍ وَفِي مُبْدٍ تَأَوُّلِ بِلَا تَكَلُّفِ
وقال أيضًا :
(١) ((فتح)) جـ ص ٢١ - ٢٢ .
(٢) وفي نسخة ((ثنا)).
(٣) في نسخة ((واستمعوا)).
(٤) وفي نسخة ((إلى الجمعة)).

١٦٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظَا فَاعْتَقِدْ تَنْكِيرَهُ مَعْنَى كَوَحْدَكَ اجْتَهِدْ
وقال الطيبيّ ◌َّتُهُ: أي الداخلَ الأولَ، والفاء فيه، و()ثُمّ)) في قوله: ((ثم كالمهدي))
كلتاهما لترتيب النزول من الأعلى إلى الأدنى، لكن في الثانية تراخ ليس في الأولى
انتھی(١) .
وقوله: ((كبشًا)) بفتح الكاف، وسكون الموحّدة: هو الفحل الذي يُناطح، قاله في
(المجمع))، وقال في ((ق)): الكبش الحَمَلُ إذا اثْنَى، أو إذا خرجت رَبَاعيته. وفي ذكر
الكبش، وهو الذكر إشارةٌ إلى أنه أفضل من الأنثى.
وفي رواية ((كبشا أقرن)).
قال النووي ◌َّتُهُ: وصفه به لأنه أكمل، وأحسن صورة، ولأن قرنه يُنتفع به
انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل .
١٣٨٧- (أخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، قَالَ: انْبَأَنَا
اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أبي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيّرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهَ(٢)
وَِّ، قَالَ: تَقَعُدُ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى ابْوَابِ الْمَسْجِد، يَكْتُبُونَ النَّاسَ عَلَى
مَنَازِلِهِمْ، فَالنَّاسُ فيه كَرَجُلَ قَدَّمَ بَدَنَةً، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ بَقَرَةً، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ شَاةً، وَكَرَجُلٍ
قَدَّمَ دَجَاجَةً، وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ عُصْفُورَا، وَكَرَجُلٍ قُدَّمَ بَيْضَةً))).
رجال هذا الإسناد : سبعة :
١- (الربيع بن سليمان) المرادي المصري، ثقة [١١] تقدم ٣١١/١٩٥ .
٢- (شعيب بن الليث) أبو عبد الملك المصري، ثقة فقيه نَبِيل، من كبار [١٠] تقدم
١٢٠ /١٦٦ .
٣- (الليث) بن سعد الإمام الفقيه الحجة المصري [٧] تقدم ٣٥/٣١.
٤- (ابن عَجْلان) هو محمد المدني، صدوق، اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة [٥]
تقدم ٤٠/٣٦ .
٥- (سُميّ) مولى أبي بكر بن عبد الرحمن المدني، ثقة [٦] تقدم ٥٤٠/٢٢ .
٦- (أبو صالح) ذكوان السمّال الزيات المدني، كان يجلب الزيت إلى الكوفة، ثقة
ثبت [٣] تقدم ٤٠/٣٦ .
(١) راجع ((المرعاة)) جـ٤ ص ٤٦٠.
(٢) وفي نسخة ((عن النبي ◌َّ)).

١٣ - (بابُ التَّكِيرِ إِلَى الْجُمُعةِ) - حديث رقم ١٣٨٧
١٦٣ =
والصحابي ذُكر في السنة الذي قبله.
[تنبيه]: قوله: ((كرجل قدّم بدنة، وكرجل قدّم بدنة إلخ)) هكذا وقع في ((الهندية))
الجميع مكرّرًا، وكذا هو في ((الكبرى))، ووقع في النسختين المطبوعتين بدون تكرار.
قال السيوطي ◌َقْتُ في ((شرحه)): كُرّر المتقرّب به مرتين في الجميع للإشارة إلى أن
الآتي في أول ساعة، وفي آخرها يشتركان في مسمّى البدنة مثلًا، ويتفاوتان في صفاتها
(١) .
انتھی
وقال السندي تَّتُهُ في ((شرحه)): التكرار في الجميع للإشارة إلى أن الأجر المذكور
مُوَزّعٌ على ساعات، فالآتي في أول كلّ ساعة وآخرها يشتركان في نوع ذلك الأجر،
كالمتصدّق بالبدنة مثلًا، وإن تفاوتا من حيثُ الصفات، فالآتي في أول تلك الساعة
كالمعطي للبدنة السمينة، ومَنْ بعدَه كالمتصدّق بما دون ذلك. والله تعالى أعلم
(٢)
انتھی (٢) .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لكن يُشكل على هذا ما أخرجه عبد الرزّاق في
((مصنّقه)) عن ابن جريج، عن سميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ◌َظّه ، عن النبي
وَ لّر قال: ((إذا كان يوم الجمعة، فاغتسل أحدكم كما يغتسل من الجنابة، ثم غدا في أول
ساعة، فله من الأجر مثل الجَزُور، وأول الساعة وآخرها سواء، ثم الساعة الثانية مثل
الثور، وأولها وآخرها سواء، ثم الثالثة مثل الكبش الأقرن، أولها وأخرها سواء، ثم
الساعة الرابعة مثل الدجاجة، وأولها وآخرها سواء، ثم مثل البيضة، فإذا جلس الإمام
طُويت الصحفُ، وجاءت الملائكة تستمع الذكر، ثم غُفر له إذا استمع، وأنصت ما بين
الجمعتين، وزيادة ثلاثة أيام))(٣).
ويمكن أن يُجاب عنه بأن تساوي أول الساعة وآخرها إنما هو في مطلق كونه مثل
الجزور، والثور، وهكذا، ولا يلزم من ذلك التساوي في الصفات، فتكون مثلًا جزور
الآتي في أولها كاملة الأوصاف من السمن وغيره، والآتي بعده دون ذلك، وهكذا،
والله تعالى أعلم.
وقوله: ((قدم عصفورًا» هكذا وقع في رواية ابن عجلان، عن سُميّ زيادة ((عصفور))
بين الدجاجة والبيضة، وهي زيادة شاذّة، لمخالفة محمد بن عجلان فيها الحفّاظ الذين
تقدمت رواياتهم .
(١) ((زهر الربى)) جـ٣ ص٩٩ - ١٠٠.
(٢) ((شرح السندي)) جـ ٣ ص ٩٨ - ٩٩ .
(٣) ((المصنف)) جـ٣ ص ٢٥٨ - ٢٥٩ . ورجاله رجال الصحيح.

١٦٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
وقول الحافظ في ((الفتح)): تابعه عيسى بن صفوان، عن ابن عجلان، أخرجه محمد
ابن عبد السلام الخشنيّ، لا يؤيده؛ لأن المتابعة لليث، لا لابن عجلان، وكلامنا فيه،
وذكر له شاهدًا من حديث أبي سعيد، أخرجه حُمَيد بن زنجويه في ((الترغيب)) له بلفظ :
((فكمهدي البدنة، إلى البقرة، إلى الشاة، إلى علية الطير، إلى العصفور ... )) الحديث.
ولكن لم يَذكر سنده حتى يُنظر فيه، ولا تكلم على درجته. وكذا قوله: ونحوه في
مرسل طاوس، عند سعيد بن منصور (١).
وقد تقدّم عن النووي رحمه الله تعالى أنه قال: هاتان الروايتان - يعني زيادة (بطة))،
و))عصفور)) - وإن صحّ إسنادهما، فقد يقال: هما شاذتان، لمخالتفهما الروايات
المشهورة انتهى. والله تعالى أعلم.
وبقية شرح الحديث يُعلم مما سبق.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه(٢).
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١٣/ ٧٨٣١ - وفي ((الكبرى)) - ١٦٩٦/١٣ - عن الربيع بن سليمان،
عن شُعيب بن الليث، عن أبيه، عن ابن عجلان، عن سُميّ، عن أبي صالح، عنه.
وفي ١٣٨٨/١٤ - و)) الكبرى)) - ١٤ / ١٦٩٧ - عن قُتيبة، عن مالك، عن سُميّ به. وفي
((الكبرى))(٣) عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن القاسم، عن
مالك به. وفيه عن قتيبة بن سعيد، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن سُهيل، عن أبي
صالح به .
وأخرجه (خ) ٣/٢ (م) ٣/، ٤ ٨/٣ (د) ٣٥١ (ت) ٤٩٩ (مالك في الموطأ) ٨٤
(أحمد) ٢/ ٤٦٠. والله تعالى أعلم.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنيب)) .
(١) ((فتح)) جـ ٣ ص ٢٢ .
(٢) وقد عرفت أن زيادة العصفور شاذة.
(٣) هذا والذي بعده ذكره في ((تحفة الأشراف)) ج٩ ص ١٢٥٦٩ و١٢٧٧٠.

١٦٥
١٤ - وَقْتُ الْجُمُعَةِ - حديث رقم ١٣٨٨
١٤- وَقْتُ الْجُمُعَةِ
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يحتمل أن مذهب المصنف رَخّْتُهُ تعالى أنه يرى أن
وقت الجمعة بعد الزوال، وهو مذهب الإمام البخاري، وجمهور أهل العلم، كما سيأتي
قريبًا إن شاء الله تعالى.
لكن استدلاله على هذا بحديث أبي هريرة رَّ فيه بعد؛ لأن ظاهره يدلّ لمن
قال بجواز الجمعة قبل الزوال؛ لأنه ظاهر في أن خروج الإمام في أول الساعة
السادسة .
اللهم إلا إذا حمل معنى الحديث على أن هذه الساعات الخمس تكون من الساعة
الثانية، كما تقدّم؛ لأن الساعة الأولى تكون للتأهب بالاغتسال، وغيره من أنواع
النظافة، فتكون الثانية بداية للرواح إلى الجمعة، وتكون الساعة الخامسة هي السادسة،
ويكون خروج الإمام في السابعة وهي بعد الزوال، فيكون الحديث دليلًا على أن وقت
صلاة الجمعة بعد الزوال.
وهذا إن لم تكن زيادة البطة في رواية عبد الأعلى، عن معمر، وزيادة العصفور في
رواية ابن عجلان، عن سميّ، صحيحةً، وهو الصحيح، وإلا فلا إشكال، ولعله أراد
ذلك، حيث أورد هذا الباب بعد ذكر الباب المشتمل على الروايتين المشتملتين على
الزيادة. والله تعالى أعلم.
وأما استدلاله بحديث جابر رَّه الأول ففيه بُعْدٌ؛ لأن الحديث فيه بيان وقت ساعة
الإجابة بأنها آخر ساعة بعد العصر، وليس فيه تعرض لوقت صلاة الجمعة.
لكن يُستفاد منه أن المراد بالساعات الخمس المذكورة في حديث أبي هريرة رضي
الله تعالى عنه هي الساعات المنقسمة إلى اثنتي عشرة ساعةٌ، ففيه الردّ على من فسر
الساعات الخمس بأنها لحظات بعد الزوال، فقال: إن الرواح بعد الزوال، لا قبله، كما
هو مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى.
وأما استدلاله بحديث جابر الثاني، فظاهر على أن السؤال والجواب في قوله: ((أيّة
ساعة؟، قال: زوالُ الشمس)) محمولان على الصلاة، وأما إذا حمل على الرجوع،
فيكون الحديث دليلًا لمن قال بجواز صلاة الجمعة قبل الزوال.
وأما استدلاله بحديث سلمة بن الأكوع ◌َّه، فظاهر؛ لأن الفيء لا يكون إلا بعد
الزوال، كما بينه أهل اللغة، فالظاهر أنهم صلوا بعد الزوال مبكّرين، ثم رجعوا قبل أن

١٦٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
يكون للحيطان فيء يُستظلّ به .
ويؤيده قوله: ((فيء يُستظلّ به))؛ لأن فيه إثبات الفيء، وإنما المنفي الاستظلال به،
فيدلّ على أنهم صلّوا بعد الزوال.
ويحتمل أن يكون مذهبه جواز صلاة الجمعة قبل الزوال - كما هو مذهب الإمام
أحمد، وطائفة من السلف، كما سنذكره - فيكون الحديث الأول دليلًا لجوازها قبل
الزوال، وكذلك حديث جابر الأول، على جعل قوله: ((زوال الشمس)) للرجوع، وأما
على جعله للصلاة فيكون دليلًا لجوازها وقت الزوال، أو قريبًا منه، وكذا حديث سلمة
رَّه دليل لما بعد الزوال، فيكون المصنف رحمه اللَّه تعالى أورد أدلة جوازها قبل
الزوال وبعده. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٣٨٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَنِبَةُ، عَنْ مَالكِ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ
رَسُولَ اللَّهَ بَلِّ قَالَ: ((مَن اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةَ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً،
وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ
كَبْشًا، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَة، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةٌ، وَمَنْ رَاحَ فيِ السَّاعَةِ الْخَامِسَةَ،
فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ، يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة
كلهم تقدّموا قريبًا، فقتيبة، ومالك تقدما قبل بابين، والباقون تقدّموا في الباب
الماضي، وكذا تقدم شرح الحديث، والكلام على مسائله، وهو متفق عليه، ولْنُوَضّح
ما لم يُذكَر إيضاحه فيما سبق :
فقوله: ((غسل الجنابة)) منصوب على أن مفعول مطلق على النيابة، والأصل: غسلًا
كغسل الجنابة .
وذكر الحافظ ابن رجب رحمه اللّه تعالى في ((شرح البخاري)) أنّ للعلماء في تأويله
قولين :
أحدهما: أن المراد به تعميم الجسد بالغسل كما يُعمّمه بغسل الجنابة، ويشهد لذلك
الحديث الآخر الذي فيه: ((فيغسل رأسه، وجسده))، فيكون المعنى: اغتساله للجمعة
كاغتساله للجنابة في المبالغة، وتعميم البدن بالماء، وهذا قول أكثر الفقهاء من
الشافعية، وغيرهم.
الثاني: أن المراد به غسل الجنابة حقيقةً، وأنه يستحبّ لمن له زوجة، أو أمة أن
يطأها يوم الجمعة، ثم يغتسل، وهذا هو المنصوص عن أحمد، وحكاه عن غير
واحد من التابعين، منهم هلال بن يساف، وعبد الرحمن بن الأسود، وغيرهما،

١٦٧
١٤ - وَقْتُ الْجُمُعَةِ - حديث رقم ١٣٨٨
ورُوي عن عبد الرحمن بن الأسود قال: كان يُعجبهم أن يُواقعوا النساء يوم الجمعة؛
لأنهم قد أُمروا أن يغتسلوا، وأن يُغَسِّلُوا. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله
تعالى(١).
وقوله: ((ثم راح)): أي في الساعة الأولى، بدليل قوله: ((ومن راح في الساعة
الثانية))، وقد أخرجه مالك في ((الموطا)) ص ٨٤ عن سُميّ بهذا الإسناد، وفيه التصريح
بذكر الساعة الأولى.
وقوله: ((قرّب بدنةً)) بتشديد الراء، أي: أهداها تقرّبًا إلى اللَّه تعالى.
قال السندي تَخْذَللهُ في شرحه: والساعات محمولة على لحظات قُرب الزوال عند
مالك، وعلى الساعات النجومية عند غيره، وعليه بني المصنف استدلاله على الوقت،
وأيده بالحديث الذي بعده، إذ الساعة فيه محمولة على الساعة النجومية قطعًا، وعلى
هذا فوقت خروج الإمام يكون في الساعة السادسة، قيل: وفيها تزول الشمس، ولا
يخفى أن زوال الشمس في آخر الساعة السادسة، وأول الساعة السابعة، ومقتضى
الحديث أن الإمام يخرج عند أول الساعة السادسة، ويلزم منه أن يكون خروج الإمام
قبل الزوال، فليتأمل. والله تعالى أعلم انتهى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: أنه رتب في هذا الحديث السابقين إلى الجمعة على خمس مراتب،
أولها كمقرّب البدنة، والثاني كمقرّب البقرة، والثالث كمقرّب الكبش، والرابع كمقرّب
الدجاجة، والخامس كمقرّب البيضة، ورتّب هذه المراتب على خمس ساعات، فقال
الجمهور: المراد بهذه الساعات الأجزاء الزمانية التي ينقسم النهار منها على اثني عشر
جزءًا .
واختلف أصحاب الشافعي، هل يكون ابتداؤها من طلوع الفجر، أو الشمس،
والصحيح عندهم من طلوع الفجر، وفيه - كما قال العراقي - أنه ليس العمل عليه في
أمصار الإسلام قديمًا وحديثًا، أن يبكّر للجمعة من طلوع الفجر.
وقال المالكية: المراد لحظات لطيفة بعد الزوال، وهو خلاف ظاهر اللفظ،
والمتبادر إلى الفهم منه، فإن المفهوم منه إنما هو الساعات المعروفة، وقد ورد التصريح
(١) ((شرح البخاري)) لابن رجب الحنبلي جـ ٨ ص ٩٠ .
(٢) (شرح السندي)) جـ ٣ ص ٩٩ .

١٦٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
بذلك في حديث جابر الآتي بعد هذا: ((يومُ الجمعة اثنتا عشرة ساعة ... )) الحديث،
فهو وإن كان في معرض ساعة الإجابة، لكنه يستآنس به في التبكير أيضًا، والله تعالى
أعلم.
قال ولي الدين تَخْذّلهُ: ومما يردّ على المالكية في ذلك أنّا إذا خرجنا عن الساعة
الزمانية لم يبقَ لنا مرَدّ ينقسم فيه الحال إلى خمس مراتب، بل قد يكون مقتضاه الفضل
بحسب تفاوت السبق، ويأتي من هذا مراتب كثيرة جدًّا. ذكره الشيخ تقيّ الدين في
((شرح العمدة)) بمعناه، ثم قال:
فإن قلت: يُجعل الوقت من التهجير مقسمًا على خمسة أجزاء، ويكون ذلك مُرادًا.
قلت: يُشكل ذلك لوجهين :
أحدهما: أن الرجوع إلى ما تقرّر من تقسيم الساعات إلى اثني عشر أولى.
الثاني: أن القائلين بأن التهجير أفضل، لا يقولون بذلك على هذه القسمة، فإن
القائل قائلان، قائل يقول بترتيب منازل السابقين على غير تقسيم الأجزاء الخمسة،
وقائل يقول بتقسيم الأجزاء ستة إلى الزوال، فالقول بتقسم هذا الوقت إلى خمسة إلى
الزوال مخالف للكلّ، وإن كان قد قال به قائل، فليكتف بالوجه الأول انتهى (١). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في اختلاف أهل العلم في وقت صلاة الجمعة:
(اعلم): أنه قد اختلف العلماء في وقت صلاة الجمعة، فذهب الجمهور، إلى أن
وقتها بعد الزوال، فلا تصحّ قبله.
وذهب الإمام أحمد، وطائفة من السلف إلى أنها تجوز قبل الزوال.
قال الإمام البخاري رَخّْلهُ: ((بابٌ وقتُ الجمعة إذا زالت الشمس))، وكذلك يُروى
عن عمر، وعلي، والنعمان بن بشير، وعمرو بن حُريث.
قال الحافظ ابن رجب ◌َخّْلهُ: وهو قول أكثر الفقهاء، منهم الحسن، والنخعي،
والثوريّ، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي.
وذهب كثير من العلماء إلى أنه يجوز إقامتها قبل الزوال.
قال: وحكى الماوردي في كتابه ((الحاوي)) عن ابن عباس رَؤُّت أنه تجوز صلاة
الجمعة قبل الزوال، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، نقله عنهما ابن منصور، وهو
(١) ((طرح التثريب)) جـ٣ ص ١٧٣ - ١٧٤ .

١٦٩
١٤- وَقْتُ الْجُمُعَةِ - حديث رقم ١٣٨٨
=
مشهور عن أحمد، حتى نُقل عنه أنه لا يختلف قوله في جواز إقامة الجمعة قبل الزوال،
كذا قاله غير واحد من أصحابه.
وقال الحافظ ابن رجب ◌َّلهُ في حديث أنس رَاتَّي: ((كنا نُبكّر بالجمعة، ونَقيل
بعد الجمعة)).
هذا مما يَستدلّ به من يقول بجواز إقامة الجمعة قبل الزوال، لأن التبكير،
والقائلة لا يكون إلا قبل الزوال، وقد ثبت أنهم كانوا في عهد عمر يُصلّون معه
الجمعة، ثم يرجعون، فيقيلون قائلة الضحى، وهذا يدلّ على أن وقت الضحى كان
باقيًا .
وكل ما استدل به من قال: تُمنع الجمعة قبل الزوال ليس نصًّا صريحًا في قوله،
وإنما يدلّ على جواز إقامة الجمعة بعد الزوال، أو على استحبابه، أما منع إقامتها قبله
فلا، فالقائل بإقامتها قبل الزوال يقول بجميع الأدلة، ويَجمع بينها كلّها، ولا يردّ منها
شيئًا .
فروى جعفر بن بُرقان، عن ثابت بن الحجاج، عن عبد الله بن سِيدَان، قال:
شهدت الجمعة مع أبي بكر الصدّيق، فكانت خطبته، وصلاته قبل نصف النهار، ثم
شهدتها مع عمر. فكانت صلاته وخطبته إلى أن نقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع
عثمان، فكانت صلاته وخطبته إلى أن نقول: مال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك،
ولا أنكره.
أخرجه وكيع في كتابه، عن جعفر به، وأخرجه عنه ابن أبي شيبة في كتاب، وخرّجه
عبد الرزاق في كتابه، عن معمر، عن جعفر به، وخرّجه الأثرم، والدارقطنيّ.
ورواه الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله، عن وكيع، عن جعفر، واستدلّ به.
وهذا إسناد جيّد، وجعفر حديثه عن غير الزهري حجة يُحتجّ به. قاله الإمام أحمد،
والدارقطني، وغيرهما.
وثابت بن الحجاج جزريّ تابعيّ معروف، لا نعلم أحدًا تكلم فيه، وقد خرّج له أبو
داود.
وعبد الله بن سيدان السلمي المظْرُديّ قيل: إنه من الربَذَة، وقيل: إنه جَزَريّ، يروي
عن أبي بكر، وحُذيفة، وأبي ذرَ، وثقه العجليّ، وذكره ابن سعد في طبقة الصحابة،
ممن نزل الشام، وقال: ذكروا أنه رأى النبي بَّ، وقال القُشيريّ في «تاريخ الرقّة)):
ذكروا أنه أدرك النبي وَله .
وأما البخاريّ، فقال: لا يُتابع على حديثه، كأنه يشير إلى حديثه هذا.

١٧٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
وقول ابن المنذر: إن هذا الحديث لا يثبت هو متابعة لقول البخاريّ، وأحمد أعرف
بالرجال من كلّ من تكلّم في هذا الحديث، وقد استدلّ به، واعتمد عليه.
وقد عَضَدَ هذا الحديث أنه قد صح من غير وجه أن القائلة في زمن عمر، وعثمان،
كانت بعد صلاة الجمعة، وصحّ عن عثمان أنه صلى الجمعة بالمدينة، وصلى العصر
بمَلَل. خرجه مالك في ((الموطا)).
وبين المدينة وملل اثنان وعشرون ميلًا، وقيل: ثمانية عشر، ويبعد أن يلحق هذا
السير بعد زوال الشمس .
وروى شعبة عن عمرو بن مرّة، عن عبد الله بن سَلمَة، قال: صلى بنا عبد اللَّه بن
مسعود رَّه الجمعة ضُحّى، وقَال: خشيت عليكم الحرّ.
وروى الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن سويد، قال: صلى بنا مُعاوية
الجمعة ضحى.
وروى إسماعيل بن سميع، عن بلال العَبْسي، أن عمارًا صلى للناس الجمعة،
والناس فريقان: بعضهم يقول: زالت الشمس، وبعضهم يقول: لم تَزُل.
أخرج هذه الآثار كلها ابن أبي شيبة في ((مصنّفه)) ج ١٠٧/٢ - ١٠٨. انتهى كلام
الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى باختصار وتصرف (١).
قال العلّامة الشوكاني رحمه الله تعالى في كتابه ((السيل الجَرَّار)).
(اعلم): أن الأحاديث الصحيحة، قد اشتمل بعضها على التصريح بإيقاع صلاة
الجمعة وقت الزوال، كحديث سلمة بن الأكوع رَّه في ((الصحيحين))، وغيرهما،
قال: ((كنّا نُجَمِّع مع رسول اللَّه ◌َلّ إذا زالت الشمس)).
وبعضها فيه التصريح بإيقاعها قبل الزوال، كما في حديث جابر وَّه عند مسلم،
وغيره: ((أن النبي وَلّ كان يصلي الجمعة، ثمّ يذهبون إلى جمالهم، فيريحونها حين تزول
الشمس)).
وبعضها محتمل لإيقاع الصلاة قبل الزوال، وحالَه، كما في حديث سهل بن سعد
رَوَّهِ في ((الصحيحين))، وغيرهما، قال: ((ما كنّا نَقيلُ، ولا نتغذّي إلا بعد الجمعة)).
وكما في حديث أنس رَّه عند البخاريّ، وغيره، قال: ((كنّا نصلي مع النبي ◌َّلـ
الجمعة، ثمّ نرجع إلى القائلة، فتَقيل)).
ومجموع هذه الأحاديث يدلّ على أنّ وقت صلاة الجمعة حال الزوال، وقبله، ولا
(١) ((شرح صحيح البخاري)) جـ ٨ ص ١٦٩ - ١٨٠.

١٧١ =
١٤ - وَقْتُ الْجُمُعَةِ - حديث رقم ١٣٨٨
موجب لتأويل بعضها .
وقد وقع من جماعة من الصحابة التجميع قبل الزوال، وذلك يدلّ على تقرر الأمر
لديهم، وثبوته انتهى(١).
وقال في ((نيل الأوطار)) عند شرح حديث سهل بن سعد رَّه: «ما كنا نَقيل، ولا
نتغدى إلا بعد الجمعة)): ما حاصله: فيه دليل لمن قال بجواز صلاة الجمعة قبل
الزوال، ووجه الاستدلال به أن الغداء، والقيلولة محلهما قبل الزوال، وحكوا عن
ابن قتيبة أنه قال: لا يُسمَّى غداء، ولا قائلة إلا بعد الزوال، وأيضًا قد ثبت أن النبي
وَلخير كان يخطب خطبتين، ويجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويذكّر الناس، كما في مسلم
من حديث أم هشام بنت حارثة، أخت عمرة بنت عبد الرحمن أنها قالت: ((ما
حفظت ﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾ إلا من في رسول اللَّه ◌َ ظهره وهو يقرؤها على المنبر
كلّ جمعة)) .
وعند ابن ماجه من حديث أبيّ بن كعب ◌َ ◌ّ: ((أن النبي وَلّر قرأ تبارك يوم الجمعة،
وهو قائم يذكّر بأيام اللَّه))، وكان يصلي الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين، كما ثبت
م .
ذلك عند مسلم من حديث عليّ، وأبي هريرة، وابن عباس
ولو كانت خطبته، وصلاته بعد الزوال لما انصرف منها إلا وقد صار للحيطان ظلّ
يُستظلّ به، وقد خرج وقت الغداء والقائلة.
وأصرح من هذا حديث جابر رَمَّه المتقدّم، فإنه صرّح بأن النبي ◌َّ كان يصلي
الجمعة، ثم يذهبون إلى جمالهم، فيُريحونها عند الزوال. ولا مُلجئ إلى التأويلات
المتعَسَّفَة التي ارتكبها الجمهور انتهى (٢) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حققه العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى
هو الحق الذي ينبغي التمسك به؛ لوضوح أدلته.
وحاصله أنّ صلاة الجمعة تجوز قبل الزوال، ولكن الأولى أن تُصَلَّى بعده؛ لأنه
غالب فعل النبي ◌َّر، والخلفاء الراشدين، ومن بعدهم، وهذا هو الصواب الذي لا
يؤدي إلى التكلف بتأويل كثير من النصوص، وإخراجه عن ظواهره، مع أنه لا مُلجئ
إلى ذلك بعد أن ثبت عن كثير من السلف العمل بما دلّ عليه. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
(١) ((السيل الجرّار على حدائق الأزهار)) ج١ ص ٢٩٦ - ٢٩٧.
(٢) ((نيل الأوطار)) جـ ٣ ص ٣٠٩ - ٣١٠.

١٧٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
١٣٨٩- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ عَمْرِو، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً
عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْجُلَّاَحِ مَوْلَى
عَبْدِالْعَزِيزِ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَهُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُوَّلِ اللَّهِ
وَ قَالَ: ((يَوْمُ الْجُمُعَةِ اثْنَا عَشْرَةَ سَاعَةً، لَا يُوجَدُ فِيهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا، إِلَّا
آتَاهُ إِيَّاهُ، فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَضْرِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١- (عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو) أبو محمد المصري، ثقة [١١] تقدم ٤٥/
٥٩٤ ٠
٢- (الحارث بن مسكين) المصري القاضي الفقيه، ثقة [١٠] تقدم ٩/ ٩.
٣- (ابن وهب) هو عبدالله المصري، ثقة حافظ [٩] تقدم ٩/٩.
٤- (عمرو بن الحارث) المصري، ثقة ثبت [٧] تقدم ٧٩/٦٣ .
٥- (الجُلاح (١) مولى عبدالعزيز) بن مروان الأمويّ مولاهم، أبو كثير المصري،
صدوق [٦].
روى عن حَنَش الصنعاني، وأبي سلمة، والمغيرة بن أبي بُردة، وغيرهم. وعنه بُكير
ابن الأشجّ، وابن لَهيعة، وعمرو بن الحارث، وغيرهم.
قال الدارقطني: لا بأس به. وقال يزيد بن أبي حبيب: كان رضًا. وذكره ابن حبان
في ((الثقات)). وقال ابن عبدالبرّ: الْجُلاح، أبو كثير، يقال: إنه مولى عمر بن
عبدالعزيز، ويقال: مولى أخيه عبدالرحمن بن عبدالعزيز، وهو بصري تابعيّ ثقة.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وقع في سند المصنف تَخّْتهُ أنه مولى عبدالعزيز،
فيحتمل أن يكون مولى عبدالعزيز بن مروان بن الحكم والد عمر، وعبدالرحمن، فانتقل
إلى أحدهما، فلا تنافي بينه وبين ما قاله ابن عبدالبرّ رحمه الله تعالى. والله تعالى
أعلم. قال ابن يونس: توفّي سنة (١٢٠) وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٦ - (أبو سلمة بن عبدالرحمن) بن عوف الزهري المدني الفقيه الثقة [٣] تقدم ١/١.
٧- (جابر بن عبدالله) بن عمرو بن حَرَام الأنصاري السَّلَميّ الصحابي ابن الصحابي
رضي الله تعالى عنهما، تقدم ٣٥/٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه اللّه تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، غير
(١) بضم الجيم، وتخفيف اللام آخره حاء مهملة.

١٧٣
١٤- وَقْتُ الْجُمُعَةِ - حديث رقم ١٣٨٩
شيخه الحارث، وأنه مسلسل بالمصريين إلى أبي سلمة، وهو وجابر مدنيان، وفيه أبو
سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه جابر رضي اللّه تعالى عنه أحد
المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرِ بْن عَبْداللَّه) رضي اللّه تعالى عنهما (عَنْ رَسُول اللَّه ◌ِّ) أنه (قَالَ: ((يَوْمُ
الْجُمُعَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً) ((يوم)) مبتدأ، و ((اثنتا عشرة)) خبره، و ((ساعة)) منصوب على
التمييز، ولفظ أبي داود: ((ثنتا عشرة) بدون همزة الوصل، وهي لغة في ((اثنتا)).
قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في ((شرح الترمذي)): أهل الميقات لهم
اصطلاحان في الساعات، فالساعات الزمانية، كل ساعة منها خمس عشرة درجة،
والساعات الآفاقية يختلف قدرها باختلاف طول الأيام وقصرها في الصيف والشتاء،
فالنهار اثنتا عشرة ساعة، ومقدار الساعة يزيد وينقص، ويشهد لهذا الاصطلاح الثاني
قوله وَير: (يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة))، كما رواه أبو داود، والنسائي، بإسناد
صحيح، وصححه الحاكم، فلم يفرّق بين الصيف والشتاء، فهو دائمًا اثنتا عشرة ساعة
انتھی (١) .
وقال السندي في ((شرحه)): المراد ههنا الساعة النجوميّة، والمراد أنها في عدد
الساعات كسائر الأيام انتهى.
وقال صاحب ((المنهل)): والمراد بالساعة هنا الجزء من الزمان، فالنهار اثنا عشر
جزءا طال أو قصر، ويحتمل أن المراد بها الساعة الفلكية، فيكون التقدير بهذا العدد
منظورًا فيه لبعض الأوقات، لأن اليوم يزيد وينقص انتهى (٢).
(لَا يُوجَدُ فيهَا عَبْدٌ مُسْلمٌ) هذه الجملة صفة لمحذوف، تقديره: فيها ساعة، وقد
صرّح به في ((الكبرى))، ولفظه: ((فيها ساعة، لا يوجد عبد مسلم، يسأل اللَّه شيئًا ... ))
(يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا) أي في تلك الساعة، والجملة في محلّ نصب على الحال، أو صفة بعد
الصفة (إلَّا آتَاهُ إِيَّاهُ) ((آتاه)) كأعطاه وزنًا ومعنَى، وفاعل ((آتى)) ضمير يعود إلى ((اللَّه))،
والضمير المنصوب المتصل يعود إلى ((عبد))، والمنفصل إلى ((شيئًا)). أي أعطى الله
تعالى ذلك العبد السائلَ الشىءَ الذي سأله.
والمراد أن تلك الساعة ساعة إجابة الدعاء، فلا يدعو أحد فيها إلا أُعطي ما سأله.
(١) ((طرح التثريب)) ١٧٧/٣.
(٢) ((المنهل)) ١٨٩/٦.

١٧٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
(قَالْتَمسُوهَا) أي اطلبوا تلك الساعة التي يستجيب الله تعالى فيها دعاء الداعين (آخرَ
سَاعَة بَعْدَ الْعَضْر) المراد صلاة العصر، فلا يقال: إن ما بعد العصر هو المغرب.
والمعنى: في آخر وقت بعد صلاة عصر ذلك اليوم، وعلى هذا التقدير يندفع إشكال
من يستشكل، بأنه كيف تُلتمس الساعة في الساعة.
وحاصل الجواب أن المراد من ساعة الإجابة لحظات قليلة، كما ثبت في
(الصحيحين)) وغيرهما من حديث أبي هريرة ◌َظفيه أن رسول اللّه ◌َل ذكر يوم الجمعة،
فقال: ((فيه ساعة، لا يوافقها عبد مسلم ... )) الحديث، وفيه: ((وأشار بيده يُقلّلها))،
وفي رواية لمسلم: ((وهي ساعة خفيفة))، والمراد من آخر الساعة ساعة من جملة الساعة
الاثنتي عشرة المذكورة، فوجود لحظات قليلة في آخر ساعة من الساعة الاثنتي عشرة
المذكورة واضح، لا إشكال فيه. والله تعالى أعلم.
والكلام على ساعة الإجابة سيأتي في باب مفرد آخر ((كتاب الجمعة)) إن شاء الله
تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١٣٨٩/١٤ - وفي ((الكبرى)) - ١٦٩٧/١٤- بالسند المذكور.
وأخرجه (د)١٠٤٨، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا، ونعم الوكيل.
١٣٩٠ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَخْتِى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَسَنُ
ابْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا
نُصَلِّي مَعَّ رَسُولِ اللّهِ بَّهِ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَرْجِعُ، فَتُرِيحُ نَوَاضِحَنَا، قُلْتُ: أَيَّةَ سَاعَةٍ؟ قَالَ:
زَوَالُ الشَّمْسِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (هارون بن عبدالله) الحمّال البغدادي، ثقة [١٠] تقدم ٦٢/٥٠.
٢- (يحيى بن آدم) الكوفي، ثقة حافظ فاضل، من كبار[٩] تقدم١/ ٤٥١ .
٣- (حسن بن عياش) -بتحتانية، ثم معجمة- ابن سالم الأسديّ، أبو محمد
الكوفي، أخو أبي بكر المقرىء، صدوق [٨].

١٧٥
١٤- وَقْتُ الْجُمُعَةِ - حديث رقم ١٣٩٠
روى عن الأعمش، وابن عجلان، وجعفر الصادق، وغيرهم. وعنه ابن المبارك،
وابن مهديّ، ويحيى بن آدم، وغيرهم.
قال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة، وأخوه أبو بكر ثقة، قال عثمان: ليسا بذاك،
وهما من أهل الصدق والأمانة. وقال النسائي: ثقة. وقال الطحاويّ: ثقة حجة. وقال
العجليّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). قال يحيى الحمّاني: مات سنة (١٧٢).
روى له مسلم، والترمذيّ، والنسائي. له في ((صحيح مسلم)) حديث واحد في
((الجمعة))(١). وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم ١٣٩٠ ورقم ٣٦٢٣.
٤- (جعفر بن محمد) الهاشميّ المعروف بالصادق، أبو عبدالله المدني، صدوق
فقيه إمام [٦] تقدم ١٢٣ / ١٨٢.
٥- (محمد بن علي) بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الهاشمي المعروف بالباقر،
أبو جعفر المدني، ثقة فاضل [٤] تقدّم ١٢٣/ ١٨٢.
والصحابي تقدم في الذي قبله. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، وهو
مسلسل بالمدنیین من جعفرن وشيخه بغدادي، ویحیی وحسن کوفیان، وفيه رواية الابن
عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ جَابِرِ بْن عَبْداللَّه) رضي اللَّه تعالى عنهما (قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُول اللَّه ◌ِيِّ
الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَرْجِعُ، فَتُرِيحُ) بضم النون، من الإراحة، يقال: راحت الإبل تَرُوح، فهي
رائحة: إذا رجعت من المَرْعَى. قال الأزهريّ: وأما راحت الإبل، فهي رائحة، فلا
يكون إلا بالعشيّ، إذا أراحها راعيها على أهلها، يُقال: سَرَحَتْ بالغداة إلى الرَّغْي،
وراحَتْ بالعشيّ على أهلها، أي رجعت من المَرْعى إليهم. وقال ابن فارس: الرَّواح
رَوَاح العشيّ، وهو من الزوال إلى الليل. قاله الفيّوميّ (٢).
وقال النووي ◌َّلهُ: ومعنى («نُريح))، أي نُريحها من العمل، وتعب السقي، فنخليها
منه، وأشار القاضي إلى أنه يجوز أن يكون أراد الرواح للرعي انتهى (٣).
(١) هكذا قال في ((تت))، والظاهر أنه حديث الباب.
(٢) ((المصباح)) ص ٢٤٣ .
(٣) (شرح مسلم)) جـ ٦ ص ١٤٩ .

١٧٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
(نَوَاضحَنَا) جمع ناضح. وهو البعير الذي يحمل الماء لسقي الزرع، يقال: نَضَحَ
البعيرُ الماءَ: حمله من نهر، أو يٍّر لسقي الزرع، فهو ناضح، والأنثى ناضحة، سمّي
ناضحًا لأنه يَنْضَحُ العطشَ، أي يَبْلُّهُ بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم استعمل الناضح
في كلّ بعير، وإن لم يحمل الماء. قاله الفيّومي(١).
وقال النووي تَّلهُ: سمي بذلك لأنه ينضح الماء، أي يصبّه.
(قُلْتُ) القائل حسن بن عيّاش، ففي رواية مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق
ابن إبراهيم: قال حسنٌ: فقلت لجعفر: في أي ساعة تلك؟ ... ))، أي قلت لجعفر
مستفهما ضبطَ الوقت (أَيَّةَ سَاعَة؟) بنصب ((أية)) على الظرفية، وهي متعلقة بفعل مقدر
یدلّ عليه ما قبله.
والظاهر أنه يقدر ((أية ساعة تصلون؟))، وعلى هذا فالظاهر أنهم صلوها وقت
الزوال.
ويحتمل أن يقدر ((ترجعون))، وعلى هذا فالمتبادر أن الصلاة كانت قبل الزوال،
فيكون دليلًا لمن قال بصحتها قبل الزوال، وقد تقدَّم أنه الراجح.
ويحتمل أن تكون ((أية)) بالرفع خبرًا لمحذوف، تقديره: أيةُ ساعة هي.
[فائدة]: ((أية)) لغة في ((أيّ)) الاستفهامية، والأفصح في استعمالها، وكذا الشرطية أن
تكون بلفظ واحد للمذكر، والمؤنث، لأنها اسم، والاسم لا تلحقه هاء التأنيث الفارقة
بين المذكر والمؤنث، نحو أيُّ رجل جاء، وأيّ امرأة قامت، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأَىّ
ءَايَتِ اللَّهِ تُنْكِّرُونَ﴾ [غافر: ٨١]، وقال تعالى: ﴿بِأَِّّ أَرْضٍ تَمُونٌ﴾ [لقمان: ٣٤]. وقد
تُطابَقُ في التذكير والتأنيث، نحو أيّ رجل، وأيّة امرأة، وقُرىء شاذًا: ((بأية أرض
تموت))، ومنه هذا الحديث(٢)
(قَالَ) أي جعفر بن محمد (زَوَالُ الشَّمْس) يحتمل النصب على الظرفية لفعل مقدر
كسابقه، ويحتمل الرفع على أنه خبر لمحذوف، أي هو زوال الشمس، وإنما عرف
جعفر ضبط الوقت بإخبار أبيه له، عن جابر ◌َظنّه ، ففي رواية مسلم من طريق سليمان
بن بلال، عن جعفر، عن أبيه، أنه سأل جابر بن عبدالله، متى كان رسول اللّه وَل
يصلي الجمعة؟ قال: كان يصلي، ثم نذهب إلى جمالنا، فتُريحها، زاد في رواية: ((حين
تزول الشمس)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
(١) ((المصباح)) ص ٦٠٩ - ٦١٠ .
(٢) ((المصباح)) ص ٣٤.

١٧٧
١٤- وَقْتُ الْجُمُعَةِ - حديث رقم ١٣٩١
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر بن عبدالله رضي اللّه تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا- ١٤ / ١٣٩٠ - وفي ((الكبرى)) - ١٦٩٩/١٤- بالسند المذكور.
وأخرجه (م) ٨/٣. (أحمد) ٣٣١/٣. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل .
١٣٩١- (أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا (١) عَبْدُ الرَّحِمَنِ، عَنْ يَعْلَى بْنِ
الْحَارِثِ، قَالَ: سَمِعْتُ إِيَاسَ بْنَ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا نُصَلّ
مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّرِ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَرْجِعُ، وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ فَنِىءٌ، يُسْتَظَلُّ بِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (شُعيب بن يوسف) أبو عمرو النسائي، ثقة صاحب حديث [١٠]، من أفراد
المصنف، تقدّم ٤٢ /٤٩ .
٢- (عبدالرحمن) بن مهدي، أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال
والحديث [٩] تقدّم ٤٩/٤٢.
٣- (يعلى بن الحارث) بن حرب بن جرير بن الحارث الْمُحَاربي، أبو حرب،
ويقال: أبو الحارث الكوفيّ، ثقة [٨].
روى عن إياس بن سلمة، وإسماعيل بن أبي خالد، وسليمان بن حبيب، وغيرهم.
و عنه ابنه یحیی، وابن مهديّ، ووکیع، وغيرهم.
قال أبو قُدَامة، عن ابن مهديّ: يعلى بن الحارث من ثقات مشيخة الكوفيين. وقال
ابن معين، وابن المديني، ويعقوب بن شيبة، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في
((الثقات)).
قال البخاري: يقال: مات سنة (١٦٨). وبه جزم ابن حبان.
روى له الجماعة سوى الترمذي. وله في هذا الكتاب حديثان فقط برقم ١٣٩١ ورقم
٥٠٧٧ ٠
٤- (إياس بن سلمة بن الأكوع) الأسلميّ، أبو سلمة، ويقال: أبو بكر المدني، ثقة
[٣].
(١) وفي ((الهندية)) ((حدّثنا)).

== ١٧٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
روى عن أبيه، وابن لعمّار بن يسار. وعنه ابناه سعيد، ومحمد، ويعلى ابن
الحارث، وغيرهم.
قال ابن معين، والعجليّ، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال ابن
سعد: توفي بالمدينة سنة (١١٩) وهو ابن (٧٧) سنة، وكان ثقةً، وله أحاديث كثيرة.
وهكذا قال ابن المديني في تاريخ وفاته. أخرج له الجماعة. وله في هذا الكتاب هذا
الحديث فقط
٥- (سلمة) بن عمرو بن الأكوع، يُنسب إلى جده، الأسلميّ، أبو مسلم، أو أبو
إياس الصحابي رضي الله تعالى عنه، شهد بيعة الرضوان، ومات سنة (٦٤) تقدم ١٥/
٧٦٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح،
سوى شيخه، فإنه من أفرده، وهو ثقة، وفيه رواية الابن عن أبيه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن سلمة بن الأكوع رضي اللَّه تعالى عنه أنه (قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُول اللَّه ◌ِّـ
الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَرْجِعُ) أي إلى منازلهم (وَلَيْسَ لْحيطَان) -بالكسر- جمع حائط (فَنِىءٌ) -
بفتح، فسكون- يقال: فاء الظلّ يفيء فَيْئًا: رجع من جانب المغرب إلى جانب
المشرق، والجمع فُيُوءٌ، وأَفْيَاءٌ، مثل بيت، وبُيُوت، وأَبْيَات، وتقدّم أنه لا يكون إلا بعد
الزوال (يُسْتَظَلُّ به) ببناء الفعل للمفعول، والجملة في محلّ رفع صفة لـ ((فيء))، وإنما
وصفه به إشارة إلى أنّ هناك ظلًا، لكن لا يمكن الاستظلال به لقصره، فلا يكون
الحديث دليلًا لمن أجاز صلاة الجمعة قبل الزوال.
وأصرح منه ما في رواية مسلم لهذا الحديث من طريق وكيع، عن يعلى بن الحارث:
(كنا نُجمّع مع رسول اللَّه ◌َ ﴿ إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبّع الفيء)).
قال النووي رحمه الله تعالى: هذه الأحاديث ظاهرة في تعجيل الجمعة، وقد قال
مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وجماهير العلماء من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم
لا تجوز الجمعة إلا بعد زوال الشمس، ولم يُخالف في هذا إلا أحمد بن حنبل،
وإسحاق، فجوّازها قبل الزوال.
قال القاضي: وروي في هذا أشياء عن الصحابة، لا يصحّ منها شيء إلا ما عليه
الجمهور، وحمل الجمهور هذه الأحاديث على المبالغة في تعجليها، وأنهم كانوا

١٧٩
١٥- (بَأَبُ الأذَاَنِ لِلْجُمُعَةِ) - حديث رقم ١٣٩٢
يؤخرون الغداء، والقيلولة في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة، لأنهم نُدبوا إلى
التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فوتها، أو فوت التبكير إليها.
وقوله: ((نتتبع الفيء)) إنما كان ذلك لشدة التبكير، وقصر حيطانه.
وفيه تصریح بأنه كان قد صار فيء یسیر.
وقوله: ((وليس للحيطان فيء يُستظلّ به)) موافق لهذا، فإنه لم ينف الفيء من أصله،
وإنما نفى ما يُستظلّ به، وهذا مع قصر الحيطان ظاهر في أن الصلاة كانت بعد الزوال
متصلة به انتھی(١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد عرفت فيما تقدّم أن أكثر هذه التأويلات فيها
تكلّف ظاهر، لا حاجة إليه، فبعض الأحاديث يدلّ على صحة الجمعة قبل الزوال.
وأما ما قاله القاضي عياض، من أنه لم يصحّ عن الصحابة شيء، فغير صحيح، فقد
تقدم في المسألة الثانية من شرح حديث أبي هريرة المذكور أول الباب إثباته عن كثير من
السلف. فتنبه .
والحاصل أن الراجح صحتها قبل الزوال، وإن كان الأولى كونها بعده. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمأب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث :
المسألة الأولى: في درجته:
حديث سلمة بن الأكوع رضي اللَّه تعالى عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١٤ / ١٣٩١ - وفي ((الكبرى)) - ١٦٩٨/١٤- بالسند المذكور.
وأخرجه (خ) ١٥٩/٥ (م) ٩/٣ (د) ١٠٨٥ (ق) ١١٠٠ (أحمد) ٤٦/٤ و٤/ ٥٤
(الدارمي) ١٥٥٤ (ابن خزيمة) ١٨٣٩. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)).
١٥- (بَابُ الأَذَانِ لِلْجُمُعَةِ)
١٣٩٢- (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ
(١) (شرح مسلم)) ١٤٨/٦ - ١٤٩.

١٨٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الْجُمُعَةِ
شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّ الأَذَانَ كَانَ أَوَّلُ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ عَلَى
الْمِنْبَرِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ بِّهِ، وَأَبِي بَكْرِ، وَعُمَرَ، فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ
عُثْمَانَ، وَكَثُرَ النَّاسُ، أَمَرَ عُثْمَانُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالأَذَانِ الثَّالِثِ، فَأَذْنَ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ، فَثَبَتَ
الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- (محمد بن سلمة) المرادي المصري، ثقة ثبت [١١] تقدم ٢٠/١٩.
٢- (ابن وهب) عبدالله تقدم في الباب الماضي.
٣- (يونس) بن يزيد الأيليّ، ثقة ثبت [٧] تقدم ٩/ ٩.
٤- (ابن شهاب) الزهري، تقدم قبل باب.
٥- (السائب بن يزيد) بن سعيد بن ثُمَامة بن الأسود الكنديّ، ويقال: الأسديّ، أو
الليثيّ، أو الْهُذَليّ. وقال الزهريّ: هو من الأزد، عداده في كنانة، وهو ابن أخت
النمر، لا يُعْرَفون إلا بذلك، له ولأبيه صحبة. قال محمد بن يوسف، عن السائب بن
يزيد: حجّ أبي مع النبي ◌َّر، وأنا ابن سبع سنين.
روى عن النبي ◌َّر وعن حُويطب بن عبدالعزى، وعمر، وعثمان، وعبدالله بن
السعدي، وغيرهم.
وعنه ابنه عبدالله، والزهريّ، والجعد بن عبدالرحمن، وغيرهم.
قال الواقديّ: توفي بالمدينة سنة (٩١) وقال غيره: سنة (٦)، وقيل: سنة (٨٨)،
وقال ابن عبدالبرّ: كان عاملًا لعمر على سوق المدينة. وقال أبو نعيم: توفي سنة
(٨٢)، وذكره البخاري في ((فصل)) من مات ما بين التسعين إلى المائة. وقال ابن أبي
داود: هو آخر من مات بالمدينة من الصحابة . أخرج له الجماعة، وله في هذا
الكتاب (١٥) حديثًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم رجال
الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالمصريين إلى يونس، والباقيان مدنيان. ومنها: أن
السائب هذا أول محل ذكره من الكتاب. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ شِهَاب، قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّائبُ بْنُ يَزِيدَ) ◌َّهَا (أَنَّ الأَذَانَ) أراد به النداء
الشامل للإقامة. وفي رواية للبخاري: ((كان النداء يوم الجمعة))، وعند ابن خزيمة من