Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ ٧٧- (جَلْسَةُ الإِمَامِ بَيْنَ التَّسْلِيم والانصِرَافِ) - حديث رقم ١٣٣٣ عن تابعية، وأن هند بنت الحارث ليس لها ذكر في هذا الكتاب إلا في هذا الباب. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن يونس) بن يزيد الأيلي، أنه قال (قال ابن شهاب) وفي نسخة ((عن ابن شهاب، قال)) (أخبرتني هند) يجوز منعه من الصرف للعلمية والتأنيث، ويجوز صرفه لسكون وسطه، والأوّل أولى لاجتماع العلتين، وإن قاوم إحداهما خفة سكون وسطه، قال في (الخلاصة» : وَجْهَانِ فِي الْعَادِمِ تَذْكِيرًا سَبَقْ وَعُجْمَةً كَهِنْدَ وَالْمَنْعُ أَحَقْ (بنت الحارث الفراسية) بكسر الفاء، وتخفيف الراء، آخره مهملة: نسبة إلى فراس بطن من كنانة . وهند تابعية، ولا يعرف لها راو غير الزهري، ولم يخرج لها مسلم، كما سبق. وقد اختلف في نسبتها، فمنهم من قال: الفراشية، ومنهم من قال: القرشية، فمن قال: من أهل النسب: إن كنانة جماع قريش، فلا مغايرة بين النسبتين، ومن قال: إن جماع قريش فهر بن مالك، فيحتمل أن يكون اجتماع النسبتين لهند على أن إحداهما بالأصالة، والأخرى بالمحالفة. قاله في ((الفتح))(١). (أن أم سلمة) رَالثّها (أخبرتها) أي أخبرت هندا، زاد البخاري ((وكانت من صواحباتها)) (أن النساء في عهد رسول اللّه ◌َّر) أي في وقته (كنّ إذا سلّمن من الصلاة) التي صلينها جماعة في المسجد خلف رسول اللَّه ◌َّر (قُمن) أي من مكانهن، وخرجن إلى بيوتهنّ (وثبت رسول اللّه ◌َ له) أي قعد في مكانه الذي صلّى فيه ليعقد الرجال بقعوده حتى لا تقع الفتنة باختلاط الرجال بالنساء في الطرقات. ففي رواية البخاري من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري: ((كان رسول اللّه وَالتل إذا سلّم قام النساء حين يقضي تسليمه، ومكث يسيرا قبل أن يقوم، قال ابن شهاب: فأُرَى -والله أعلم - أن مكثه لكي يَنْفُذ النساء قبل أن يدركهنّ من انصرف من القوم)). (ومن صلى من الرجال) في محلّ رفع عطف على ((رسول اللَّه))، أي وثبت الرجال الذين صلّوا مع رسول اللَّه وَ لجر (ما شاء اللَّه) ((ما)) مصدرية ظرفية، أي مدة مشيئة الله تعالى، أو موصولة، مفعول ((مكث)»، أي مكث الوقت الذي شاء الله تعالى أن يمكث فيه . (١) ((فتح)) جـ ٢ ص ٦٠٦ . ٣٢٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ وقد أفادت رواية البخاري من طريق جعفر بن ربيعة، عن ابن شهاب مقدار ذلك المكث، ولفظه: ((كان يسلّم، فينصرف النساء، فيدخلن بيوتهنّ من قبل أن ينصرف رسول اللّه وَلِ﴾)). ففيه أن مكثه كان بمقدار انصراف النساء، ودخولهن بيوتهنّ. قال في ((الفتح)): وأفادت هذه الرواية الإشارة إلى أقلّ مقدار كان يمكثه وَاله انتھی . (فإذا قام رسول اللَّه وَله قام الرجال) أي الذين مكثوا معه لكي ينصرف النساء قبل أن يراهنّ الرجال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أم سلمة رضي اللَّه تعالى عنها هذا أخرجه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٣٣٣/٧٧ - وفي ((الكبرى)) - ١٢٥٦/١١١- بالسند المذكور. وأخرجه (خ) ٢١٢/١، و٢١٥/١، ٢١٩/١، و٢٢٠/١ (د) رقم ١٠٤٠ (ق) ٩٣٢ (أحمد) ٢٩٦/٦، و٣١٠/٦، و٣١٦/٦ (ابن خزيمة)١٧١٨، و١٧١٩. والله تعالى أعلم . المسألة الثالثة: في فوائده : منها: ما ترجم له المصنف ◌َّلهُ، وهو استحباب الجلوس بين التسليم والانصراف. ومنها: مراعاة الإمام أحوال المأمومين. ومنها: الاحتياط في اجتناب ما قد يُفضي إلى المحذور. ومنها: اجتناب مواضع التُّهَم، وكراهةُ مخالطة الرجال للنساء في الطرقات، فضلاً عن البيوت. ومقتضى التعليل المذكور أن المأمومين إذا كانوا كلهم رجالاً فقط أنه لا يستحبّ هذا المكث، وعليه حمل ابن قُدَامة حديث عائشة ◌َّها أنه وَّه كان إذا سلّم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: ((اللَّهمّ أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)) الآتي برقم ١٣٣٨/٨٢ . ومنها: أن النساء كنّ يحضرن صلاة الجماعة في المسجد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٣٢٣ ٧٧- (جَلْسَةُ الإِمَامِ بَيْنَ التَّسْلِيم والانصرافِ) - حديث رقم ١٣٣٣ المسألة الرابعة: في مذاهب أهل العلم في حكم المكث في المصلَّ بعد السلام من الصلاة : قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: والمنقول عن السلف يدلّ على أن الإمام ينحرف عقب سلامه، ثم يجلس إن شاء. روى عبدالرزّاق في كتابه عن معمر، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: إذا سلّم الإمام، فليقم، ولينحرف عن مجلسه، قلت: يُجزئه أن ينحرف عن مجلسه، ويستقبل القبلة؟ قال: الانحراف بغرب، أو شرق عن غير واحد، وكان المسؤول معمرًا. وروى أيضاً بإسناده عن مجاهد قال: ليس من السنة أن يقعد حتى يقوم، ثم يقعد بعدُ إن شاء. وعن سعيد بن جبير أنه كان يفعله. وعن عطاء قال: قد كان يجلس الإمام بعد ما يسلّم، وأقول أنا: قدر ما ينتعل نعليه. وعن أبي عبيدة أنه قال- لمّا سمع مصعبًا يُكبّر ويهلل بعد صلاته مستقبل القبلة -: ما له؟ قاتله اللَّه نَغَّار بالبِدَعِ. ويُستثنى من ذلك الجلوسُ بعد الفجر، فإنه لو جلس الإمام بعد استقباله الناس إلى أن تطلع الشمس كان حسنًا. ففي ((صحيح مسلم)) عن جابر بن سمرة رَّه ((أن النبي وَلَه كان لا يقوم من مصلاه الذي يُصلي فيه الصبح، أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام)). وروى وكيع بإسناده عن النخعي أنه كان إذا سلّم قام، إلا الفجر والعصر، فقيل له في ذلك؟ فقال: ليس بعدهما صلاة. قال أحمد -في الإمام إذا صلى بقوم الفجرَ، أو العصرَ -: أعجب إليّ أن ينحرف، ولا يقوم من موضعه، وكان أحمد إذا صلى بالناس الصبح جلس حتى تطلع الشمس. فأما جلوسه بعد الظهر، فقال أحمد: لا يُعجبني. قال القاضي أبو يعلى: ظاهر كلامه أنه يستحبّ بعد الصلاة التي لا يتطوع بعدها، ولا يُستحبّ بعد غيرها، قال: وروى الخلال بإسناده، عن عابد الطائي، قال: كانوا يكرهون جلوس الإمام في مصلاه بعد صلاة يُصلّى بعدها، فإذا كانت صلاة لا يُصلى بعدها، فإن شاء قام، وإن شاء جلس . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: القول بكراهة الجلوس في مكان الصلاة بعدها مما لا دليل عليه، بل هو مصادم للحديث الصحيح ((إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه، ما لم يحدث، اللَّهم اغفر له، اللَّهم ارحمه)). فتنبه. والله تعالى أعلم. قال: وحُكي عن أصحاب الشافعي أن المستحبّ للإمام أن يقوم، ولا يجلس في كلّ الصلوات، وقد نصّ الشافعيّ في ((المختصر)) على أنه يُستحبّ للإمام أن يقوم عقب ٣٢٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ سلامه، إذا لم يكن خلفه نساء، فأما المأموم فلا يكره له الجلوس بعد الصلاة في مكانه يذكر الله، خصوصًا بعد الصبح والعصر، ولا نعلم في ذلك خلافًا . وقد صحّ الحديث في أن الملائكة تصلي على العبد ما دام في مصلاه ما لم يحدث. ووردت أحاديث في الجلوس بعد الصبح والعصر، وكان السلف الصالح يحافظون عليه . ومتى أطال الإمام الجلوسَ في مصلاه، فإن للمأموم أن ينصرف، ويتركه، وسواء كان جلوسه مكروهًا، أو غير مكروه. قال ابن مسعود رَّه: إذا فرغ الإمام، ولم يقم، ولم ينحرف، وكانت لك حاجة فاذهب، ودعه، فقد تمت صلاتك. أخرجه عبدالرزّاق. وذكر بإسناده عن عطاء قال: كلامه بمنزلة قيامه، فإن تكلّم فليقم المأموم إن شاء. وإن لم يُطل الإمام الجلوس فالسنّة أن لا يقوم المأموم حتى يقوم الإمام، كذا قال الزهريّ، والحسن، وقتادة، وغيرهم. وقال الزهريّ: إنما جُعل الإمام ليؤتم به - يشير إلى أن مشروعية الاقتداء لا تنقطع إلا بانصرافه . وفي ((صحيح مسلم))، عن أنس رَّه، عن النبي وَّ قال: ((أيها الناس إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف». وحديث أم سلمة تعطّها المخرّج في هذا الباب يدلّ عليه، فإن النبي ◌َّ كان يجلس يسيرًا حتى ينصرف النساء، فلا يختلط بهن الرجال، وهذا يدلّ على أن الرجال كانوا يجلسون معه، فلا ينصرفون إلا مع انصرافه. وفي هذا الحديث دليلٌ على أن النبي ◌َّ و لم يكن يدعو بعد فراغ صلاته دعاء عامًا للمأمومين، فإنه لو كان كذلك لاشترك في حضوره الرجال والنساء، كما أَمَرَ بشهود النساء العيدين حتى الحيّض، وقال: ((يشهدن الخير ودعوة المسلمين)). فلو كان عقب الصلاة دعاء عامّ لشهده النساء مع الرجال أيضًا. وقال الشافعي في ((الأمّ)): فإن قام الإمام قبل ذلك، أو جلس أطول من ذلك، فلا شيء عليه. قال: وللمأموم أن ينصرف إذا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام، وتأخيره حتى ينصرف بعد انصراف الإمام، أو معه أحب إليّ. وظاهر كلام كثير من السلف كراهة ذلك، كما تقدّم. وفي (تهذيب المدوّنة)) للمالكية: ولا يقيم الإمام في مصلّاه إذا سلّم إلا أن يكون في سفر، أو فنائه، وإن شاء تنخى وأقام. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى ٧٧- (جَلْسَةُ الإِمَامِ بَيْنَ التَّسْلِيم والانصرافِ) - حديث رقم ١٣٣٣ ٣٢٥ === ببعض تغيير (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله الإمام الشافعي رحمه اللّه تعالى في ((الأم)) هو الراجح عندي . وحاصله أن الإمام إن شاء جلس في مصلاه، وإن شاء قام، ولا كراهة في شيء من ذلك، وأما المأموم فهو بالخيار بعد السلام، إن شاء جلس مع الإمام، وهو الأحبّ، وإن شاء انصرف، ولا كراهة في ذلك، إلا إذا كان هناك نساء يخاف الاختلاط معهن، فلا یقوم حتی ینصرفن. وأما القول بكراهة الانصراف قبل الإمام مستدلاً بالحديث المتقدّم، وهو قوله: ((ولا بالانصراف)) فهو غير صحيح عندي، لأن معنى الانصراف هنا - والله أعلم- هو السلام، بدليل أنه سيّ قابله بالركوع، والسجود، والقيام، فنهى عن مسابقته بالركوع، والسجود، والقيام، والانصراف أي السلام، فلا يجوز للمأموم أن يسلّم قبل الإمام، إلا فيما استُثنِيَ بالنصّ، وهو ما إذا طوّل الإمام الصلاة، فللمأموم أن يسلم، ويصلي وحده، لقصة معاذ تَّه المشهورة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في التطوع في محل الفريضة بعدها: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد اختلف العلماء في تطوع الإمام في مكان صلاته بعد الصلاة، فأما ما قبلها، فيجوز بالاتفاق. فكرهت طائفة تطوّعه في مكانه بعد صلاته. وبه قال الأوزاعي، والثوريّ، وأبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وإسحاق، ورُوي عن علي ◌َّه أنه كرهه، وقال النخعي: كانوا يكرهونه. ورَخّص فيه ابنُ عقيل من أصحاب أحمد، كما رجّحه البخاري، ونقله عن ابن عمر، والقاسم بن محمد. فأما المروي عن ابن عمر، فإنه لم يفعله، وهو إمام، بل كان مأمومًا. كذلك قال الإمام أحمد. وأكثر العلماء لا يكرهون للمأموم ذلك، وهو قول مالك، وأحمد. وقد أخرج أبو داود حديثًا يقتضي كراهته من حديث أبي رِمْثة رَانيه ، قال: صلى بنا رسول اللَّه ◌َ لّ، وكان أبو بكر وعمر يقومان في الصف المقدّم عن يمينه، وكان رجل قد (١) ((شرح البخاري)) جـ ٧ ص ٤٣٧ - ٤٤١ . ٣٢٦ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ شهد التكبيرة الأولى من الصلاة، فصلى نبي اللَّه وَلَّ، ثم سلّم عن يمينه، وعن يساره حتى رأيت بياض خدّيه، ثم انفتل، فقام الرجل الذي أدرك التكبيرة الأولى من الصلاة ليشفع، فوثَبَ إليه عمر، فأخذ بمنكبيه، فهزّه، ثم قال: اجلس، فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلاتهم فَصْلٌ، فرفع النبي ◌َّ بصره، فقال: ((أصاب الله بك يا ابن الخطّاب))(١) . وهذا الحديث إنما يدلّ على كراهة أن يَصلَ المكتوبةَ بالتطوّع بعدها من غير فصل، وإن فصل بالتسليم. ويدلّ عليه أيضًا ما رَوَى السائبُ بن يزيد قال: صلّيت مع معاوية الجمعة في المقصورة، فلمّا سلم قمت في مقامي، فصليت، فلمّا دخل أرسل إليّ، فقال: لا تَعُد لما فعلت، إذا صليت الجمعة، فلا تَصلُها بصلاة حتى تتكلّم، أو تخرج، فإن رسول الله ﴿وَلَّ أمرنا بذلك أن لا تُوصَل صلاةٌ بصلاة حتى نتكلّم، أو نخرج. أخرجه مسلم (٢). وروى حرب بإسناده عن عطاء أنه قال فيمن صلى المكتوبة: لا يصلي مكانه إلا أن يقطع بحديث، أو يتقدّم، أو يتأخر. وعن الأوزاعيّ قال: إنما يجب ذلك على الإمام أن يتحوّل من مصلّاه، قيل له: فما يُجزىء من ذلك؟ قال: أدناه أن يزيل قدميه من مكانه. قيل له: فإن ضاق مكانه؟ قال: فلیتربع بعد سلامه، فإنه يُجزئه. ورَوَى أيضًا بإسناده عن ابن مسعود أنه كان إذا سلم قام وتحوّل من مكانه غير بعيد. قال حرب: وثنا محمد بن آدم، ثنا أبو المليح الرَّقْيّ، عن حبيب، قال: كان ابن عمر يكره أن يُصلي النافلة في المكان الذي يصلي فيه المكتوبة حتى يتقدّم، أو يتأخّر، أو يتكلّم. وهذه الرواية تخالف رواية نافع التي أخرجها البخاري(٣). وقد ذكر قتادة عن ابن عمر أنه رأى رجلاً صلّى في مقامه الذي صلى فيه الجمعة، فنهاه عنه، وقال: لا أراك تصلي في مقامك، قال سعيد: فذكرته لابن المسيب، فقال: إنما يكره ذلك للإمام يوم الجمعة. وعن عكرمة، قال: إذا صليت الجمعة، فلا تصلها بركعتين حتى تفصل بينهما بتحوّل أو كلام. أخرجهما عبدالرزّاق. (١) هذا الحديث ضعيف يأتي الكلام عليه قريبًا. (٢) ((صحيح مسلم)) جـ ٢ ص ٦٠١ رقم ٨٨٣ بنسخة محمد فؤاد. (٣) قال الإمام البخاريّ ◌َقّْثُ في ((صحيحه): وقال لنا آدم: ثنا شعبة، عن أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة، وفعله القاسم. انتهى. ٧٧- (جَلْسَةُ الإِمَامِ بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالانْصِرَافِ) - حديث رقم ١٣٣٣ = ٣٢٧ ومذهب مالك أنه يكره في الجمعة أن يتنفّل في مكانه من المسجد، ولا ينتقل منه، وإن كان مأمومًا، وأما الإمام فيكره أن يصلي بعد الجمعة في المسجد بكلّ حال. وقد قال الشافعي في ((سنن حرملة)): حديث السائب بن يزيد عن معاوية هذا ثابت عندنا، وبه نأخذ، قال: وهذا مثل قوله لمن صلى، وقد أقيمت الصلاة: ((أصلاتان معًا؟))، كأنه أحبّ أن يفصلها منها حتى تكون المكتوبات منفردات مع السلام بفصل بعد السلام. وقد روي أن النبي ◌ُّ اضطجع بعد ركعتي الفجر. وروى الشافعي عن ابن عُيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس رَّا أنه كان يأمر إذا صلى المكتوبة، فأراد أن يتنفّل بعدها أن لا يتنفّل حتى يتكلّم، أو يتقدّم. قال ابن عبدالبرّ: هذا حديث صحيح، قال: وقال الشعبي: إذا صلّيت المكتوبة، ثم أردت أن تتطوّع فاخطُ خطوة، وخالف ابنُ عمر ابنَ عباس ه في هذا، وقال: وأيّ فصل أفصل من السلام؟ . وقد ذكر الفقهاء من الحنابلة والشافعيّة أن هذا كلّه خلاف الأولى من غير كراهة فيه، وحديث معاوية رَّه يدلّ على الكراهة انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه اللَّه تعالى ببعض تصرّف (١). قال الجامع عفا الله عنه: كيف يدّعون عدمَ الكراهة، وقد صحّ حديث معاوية ◌َلَّه المتقدّم، ودلالته على الكراهة واضحة؟، كما أشار إليه ابن رجب رَخْدَتُهُ، فليُتَنَبّه. والله تعالى أعلم. وكتب الحافظ وَخَّهُ على قول الإمام البخاري وَخّْلهُ: ((ويذكر عن أبي هريرة رفعه: ((لا يتطوّع الإمام في مكانه))(٢) ولم يصحّ انتهى. ما نصه: قوله: ((ولم يصحّ)) هو كلام البخاريّ، وذلك لضعف إسناده، واضطرابه، تفرّد به ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف (٣)، واختلف عليه فيه. وقد ذكر البخاري الاختلاف فيه في ((تاريخه))، وقال: لم يثبت هذا الحديث. وفي الباب عن المغيرة بن شعبة مرفوعًا أيضًا بلفظ: ((لا يصلي الإمام في الموضع (١) ((شرح صحيح البخاري)) جـ ٧ ص ٤٣٠ - ٤٣٤. (٢) ذكره بالمعنى، ولفظه عند أبي داود: ((أيعجز أحكم أن يتقدم، أو يتأخر، أو عن يمينه، أو عن شماله في الصلاة)). ولابن ماجه: ((إذا صلى أحكم)) زاد أبو داود - يعني ((في السبحة)). والبيهقيّ: إذا أراد أراد أحكم أن يتطوع بعد الفريضة فليتقدّم ... )) الحديث. قاله في ((الفتح)) جـ ٢ ص ٦٠٥ . (٣) بل متروك كما في (ت))، وفيه حجاج بن عبيد، وشيخه إبراهيم بن إسماعيل مجهولان. ٣٢٨ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ الذي صلى فيه حتى يتحوّل)). رواه أبو داود، وإسناده منقطع. وروى ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي رَايه، قال: ((من السنّة أن لا يتطوّع الإمام حتى يتحوّل من مكانه)). وحكى ابن قدامة في ((المغني)) عن أحمد أنه كره ذلك، وقال: لا أعرفه عن غير عليّ، فكأنه لم يثبت عنده حديث أبي هريرة، ولا المغيرة، وكأن المعنى في كراهة ذلك خشية التباس النافلة بالفريضة. وفي مسلم ((عن السائب بن يزيد، أنه صلى مع معاوية الجمعة، فتنفّل بعدها، فقال له معاوية: إذا صليت الجمعة فلا تَصِلها بصلاة حتى تتكلّم، أو تخرج، فإن النبي وَلِّلـ أمرنا بذلك)». ففي هذا إرشاد إلى طريق الأمن من الالتباس، وعليه تحمل الأحاديث المذكورة. ويؤخذ من مجموع الأدلّة أن للإمام أحوالا، لأن الصلاة إما أن تكون مما يُتُطوّع بعدها، أو لا يتطوّع، الأول اختلف فيه هل يتشاغل قبل التطوّع بالذكر المأثور، ثم يتطوّع؟ وهذا هو الذي عليه عمل الأكثرين، وعند الحنفية يبدأ بالتطوّع. وحجة الجمهور حديث معاوية وط نه . ويمكن أن يقال: لا يتعين الفصل بين الفريضة والنافلة بالذكر، بل إذا تنخّى من مکانه کفی . فإن قيل: لم يثبت حديث التنخّي. قلنا: قد ثبت في حديث معاوية رَّه ((أو تخرج)). ويترجّح تقديم الذكر المأثور بتقييده في الأخبار الصحيحة بدبر الصلاة. وزعم بعض الحنابلة أن المراد بدبر الصلاة ما قبل السلام. وتُعُقّب بحديث ((ذهب أهل الدثور))، فإن فيه ((تسبحون دبر كلّ صلاة))، وهو بعد السلام جزْمًا، فكذا ما شابهه. وأما الصلاة التي لا يُتطوّع بعدها، فيتشاغل الإمام ومن معه بالذكر المأثور، ولا يتعيّن له مكان، بل إن شاءوا انصرفوا، وذكروا، وإن شاءوا مكثوا، وذكروا، وعلى الثاني إن كان للإمام عادة أن يعلّمهم، أو يعظهم، فيستحبّ أن يقبل عليهم بوجهه جميعًا، وإن كان لا يزيد على الذكر المأثور، فهل يقبل عليهم جميعًا، أو ينفتل، فيجعل يمينه من قبل المأمومين، ويساره من قبل القبلة، ويدعو؟ الثاني هو الذي جزم به أكثر الشافعيّة . ويحتمل إن قصر زمن ذلك أن يستمرّ مستقبلاً القبلة، من أجل أنها أليق بالدعاء، ويُحمَلُ الأولُ على ما لو طال الذكر والدعاء انتهى كلام الحافظ رحمه اللَّه تعالى(١). (١) (فتح)) جـ ٢ ص ٦٠٥ - ٦٠٦ . ٧٨- (بَأَبُ الانْحِرَافِ بَعْدَ التَّسْلِم) - حديث رقم ١٣٣٤ ٣٢٩= قال بعض المحققين ردا على الاحتمال الأخير: الصواب أن المشروع إقبال الإمام على المأمومين بوجهه بعد السلام، والاستغفار، وقول: ((اللَّهم أنت السلام ... الخ)) مطلقًا لما تقدّم من الأحاديث الصحيحة. والله تعالى أعلم انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما قاله هذا المحقق حسن جدًّا، وسيأتي تحقيقه في الباب التالي، إن شاء الله تعالى .. وقد تلخص مما تقدم من أقوال أهل العلم أن القول الراجح أنه لا يتطوّع الإمام ولا المأموم في محلّ المكتوبة، لعموم حديث معاوية رضي الله تعالى عنه المتقدّم. وأما حديث أبي رمثة المتقدّم فضعيف، لأن في سنده المنهال بن خليفة، وهو ضعيف، وأشعث بن شعبة متكلّم فيه. وكذا حديث أبي هريرة تَظّمه عند أبي داود مرفوعًا: ((أيعجز أحدكم أن يتقدّم، أو يتأخر، أو عن يمينه، أو عن شماله في الصلاة)) -يعني السُّبْحة، ضعيف أيضًا (١)، لأن في سنده ليث بن أبي سُليم متروك، والحجاج بن عُبيد، وشيخه إبراهيم بن إسماعيل مجهولان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب)). ٧٨- (بَابُ الاِنْحِرَافِ بَعْدَ التَّسْلِم) قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الانحراف: مصدر انحرف عن كذا: إذا مال عنه . والمراد به هنا ميل الإمام عن جهة القبلة إلى جهة المأمومين. والله تعالى أعلم بالصواب . ١٣٣٤ - (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتَىٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهُ صَلَةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى انْحَرَفَ). رجال هذا الإسناد : ستة : ١- (يعقوب بن إبراهيم) الدورقي البغدادي، ثقة [١٠] تقدم ٢١/ ٢٢. (١) صححه الشيخ الألباني في ((صحيح أبي داود))، وقد عرفت ما فيه، وراجع ما قاله في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة الحجاج بن عبيد. ٣٣٠ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْو ٢- (يحيى) بن سعيد القطان الإمام المشهور[٩] تقدم ٤/ ٤. ٣- (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام المشهور [٧] تقدم ٣٧/٣٣ . ٤- (يعلى بن عطاء) العامري، أو الليثي الطائفي، ثقة [٤] تقدم ٥٨٤/٤٠ . ٥- (جابر بن يزيد بن الأسود) السُّوَائيّ، أو الْخُزاعيّ، صدوق [٣] تقدّم ٨٥٨/٥٤. ٦- (يزيد بن الأسود) السوائي، ويقال: ابن أبي الأسود الخُزَاعيّ، أو العامري، حليف قريش، صحابي نزل الكوفة عظمالله تقدم ٨٥٨/٥٤. [تنبيه]: قال السندي ريَّلهُ: قوله: ((انحرف))، أي عن جهة القبلة، ومال إلى القوم، أو انصرف إلى البيت، والأوّل أقرب انتهى (١). قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قوله: ((أو انصرف إلى البيت)) غير صحيح، فإن الحديث مختصر، كما تقدم، وفيه أن ذلك كان في مسجد الخيف، في حجة الوداع، وليس ذلك في المدينة، حتى ينصرف إلى البيت، وفي رواية أحمد «ثم انحرف جالسا))، أو ((استقبل الناس بوجهه ... ))، فتنبه. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: حديث يزيد بن الأسود رضي اللّه تعالى عنه هذا صحيح، وتقدّم مطوّلاً برقم ٨٥٨/٥٤- ومضى شرحه مُستوفّى هناك، وكذا بيان مسائله، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها . ولنتكلم هنا على ما بوّب له المصنف رحمه اللّه تعالى، وهو استحباب الانحراف عن القبلة، ومواجهة المأمومين: (اعلم): أنه قد وردت أحاديث باستحباب إقبال الإمام على المأمومين بعد التسليم، وأن ذلك كان من هدي النبي ◌َّ : فمنها : حديث الباب. ومنها: حديث سمرة بن جندب رَّه: ((كان رسول اللَّه وَلِّ إذا صلى صلاةٌ أقبل علينا بوجهه)). أخرجه البخاري. ومنها: حديث البراء بن عازب رَّهما، قال: ((كنا إذا صلينا خلف رسول اللّه وَلِّ أحببنا أن نكون عن يمينه، ليُقبل علينا بوجهه)). رواه مسلم، وأبو داود. ومنها: حديث زيد بن خالد الْجُهَنِيّ رَّه: ((صلى لنا رسول اللَّه ◌َلَه صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس ... )) الحديث. أخرجه البخاري . (١) ((شرح السندي)) جـ ٣ ص ٦٧ - ٦٨ . ٧٨- (بَأَبُ الانْحِرَافِ بَعْدَ التَّسْلِم) - حديث رقم ١٣٣٤ ٣٣١ ومنها: حديث أنس رَّه قال: ((أخّر رسول اللَّه ◌َل الصلاة ذات ليلة إلى شطر الليل، ثم خرج علينا، فلما صلى أقبل علينا بوجهه ... )) الحديث. أخرجه البخاري أيضا . فهذه الأحاديث تدلّ على استحباب استقبال الإمام للمأمومين بعد الفراغ من الصلاة، والمواظبة على ذلك، لما يشعر به لفظ ((كان))، كما تقرّر في الأصول وقال النووي رحمه الله تعالى: المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين أن لفظة ((كان)) لا يلزمها الدوام، ولا التكرار، وإنما هي فعل ماض، يدلّ على وقوعه مرة انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن القول بدلالتها على الدوام، إلا أن تدلّ قرينة على خلاف ذلك هو الأرجح، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]. وقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وقال: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]، إلى غير ذلك من الآيات. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قيل: الحكمة في استقبالهم أن يعلّمهم ما يحتاجون إليه، وعلى هذا يختصّ بمن كان حاله في مثل حاله وّلّر من الصلاحية للتعليم والموعظة . قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: دعوى الاختصاص فيه نظر. وقيل: الحكمة أن يعرف الداخل انقضاء الصلاة، إذ لو استمرّ الإمام على حاله لأوهم أنه في التشهد مثلاً. وقال الزين ابن المنَيّر: استدبار الإمام المأمومين إنما هو لحقّ الإمامة، فإذا انقضت الصلاة زال السبب، واستقبالهم حينئذ يرفع الخُيَلاء والترفّع على المأمومين. وحديث سمرة ◌َّه يدلّ على أنه وَّر كان يُقبل على جميع المأمومين، وحديث البراء يدلّ على أنه كان يقبل على من في جهة يمينه. ويمكن الجمع بينهما بأنه كان تارة يستقبل جميع المأمومين، وتارة يستقبل أهل يمينه. أو يُجعَلُ حديثُ البراء مفسّرًا لحديث سمرة ◌َّه، فيكون المراد بقوله: ((أقبل علينا)) أي على بعضنا. أو أنه كان يصلي في الميمنة، فقال ذلك باعتبار من يصلي في جهة اليمين. أفاده في ((النيل))(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة القول في هذه المسألة أن الأحاديث الصحاح (١) ((نيل الأوطار)) جـ ٢ ص ٣٦١. - = ٣٣٢ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ تدلّ على أنه يستحبّ للإمام أن يُقبل على المأمومين بعد السلام، إن شاء من جهة يمينه، وإن شاء أقبل عليهم جميعًا، وله أن يذهب لحاجته، ويترك الإقبال عليهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلّا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٧٩ - (التَّكْبِيرُ بَعْدَ تَسْلِيمِ الإِمَامِ) ١٣٣٥ - (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدِ الْعَسْكَرِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّمَا كُنْتُ أَعْلَمُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ إِلَّهِ بِالتَّكْبِيرِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١- (بشر بن خالد العَسكَريّ)(١) أبو محمد الفرائضي، نزيل البصرة، ثقة يُغْرب [١٠] تقدم ٢٦ / ٨١٢. ٢ - (يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي، ثقة حافظ فاضل، من كبار[٩] تقدم ١ / ٤٥١. ٣- (سفيان بن عيينة) الإمام الحجة المشهور[٨] تقدم ١/١ . ٤- (عمرو بن دينار) أبو محمد الأثرم الْجُحَميّ مولاهم المكي، ثقة ثبت [٤] تقدم ١١٢ / ١٥٤. ٥- (أبو معبد) نافذ-بفاء، فمعجمة- مولى ابن عباس المكي، ثقة [٤]. روى عن مولاه. وعنه عمرو بن دينار، ويحيى بن عبدالله بن صيفيّ، وأبو الزبير، وسليمان الأحول، والقاسم بن أبي بزة، وفُرَاتٌ القزّاز. قال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وقال الحُمَيديّ، عن سفيان، عن عمرو بن دينار: أخبرني أبو معبد، وكان أصدق موالي ابن عبّاس. وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: مات بالمدينة سنة (١٠٤)، وكان ثقة حسن الحديث. وفيها أرّخه غير واحد. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا، و(٢٤٣٥) حديث: ((إنك تأتي قومًا أهل كتاب ... )) وأعاده برقم (١) نسبة إلى عَسْكَر: اسم موضع. ٣٣٣ ٧٩- ( التَكْبِيرُ بَعْدَ تَسْلِيم الإمام) - حديث رقم ١٣٣٥ (٢٥٢٢)، و(٣٠٢٠) حديث: ((عليكم السكينة، وهو كافّ ناقته ... ))، وأعاده (٣٠٥٢) و(٣٠٥٨). ٦ - (ابن عباس) الحبر البحر ◌َّهَا، تقدّم٣١/٢٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد : منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه اللَّه تعالى، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأن فيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن ابن عبّاس) رضي اللَّه تعالى عنهما، أنه (قال: إنما كنت أعلم) هكذا رواية المصنف بالحصر، وفي رواية البخاري بدن حصر، كما يأتي لفظه قريبًا . وفيه إطلاق العلم على الأمر المستند إلى الظنّ الغالب (انقضاء صلاة رسول اللَّه ◌َله) أي انتهاءها (بالتكبير) متعلق بـ ((أعلم))، أي بسماعي لتكبير المصلين بعد سلامهم من الصلاة، حیث إنهم يجهرون به. وفي رواية للبخاريّ من طريق ابن جُريج، عن عمرو بن دينار: ((أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول اللَّه مَّ)). وقال ابن عباس: ((كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك، إذا سمعته)). والرواية الأولى أخصّ من رواية ابن جريج المذكورة، لأن الذكر أعمّ من التكبير، ويحتمل أن تكون مفسّرة لها، فكأن المراد أن رفع الصوت بالذكر أي بالتكبير، وكأنهم كانوا يبدؤون بالتكبير بعد الصلاة قبل التسبيح والتحميد. وسيأتي الكلام عليه، إن شاء الله تعالى. قال في ((الفتح)) ٣٧٩/٢ -٣٨٠: قوله: ((كان على عهد رسول اللَّه وَّ)) أن مثل هذا عند البخاريّ له حكم الرفع. خلافًا لمن شذّ، ومنع ذلك، وقد وافقه مسلم، والجمهور على ذلك انتهى(١) . واختلف في كون ابن عبّاس رَّه قال ذلك، فقال عياض: الظاهر أنه لم يكن يحضر الجماعة، لأنه كان صغيرًا ممن لا يواظب على ذلك، ولا يُلزَم به، فكان يعرف انقضاء الصلاة بما ذكر. وقال غيره: يحتمل أن يكون حاضرًا في أواخر الصفوف، فكان لا يعرف انقضاءها بالتسليم، وإنما كان يعرفه بالتكبير. (١) ((فتح)) جـ ٢ ص ٣٧٩ . ٣٣٤ شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ وقال ابن دقيق العيد: يُؤخذ منه أنه لم يكن هناك مُبَلّغ جهير الصوت، يُسمِع مَن بَعُدَ (١) انتھی' وفيه دليل على استحباب الجهر بالذكر عقب الصلاة، قال الطبري: فيه إبانة عن صحّة ما كان يفعله بعض الأمراء من التكبير عقب الصلاة. وتعقّبه ابن بطال بأنه لم يقف على ذلك عن أحد من السلف، إلا ما حكاه ابن حبيب في ((الواضحة)) أنهم كانوا يستحبّون التكبير في العساكر عقب الصبح والعشاء تكبيرًا عاليًا ثلاثًا، قال: وهو قديم من شأن الناس. قال ابن بطال: وفي ((العتبية)) عن مالك أن ذلك مُحدَث. قال: وفي السياق إشعار بأن الصحابة لم يكونوا يرفعون أصواتهم بالذكر في الوقت الذي قال فيه ابن عباس ما قال. قال الحافظ: في التقييد بالصحابة نظر، بل لم يكن حينئذ من الصحابة إلا القليل. وقال النووي: حمل الشافعي هذا الحديث على أنهم جهروا به وقتًا يَسِيرًا لأجل تعليم صفة الذكر، لا أنهم داوموا على الجهر به. والمختار أن الإمام والمأموم يُخفيان الذكر إلا إن احتيج إلى التعليم انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: في كون الإخفاء هو المختارَ مع صحة أحاديث الجهر بالذكر نظر لا يخفى، وسيأتي تحقيقه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٣٣٥/٧٩ - وفي ((الكبرى)) -١٢٥٨/١١٣- بالسند المذكور. وأخرجه (خ) ١/ ٢١٣ (م) ٢/ ٩١ (د) رقم ١٠٠٢ (الحميدي) ٤٨٠ (أحمد)، ٢٢٢١ و٣٦٧/١ (ابن خزيمة) ١٧٠٦. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: زاد في رواية مسلم لهذا الحديث: ما نصه: ((قال عمرو -يعني ابن دينار- فذكرت ذلك لأبي معبد، فأنكره، قال: لم أحدثك بهذا، قال عمرو: قد أخبرنيه قبل ذلك)) انتهى(٢) . (١) ((فتح)) جـ ٢ ص ٣٧٩ - ٣٨٠ . (٢) (فتح)) جـ ٢ ص ٣٧٩. ٣٣٥ ٧٩- ( التكْبِيرُ بَعْدَ تَسْلِيم الإِمام) - حديث رقم ١٣٣٥ قال النووي رَحْذَلُهُ في ((شرح مسلم)): في احتجاج مسلم بهذا الحديث دليل على ذهابه إلى صحة الحديث الذي يُروی علی هذا الوجه مع إنکار المحدّث له، إذا حدث به عنه ثقة . وهذا مذهب جمهور العلماء من المحدثين، والفقهاء، والأصوليين، قالوا: يُحتجّ به إذا كان إنكار الشيخ له لتشكّكه فيه، أو لنسيانه، أو قال: لا أحفظه، أو لا أذكر أني حدثتك به، ونحو ذلك، وخالفهم الكرخي من أصحاب أبي حنيفة رَوليها، فقال: لا يحتجّ به. فأما إذا أنكره إنكارًا جازمًا قاطعًا بتكذيب الراوي عنه، وأنه لم يحدثه به قط، فلا يجوز الاحتجاج به عند جميعهم، لأن جزم كلّ واحد يعارض جزم الآخر، والشيخ هو الأصل، فوجب إسقاط هذا الحديث، ولا يَقْدَحُ ذلك في باقي أحاديث الراوي، لأنا لم نتحقق كذبه انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى(١). وعبارة ((الفتح)) ٣٨٠/٢: ((قال الشافعي بعد أن رواه عن سفيان: كأنه نسيه بعد أن حدّثه به انتھی(٢). وهذا يدلّ على أن مسلمًا كان يرى صحة الحديث، ولو أنكره راويه، إذا كان الناقل عنه عدلاً . ولأهل الحديث فيه تفصيل: قالوا: إما أن يجزم، أولًا، وإذا جزم، فإما أن يصرّح بتكذيب الراوي عنه، أولا، فإن لم يجزم بالرّدّ، كأن قال: لا أذكره، فهو متفق على قبوله؛ لأن الفرع ثقة، والأصل لم يَطعَن فيه، وإن جزم، وصرّح بالتكذيب، فهو متفق عندهم على ردّه، لأن جزم الفرع بكون الأصل حدّثه يستلزم تكذيب الأصل في دعواه أنه كذب عليه، وليس قبول قول أحدهما بأولى من الآخر، وإن جزم بالردّ، ولم يصرّح بالتكذيب، فالراجح عندهم قبوله. وأما الفقهاء فاختلفوا، فذهب الجمهور في هذه الصورة إلى القبول، وعن بعض الحنفيّة، ورواية عن أحمد لا يُقبل، قياسًا على الشاهد. وللإمام فخرالدين في هذه المسألة تفصيل نحو ما تقدّم، وزاد: فإن كان الفرع متردّدًا في سماعه، والأصل جازمًا بعدمه سقط، لوجود التعارض. ومحصّل كلامه آنفًا أنهما إن تساويا فالرّدّ، وإن رُجِّح أحدُهما عُمل به . وهذا الحديث من أمثلته. (١) ((شرح مسلم)) جـ ٥ ص ٨٤ - ٨٥ . (٢) ((فتح)) جـ ٢ ص ٣٨٠. شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ ٣٣٦ وأبعَدَ مَن قال: إنما نفى أبو معبد التحديث، ولا يلزم منه نفي الإخبار، وهو الذي وقع من عمرو، ولا مخالفة، وتردّه الرواية التي فيها ((فأنكره))، ولو كان كما زعم لم يكن هناك إنكار، ولأن التفرقة بين التحديث والإخبار إنما حدث بعد ذلك، وفي كتب الأصول حكاية الخلاف في هذه المسألة عن الحنفية انتهى (١). وإلى هذه القاعدة أشار الحافظ السيوطي رحمه اللّه تعالى في ((ألفية الحديث)) حيث قال : وَمَنْ نَفَى مَا عَنْهُ يُزْوَى فَالأَصَحُ إِسْقَاطُهُ لَكِنْ بِفَرْع مَا قَدَخْ أَوْ قَالَ لَا أَذْكُرُهُ أَوْ نَحْوَ ذَا كَأَنْ نَسِي فَصَحَّحُوا أَنْ يُؤْخَذَا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في مشروعية الجهر بالذكر: قال النووي رحمه الله تعالى عند شرح حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المذكور: ما نصه : هذا دليل لما قاله بعض السلف: إنه يستحبّ رفع الصوت بالتكبير والذكر عقب المكتوبة، وممن استحبّه من المتأخرين ابن حزم الظاهريّ، ونقل ابن بطال، وآخرون أن أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى الاتفاق المذكور غير صحيحة، وسيتبين لك بطلانها في كلام الحافظ ابن رجب ◌َّهُ، حيث ينقل عن الإمام أحمد رَخْذَهُ وغيره مشروعيةَ الجهر. فتبصر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. وباللّه تعالى التوفيق. قال: وحمل الشافعيّ رحمه اللّه تعالى هذا الحديث على أنه جهر وقتًا يسيرًا حتى يُعلّمهم صفة الذكر، لا أنهم جهروا به دائمًا، قال: فأختار للإمام والمأموم أن يذكرا اللَّه تعالى بعد الفراغ من الصلاة، ويُخْفيان ذلك، إلا أن يكون إمامًا يريد أن يُتَعلّم منه، فيجهر حتى يَعلَم أنه قد تُعُلِّم منه، ثمّ يُسرّ، وحَمَلَ الحديث على هذا انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى(٢). وقال الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى: [مسألة]: ورفع الصوت بالتكبير إثر كلّ صلاة حسن. (١) ((فتح)) جـ٢ ص ٥٩٣ - ٥٩٤ . (٢) ((شرح مسلم)) جـ ٥ ص ٨٤ . ٧٩- ( التَكْبِيرُ بَعْدَ تَسْلِيم الإِمام) - حديث رقم ١٣٣٥ ٣٣٧ ثم استدلّ بحديث ابن عباس رَ ◌ّهت المذكور، ثم قال: فإن قيل: قد نسي أبو معبد هذا الحديث، وأنكره. قلنا: فكان ماذا؟، عمرو أوثق الثقات، والنسيان لا يَعرَى منه آدميّ، والحجّة قد قامت برواية الثقة انتهى(١). وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد دلّ حديث ابن عبّاس رَّا على رفع الصوت بالتكبير عقب الصلاة المفروضة. وقد ذهب إلى ظاهره بعض أهل الظاهر، وحكي عن أكثر العلماء خلاف ذلك، وأن الأفضل الإسرار بالذكر، لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَحِيفَةٌ﴾ الآية [الأعراف: ٢٠٥] وقوله تعالى: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾ الآية. [الأعراف: ٥٥]، ولقول النبي ◌َّ لمن جهر بالذكر من أصحابه: ((إنكم لا تدعون أصمّ، ولا غائبًا ... )) الحديث. متفق عليه. ثم ذكر كلام الشافعي ◌َّتُ المتقدّم، ثم قال: وكذلك ذكر أصحابه، وذكر بعض أصحابنا - يعني الحنابلة- مثل ذلك أيضًا، ولهم وجه آخر أنه يكره الجهر به مطلقًا. وقال القاضي أبو يعلى في ((الجامع الكبير)): ظاهر كلام أحمد أنه يُسنّ للإمام الجهر بالذكر والدعاء عقب الصلوات، بحيث يُسمِع المأمومَ، ولا يزيد على ذلك. وذَكَرَ عن أحمد نصوصًا تدلّ على أنه كان يجهر ببعض الذكر، ويُسرّ بالدعاء. وهذا هو الأظهر، وأنه لا يختص ذلك بالإمام، فإن حديث ابن عبّاس هذا ظاهره يدلّ على جهر المأمومين أيضًا. ويدلّ عليه أيضًا ما أخرجه مسلم في (صحيحه)) من حديث ابن الزبير رَّهَا أنه كان يقول في دبر كل صلاة حين يُسلّم: ((لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، لا حول ولا قوّة إلا باللّه، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة والفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون))، وقال: كان رسول اللَّه وَّل يُهُلُّ بهنّ في دبر كلّ صلاة(٢). ومعنى يُهُلّ يرفع صوته، ومنه الإهلال في الحجّ، وهو رفع الصوت بالتلبية، و استهلال الصبي إذا وُلد. وقد كان أصحاب رسول اللّه وَّلهل يجهرون بالذكر عقب الصلوات، حتى يسمع من يليه . فأخرج النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) من رواية عون بن عبدالله بن عُتبة، قال: (١) ((المحلَّى)) جـ ٤ ص ٢٦٠. (٢) ((صحيح مسلم)) رقم ٥٩٤ . شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ ٣٣٨ صلى رجل إلى جنب عبدالله بن عمرو بن العاص، فسمعه حين سلّم يقول: ((أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام))، ثم صلى إلى جنب عبدالله بن عُمر، فسمعه حين سلّم يقول مثل ذلك، فضحك الرجل، فقال له ابن عمر: ما أضحكك؟ قال: إني صليت إلى جنب عبدالله بن عمرو، فسمعته يقول مثل ما قلت، قال: كان رسول اللَّه وَل يقول ذلك(١). وأما النهي عن رفع الصوت بالذكر، فإنما المراد به المبالغة في رفع الصوت، فإن أحدهم كان ينادي بأعلى صوته ((لا إله إلا الله، والله أكبر))، فقال لهم النبي ◌َِّيّ: (اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تنادون أصمّ، ولا غائبًا))، وأشار إليهم بيده يُسكّتهم، ويخفّضهم. وقد أخرجه الإمام أحمد بنحو من هذه الألفاظ(٢). وقال عطية بن قيس: كان الناس يذكرون الله عند غروب الشمس يرفعون أصواتهم بالذكر، فإذا خفضت أصواتهم أرسل إليهم عمر بن الخطاب أن كرروا الذكر. أخرجه جعفر الفريابي في ((كتاب الذكر)). وأخرج أيضًا من رواية ابن لهيعة، عن زُهْرَة بن معبد، قال: رأيت ابن عمر إذا انقلب من العشاءين كبّر حتى يبلغ منزله، ويرفع صوته. وروى محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن جابر رَّه أن رجلاً كان يرفع صوته بالذكر، فقال رجل: لو أن هذا خفض من صوته، فقال رسول اللَّه وَلّ: ((دعه، فإنه أوّاه)) . وهذا يدلّ على أنه يُحتَمَلُ ذلك ممن عُرف صدقه وإخلاصه دون غيره. وأخرج الإمام أحمد من رواية عقبة بن عامر ◌َّه أن رسول اللّه ◌َ ل قال لرجل يقال له ذو البجادين: ((إنه أوّاه))، وذلك أنه رجل كان كثير الذكر للَّه في القرآن، ويرفع صوته في الدعاء)). وفي إسناده ابن لهيعة. وقال الأوزاعيّ في التكبير في الحرس في سبيل اللّه: أحبّ إليّ أن يذكر اللَّه في (١) راجع ((عمل اليوم والليلة)) رقم ٣٦٥، قال النسائي عقب حديثه هذا: يحيى بن أيوب عنده أحاديث مناكير، وليس هو بذلك القوى في الحديث. انتهى. ونقل في (تهذيب التهذيب)) للنسائي قولًا آخر، فقال: ليس به بأس. انتهى. و((يحيى)) فيه أقوال للعلماء، فمنهم من وثقه كابن معين، والبخاري، ويعقوب بن سفيان، وغيرهم، ومنهم من ضعفه كابن سعد، والعقيلي، وغيرهما، وأحسن الأقوال التوسط، وهو ما قاله ابن عديّ: ولا أرى في حديثه إذا روى عن ثقة حديثًا منكرًا، وهو عندي صدوق لا بأس به انتهى. قال الجامع: هنا حدّث عن جعفر بن ربيعة، وهو ثقة، فحديثه لا ينزل عن الحسن. والله تعالى أعلم. (٢) هو في (الصحيحين)) دون قوله: ((وأشار إليهم)). ٧٩- (التَكْبِيرُ بَعْدَ تَسْلِيم الإمَام) - حديث رقم ١٣٣٥ ٣٣٩ نفسه، وإن رفع صوته فلا بأس . فأما قول ابن سيرين: يكره رفع الصوت إلا في موضعين: الأذان، والتلبية، فالمراد به - والله أعلم- المبالغة في الرفع كرفع المؤذن والملبّي. وقد رُوي رفع الصوت بالذكر في مواضع، كالخروج إلى العيدين، وأيام العشر، وأيام التشريق بمنى . وأما الدعاء فالسنة إخفاؤه . ففي (الصحيحين)) عن عائشة رَّها في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ الاية [الإسراء: ١١٠] أنها نزلت في الدعاء. وكذا روي عن ابن عباس، وأبي هريرة ** ، وعن سعيد بن جُبير، وعطاء، وعكرمة، وعروة، ومجاهد، وإبراهيم، وغيرهم. وقال الإمام أحمد: ينبغي أن يُسرّ دعاءه لهذه الآية، قال: وكان يُكره أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء. وقال سعيد بن المسيب: أحدث الناس الصوت عند الدعاء، وكرهه مجاهد وغيره. ورَوَى وكيع عن الربيع، عن الحسن، والربيعُ عن يزيد بن أبان، عن أنس أنهما كرها أن يُسمع الرجل جليسه شيئًا من دعائه . وورد فیه رخصة من وجه لا يصح. أخرجه الطبراني من رواية أبي موسى: كان نبي اللَّه وَّ إذا صلى الصبح يرفع صوته حتى يسمع أصحابه، يقول: ((اللَّهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري)) - ثلاث مرّات- ((اللَّهم أصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي)) - ثلاث مرّات- («اللّهم أصلح لي آخرتي التي جعلت إليها مرجعي)) - ثلاث مرّات-، وذكر دعاء آخر. وفي إسناده يزيد بن عياض متروك الحديث، وإسحاق بن طلحة ضعيف. فأما الحديث الذي أخرجه مسلم وغيره عن البراء بن عازب رَضِلًّا، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول اللَّه ◌َ ل أحببنا أن نكون عن يمينه ليُقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: ((ربّ قني عذابك يوم تبعث عبادك)). فهذا ليس فيه أنه كان يجهر بذلك، حتى يسمعه الناس، إنما فيه أنه كان يقوله بينه وبين نفسه، وكان يسمعه منه أحيانًا جليسه كما كان يسمع منه من خلفه الآية أحيانًا في صلاة النهار. ورَوَى هلال بن يساف، عن زاذان، حدثنا رجل من الأنصار، قال: سمعت رسول اللَّه وَّه يقول في دبر الصلاة: ((اللَّهم اغفر لي، وتب عليّ، إنك أنت التواب الغفور)) ٣٤٠ = شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ مائة مرّة. أخرجه ابن أبي شيبة(١)، وعنه بقيّ بن مخلد في ((مسنده)) انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالی(٢). قال الجامع عفا اللّه تعالى عنه: قد تلخّص مما ذكر في كلام الحافظ ابن رجب رَّتُهُ، وكذا ما تقدم من كلام ابن حزم تَخْذَلُهُ أن الصواب هو الذي ذهب إليه أحمد، وبعض السلف، من أن رفع الذكر بعد الصلاة مستحب، وأن القول بكراهة ذلك مع صحة الأدلّة، ولا سيما حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المذكور في الباب مما لا وجه له، وأن دعوى اتفاق أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم على عدم القول به من الدعاوي الباطلة . فهذا الإمام أحمد قد عرفتَ قولَه بالاستحباب، أليس هو من أصحاب المذاهب المتبوعة؟ إن هذا لشيء عجيب !!. وأنه لا دليل لمن حمل حديث ابن عباس على أن الجهر كان وقتًا يسيرًا للتعليم، كما لا دليل لمن ادعى أن الجهر بالتأمين كان لأجل التعليم. وهذا ابن عباس رَّتَ من أعلم الناس بالسنة يخبرنا إخبارًا مطلقًا، دون أن يقيده بوقت دون وقت، وأيضًا فإن فيه لفظة ((كان)) المشعرة بالمداومة والمواظبة. والحاصل أن أكثر عمل النبي وَلّر وأصحابه قد كان على رفع الصوت بالتكبير عقب المكتوبة. فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنیب)) . ٨٠- (بَابُ الأَمْرِ بِقِرَاءَةِ الْمُعَوِّذَاتِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ مِنَ الصَّلَاةِ) ١٣٣٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ حُنَيْنِ بْنِ أبِي حَكِيمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهُ صَلَّى اللَّهُ (١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) جـ ١٣ ص ٤٦٢ ورجاله إسناده ثقات. (٢) ((شرح صحيح البخاري)) جـ ٧ ص ٣٩٨ - ٤٠٤ .