Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١ =
٤٩- (بَأَبُ الأمَّرِ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ بَلاء) - حديث رقم ١٢٨٥
صَلَىاللّه
وتقرير هذا أنه يكون قد صُلَِّ عليه خصوصًا، وطُلِبَ له من الصلاة ما لآل إبراهيم،
وهو داخل معهم، ولا ريب أن الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم، ورسولُ اللَّه بَّ معهم
أكمل من الصلاة الحاصلة له دونهم، فيُطلب له من الصلاة هذا الأمر العظيم الذي هو
أفضل مما لإبراهيم قطعًا، وتظهر حينئذ فائدة التشبيه، وجريه على أصله، وأن
المطلوب له من الصلاة بهذا اللفظ أعظم من المطلوب له بغيره، فإنه إذا كان المطلوب
بالدعاء إنما هو مثل المشبه به، وله أوفر نصيب منه صار له من المشبّه المطلوب أكثر
مما لإبراهيم وغيره، وانضاف إلى ذلك مما له من المشبّه به من الحصّة التي لم تحصل
لغيره.
فظهر بهذا من فضله وشرفه على إبراهيم، وعلى كلٌّ من آله، وفيهم النبيّون ما هو
اللائق به، وصارت هذه الصلاة دالّةً على هذا التفضيل وتابعةً له، وهي من موجَبَاته،
ومُقْتَضَیاته .
فصلى الله عليه، وعلى آله، وسلّم تسليمًا كثيرًا، وجزاه اللَّه عنّا أفضل ما جزى نبيّا
عن أمته .
اللَّهمَ صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيتَ على آل إبراهيم، إنك حميد
مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد
مجيد. انتهى كلام العلامة ابن قيّم الجوزيّة رحمه الله تعالى باختصار في بعض
المواضع، وتصرف يسير(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة :
في بيان مَعْنَى البركة المذكورة في قوله: ((وبارِكْ على محمد)» الخ.
(اعلم): أن حقيقة البركة: الثبوت، واللزوم والاستقرار، فمنه بَرَكَ البعيرُ: إذا استقرّ
على الأرض، ومنه الْمَبْرَك لموضع البُرُوك. قال في ((الصَّحاح)): وكلّ شيء ثبت وأقام،
فقد بَرَكَ، والْبَرْكُ: الإبل الكثيرة، والبِرْكَة - بكسر الباء- كالحوض، والجمع البِرَك،
قال: ويقال: سمّيت بذلك لإقامة الماء فيها. والْبَرَاكَاءُ: الثبات في الحرب، والْجِدُّ
فيها، قال الشاعر: [ من الوافر]
وَلَا يُنْجِي مِنَ الْغَمَرَاتِ إِلَّ بَرَاكَاءُ الْقِتَالِ أَوِ الْفِرَارُ
والبركة: النَّمَاءُ والزيادة، والتبريك: الدعاء بذلك، ويقال: باركه اللَّه، وبارك فيه،
(١) راجع ((جلاء الأفهام)) ص ٢١٩ - ٢٣٢.

=
=
١٤٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
وبارك عليه، وبارك له. وفي القرآن: ﴿أَنَّ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل: ٨] وفيه:
﴿وَبَرَّكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىَّ إِسْحَقَّ﴾ [الصافات: ١١٣] وفيه: ﴿باركنا فيها﴾ [الأعراف: ٣٧]، وفي
الحديث: ((وبارك لي فيما أعطيت))(١). وفي حديث سعد: ((بارك الله لك في أهلك
ومالك))(٢)
.
والمبارك الذي قد باركه الله سبحانه، كما قال المسيح،فعّ الَّلهُ: ﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا
كُنتُ﴾ [مريم: ٣١]، وكتابه مبارك، كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكُ أَنْزَلْنَهُ﴾
[الأنبياء: ٥٠] وقال: ﴿كِنَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرٌَّ﴾ [ص: ٢٩] وهو أحقّ أن يُسمّى مباركًا
من كلّ شيء، لكثرة خيره، ومنافعه، ووجوه البركة فيه، والرّبُّ سبحانه وتعالى يقال في
حقّه ((تبارك))، ولا يقال: مبارك.
والمقصود الكلام على قوله: ((وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على
آل إبراهيم)).
فهذا الدعاء يتضمّن إعطاءه من الخير ما أعطاه لآل إبراهيم، وإدامته وثبوته له،
ومضاعفته له، وزيادته، هذا حقيقة البركة، وقد قال الله تعالى في إبراهيم وآله:
وَبَرَّكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىَ إِسْحَقّ﴾ [الصافات: ١١٢-١١٣]
١٢
﴿وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نِيًّا مِّنَ الصَّلِحِينَ
وقال تعالى فيه وفي أهل بيته: ﴿رَحْمَتُ اُللَّهِ وَبَرَكَنُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِّ إِنَّهُ حَمِيدٌ نَجِدٌ﴾
[هود: ٧٣].
قال الإمام ابن القيّم ◌َخْذَللَّهُ: وتأمل كيف جاء في القرآن: ﴿وَبَرَّكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَّ إِسْحَقَّ﴾
ولم يُذكر إسماعيل، وجاء في التوراة ذكر البركة على إسماعيل، ولم يُذكر إسحاق،
فجاء في التوراة ذكر البركة في إسماعيل، إيذانًا بما حصل لبنيه من الخير والبركة، لا
سيما خاتمة بركتهم، وأعظمها وأجلها برسول اللّه ◌َليَ(٣)، فنبّههم بذلك على ما يكون
في بنيه من هذه البركة العظيمة الموافية على لسان المبارك وَ ليره، وذكر لنا في القرآن بركته
على إسحاق، منبّها لنا على ما حصل في أولاده، من نبوة موسى ◌َ الَّله، وغيره، وما
أوتوه من الكتاب والعلم، مستدعيًا من عباده الإيمانَ بذلك، والتصديقَ به، وأن لا
يهملوا معرفة حقوق هذا البيت المبارك، وأهل النبوّة منهم، ولا يقول القائل: هؤلاء
أنبياء بني إسرائيل لا تعلّق لنا بهم، بل يجب علينا احترامهم، وتوقيرهم، والإيمان بهم،
ومحبتهم، وموالاتهم، والثناء عليهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
(١) أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وحسنه، والنسائي، وابن ماجه، وصححه الحاكم.
(٢) أخرجه البخاري ٨٦/٧ .
(٣) هكذا نسخة ((جلاء الأفهام))، ولعل الصواب إسقاط الباء، فليُتَأَمَّل.

١٤٣
٤٩- (بَأَبُ الأَمَّرِ بِالصَّلَةِ عَلَى النَّبِيِّ بَّ) - حديث رقم ١٢٨٥
ولما كان هذا البيت المبارك المطهّر أشرف بيوت العالم على الإطلاق خصّهم الله
سبحانه وتعالى منه بخصائص :
منها: أنه جعل فيه النبوّة والكتاب، فلم يأت بعد إبراهيم ظلَّلُ نبي إلا من أهل بيته.
ومنها: أنه سبحانه جعلهم أئمةً يَهدون بأمره إلى يوم القيامة، فكلّ من دخل الجنّة من
أولياء الله بعدهم، فإنما دخل من طريقهم، وبدعوتهم .
ومنها: أنه سبحانه اتخذ منهم الخليلين: إبراهيم، ومحمدًا صلى اللَّه وسلم عليهما،
وقال تعالى: ﴿وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] وقال النبي ◌َّ: ((إن الله
اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً))(١). وهذا من خواص أهل البيت.
ومنها: أنه سبحانه جعل صاحب هذا البيت إمامًا للعالمين، كما قال تعالى: ﴿وَإِ
أَبْتَلَىَ إِرَهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتَفَّهُنِّ قَالَ إِنِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤].
ومنها: أنه أجرى على يديه بناء بيته الذي جعله قيامًا للناس، وقبلةً لهم، وحجًا،
فكان ظهورُ هذا البيت من أهل هذا البيت الأكرمين.
ومنها: أنه أمر عباده بأن يصلّوا على أهل هذا البيت، كما صلى على أهل بيتهم
وسلفهم، وهم إبراهيم وآله، وهذه خاصّة لهم.
ومنها: أنه أخرج منهم الأمتين المعظّمتين التي لم تخرج من أهل بيت غيرهم، وهم
أمة موسى، وأمة محمد صلى الله وسلم عليهما، وأمة محمد بَ ل تمام سبعين أمةً، هم
خيرها، وأكرمها على اللَّه(٢).
ومنها: أن الله سبحانه أبقى عليهم لسان صدق، وثناءً حسنًا في العالَم، فلا يُذكرون
إلا بالثناء عليهم، والصلاة والسلام عليهم، قال الله تعالى: ﴿ وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِ فِى الْآَخِرِينَ
(١٠٨)
كَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨-١١٠].
سَلَمُ عَلَىَ إِزَهِيمَ
ومنها: جعل أهل هذا البيت فَرْقًا بين الناس، فالسعداء أتباعهم، ومحبوهم، ومن
تولّاهم، والأشقياء مَن أبغضهم، وأعرض عنهم، وعاداهم، فالجنة لهم ولأتباعهم،
والنار لأعدائهم ومخالفيهم.
ومنها: أنه سبحانه جعل ذكرهم مقرونًا بذكره، فيقال: إبراهيم خليل الله، ورسوله،
ونبيّه، ومحمد رسول الله، وخليله، ونبيّه، وموسى كليم الله، ورسوله، قال تعالى
لنبيه وَ لّ يذكّره بنعمته عليه: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الانشراح: ٤].
قال ابن عبّاس ◌َّهَا: إذا ذُكرتُ ذُكرتَ معي، فيقال: لا إله إلا الله، محمد رسول
(١) أخرجه مسلم بهذا اللفظ، وهو متفق عليه في حديث طويل بلفظ ((ولكن صاحبكم خليل الله)).
(٢) أخرجه أحمد، والترمذي بسند حسن.

١٤٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
الله، في كلمة الإسلام، وفي الأذان، وفي الخُطَب، وفي التشهّدات، وغير ذلك.
ومنها: أنه سبحانه جعل خلاص خلقه من شقاء الدنيا والآخرة على أيدي أهل
البيت، فلهم على الناس من النعم ما لا يمكن إحصاؤها، ولا جزاؤها، ولهم المنن
الجِسام في رقاب الأولين والآخرين من أهل السعادة، والأيادي العظام عندهم التي
يُجازيهم عليها الله عزّ وجلّ.
ومنها: أن كلّ ضرّ(١) ونفع وعمل صالح، وطاعة لله تعالى حصلت في العالم فلهم
من الأجر مثل أجور عامليها، فسبحان من يختصّ بفضله من يشاء من عباده.
ومنها: أن اللَّه سبحانه وتعالى سدّ جميع الطرق بينه وبين العالمين، وأغلق دونهم
الأبواب، فلم يفتح لأحد قطّ إلا من طريقهم وبابهم.
قال الجنيد رَّتُهُ: يقول الله عزّ وجلّ لرسول اللَّه وَل: وعزّتي، وجلالي، لو
أتوني من كلّ طريق، أو استفتحوا من كلّ باب، لما فتحتُ لهم حتى يدخلوا خلفك.
ومنها: أنه سبحانه خصّهم من العلم بما لم يخصّ به أهل بيت سواهم من العالمين،
فلم يطرق العالَم أهل بيت أعلم باللّه وأسمائه وصفاته، وأحكامه، وأفعاله، وثوابه،
وعقابه، وشرعه، ومواقع رضاه وغضبه، وملائكته، ومخلوقاته منهم، فسبحان من جمع
لهم علم الأولين والآخرين.
ومنها: أنه سبحانه خصّهم من توحيده، ومحبته، وقربه، والاختصاص به، بما لم
يختصّ به أهل بيت سواهم.
ومنها: أنه سبحانه مكّن لهم في الأرض، واستخلفهم فيها، وأطاع أهلُ الأرض لهم
ما لم يحصل لغيرهم.
ومنها: أنه سبحانه أيّدهم، ونصرهم، وأظفرهم بأعدائه وأعدائهم بما لم يُؤيد به
غيرهم .
ومنها: أنه سبحانه مَحًا بهم من آثار أهل الضلال والشرك، ومن الآثار التي يُبغضها،
ويَمْقُتها ما لم يمحه بسواهم.
ومنها: أنه سبحانه غَرَسَ لهم من المحبّة والإجلال والتعظيم في قلوب العالمين ما
لم يغرسه لغيرهم.
ومنها: أنه سبحانه جعل آثارهم في الأرض سببًا لبقاء العالم وحفظه، فلا يزال العالم
باقيًا ما بقيت آثارهم، فإذا ذهبت آثارهم من الأرض، فذاك أوان خراب العالم، قال الله
(١) هكذا نسخة ((الجلاء))، ولعل الأولى إسقاط لفظة ((ضرّ)).

٤٩- (بَابُ الأَمْرِ بِالصَّلَةِ عَلَى النَّبِيِّ ◌َلغير) - حديث رقم ١٢٨٥
١٤٥
تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَمَا لِلنَّاسِ وَالشَّهَرَ اُلْحَرَامَ وَالْهَدْىَ وَالْقَبْدُّ﴾
[المائدة: ٩٧] قال ابن عباس رَّ في تفسيرها: لو ترك الناس كلهم الحجّ لوقعت
السماء على الأرض، وقال: لو ترك الناس كلهم الحجّ لما نُظروا، وأخبر النبي وَّر أن
في آخر الزمان يرفع اللَّه بيته من الأرض، وكلامه من المصاحف، وصدور الرجال(١).
فلا يبقى له في الأرض بيت يُحجّ، ولا كلام يُتلى، فحينئذ يقرب خَرَاب العالم، وهكذا
الناس اليوم، إنما قيامهم بقيام آثار نبيهم، وشرائعه بينهم، وقيام أمورهم، وحصول
مصالحهم، واندفاع أنواع البلاء والشرّ بهم عند تعطلها، والإعراض عنها، والتحاكم إلى
غيرها، واتخاذ سواها.
ومن تأمل تسليط الله سبحانه على من سلّطه على البلاد والعباد من الأعداء، علم أن
ذلك بسبب تعطيلهم لدين نبيّهم، وسنته، وشرائعه، فسلّط اللَّه عليهم من أهلكهم،
وانتقم منهم، حتى إن البلاد التي فيها آثار الرسول وَليل، وسنته، وشرائعه فيها ظهور،
دفع عنها بحسب ظهور ذلك بينهم.
وهذه الخصائص، وأضعاف أضعافها من آثار رحمة الله وبركاته على أهل هذا
البيت، فلهذا أمرنا رسول اللَّه وَ ليل أن نطلب له من اللَّه تعالى أن يبارك عليه، وعلى آله،
كما بارك على هذا البيت المعظّم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ومن بركات أهل هذا البيت أنه سبحانه أظهر على أيديهم من بركات الدنيا والآخرة ما
لم يظهره على أيدي أهل بيت غيرهم.
ومن بركاتهم وخصائصهم أن اللَّه سبحانه أعطاهم من خصائصهم ما لم يُعط غيرهم،
فمنهم من اتخذه خليلاً، ومنهم الذبيح، ومنهم من كلّمه تكليمًا، وقرّبه نجيّا، ومنهم من
آتاه شطر الحسن، وجعله من أكرم الناس عليه، ومنهم من آتاه مُلكًا لم يؤته أحدًا غيره،
ومنهم من رفعه مكانا عليًّا.
ولما ذكر سبحانه وتعالى هذا البيت وذرّيّته أخبر أن كلهم فضّله على العالمين.
ومن خصائصهم وبركاتهم على أهل الأرض أن اللَّه سبحانه رفع العذاب العامّ عن
أهل الأرض بهم، ويبعثهم، وكانت سنته سبحانه في أمم الأنبياء قبلهم أنهم إذا كذّبوا
(١) روى ابن ماجه (٤٠٤٩) عن حذيفة بن اليمان رَؤيته، قال: قال رسول اللّه وَ له: «يَدْرُسُ الإسلامُ
كما يَدرُس وَشْيُ الثوب حتى لا يُذْرَى ما صيام، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، وليُسْرَى
على كتاب الله عزَ وجلّ في ليلة، فلا يَبْقَى في الأرض منه آية ... )) قال البوصيريّ في ((الزوائد)):
إسناده صحيح رجاله ثقاة، ورواه الحاكم وصححه، والبيهقي في ((شعب الإيمان))، والضياء في
((المختارة)).

١٤٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
أنبياءهم ورسلهم أهلكهم بعذاب يعمّهم، كما فعل بقوم نوح، وقوم هود، وقوم
صالح، وقوم لوط، فلما أنزل الله سبحانه وتعالى التوراة والإنجيل والقرآن رفع بها
العذاب العامّ عن أهل الأرض، وأمر بجهاد من كذّبهم وخالفهم، فكان ذلك نُصرة لهم
بأيديهم، وشفاءً لصدورهم، واتخاذ الشهداء منهم، وإهلاك عدوّهم بأيديهم، لتحصيل
محابّه سبحانه على أيديهم.
وحُقَّ لأهل بيت هذا بعضُ فضائلهم أن لا تزال الألسن رطبةً بالصلاة عليهم
والسلام، والثناء والتعظيم، والقلوب ممتلئة من تعظيمهم ومحبتهم وإجلالهم، وأن
يعرف المصلي عليهم أنه لو أنفق أنفاسه كلَّهَا في الصلاة عليهم ما وفّى القليلَ من
حقّهم.
فجزاهم اللَّه عن بريّته أفضل الجزاء، وزادهم في الملإ الأعلى تعظيمًا وتشريفًا
وتكريمًا، وصلى الله عليهم صلاة دائمة، لا انقطاع لها، وسلّم تسليمًا (١). والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السابعة :
في بيان حكمة اختتام هذه الصلاة بهذين الاسمين من أسماء الرّبّ سبحانه وتعالى،
وهما قوله: ((حميد مجيد)):
فالحميد: فَعيل من الحمد، وهو بمعنى محمد، وأكثر ما يأتي فعيلٌ في أسمائه تعالى
بمعنی فاعل، کسمیع، وبصیر، وعلیم، وقدیر، وعليّ، وحکیم، وحلیم، وهو کثیر،
و کذلك فَعُول، کغفور، وشكور، وصبور.
وأما الودود، ففيه قولان:
(أحدهما): أنه بمعنى فاعل، وهو الذي يُحِبّ أنبياءه ورسله وأولياءه وعباده
المؤمنين .
(والثاني): أنه بمعنى مفعول، وهو المحبوب الذي يستحقّ أن يُحَبَّ الحبَّ كُلَّهُ،
وأن يكون أحبّ إلى العبد من سمعه وبصره ونفسه وجميع محبوباته.
وأما الحميد، فلم يأت إلا بمعنى المحمود، وهو أبلغ من المحمود، فإن فعيلاً إذا
عُدِلَ به عن مفعول دلّ على أن تلك الصفة قد صارت مثل السجيّة والغريزة والْخُلُق
اللازم، كما إذا قلت: فلان ظريف وشريف وكريم، ولهذا يكون هذا البناء غالبًا من
فَعُلَ كِشَرُفَ، وهذا البناء من أبنية الغرائز والسجايا اللازمة، كَكَبُرَ، وصَغُرَ، وحسُن،
(١) ((جلاء الأفهام)) ص ٢٤٠ - ٢٥٣.

١٤٧
٤٩- (بَأَبُ الأمَّرِ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ◌َێـ) - حديث رقم ١٢٨٥
ولطُف، ونحو ذلك.
ولهذا كان ((حبيب)) أبلغ من محبوب، لأن الحبيب هو الذي حصلت فيه الصفات
والأفعال التي يُحَبّ لأجلها، فهو حبيب في نفسه، وإن قُدِّرَ أن غيره لا يحبه، لعدم
شُعُوره به، أو لمانع منعه من حبّه، وأما المحبوب، فهو الذي تعلّق به حبّ المحبّ،
فصار محبوبًا بحبّ الغير له، وأما الحبيب، فهو حبيب بذاته وصفاته، تعلّق به حبّ
الغير، أو لم يتعلّق، وهكذا الحميد والمحمود.
فالحميد هو الذي له من الصفات، وأسباب الحمد ما يقتضي أن يكون محمودًا، وإن
لم يحمده غيره، فهو حميد في نفسه، والمحمود من تعلّق به حمد الحامدين، وهكذا
المجيد والممجّد، والكبير والمكبّر، والعظيم والمعظّم.
والحمد والمجد إليهما يرجع الكمال كلّه، فإن الحمد يستلزم الثناء والمحبّة
للمحمود، فمن أحببته، ولم تُثن عليه لم تكن حامداله، وكذا من أثنيت عليه لغرض
ما، ولم تحبه لم تكن حامدًا له حتى تكون مثنيًا عليه محبّا له، وهذا الثناء والحبّ تبع
للأسباب المقتضية له، وهو ما عليه المحمود من صفات الكمال، ونعوت الجلال،
والإحسان إلى الغير، فإن هذه هي أسباب المحبّة، وكلما كانت هذه الصفات أجمع
وأكمل كان الحمد والحبّ أتمّ وأعظم، والله سبحانه له الكمال المطلق الذي لا نقص
فيه بوجه ما، والإحسان كله له ومنه، فهو أحقّ بكل حمد، وبكلّ حبّ، من كلّ جهة،
فهو أهل أن يُحَبَّ لذاته ولصفاته، ولأفعاله، ولأسمائه، ولإحسانه، ولكلّ ما صدر منه
سبحانه وتعالى.
وأما المجد، فهو يستلزم العظمة والسعة والجلال، والحمدُ يدلّ على صفات
الإكرام، والله سبحانه وتعالى ذو الجلال والإكرام، وهذا معنى قول العبد: ((لا إله إلّا
اللَّه، والله أكبر))، ف((لا إله إلّا اللَّه)) دالٌ على ألوهيته، وتفرّده فيها، فألوهيته تستلزم
محبته التامّة، و((الله أكبر)) دالٌ على مجده وعظمته، وذلك يستلزم تعظيمه وتمجيده،
وتكبيره، ولهذا يَقْرُن سبحانه بين هذين النوعين في القرآن كثيرًا، كقوله: ﴿رَحْمَتُ اُللَّهِ
وَبَرَّكَنُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِّ إِنَّهُ حَمِيدٌ تَجِدٌ﴾ [هود: ٧٣]، وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى
لَمْ يَتَّخِذْ وَلَّا وَ يَكُن لَُّ شَرِيِكٌ فِ الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَإِىٌ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِرَهُ تَكْبِرًا﴾ [الإسراء:
١١١]، فأمر بحمده وتكبيره، وقال تعالى: ﴿نَبْرَكَ أَسْمُ رَبِّكَ ذِى الْجَلِ وَآلْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:
٧٨]، وقال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْجَلِ وَاُلْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧].
وفي ((جامع الترمذي -٣٥٢٤ -))، وغيره من حديث أنس، عن النبي بَّر، أنه قال:

=
١٤٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
((أَلِفُوا بيا ذالجلال والإكرام))(١)، يعني الزموها، وتعلّقوا بها، فالجلال والإكرام: هو
الحمد والمجد.
فذكْرُ هذين الاسمين ((الحميد والمجيد)) عقب الصلاة على النبي ◌َِّّ، وعلى آله
مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِّ إِنَّهُ حَمِيدٌ غَجِيدٌ﴾ .
ولما كانت الصلاة على النبي وَلَّ، هي ثناءَ الله تعالى عليه وتكريمَه، والتنويهَ به،
ورفعَ ذكره، وزيادة حبه وتقريبه، كما تقدّم كانت مشتملةً على الحمد والمجد، فكأن
المصلي طلب من الله تعالى أن يزيد في حمده ومجده، فإن الصلاة عليه هي نوع حمد
له وتمجيد، هذا حقيقتها، فذكر في هذا المطلوب الاسمين المناسبين له، وهما اسما
الحميد والمجيد.
وهذا فيه أن الداعي يُشرع له أن يختم دعاءه باسم من الأسماء الحسنى مناسب
المطلوبه، أو يفتتح دعاءه به، وهذا من (٢) قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِّ﴾
[الأعراف: ١٨٠]. وقال سليمان،َالَّلهُ في دعاء ربّه: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكًا لَّا
يَتْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِيِّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ﴾ [ص: ٣٥] وكان النبي ◌َّ- يقول: ((رب اغفر لي،
وتب عليّ، إنك أنت التوّاب الرحيم)) (٣).
إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.
ولما كان المطلوب للرسول وسجل حمدًا ومجدًا بصلاة اللّه عليه خُتم هذا السؤال
باسمي الحمد والمجد.
وأيضًا فإنه لما كان المطلوب للرسول مل﴾ حمدا ومجدًا، وکان ذلك حاصلا له،
خُتم ذلك بالإخبار عن ثبوت ذينك الوصفين للربّ بالطريق الأولى، إذ كلّ كمال في
العبد غيرٍ مستلزم للنقص، فالرّبّ أحقّ به.
وأيضًا، فإنه لما طُلب للرسول وَيهِ حمدٌ ومجدٌ بالصلاة عليه، وذلك يستلزم الثناء
عليه، خُتم هذا المطلوب بالثناء على مُرسِلِه بالحمد والمجد، فيكون هذا الدعاء متضمنًا
لطلب الحمد والمجد للرسول وَله، والإخبار عن ثبوته للربّ سبحانه وتعالى(٤). والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) صحيح بشواهده، فقد أخرجه أحمد ١٧٧/٤ والحاكم ٤٩٩/١ من حديث ربيعة بن عامر،
والحاكم أيضًا من حديث أبي هريرة، وصححه، ووافقه الذهبي.
(٢) هكذا النسخة، ولعل الصواب: وهذا معنى قوله تعالى.
(٣) أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه، وصححه ابن حبان.
(٤) انظر ((جلاء الأفهام)) ص ٢٥٣ - ٢٥٨ نقلته ببعض تصرف واختصار.

١٤٩
٤٩- (بَابُ الأَمْرِ بِالصَّلَةِ عَلَى النَّبِيِّ نَّو) - حديث رقم ١٢٨٥
المسألة الثامنة :
في اختلاف العلماء في حكم الصلاة على النبي ◌َّ:
(اعلم): أن أهل العلم اختلفوا في ذلك على أقوال، أوصلها الحافظ رحمه الله
تعالى إلى عشرة، فقال في ((الفتح)): فحاصل ما وقفت عليه من كلام العلماء فيه عشرة
مذاهب :
(أولها): قول ابن جرير الطبري: إنها من المستحبّات، وادعى الإجماع على ذلك.
(ثانيها): مقابله، وهو نقل ابن القصّار وغيره الإجماع على أنها تجب في الجملة بغير
حصر، لكن أقلّ ما يحصل به الإجزاء مرّة.
(ثالثها): تجب في العمر في صلاة، أو في غيرها، وهي مثل كلمة التوحيد، قاله أبو
بكر الرازيّ من الحنفيّة، وابن حزم، وغيرهما، وقال القرطبيّ المفسّر: لا خلاف في
وجوبها في العمر مرّة، وأنها واجبة في كلّ حين وجوب السنن المؤكدة، وسبقه ابن
عطيّة .
(رابعها): تجب في القعود آخر الصلاة بين قول التشهّد وسلام التحلّل، قاله
الشافعيّ، ومن تبعه .
(خامسها): تجب في التشهد، وهو قول الشعبي، وإسحاق بن راهويه.
(سادسها): تجب في الصلاة من غير تعيين المحلّ، نُقلَ ذلك عن أبي جعفر الباقر.
(سابعها): يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد، قاله أبو بكر بن بكير من المالكية .
(ثامنها): تجب كلما ذُكر، قاله الطحاويّ، وجماعة من الحنفية، والْحَلِيمِيّ، وجماعة
من الشافعية، وقال ابن العربي من المالكية: إنه الأحوط، وكذا قال الزمخشريّ.
(تاسعها): تجب في كلّ مجلس مرّةً، ولو تكرّر ذكره مرارًا، حكاه الزمخشريّ.
(عاشرها): تجب في كلّ دعاء، حكاه الزمخشريّ أيضًا. انتهى كلام الحافظ تَخّْلهُ
ببعض تصرّف .
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي القول الثامن، وهو القول
بوجوبها كلما ذكر اسمه؛ لأدلة كثيرة، منها: ما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في
(صحيحيهما)) من حديث أبي هريرة ◌َظنّه: أن رسول اللّه وَ ل صعد المنبر فقال: ((آمين
آمين آمين)» الحديث بطوله، وفيه: «ومن ذُكِرْتَ عنده، فلم يصل عليك، فمات فدخل
النار، فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين)).
فهذا الوعيد لا يكون إِلَّا لمن ترك الواجب، فدلّ على أن الصلاد عليه كلما ذكر
اسمه واجبة .

١٥٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
ومنها: حديث أبي هريرة ◌َّهُ أيضًا مرفوعًا: ((رَغِمَ أنفُ رجل ذُكِرتُ عنده فلم
يصلّ عليّ)) ... الحديث، وهو حديث حسن كما قال الترمذي رحمه الله تعالى.
ومعنى رَغِمَ بكسر الغين: لَصِقَ بالرغام، وهو التراب ذُلّا وهَوَانًا. وهو دعاء عليه بالذل
والهوان، ولا يكون هذا إلا لمن ترك الواجب.
ومنها: ما أخرجه النسائي، وصححه ابن حبان من حديث الحسين بن علي رضي
اللَّه عنهما مرفوعًا: ((البخيل من ذكرتُ عنده، فلم يصلّ عليّ)).
ومنها: حديث أبي ذرَ رَظنّه قال: خرجت ذات يوم، فأتيت رسول اللّه وَلَّ، قال:
((ألا أخبركم بأبخل الناس؟)) قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: ((من ذكرتُ عنده، فلم
يصلى عليّ، فذلك أبخل الناس)). رواه ابن أبي عاصم في (كتاب الصلاة))، وهو حديث
صحيح لغيره(١).
فهذه الأحاديث من تأملها بإنصاف علم وجوب الصلاة على النبي ◌َّ كما ذكر
اسمه، فتأملها تُرشَد إلى الصواب، والله الهادي إلى سواء السبيل. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة التاسعة: في اختلاف أهل العلم في وجوب الصلاة على النبي ◌َّ في التشهد
الأخير :
(اعلم): أنه ذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها بعد التشهد الأخير، وممن ذهب إلى
هذا :
عمر، وابنه عبدالله، وابن مسعود ، وجابر بن زيد، والشعبي، ومحمد بن
كعب الْقُرَظيّ، وأبو جعفر الباقر، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وابن
الْمَوّاز، واختاره أبو بكر بن العربيّ.
وذهب الجمهمور إلى عدم وجوبها فيه، منهم:
مالك، وأبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، والأوزاعيّ.
احتجّ الأولون بحديث أبي مسعود رَّه المذكور في الباب، حيث وقع فيه من
الزيادة من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيميّ، عن محمد بن
عبدالله بن زيد، عنه، بلفظ: ((فكيف نصلي عليك، إذا نحن صلّينا عليك في
صلاتنا)). قال الدارقطني: إسناده حسن متصل، وقال البيهقيّ: إسناده حسن صحيح،
وتعقّبه ابن التركماني بأنه قال في ((باب تحريم قتل ما له روح)): بعد ذكر حديث فيه ابن
(١) انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) للشيخ الألباني رحمه الله تعالى جـ ١ ص ٢٩٨ - ٣٠١.

٤٩- (بَأَبُ الأَمْرِ بِالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ نٌَّ) - حديث رقم ١٢٨٥
١٥١_
إسحاق: الحفّاظ یتوقّفون فیما ینفرد به.
قال الحافظ: وهو اعتراض متّجه، لأن هذه الزيادة تفرّد بها ابن إسحاق، لكن ما
تفرّد به، وإن لم يبلغ درجة الصحيح فهو في درجة الحسن إذا صرّح بالتحديث، وهو
هنا كذلك، وإنما يصحّح له من لا يفرّق بين الصحيح والحسن، ويجعل كلّ ما يصلح
للحجة صحيحًا، وهذه طريقة ابن حبّان، وغيره.
وقد احتجّ بهذه الزيادة جماعة من الشافعيّة، كابن خُزيمة، والبيهقيّ لإيجاب الصلاة
على النبي وَّر في التشهد، وقبل السلام.
وتُعُقّب بأنه لا دلالة فيه على ذلك، بل إنما يفيد إيجاب الإتيان بهذه الألفاظ على من
صلَّى على النبي وَّر في التشهد، وعلى تقدير إيجاب أصل الصلاة، فلا يدلّ على هذا
المحلّ المخصوص، ولكن قرّب البيهقي ذلك بأن الآية لما نزلت، وكان النبي وَّ قد
علّمهم كيفية السلام عليه في التشهد، والتشهدُ داخلَ الصلاة، فسألوا عن كيفية الصلاة،
فعلّمهم، دل على أن المراد بذلك إيقاع الصلاة عليه في التشهد بعد الفراغ من التشهد
الذي تقدّم تعليمه لهم، وأما احتمال أن يكون ذلك خارج الصلاة، فهو بعيد، كما قال
عیاض وغيره.
وقال ابن دقيق العيد ◌َخّْلهُ : ليس فيه تنصيص على أن الأمر به مخصوص بالصلاة،
وقد كثر الاستدلال به على وجوب الصلاة، وقرّر بعضهم الاستدلال بأن الصلاة عليه
واجبة بالإجماع، وليست الصلاة عليه خارج الصلاة واجبة بالإجماع، فتعيّن أن تجب في
الصلاة. قال: وهذا ضعيف، لأن قوله: لا تجب في غير الصلاة بالإجماع، إن أراد به
عينًا، فهو صحيح، لكن لا يفيد المطلوب، لأنه يفيد أن تجب في أحد الموضعين، لا
بعينه .
وزعم القرافي في ((الذخيرة)) أن الشافعي تَخْذَهُ هو المستدلّ بذلك، وردّه بنحو ما رد
به ابن دقيق العيد، ولم يُصبْ في نسبة ذلك للشافعي، والذي قاله الشافعي في ((الأمّ)):
فرض الله الصلاة على رسوله وَ له بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيَّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فلم يكن فرض الصلاة عليه في
موضع أولى منه في الصلاة، ووجدنا الدلالة عن النبي ◌َّ بذلك.
أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثني صفوان بن سُليم، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن،
عن أبي هريرة ◌َّه، أنه قال: يا رسول اللّه كيف نصلي عليك؟ - يعني في الصلاة-
قال: ((تقولون: اللَّهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على
إبراهيم)) ... الحديث.

١٥٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدّثني سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرة، عن
عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجْرة ◌َّ، عن النبي ◌ِّرَ، أنه كان يقول في
الصلاة: ((اللَّهم صل على محمد، وآل محمد، كما صلّيتَ على إبراهيم، وآل
إبراهيم)) ... الحديث.
قال الشافعي تَخْذَهُ: فلما رُوي أن النبيّ وَّهِ كان يعلّمهم التشهد في الصلاة، ورُوي
عنه أنه علمهم كيف يصلّون عليه في الصلاة لم يجُز أن نقول: التشهد في الصلاة
واجب، والصلاة عليه فيه غير واجبة.
وقد تعقّب بعض المخالفين هذا الاستدلال من أوجه:
(أحدها): ضعف إبراهيم بن أبي يحيى، والكلام فيه مشهور.
(الثاني): على تقدير صحته، فقوله: في الأولى: يعني في الصلاة، ولم يصرّح
بالقائل: ((يعني)).
(الثالث): قوله في الثاني: أنه كان يقول في الصلاة، وإن كان ظاهره أنها الصلاة
المكتوبة، لكنه يحتمل أن يكون المراد بقوله ((في الصلاة)) أي في صفة الصلاة عليه،
وهو احتمال قويّ، لأن أكثر الطرق عن كعب بن عجرة تدلّ على أن السؤال وقع عن
صفة الصلاة، لا عن محلها.
(الرابع): ليس في الحديث ما يدلّ على تعيّن ذلك في التشهّد، خصوصًا بينه وبين
السلام من الصلاة.
وقد أطنب قوم في نسبة الشافعي في ذلك إلى الشذوذ، منهم أبو جعفر الطبريّ، وأبو
جعفر الطحاويّ، وأبو بكر بن المنذر، والخطّابي، وأورد عياض في ((الشفا)) مقالاتهم،
وعاب عليه ذلك غير واحد، لأن موضوع كتابه يقتضي تصويب ما ذهب إليه الشافعيّ،
لكنه استجاده، لما فيه من الزيادة في تعظيمه.
وانتصر جماعة للشافعيّ، فذكروا أدلة نقليّة ونظريّة، ودفعوا دعوى الشذوذ، فنقلوا
القول بالوجوب عن جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
وأصحّ ما ورد في ذلك عن الصحابة والتابعين ما أخرجه الحاكم بسند قويّ عن ابن
مسعود رَظمفيه، قال: يتشهد الرجل، ثم يصلي على النبي ◌َّل، ثم يدعوا لنفسه. وهذا
أقوى شيء يحتجّ به للشافعيّ، فإن ابن مسعود رَّه ذكر أن النبي ◌َّر علّمهم التشهد
في الصلاة، وأنه قال: ((ثم ليتخير من الدعاء ما شاء))، فلما ثبت عن ابن مسعود الأمر
بالصلاة عليه قبل الدعاء دلّ على أنه اطلع على زيادة ذلك بين التشهد والدعاء،
واندفعت حجة من تمسّك بحديث ابن مسعود رَّه في دفع ما ذهب إليه الشافعيّ، مثل

٤٩- (بَأَبُ الأَمْرِ بِالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيّ ◌َلُ﴾) - حديث رقم ١٢٨٥
١٥٣=
ما ذكر عياض، قال: وهذا تشهد ابن مسعود الذي علّمه له النبي وَّر، وليس فيه ذكر
الصلاة عليه، وكذا قول الخطابي: إن في آخر حديث ابن مسعود: ((إذا قلت هذا، فقد
قضيت صلاتك))، لكن رُدّ عليه بأن هذه الزيادة مدرجَة، وعلى تقدير ثبوتها، فتحمل
على أن مشروعية الصلاة عليه ورَدَت بعد تعليم التشهد.
ويتقوّى ذلك بما أخرجه الترمذيّ عن عمر موقوفًا: ((الدعاء موقوفٌ بين السماء
والأرض، لا يصعد منه شيء حتى يصلّى على النبي ◌ِّ)).
قال ابن العربي رحمه اللّه تعالى: ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي، فيكون له حكم
الرفع انتهى .
وورد له شاهد مرفوع في ((جزء الحسن بن عرفة))، وأخرج العمريّ في ((عمل اليوم
والليلة)) عن ابن عمر تَغْوِيّها بسند جيد قال: ((لاتكون صلاة إلا بقراءة، وتشهد، وصلاة
عليّ)).
وأخرج البيهقي في ((الخلافيات)) بسند قويّ عن الشعبي، وهو من كبار التابعين،
قال: من لم يصلّ على النبي ◌ّ في التشهد، فليعد صلاته. وأخرج الطبريّ بسند
صحيح عن مطرّف بن عبدالله بن الشّخير، وهو من كبار التابعين، قال: كنّا نعلم
التشهد، فإذا قال: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، يحمد ربّه، ويثني عليه، ثم يصلي
على النبي وَّر، ثم يسأل حاجته.
وأما فقهاء الأمصار، فلم يتفقوا على مخالفة الشافعي في ذلك، بل جاء عن أحمد
روايتان، وعن إسحاق الجزم في العمد، فقال: إذا تركها يعيد.
والخلاف أيضًا عند المالكية، ذكرها ابن الحاجب في سنن الصلاة، ثم قال: على
الصحيح، فقال شارحه ابن عبدالسلام: يريد أن في وجوبها قولين، وهو ظاهر كلام ابن
الموّاز منهم .
وأما الحنفية، فألزم بعض شيوخنا من قال منهم بوجوب الصلاة عليه كلّما ذُكر،
كالطحاوي، ونقله السروجي في ((شرح الهداية)) عن أصحاب ((المحيط))، و((العقد))،
و((التحفة))، و((المغيث)) من كتبهم أن يقولوا بوجوبها في التشهد لتقدّم ذكره في آخر
التشهد، لكن لهم أن يلتزموا ذلك، لكن لا يجعلونه شرطًا في صحّة الصلاة.
وروى الطحاويّ أن حرملة انفرد عن الشافعي بإيجاب ذلك بعد التشهد وقبل سلام
التحلّل، قال: لكن أصحابه قبلوا ذلك، وانتصروا له، وناظروا عليه انتهى.
واستدلّ له ابن خزيمة، ومن تبعه بما أخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذيّ،
وصححه، وكذا ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، من حديث فَضَالَة بن عُبيد، قال:

١٥٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
سمع النبي وَّر رجلاً يدعوا في صلاته، لم يحمد اللَّه، ولم يصلّ على النبي ◌َّه
فقال: ((عجل هذا))، ثم دعاه، فقال: ((إذا صلى أحدكم، فليبدأ بتحميد ربّه، والثناء
عليه، ثم يصلّ على النبي ◌َّ، ثم يدعو بما شاء)).
وهذا مما يدلّ على أن قول ابن مسعود المذكور قريبًا مرفوع، فإنه بلفظه .
وقد طعن ابن عبدالبرّ في الاستدلال بحديث فَضَالة للوجوب، فقال: لو كان كذلك
الأمر المصلي بالإعادة، كما أمر المسيء صلاته، وكذا أشار إليه ابن حزم.
وأجيب باحتمال أن يكون الوجوب وقع عند فراغه، ويكفي التمسك بالأمر في
دعوى الوجوب .
وقال جماعة، منهم الجرجاني، من الحنفية: لو كانت فرضا للزم تأخير البيان عن
وقت الحاجة، لأنه علّمهم التشهد، وقال: ((فيتخيّر من الدعاء ما شاء))، ولم يذكر
الصلاة عليه .
وأجيب باحتمال أن لا تكون فُرضت حينئذ.
وقال الحافظ العراقي تخمّلهُ في شرح الترمذي: قد ورد هذا في الصحيح بلفظ ((ثم
ليتخيّر))، و(ثُمَّ) للتراخي، فدلّ على أنه كان هناك شيء بين التشهد والدعاء.
واستدلّ بعضهم بما ثبت في ((صحيح مسلم)) من حديث أبي هريرة رَّه ، رفعه:
((إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير، فليستعذ بالله من أربع)) ... الحديث. وعلى هذا
عوّل ابن حزم في إيجاب هذه الاستعاذة في التشهد، وفي كون الصلاة على النبي وَل
مستحبّةً عقب التشهد، لا واجبة، وفيه ما فيه. والله تعالى أعلم.
وقد انتصر ابن القيم للشافعي، فقال: أجمعوا على مشروعية الصلاة عليه في التشهد،
وإنما اختلفوا في الوجوب والاستحباب، وفي تمسّك من لم يوجبه بعمل السلف
الصالح نظر، لأن عملهم كان بوفاقه، إلا إن كان يريد بالعمل الاعتقاد، فيحتاج إلى نقل
صريح بأن ذلك ليس بواجب، وأنّى يوجد ذلك؟، قال: وأما قول عياض: إن الناس
شنّعوا على الشافعي، فلا معنى له، فأيّ شناعة في ذلك، لأنه لم يخالف نصًا، ولا
إجماعًا، ولا قياسًا، ولا مصلحة راجحة؟، بل القول بذلك من محاسن مذهبه، وأما نقله
مِنَ الإجماع فقد تقدّم ردّه، وأما دعواه أن الشافعيّ اختار تشهد ابن مسعود، فيدلّ على
معرفته باختيارات الشافعي، فإنه إنما اختار تشهد ابن عبّاس.
وأما ما احتج به جماعة من الشافعية من الأحاديث المرفوعة الصريحة في ذلك، فإنها
ضعيفة، كحديث سهل بن سعد، وعائشة، وأبي مسعود، وبُريدة، وغيرهم، وقد

٤٩- (بَابُ الأَمْرِ بِالصَّلَةِ عَلَى النَّبِيِّ ◌َێو) - حديث رقم ١٢٨٥
١٥٥
استوعبها البيهقيّ في ((الخلافيات(١)، ولا بأس بذكرها للتقوية، لا أنها تنهض بالحجة.
قال الحافظ: ولم أر عن أحد من الصحابة والتابعين التصريح بعدم الوجوب، إلا ما
نُقل عن إبراهيم النخعي، ومع ذلك فلفظ المنقول عنه كما تقدّم يشعر بأن غيره كان قائلاً
بالوجوب، فإنه عبّر بالإجزاء انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد العلامة ابن القيم رحمه اللّه تعالى في تقرير
مذهب الشافعي القائل بالوجوب في آخر التشهد، فقال بعد أن ذكر أدلة النفاة،
وناقشها : ما نصه :
اسمعموا أدلتنا الآن على الوجوب، فلنا عليه أدلّة:
(الدليل الأوّل): قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَبِكَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيَّ يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
ووجه الدلالة أن اللَّه سبحانه أمر المؤمنين بالصلاة والتسليم على رسول اللَّه وَل،
وأمرُهُ المطلق على الوجوب ما لم يقُم دليل على خلافه.
وقد ثبت أن أصحابه ه سألوه عن كيفيّة هذه الصلاة المأمور بها، فقال: قولوا:
((اللَّهمّ صلّ على محمد ... )) الحديث، وقد ثبت أن السلام الذي عُلِّموه هو السلام
عليه في الصلاة، وهو سلام التشهد، فمخرج الأمرين والتعليمين والمحلّين واحد.
يوضّحه أنه علّمهم التشهد آمرًا لهم به، وفيه ذكر التسليم عليه وَّر، فسألوه عن
الصلاة عليه، فعلّمهم إيّاها، ثم شبّهها بما علموه من التسليم عليه، وهذا يدلّ على أن
الصلاة والتسليم المذكورين في الحديث هما الصلاة والتسليم عليه في الصلاة.
يوضّحه أنه لو كان المراد بالصلاة والتسليم عليه خارج الصلاة، لا فيها لكان لكلّ
مُسَلَّم منهم إذا سَلّم عليه يقول له: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ومن
المعلوم أنهم لم يكونوا يتقيّدون في السلام عليه بهذه الكيفية، بل كان الداخل منهم
يقول: السلام عليكم، وربّما قال: السلام على رسول الله، وربما قال: السلام عليك
يا رسول الله، ونحو ذلك، وهم لم يزالوا يسلّمون عليه من أوّل الإسلام بتحيّة
الإسلام، وإنما الذي علموه قدر زائد عليها، وهو السلام عليه في الصلاة.
يوضحه حديث ابن إسحاق: ((كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في
صلاتنا؟))، وقد صحح هذه اللفظة جماعة من الحُفّاظ، منهم ابن خزيمة، وابن حبّان،
(١) ستأتي تلك الأحاديث في كلام ابن القيم رحمه الله تعالى.
(٢) راجع ((الفتح)) جـ ١٢ ص ٤٥٣ - ٤٥٦.

== ١٥٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
والحاكم، والدارقطنيّ، والبيهقيّ(١).
وإذا تقرر أن الصلاة المسؤول عن كيفيّتها هي الصلاة عليه في نفس الصلاة، وقد
خرج ذلك مخرج البيان المأمور به منها في القرآن، ثبت أنها على الوجوب، وينضاف
إلى ذلك أمر النبي وَلّر بها، ولعلّ هذا وجه ما أشار إليه الإمام أحمد بقوله: كنت أتهيّب
ذلك، ثم تبينتُ، فإذا هي واجبة.
وعلى هذا الاستدلالِ أسئلة:
(أحدها): أن قوله وَلير: ((والسلام كما قد علّمتم))، يحتمل أمرين: (أحدهما): أن
يراد به السلام عليه في الصلاة. (والثاني): أن يراد به السلام من الصلاة نفسها، قاله ابن
عبدالبرّ.
(الثاني): أن غاية ما ذكرتم إنما يدلّ دلالة اقتران الصلاة بالسلام، والسلام واجب
في التشهد، فكذا الصلاة، ودلالة الاقتران ضعيفة.
(الثالث): أنا لا نسلّم وجوب السلام، ولا الصلاة، وهذا الاستدلال منكم إنما يَتمّ
بعد تسليم وجوب السلام عليه وَل .
الجواب عن هذه الأسئلة:
(أما الأوّل): ففاسد جدًّا، فإن في نفس الحديث ما يبطله، وهو أنهم قالوا: هذا
السلام عليك يا رسول اللَّه قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟، لفظ البخاريّ في حديث
أبي سعيد رَّه .
وأيضًا فإنهم إنما سألوا النبي وَّلّ عن كيفية الصلاة والسلام المأمور بهما في الآية، لا
عن كيفية السلام من الصلاة.
(وأما السؤال الثاني): فسؤال من لم يفهم وجهَ تقرير الدلالة، فإنا لم نحتجَ بدلالة
الاقتران، وإنما استدللنا بالأمر بها في القرآن، وبيّنًا أن الصلاة التي سألوا النبي وَّ أن
يعلّمهم إيّاها إنما هي الصلاة التي في الصلاة.
(وأما السؤال الثالث): ففي غاية الفساد، فإنه لا يُعتَرض على الأدلة من الكتاب
والسنّة، بخلاف المخالف، فكيف يكون خلافكم في مسألة قد قام الدليل على قول
مُنازعيكم فيها مبطلاً لدليل صحيح، لا معارض له في مسألة أخرى، وهل هذا إلا
عكس طريقة أهل العلم، فإن الأدلة هي التي تبطل ما خالفها من الأقوال، ويُعتَرَضُ بها
على من خالف مُوجَبَها، فتقدّم على كلّ قول اقتضى خلافها، لا أن أقوال المجتهدين
(١) وقد تقدّم إعلال ابن التركماني لهذا الحديث، وجواب الحافظ عنه.

٤٩- (بَابُ الأَمْرِ بِالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ◌َلِيمٌ) - حديث رقم ١٢٨٥
١٥٧
تُعارض بها الأدلّة، وتُبطل مقتضاها، وتُقَدّم عليها، ثمّ إن الحديث حجة عليكم في
المسألتين، فإنه دليل على وجوب التسليم والصلاة عليه وَّلة، فيجب المصير إليه.
(الدليل الثاني): أن النبي وَ لّ كان يقول ذلك في التشهد، وأمرنا أن نصلي کصلاته،
وهذا يدلّ على وجوب فعل ما فعل في الصلاة، إلا ما خصه الدليل، فهاتان مقدمتان:
أما المقدمة الأولى: فبيانها ما روى الشافعي في ((مسنده)) عن إبراهيم بن محمد،
حدثني سعد بن إسحاق، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجْرة رَّه ، عن
النبي ◌َّر، أنه كان يقول في الصلاة: ((اللَّهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما
صلّيت على إبراهيم، وآل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت
على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد)).
وهذا وإن كان فيه إبراهيم بن أبي يحيى، فقد وثقه جماعة، منهم الشافعي، وابن
الأصبهاني، وابن عديّ، وابن عُقدة، وضعّفه آخرون.
وأما المقدّمة الثانية: فبيانها ما رواه البخاريّ في (صحيحه)) عن مالك بن الحويرث
رَو ◌َّ، قال: أتينا النبي وَلَّل، ونحن شَبَبَةٌ متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلةً، فظنّ أنّا
اشتقنا إلى أهلنا، وسألَنَا عمن تركنا في أهلنا؟ فأخبرناه، وكان رفيقًا رحيمًا، فقال:
((ارجعوا إلى أهليكم، فعلّموهم، ومروهم، وصلّوا كما رأيتوني أصلي، وإذا حضرت
الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمّكم أكبركم))(١) .
(الدليل الثالث): حديث فَضَالة بن عُبيد ◌َّه، فإن النبيِ نَّه قال له، أو لغيره: ((إذا
صلى أحدكم، فليبدأ بتحميد اللَّه، والثناء عليه، ثم لْيُصلّ على النبي ◌ََّل، ثم ليدْعُ بما
شاء))(٢). رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، وصححه ابن حبان، والحاكم.
واعتُرِضَ عليه من وجوه:
أحدها: أن النبي ◌َّر لم يأمر هذا المصلي بالإعادة.
وجواب هذا: أن هذا الرجل كان غير عالم بوجوبها، فتركها معتقداً أنها غير واجبة،
فلم يأمره النبي ◌َّر بالإعادة، وأمره في المستقبل أن يقولها، فَأَمْرُهُ بقولها في المستقبل
دليل على وجوبها، وترك أمره بالإعادة دليل على أنه يُعذر الجاهل بعدم الوجوب، وهذا
كما لم يأمر النبيّ وَّ المسيء في صلاته بإعادة ما مضى من الصلوات، وقد أخبره أنه لا
يُحسن غير تلك الصلاة عذرًا له بالجهل.
فإن قيل: فلم أمره أن يعيد تلك الصلاة، ولم يعذره فيها بالجهل؟
(١) متفق عليه .
(٢) قد تقدم الكلام عليه في الباب الماضي.

١٥٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّھْوِ
قلنا: لأن الوقت باق، وقد علم أركان الصلاة، فوجب عليه أن يأتي بها.
فإن قيل: فهلّا أمر تارك الصلاة عليه بإعادة تلك الصلاة كما أمر المسيء؟.
قلنا: أَمْرُه وَّر بالصلاة عليه فيها تحكّم ظاهر في الوجوب، ويحتمل أن الرجل لما
سمع ذلك الأمر من النبي وَ لّ بادر إلى الإعادة من غير أن يأمره النبي وَّ بها.
ويحتمل أن تكون تلك الصلاة كانت نفلاً، لا تجب عليه إعادتها. ويحتمل غير ذلك،
فلا يُتْرَك الظاهر من الأمر، وهو دليل مُحكَمٌ لهذا المشتبه المحتمل، واللَّه سبحانه
وتعالى أعلم.
الثاني: أن هذا الدعاء كان بعد انقضاء الصلاة لا فيها، بدليل ما روى الترمذيّ في
((جامعه)) من حديث رِشدِين في هذا الحديث، بينا رسول اللَّه ◌َ ليّ قاعد، إذ دخل رجل،
فصلّى، وقال: اللَّهم اغفر لي، وارحمني، فقال رسول اللَّه ◌َّر: ((أيها المصلي إذا
صلّيت، فقعدت، فاحمد الله بما هو أهله، وصلّ عليّ، ثم ادعه)).
وجواب هذا من وجوه :
أحدها: أن رشدين ضعفه أبو زرعة، وغيره، فلا يكون حُجّة مع استقلاله، فكيف
إذا خالف الثقات الأثبات؟! لأنّ كلّ من روى هذا الحديث قال فيه: سمع النبي ◌ِّ
رجلاً يدعو في صلاته.
الثاني: أن رشدين لم يقل في حديثه: إن هذا الداعي دعا بعد انقضاء الصلاة، ولا
يدلّ لفظه على ذلك، بل قال: فصلى، فقال: اللَّهمّ اغفر لي، وهذا لا يدلّ على أنه قال
بعد فراغه من الصلاة، ونفسُ الحديث دليل على ذلك، فإنه قال: ((إذا صلى أحدكم،
فليبدأ بتحميد اللَّه))، ومعلوم أنه لم يُرد بذلك الفراغ من الصلاة، بل الدخول فيها، ولا
سيّما، فإن عامّة أدعية النبي ◌َّ إنما كانت في الصلاة، لا بعدها، كحديث أبي هريرة،
وعليّ، وأبي موسى، وعائشة، وابن عبّاس، وحُذَيفة، وعمّار، وغيرهم، ثُهُ، ولم
يقل أحد منهم أنه بَّ ر كان يدعو بعد صلاته في حديث صحيح(١).
ولما سأله الصدّيق دعاء يدعو به في صلاته لم يقل: ادع به خارج الصلاة، ولم يقل
لهذا الداعي: ادع به بعد سلامك من الصلاة، لا سيما، والمصلي مناج ربّه، مقبل
عليه، فدعاؤه ربّه تعالى في هذه الحال أنسب من دعائه له بعد انصرافه عنه، وفراغه من
مناجاته .
الثالث: أن قوله وَالّ: ((فاحمد الله بما هو أهله))، إنما أراد به التشهّد في القعود،
(١) هذا فيه نظر، فقد ثبت دعاؤه وليولي بعد الفراغ من الصلاة، وسيأتي بيان أدلة ذلك في محلّه إن شاء
الله تعالى .

٤٩- (بَأَبُ الأَمْرِ بِالصَّلاَةِ عَلَى النَّيِّ بَّغير) - حديث رقم ١٢٨٥
١٥٩ ==
ولهذا قال: ((إذا صلّيت، فقعدت))، يعني في تشهدك، فأمره بحمد اللَّه تعالى، والثناء
عليه، والصلاة على رسوله بَل .
الاعتراض الثالث: أن الذي أمره أن يصلي فيه، ويدعو بعد تحميد اللَّه غير معيّن،
فلم قلتم: إنه بعد التشهّد؟
وجواب هذا: أنه ليس في الصلاة موضع يشرع فيه الثناء على الله تعالى، ثم الصلاة
على رسوله وَّر، ثم الدعاء إلا في التشهد آخر الصلاة، فإن ذلك لا يشرع في القيام،
ولا الركوع، ولا السجود اتفاقًا، فعلم أنه إنما أراد به آخر الصلاة، حالَ جلوسه في
التشهد .
الاعتراض الرابع: أنه أمره فيه بالدعاء عقب الصلاة عليه، والدعاء ليس بواجب،
فكذا الصلاة عليه ◌َلێ .
وجواب هذا: أنه لا يستحيل أن يأمر بشيئين، فيقوم الدليل على عدم وجوب
أحدهما، فيبقى الآخر على أصل الوجوب.
الثاني: أن هذا المذكور من الحمد والثناء هو واجب قبل الدعاء، فإنه هو التشهد،
وقد أمر النبي وَ لّر به، وأخبر الصحابة ، أنه فرض عليهم، ولم يكن اقتران الأمر
بالدعاء به مسقطًا لوجوبه، فكذا الصلاة على النبي ◌َلتر.
الثالث: أن قولكم: الدعاء لا يجب باطل، فإن من الدعاء ما هو واجب، وهو
الدعاء بالتوبة والاستغفار من الذنوب والهداية والعفو وغيرها، وقد روي عن النبي وَل
أنه قال: ((من لم يسأل الله يغضب عليه))(١). والغضب لا يكون إلا على ترك واجب،
أو فعل محرّم.
الاعتراض الخامس: أنه لو كانت الصلاة على النبي وَّ فرضًا في الصلاة، لم يؤخر
بيانها إلى هذا الوقت، حتى يرى رجلاً لا يفعلها، فيأمره بها، ولكان العلم بوجوبها
مستفادًا قبل هذا الحديث.
وجواب هذا: أنا لم نقل: إنها وجبت على الأمة إلا بهذا الحديث، بل هذا المصلي
كان قد تركها، فأمره النبي وَّر بما هو مستقرّ معلوم من شرعه، وهذا كحديث المسيء
في صلاته، فإن وجوب الركوع والسجود والطمأنينة على الأمة لم يكن مستفادًا من
حديثه، وتأخير بيان النبي وَّ لذلك إلى حين صلاة هذا الأعرابي، وإنما أمره أن يصلي
الصلاة التي شرعها لأمته قبل هذا.
(١) حديث حسن، أخرجه أحمد، والبخاري في ((الأدب المفرد))، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم
من حديث أبي هريرة تص له .

١٦٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ السَّهْوِ
الاعتراض السادس: أن أبا داود والترمذي قالا في هذا الحديث، حديثٍ فضالةً:
(«فقال له، أو لغيره))، بحرف ((أو((، ولو كان هذا واجبًا على كلّ مكلّف لم يكن ذلك
له، أو لغيره.
وهذا اعتراض فاسد من وجوه:
أحدها: أن الرواية الصحيحة التي رواها ابن خُزيمة، وابن حبّان، ((فقال له ولغيره))
بالواو، وكذا رواه الإمام أحمد، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم.
الثاني: أن ((أو)) هنا ليست للتخيير، بل للتقسيم، والمعنى أن أيّ مصلّ صلى، فليقل
ذلك، هذا أو غيره، كما قال: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣٤] ليس المراد
التخيير، بل المعنى: أن أيهما كان فلا تُطعه، إما هذا، وإما هذا.
الثالث: أن الحديث صريح في العموم بقوله: ((إذا صلى أحدكم، فليبدأ بتحميد
الله))، فذكره.
الرابع: أن في رواية النسائي، وابن خزيمة: ((علّمهم رسول اللّه وَلَ))، فذكره، وهذا
عامّ.
الدليل الرابع: ثلاثة أحاديث، كلّ منها لا تقوم الحجّة به عند انفراده، وقد يُقَوِّي
بعضها بعضًا عند الاجتماع.
أحدها: ما رواه الدارقطني من حديث عمرو بن شَمِر، عن جابر -هو الجُعُفي - عن
ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه وَ لَه: ((يا بُريدة إذا صلّيتَ في صلاتك، فلا
تتركنّ التشهد، والصلاة عليّ، فإنها زكاة الصلاة، وسلّم على جميع أنبياء الله ورسله،
وسلّم على عباد الله الصالحين)).
الثاني: ما رواه الدارقطني أيضًا من طريق عمرو بن شمر، عن جابر، قال: قال
الشعبي: سمعت مسروق بن الأجدع يقول: قالت عائشة تعلّها: سمعت رسول اللّه وَله
يقول: ((لا يقبل الله صلاةً إلا بطهور، وبالصلاة عليّ)). لكن عمرو بن شمر، وجابر لا
يحتجّ بهما، وجابر أصلح من عمرو (١).
الثالث: ما رواه الدارقطني من حديث عبدالمهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، عن
أبيه، عن جدّه، أن النبيّ وَلّ قال: ((لا صلاة لمن لم يصلّ على نبيه وَّ)). رواه الطبراني
(١) في الحديثين عمرو بن شَمِرواهٍ، وجابرٌ الجعفي ضعيف، فلا يصلح الاحتجاج بهما، وكذا بالثالث
كما نبّه عليه ابن القيم ◌َّلُهُ، وإنما ذكرهما استيفاءً لما ذكره أصحاب هذا القول من الأدلة، وفي
الحقيقة الأدلة الصحيحة الأخرى المتقدمة كافية في الاحتجاج فلا داعي للاحتجاج بمثل هذه
الأحاديث الواهية فتبصّر. والله تعالى أعلم.