Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
٨٣- (تَزْيِينُ القُرْآنِ بِالصَّوْتِ) - حديث رقم ١٠١٧
يحصل به الغنى دون الفقر، لكن الذي اختاره أبو عبيد غير مدفوع، إذا أريد به الغنى
المعنوي، وهو غنى النفس، وهو القناعة، لا الغنى المحسوس الذي هو ضد الفقر،
لأن ذلك لا يحصل بمجرد ملازمة القراءة، إلا إذا كان ذلك بالخاصية، وسياق الحديث
يأبى الحمل على ذلك، فإن فيه إشارة إلى الحث على تكلف ذلك، وفي توجيهه
تكلف، كأنه قال: ليس منا من لم يتطلب الغنى بملازمة تلاوته.
قال الحافظ: وأما الذي نقله عن الشافعي، فلم أره صريحا عنه في تفسير الخبر،
وإنما قال في ((مختصر المزني)): وأحب أن يقرأ حَذْرًا وتحزينا. انتهى. قال أهل اللغة:
حَدَرْتُ القراءة: أدرجتها، ولم أمططها، وقرأ فلان تحزينا: إذا رقق صوته، وصيره
كصوت الحزين .
وقد روى ابن أبي داود بإسناد حسن عن أبي هريرة ◌َّه ((أنه قرأ سورة، فحزنها شبه
الرَّثْي)). وأخرجه أبو عوانة عن الليث بن سعد، قال: ((يتغنى به، يتحزن به، ويرقق به
قلبه)) .
وذكر الطبري عن الشافعي أنه سئل عن تأويل ابن عيينة التغني بالاستغناء، فلم
يرتضه، وقال: لو أراد الاستغناء لقال: لم يستغن، وإنما أراد تحسين الصوت.
قال ابن بطال: وبذلك فسره ابن أبي مليكة، وعبدالله بن المبارك، والنضر بن
شميل، ويؤيده رواية عبدالأعلى، عن معمر، عن ابن شهاب في حديث الباب بلفظ ((ما
أذن لنبي في الترنم في القرآن)). أخرجه الطبري، وعنده في رواية عبدالرزّاق، عن
معمر: ((ما أذن لنبي حسن الصوت)). وهذا اللفظ عند مسلم من رواية محمد بن إبراهيم
التيمي، عن أبي سلمة. وعند أبي داود، والطحاوي من رواية عمرو بن دينار، عن أبي
سلمة، عن أبي هريرة: ((حسن الترنم بالقرآن)). قال الطبري: ((والترنم)) لا يكون إلا
بالصوت، إذا حسنه القارىء، وطرب به، قال: ولو كان معناه: الاستغناء لما كان لذكر
الصوت، ولا لذكر الجهر معنى.
وأخرج ابن ماجه، والكجي، وصححه ابن حبان، والحاكم من حديث فَضالة بن
عبيد تَظّه مرفوعًا: ((اللَّه أشد أَذَنًا -أي استماعا- للرجل الحسن الصوت بالقرآن من
صاحب القَيْنَة إلى قينته)). و((القينة)): المغنية.
وروى ابن أبي شيبة من حديث عقبة بن عامر رَّه رفعه: ((تعلموا القرآن، وغنُّوا
به، وأفشوه)). كذا وقع عنده، والمشهور عند غيره في الحديث: ((وتغنوا به))،
والمعروف في كلام العرب أن التغني: الترجيع بالصوت، كما قال حسان: [من
البسيط]:

٢٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
تَغَنَّ بِالشِّعْرِ إِمَّا كُنْتَ قَائِلَهُ إِنَّ الْغِنَاءَ بَهِذَا الشَّغْرِ مِضْمَارُ
قال: ولا نعلم في كلام العرب ((تغنى)) بمعنى استغنى، ولا في أشعارهم، وبيت
الأعشى لا حجة فيه، لأنه أراد طول الإقامة، ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَاً﴾
[هود: ٩٥]. وقال: بيت المغيرة أيضا لا حجة فيه، لأن التغاني تفاعل بين اثنين، وليس
هو بمعنى ((تغنى))، قال: وإنما يأتي (تغنى)) من الغنى الذي هو ضد الفقر بمعنى تفعل،
أي يظهر خلاف ما عنده، وهذا فاسد المعنى.
قال الحافظ: ويمكن أن يكون بمعنى تكلفه، أي تطلبه، وحمل نفسه عليه، ولو شق
عليه، كما تقدم قريبا، ويؤيده حديث: ((فإن لم تبكوا، فتباكوا)). وهو في حديث سعد
ابن أبي وقاص رَظّ عند أبي عوانة. وأما إنكاره أن يكون ((تغنى)) بمعنى ((استغنى)) في
كلام العرب، فمردود، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وقد صح في حديث
الخيل: ((ورجلٌ ربطها تعففا وتغنيا))، وهذا من الاستغناء بلا ريب. والمراد به يطلب
الغنى بها عن الناس بقرينة قوله: ((تعففا)).
وممن أنكر تفسير ((يتغنى)) بيستغني أيضا الإسماعيلي، فقال: الاستغناء إليه لا يحتاج
إلى استماع، لأن الاستماع أمر خاص زائد على الاكتفاء به، وأيضا فالاكتفاء به عن غيره
أمر واجب على الجميع، ومن لم يفعل ذلك خرج عن الطاعة. ثم ساق من وجه آخر
عن ابن عيينة، قال: يقولون: إذا رفع صوته، فقد تغنى.
قال الحافظ: قلت: الذي نقل عنه أنه بمعنى استغنى أتقن لحديثه. وقد نقل أبو داود
عنه مثله. ويمكن الجمع بينهما بأن تفسير ((يستغني)) من جهته، و(يرفع)) عن غيره (١) .
وقال عمر بن شبة: ذكرت لأبي عاصم النبيل تفسير ابن عيينة، فقال: لم يصنع
شيئا، حدثني ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، قال: ((كان داودَالَّلم يتغنى
- يعني حين يقرأ- ويَبكي، ويُبكي)). وعن ابن عباس رَوَّهَا: إن داودِلَّلُ كان يقرأ
الزبور بسبعين لحنا، ويقرأ قراءة يَطرَب منها المحموم، وكان إذا أراد أن يبكي نفسه لم
تبق دابة في برّ، ولا بحر إلا أنصتت له، واستمعت، وبكت)).
وفي الجملة ما فسر به ابن عيينة ليس بمدفوع، وإن كانت ظواهر الأخبار ترجح أن
المراد تحسين الصوت، ويؤيده قوله: ((يجهر به)). فإنها إن كانت مرفوعة قامت الحجة،
وإن كانت غير مرفوعة فالراوي أعرف بمعنى الخبر من غيره، ولا سيما إذا كان فقيها،
وقد جزم الحليمي بأنها من قول أبي هريرة. والعرب تقول: سمعت فلانا يتغنى بكذا،
(١) يعني أن ابن عيينة فسر ((يتغنى)) بـ(يستغني)) من عند نفسه، وفسره بـ((يرفع صوته)) نقلا عن غيره.

٢٣
٨٣- (تَزْبِينُ القُرْآنِ بِالصَّوْتِ) - حديث رقم ١٠١٧
أي يجهر به. وقال أبو عاصم: أخذ بيدي ابن جريج، فأوقفني على أشعب، فقال: غَنْ
ابنَ أخي ما بلغ من طمعك، فذكر قصة. فقوله: غنّ، أي أخبرني جهرا صريحا. ومنه
قول ذي الرُّمَّة: [من الطويل]
أُحِبُّ الْمَكَانَ الْقَفْرَ مِنْ أَجْلِ أَنِّي بِهِ أَتَغَنَّى بِاسْمِهَا غَيْرَ مُعْجِمٍ
أي أجهر، ولا أكني.
والحاصل أنه يمكن الجمع بين أكثر التأويلات المذكورة، وهو أنه يحسّن به صوته
جاهرا به مترنما على طريق التحزن، مستغنيا به عن غيره من الأخبار، طالبا به غنى
النفس، راجيا به غنى اليد. قال: وقد نظمت ذلك في بيتين:
تَغَنَّ بِالْقُرْآنِ حَسِنْ بِهِ الصَّوْ تَ حَزِينًا جَاهِرًا رَئِّم
وَاسْتَغْنِ عَنْ كُتُبِ الأَلَى طَالِباً غِنَى يَدِ وَالنَّفْسِ ثُمَّ الْزَمِ
انتهى ما في ((الفتح)) بتصرف يسير. (١)
[قال الجامع عفا الله عنه]: عندي أن الأرجح في معنى: ((يتغنى به)) في هذا الحديث
هو قول من فسره بتحسين الصوت، لكون ظواهر الأخبار تؤيده.
والحاصل أن ما دلت عليه ظواهر الأخبار، وكان واضحا في استعمال العرب بدون
خلاف، وهو كون ((يتغنى)) بمعنى يحسن صوته، أولى ما يفسر به هذا الحديث. والله
سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في بيان اختلاف أهل العلم في القراءة بالألحان:
قال في ((الفتح)): كان بين السلف اختلاف في جواز قراءة القرآن بالألحان، أما
تحسين الصوت، وتقديم حسن الصوت على غيره، فلا نزاع في ذلك.
فحكى عبد الوهاب المالكي عن مالك تحريم القراءة بالألحان، وحكاه أبو الطيب
الطبري، والماوردي، وابن حمدان الحنبلي عن جماعة من أهل العلم، وحكى ابن
بطال، وعياض، والقرطبي من المالكية، والماوردي، والبندنيجي، والغزالي من
الشافعية، وصاحب ((الذخيرة)) من الحنفية الكراهة، واختاره أبو يعلى، وابن عقيل من
الحنابلة .
وحكى ابن بطال عن جماعة من الصحابة والتابعين الجواز، وهو المنصوص
للشافعي، ونقله الطحاوي عن الحنفية. وقال الفوراني من الشافعية في ((الإبانة)): يجوز،
بل يستحب، ومحل هذا الاختلاف إذا لم يختلّ شيء من الحروف عن مخرجه، فلو
(١) ((فتح)) جـ ١٠ ص ٨٥ - ٨٨ .
-

٢٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
تغير قال النووي في ((التبيان)): أجمعوا على تحريمه، ولفظه:
أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقرآن ما لم يخرج عن حد القراءة
بالتمطيط، فإن خرج حتى زاد حرفا، أو أخفاه حَرُمَ، قال: وأما القراءة بالألحان، فقد
نص الشافعي في موضع على كراهته، وقال في موضع آخر: لا بأس به، فقال أصحابه:
ليس على اختلاف قولين، بل على اختلاف حالين، فإن لم يخرج بالألحان عن المنهج
القويم جاز، وإلا حرم. وحكى الماوردي عن الشافعي أن القراءة بالألحان إذا انتهت
إلى إخراج بعض الألفاظ عن مخرجها حرم، وكذا حَكَى ابن حمدان الحنبلي في
(الرعاية)). وقال الغزالي، والبندنيجي، وصاحب ((الذخيرة)) من الحنفية: إن لم يُفرِط
في التمطيط الذي يشوش النظم استُحِبَّ، وإلا فلا. وأغرب الرافعي، فحكى عن ((أمالي
السرخسي)) أنه لا يضر التمطيط مطلقا، وحكاه ابن حمدان رواية عن الحنابلة، وهذا
شذوذ، لا يعرّج عليه.
والذي يتحصل من الأدلة أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسنا،
فليحسنه ما استطاع، كما قال ابن أبي مليكة أحد رواة الحديث، وقد أخرج ذلك عنه أبو
داود بإسناد صحيح.
ومن جملة تحسينه أن يراعي فيه قوانين النَّغَم، فإن الحَسَنَ الصوتِ يزداد حُسْنًا بذلك،
وإن خرج عنها أَثَّرَ ذلك في حسنه، وغيرُ الحسن ربما انجبر بمراعاتها، ما لم يخرج عن
شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يَفِ تحسين الصوت بقبح
الأداء، ولعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام لأن الغالب على من راعى الأنغام أن لا
يراعي الأداء، فإن وُجِد من يراعيهما معا، فلا شك في أنه أرجح من غيره، لأنه يأتي
بالمطلوب من تحسين الصوت، ويجتنب الممنوع من حرمة الأداء. والله أعلم. انتهى ما
في (( الفتح))(١).
[قال الجامع عفا الله عنه]: هذا التفصيل حسن جداً، وحاصله أن القراءة بالألحان
والأنغام الحسنة بشرط عدم الخروج عن قواعد القراءة مستحب، لأحاديث الباب،
وغيرها، وإن اختل شرط من شروط الأداء، كأن يمد حرفا لا يستحق المد، أو تجاوز
في الممدود من المقدار الذي وضعه القراء، أو زاد حرفا، أو نقص، أو أخفى ما يُظهر،
أوعكس، أو أدغم ما لا يدغم، أو عكس، أو نحوذلك فحرام. والله سبحانه وتعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) جـ ١٠ - ص ٨٩ ..

٨٣- (تَزْيِينُ القُرْآنِ بِالصَّوْتِ) - حديث رقم ١٠١٨، ١٠١٩
٢٥
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
١٠١٨- (أَخْبَرَنَا قُتَنْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، أَنَّ النبي ◌َِّ قَالَ: ((مَا أَذِنَ اللَّهُ عز وجل لِشَيْءٍ يَعْنِي أَذَنَّهُ لَنَبِيِّ، يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ).
رجال هذا الإسناد : خمسة :
١- (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/١.
٢- (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت [٨] تقدم ١/ ١.
((٣) (الزهري) محمد بن مسلم المدني الإمام الحافظ الحجة [٤] تقدم ١/١.
٤- (٥) تقدما في السند الماضي. وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلقة به تقدّمت
هناك. وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: ((يعني أذنه)). بفتحتين مصدر ((أَذِنَ)) بفتح، فكسر، كما قال في ((الخلاصة)):
وَفَعِلَ اللََّزِمُ بَابُهُ فَعَلْ كَفَرَحِ وَكَجَوىّ وَكَشَلَلْ
والعناية من بعض الرواة، أتى بها بيانا للمعنى المراد من قوله: ((أَذِنَ))، حيث إنه
يحتمل أن يكون بمعنى الإباحة، فأزال ذلك به. والله تعالى أعلم.
وقد تقدم أن المراد بقوله: ((نبي)) جنس النبي، وأما القرآن، فيحتمل أن يكون بمعنى
القراءة، فيكون مصدرا، ويحتمل أن يكون بمعنى كلام اللَّه مطلقا، فيكون بمعنى
المقروء. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا،
ونعم الوكيل .
١٠١٩- (أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ،
أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه ◌ِّرُ سَمِعَ
قِرَاءَةَ أَبِي مُوَسَى، فَقَالَ: (لَقَدْ أُوتِيَ مِزْمَارًا، مِنْ مَزَا مِيرِ آلِ دَاوُدَنَّلَمُ))).
رجال هذا الإسناد : ستة :
١- (سليمان بن داود) بن حماد المهري، أبو الربيع المصري، ثقة [١١] ت ٢٥٣
(دس) تقدم ٦٣ /٧٩ .
٢- (ابن وهب) عبدالله المصري الفقيه، ثقة حافظ عابد [٩] ت ١٩٧ (ع) تقدم ٦٣/
٧٩ .
٣- (عمرو بن الحارث) بن يعقوب المصري، ثقة فقيه حافظ [٧] تقدّم في ٦٣ /٧٩ .
والباقون تقدموا في السند الماضي. والله تعالى أعلم.

٢٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف(ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال
الجماعة، سوى شيخه، فانفرد هو به، وأبو داود (ومنها): أن النصف الأول منهم
مصريون، والنصف الثاني مدنيون (ومنها): أنه مسلسل بالإخبار في أربعة مواضع،
والعنعنة في موضع، والتحديث في موضع (ومنها) أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وأن فيه
أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة، وأبا هريرة تنظيم أحد المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(أن أبي هريرة) رَزثي (حدثه) أي أبا سلمة (أن رسول اللّه ◌ِالر سمع) بفتح همزة ((أن))
في المواضع كلها، لأنها سدت فيه مسد المفعول الثاني، والثالث لـ((أخبر))، لأنها تتعدى
إلى ثلاثة مفاعيل، والأول هو الضمير المنصوب، قال ابن مالك تثاثهُ في («خلاصته)) :
وَكَأَرَى السَّابِقِ نَبَّا أَخْبَرَا حَدَّثَ أَنْبَأَ كَذَاكَ خَبَّرَا
(قراءة أبي موسى) عبدالله بن قيس بن سُلَيم بن حَضَّار الأشعري، الصحابي الشهير،
أمره عمر، ثم عثمان، وهو أحد الحَكَمَين بصفين، مات رَظمفيه سنة (٥٠) وقيل:
بعدها، تقدمت ترجمته في ٣/٣ .
(فقال: لقد أوتي) اللام هي الموَطّئة للقسم، والجملة جواب القسم المقدر،
والضمير المرفوع النائب عن الفاعل يعود إلى أبي موسى رَمّه . وفي رواية عائشة
التالية: ((لقد أوتي هذا))، فاسم الإشارة هو النائب عن الفاعل، والمفعول الثاني قوله
(مزمارا) أي والله لقد أُعطي أبو موسى مزمارا، أي صوتا حسنا شبيها بالمزمار.
و((المزمار)) -بالكسر: آلة الزَّمْرِ، أي التغني. يقال: زَمَر يزمُرُ، من باب قتل، ويزمِر،
من باب ضرب، زَمْرًا، وزَمِيرًا، وزَمَّرَ تَزْمِيرًا: إذا غنى في القَصَبِ. أفاده في ((ق)).
والمراد أنه أعطي صوتا حسنا في قراءة القرآن من أنواع الأصوات والنغمات الحسنة
التي كانت لدودلِّل في قراءة الزبور.
قال في ((النهاية)): شَبَّهَ حسن صوته، وحلاوة نَغَمه بصوت المزمار. و((داود)) هو
النبي المشهورعمليَّلُ وإليه المنتهى في حسن الصوت بالقراءة، و((الآل)) في قوله: ((آل
داود)) مقحمة. قيل: معناه ههنا الشخص. انتهى.(١)
وقال الخطابي ◌َّلهُ: قوله: ((آل داود)) يريد نفسه، لأنه لم ينقل أن أحدا من أولاد
(١) (نهاية ابن الأثير)) جـ٢ ص ٣١٢.

٢٧
٨٣- (تَزْيِينُ القُرْآنِ بِالصَّوْتِ) - حديث رقم ١٠١٩
داودّالَّلُ، ولا من أقاربه كان أعطي من حسن الصوت ما أعطي داودَلَُّلُ انتهى.
وقال في ((الفتح)): والمراد بالمزمار الصوت الحسن، وأصله الآلة، أطلق اسمه على
الصوت للمشابهة. انتهى. (١)
وأخرج البخاري رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) من طريق بريد بن عبدالله، عن أبي
بردة، عن أبي موسى وَظ ◌ّ أن النبي وَ له قال له: ((يا أبا موسى، لقد أو تيت مزمارا من
مزامير آل داود السَّلامُ)).
قال في ((الفتح)): كذا وقع عنده مختصرا من طريق بريد، وأخرجه مسلم من طريق
طلحة بن يحيى، عن أبي بردة بلفظ: ((لو رأيتني، وأنا أستمع قراءتك البارحة)) ...
الحديث. وأخرجه أبو يعلى من طريق سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، بزيادة فيه: ((إن
النبي ◌ِّر وعائشة مرّا بأبي موسى، وهو يقرأ في بيته، فقاما يستمعان لقراءته، ثم إنهما
مضيا، فلما أصبح أتى أبو موسى رسول اللَّه ◌َ له، فقال: يا أبا موسى مررت بك))،
فذكر الحديث، فقال: ((أما إني لو علمت بمكانك لحَبَّرته لك تحبيرا)). ولابن سعد من
حديث أنس ◌َّه بإسناد على شرط مسلم: ((إن أبا موسى قام ليلة يصلي، فسمع أزواج
النبي ◌َّ صوته - وكان حلو الصوت - فقمن يستمعن، فلما أصبح قيل له: فقال: لو
علمت لحبّرته لهن تحبيرا)). وللروياني من طريق مالك بن مغول، عن عبدالله بن بريدة،
عن أبيه نحو سياق سعيد بن أبي بردة، وقال فيه: (( لو علمت أن رسول اللّه تَ ل يستمع
قراءتي لحبرتها تحبيرا)). (٢) والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته :
حديث أبي هريرة رَّه هذا صحيح.
[تنبيه]: قد اختلف في حديث أبي هريرة رضي هذا على الزهري، فرواه عمرو بن
الحارث، عنه عن أبي سلمة موصولا بذكر أبي هريرة رَميه. كما أخرجه المصنف هنا.
وأخرجه الدارمي من طريق الزهري، عن أبي سلمة مرسلا. ((أن رسول اللّه ◌َلِّ كان
يقول لأبي موسى - وكان حسن الصوت بالقرآن- لقد أوتي هذا من مزامير آل داود)).
(١) ((فتح)) جـ١٠ ص ١١٤- ١١٥.
(٢) ((فتح)) جـ ١٠ - ١١٣-١١٤ .

٢٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
ورواه معمر، وسفيان، كلاهما عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رصطريقتها. كما أخرجه
المصنف بعد هذا.
وقال الليث: عن الزهري، عن عبدالرحمن بن كعب مرسلا.
ولأبي يعلى من طريق عبدالرحمن بن عوسجة، عن البراء وظفيه: ((سمع النبي ◌َِّ ر
صوت أبي موسى، فقال: كأن صوت هذا من مزامير آل داود)). وأخرج ابن أبي داود من
طريق أبي عثمان النهدي قال: دخلت دار أبي موسى الأشعري، فما سمعت صوت
صَنْج، ولا بَرْبَط، ولا نايٍ أحسن من صوته. سنده صحيح، وهو في ((الحلية)) لأبي
نعيم. و((الصنج)) - بفتح المهملة، وسكون النون، بعدها جيم -: هو آلة تتخذ من
نحاس، كالطبقين يضرب أحدهما بالآخر. و((البربط)) - بالموحدتين، بينهما راء ساكنة،
ثم طاء مهملة، بوزن جعفر -: هو آلة تشبه العود، فارسي معرب. و((الناي)) : -بنون
بغير همز، هو المزمار. انتهى. (١)
[قال الجامع عفا الله عنه]: الظاهر أن الموصول في هذا هو الراجح، ولا يعلّ
بالمرسل، لأن من وصله ثقات حفاظ، فمعهم زيادةٌ، وزيادة الثقة مقبولة، ولا سيما إذا
كان حافظا متقنا، مثل عمرو بن الحارث، ومعمر، وابن عيينة، وأما الاختلاف في كونه
من حديث أبي هريرة، أو من حديث عائشة رَويها فلا يضر، لإمكان الحمل على أنه
مروي عنهما جميعاً(٢). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان موا ضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا -١٠١٩/٨٣- وفي ((الكبرى)) ١٠٩٢/٣٠- بالسند المذكور.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:
أخرجه (ق) في (الصلاة)) عن محمد بن يحيى، عن يزيد بن هارون، عن محمد بن
عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وتنميه ولفظه: قال: دخل رسول الله
وَلّ المسجد، فسمع قراءة رجل، فقال: ((من هذا؟)) فقيل له: عبدالله بن قيس، فقال:
((لقد أوتي هذا من مزامير آل داود)). والله سبحانه وتعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
(منها): استحباب استماع قراءة القارىء الحسن الصوت (ومنها): مدح الصوت
الحسن (ومنها): جواز مدح الإنسان في وجهه، وما ورد من النهي محمول على إذا
خيف عليه الافتتان بالعجب، ونحوه.
(١) ((فتح)) جـ١٠ ص ١١٤ - ١١٥ .
(٢) وكذلك رواية البراء تنميه إن صح طريقها تؤول بمثل هذا. والله تعالى أعلم.

=
٨٣- (تَزْيِينُ القُرْآنِ بِالصَّوْتِ) - حديث رقم ١٠٢٠، ١٠٢١
٠ ٢٩
(ومنها): معجزة داودَلِّل في حسن صوته، فقد تقدم عن ابن عباس رَّها: ((أن
داودغُ الَّلهُ كان يقرأ الزبور بسبعين لحنا، ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم)). والله
سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٠٢٠- (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَمِعَ النبي ◌ََّ قِرَاءَةَ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: ((لَقَدْ أَو تِيَ هَذَا مِنْ
مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ نَّالِمِ)»).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عبدالجبار بن العلاء بن عبدالجبار) العطار أبو بكر البصري، نزيل مكة، لا بأس.
به، من صغار [١٠] ت ٢٤٨ (م ت س) تقدم ١٣٢ / ١٩٩ .
٢- (سفيان) و(٣) (الزهري) تقدما قبل حديث.
٤- (عروة) بن الزبير المدني الفقيه الثقة الثبت [٣] تقدم ٤٤/٤٠ .
٥ - (عائشة) رَّها، تقدمت ٥/٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة،
إلا شيخه، فانفرد به هو، ومسلم، والترمذي، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة
من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
وشرح الحديث تقدم في الذي قبله.
(تنبيه): حديث عائشة تطيّها هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف أخرجه هنا-٨٣/
١٠٢٠ - وفي ((الكبرى))- ١٠٩٣/٣٠- عن عبدالجبار بن العلاء، عن ابن عيينة، عن
الزهري، عن عروة، عنه. وفي - ١٠٢١ - و((الكبرى)) - ١٠٩٤ - عن إسحاق بن
إبراهيم، عن عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري به. وفي ((فضائل القرآن)) - ٣٨/
٨٠٥١-عن محمد بن رافع، عن عبدالرزاق به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٠٢١- (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ،
عَنَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ بَلْ قِرَاءَةَ أَبِي مُوسَى،
فَقَالَ: ((لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَعََّ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١- (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي، المعروف بابن راهويه، ثقة ثبت فقيه [١٠]

٣٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الاقْتِتَاحِ
تقدم ٢ / ٢ .
٢- (عبدالرزاق) بن همام أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ، تغير بآخره [٩] ت ١١١ (ع)
تقدم ٦١ / ٧٧ .
٣- (معمر) بن راشد، أبو عروة البصري، ثم اليمني، ثقة ثبت [٧] ت ١٥٤(ع)
تقدم ١٠/١٠ .
والباقون تقدموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلقة به قد
تقدمت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
١٠٢٢- (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي
مُلَيْكَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكِ، أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ بَّهِ، وَصَلَّاتِهِ؟
قَالَتْ: مَالَكُمْ، وَصَلَاتَهُ؟ ثُمَّ نَعَتَتْ قِرَاءَتَهُ، فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ قِرَاءَةً مُفَسَّرَةَ حَزْفًا حَرْفًا).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١- قتيبة) بن سعيد الثقة البثت [١٠] تقدم ١/١ .
٢- (الليث بن سعد) الإمام الحجة الثبت الفقيه المصري [٧] تقدم ٣٥/٣١ .
٣- (عبدالله بن عبيدالله بن أبي مُلَيكة) زهير بن عبدالله بن جُدْعان، التيمي المكي،
ثقة فقيه أدرك ثلاثين صحابيا [٣] ت١١٧ (ع) تقدم ١٠١/ ١٣٢.
٤- (يعلى بن مملك) بوزن جعفر المكي، مقبول [٣].
روى عن أم سلمة، وأم الدرداء. وعنه ابن أبي مليكة. ذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له البخاري، في ((الأدب المفرد))، وأصحاب السنن، إلا ابن ماجه، وله عند
المصنف ثلاثة أحاديث.
٥- (أم سلمة) هند بنت أبي أمية بن المغيرة، أم المؤمنين عز وجل، تقدمت ١٢٣/
١٨٣ . والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن يعلى بن مملك) بوزن جعفر المكي (أنه سأل أم سلمة) عز وجل (عن قراءة
رسول اللّه وَلَه،ل صلاته؟) أي تلاوته للقرآن، وعن كيفية صلاته في الليل، ففي رواية
أحمد: ((قال: سألت أم سلمة عن صلاة رسول اللّه وَ له با لليل، وقراءته؟» ... (قالت)
أم سلمة عز وجل (ما لكم، وصلاتَه) ((ما ((استفهامية مبتدأ، والجار والمجرور خبره،
والواو في ((وصلاته)) واو المعية، و((صلاته (( بالنصب على المعية، كما قال ابن مالك
تَخْذَهُ في ((الخلاصة)):

٨٣- (تَزْيِينُ القُرْآنِ بِالصَّوْتِ) - حديث رقم ١٠٢٢
٣١ ==
فِي نَحْوِ سِيرِي وَالطَّرِيقَ مُسْرِعَهْ
يُنْصَبُ تَالِي الْوَاوِ مَفْعُولًا مَعَهْ
بِمَا مِنَ الْفِعْلِ وَشِبْهِهِ سَبَقْ
ذَا النَّصْبُ لَا بِالْوَاوِ فِي الْقَوْلِ الأَحَقّ
إلى أن قال:
وَالنَّصْبُ مُخْتَارٌ لَدَى ضُعْفِ النَّسَقْ
وَالْعَطْفُ إِنْ يُمْكِنْ بِلَا ضُعْفٍ أَحَقُّ
أَوِ اعْتَقِذْ إِضْمَارَ عَامِلِ تُصِبْ
وَالنَّصْبُ إِنْ لَمْ يَجْزِ الْعَطْفُ يَجِبْ
وتعين النصب لضعف العطف على الضمير المجرور بغير إعادة الجار عند الجمهور،
خلافا لابن مالك تَخْذّلهُ، كما قال في ((الخلاصة)):
وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى ضَمِيرٍ خَفْضٍ لَازِمًا قَدْ جُعِلَا
وَلَيْسَ عِنْدِي لَازِمَا إِذْ قَدْ أَتَى فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَتَا
وعند أبي داود: ((فقالت: وما لكم، وصلاته)) بالواو في الموضعين. قال الطيبي:
((وما لكم)) عطف على مقدر، أي ما لكم وقراءته؟، وما لكم وصلاته؟ والواو في قوله:
((وصلاته)) بمعنى ((مع))، أي ما تصنعون مع قراءته وصلاته. ذكرتها تحسرا، وتلهفا على
ما تذكرت من أحوال رسول اللّه وَ لير، لا أنها أنكرت السؤال على السائل. انتهى. وقال
القاري: أو معناه: أيّ شيء يحصل لكم مع وصف قراءته، وصلاته؟ وأنتم لا
تستطيعون أن تفعلوا مثله، ففيه نوع تعجيب، ونظيره قول عائشة عز وجل: ((وأيكم
يطيق ما كان رسول اللَّه وَ ل يطيق)). انتهى.(١)
(ثم نعتت قراءته) أي وصفت، وبيّنت بالقول، أو بالفعل بأن قرأت كقراءته وَالت .
ثم إن رواية المصنف رحمه اللّه تعالى هنا فيها اختصار هنا، حيث لم يذكر فيها نعتها
صلاته وَّر، وقد بينه فيما يأتي ١٦٢٩/١٣، ولفظه: ((فقالت: ما لكم، وصلاته، كان
يصلي، ثم ينام قدرَ ما صلى، ثم يصلي قدر ما نام، ثم ينام قدر ما صلى حتى يصبح)).
ولفظه في ١٦٢٨/١٣ - من طريق حجاج الأعور، عن ابن جريج، فقالت: ((كان
يصلي العتمة، ثم يسبح، ثم يصلي بعدها ما شاء الله من الليل، ثم ينصرف، فيرقد مثل
ما صلى، ثم يستيقظ من نومه ذلك، فيصلي مثل ما نام، وصلاته تلك الآخرة تكون إلى
الصبح)).
وقوله: (( ثم نعتت قراءته)). أي وصفتها، يقال: نعت الرجل صاحبه، من باب نَفَعَ :
وصفه. قاله في ((المصباح))(٢) وقال ابن الأثير: النعت وصف الشيء بما فيه من حُسْن،
(١) ((المرقاة)) جـ ٣ ص ٢٨٣ .
(٢) ص ٦١٢ .

٣٢
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
ولا يقال: في القَبِيح إلا أن يتكلف متكلف، فيقولَ نَعْتَ سَوْءٍ، والوصف، يقال: في
الْحَسَن والقبيح. انتهى(١) ..
(فإذا هي تنعت قراءة مفسّرة، حرفا حرفا) اختلف النحاة في هذه الفاء، فقيل: زائدة
لازمة. وقيل: عاطفة. وقيل: هي للسببية المحضة، كفاء الجواب. قاله ابن هشام
(٢)
الأنصاري(٢) .
و((إذا)) للمفاجأة، وهي مختصة بالجمل الاسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ولا تقع في
الابتداء، ومعناها الحال، لا الاستقبال، وهي حرف، وقيل: ظرف مكان، وقيل:
ظرف زمان. (٣).
وقوله: ((قراءة)) بالنصب مفعول ((تنعت))، وقوله: ((مفسّرة)) بصيغة اسم المفعول صفة
((قراءة))، ويحتمل أن يكون بصيغة اسم الفاعل حالا من الفاعل، أي حال كونها مبيَّة
قراءته وَ ه. وقوله: ((حرفا حرفا))، قال أبو البقاء: نصبهما على الحال، أي مرتلة،
نحو: أدخلتهم رجلا رجلا، أي مُفرَدَين.
قال القاري زَخْذَتْهُ: ((حرفا حرفا»: أي مرتلة، ومجوّدة، ومميزة، غير مخالطة، أو
المراد بالحرف الجملةُ المفيدة، فتفيد مراعاة الوقوف بعد تبيين الحروف. قال ميرك:
وهذا يحتمل وجهين: (أحدهما): أن تقول: قراءته كيت وكيت. (وثانيهما): أن تقرأ
مرتلة مبينة كقراءته وَل*، ونحوه قولهم: وجهُها يَصِف الجمال، ومن قوله تعالى:
﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ٦٢] انتهى. (٤) .
[قال الجامع عفا الله عنه]: الاحتمال الثاني هو الذي يدل عليه ظاهر النص، ويؤيده
ما يأتي من حديث ابن أبي مليكة، عن بعض أزواج النبي ◌َّ أنها ((سئلت عن قراءة
رسول اللَّه وَله؟ فقرأت قراءة ترسلت فيها)).
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أم سلمة رَعَّها هذا صحيح.
(١) ((النهاية في غريب الحديث)) جه ص ٧٥ .
.(٢) ((مغني اللبيب)) جـ ١ ص ١٤٣ . بنسخة حاشية الأمير.
(٣) ((مغني اللبيب)) ج١ ص ٨٠.
(٤) ((مرقاة المفاتيح)) جـ ٣ ص ٢٨٣.

٨٣- (تَزْيِينُ القُرْآنِ بِالصَّوْتِ) - حديث رقم ١٠٢٢
=
٣٣
[فإن قيل]: كيف يصح، وفي سنده يعلى بن مملك، وهو مجهول الحال، لأنه لم
يرو عنه غير ابن أبي مليكة، كما تقدم في ترجمته؟.
[أجيب]: بأنه وثقه ابن حبان، وصحح ابن خزيمة حديثه هذا، وله شواهد:
(منها): ما تقدم للمصنف - ١٠١٤/٨٢ -من حديث أنس رَّه لما سأله قتادة عن
قراءة النبي وَجلّ؟ فقال: كان يمد صوته مدًّا.
(ومنها): ما أخرجه البخاري رحمه الله تعالى في (صحيحه))، عن قتادة، قال:
((سئل أنس كيف كانت قراءة رسول اللّه وَله؟ فقال: كانت مدّا، ثم قرأ ((بسم الله
الرحمن الرحيم))، يمد ((بسم الله))، ويمد ((بالرحمن))، ويمد ((بالرحيم)).
(ومنها): ما أخرجه الإمام أحمد تَخّْتهُ في ((مسنده)) بسند صحيح، قال: حدثنا
وكيع، عن نافع بن عمر، وأبو عامر: ثنا نافع، عن ابن أبي مليكة، عن بعض أزواج
النبي ◌ُّله، قال أبو عامر: قال نافع: أراها حفصة أنها سئلت عن قراءة رسول اللَّه وَلاّ؟
فقالت: إنكم لا تستطيعونها، قال: فقيل لها: أخبرينا بها، قال: فقرأت قراءة، ترسلت
فيها، قال: أبو عامر: قال نافع: فحكى لنا ابن أبي مليكة ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ ،
ثم قطع ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم قطع ﴿مِلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾(١).
(ومنها): ما أخرجه ابن أبي داود من طريق قطبة بن مالك ◌َّه قال: سمعت رسول
اللَّهِ وَّه قرأ في الفجر ﴿قَ﴾ فمر بهذا الحرف ﴿لَمَا طَلَعٌ نَضِيدٌ﴾ فمدّ ﴿نَضِيدٌ﴾. ذكره
في ((الفتح)). (٢)
وهذه شواهد صحاح، يصح بها حديث يعلى بن مملك.
والحاصل أن حديث أم سلمة رَفِيهَا صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
[تنبيه]: قد ضعف الشيخ الألباني رواية المصنف، هذه(٣) وصحح رواية ابن
جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة، بإسقاط يعلى، وردّ على الترمذي، حيث
أعله بالانقطاع. (٤)
[قال الجامع عفا الله عنه]: عندي أن هذا غير صحيح، بل الصواب ما قاله الترمذي،
فإنه نَظَّتُهُ قال بعد إخراج الحديث من طريق يحيى بن سعيد الأموي: ما نصه: هكذا
(١) راجع ((المسند)) جـ ٦ ص ٢٨٨ .
(٢) جـ ١٠ ص ١١٢ .
(٣) انظر ((ضعيف النسائي)) ص ٣٤ .
(٤) انظر ((الإرواء)) جـ٢ ص ٦١ .

٣٤
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
روى يحيى بن سعيد الأموي، وغيره عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة،
وليس إسناده بمتصل، لأن الليث بن سعد روى هذا الحديث عن ابن أبي مليكة، عن
يعلى بن مملك، عن أم سلمة، وحديث الليث أصح. انتهى.(١).
قلت: فالراجح رواية الليث، لأن ابن جريج مدلس، وقد رواه بالعنعنة، فأسقط منه
يعلى بن مملك، ومما يدلّ على تدليسه أنه رواه أيضا موافقا لرواية الليث، بذکر یعلى،
مصرحا بالإخبار.
فقد أخرج الحديث أحمد في ((مسنده))، فقال: حدثنا عبدالرزاق، ثنا ابن جريج،
قال: قال عبدالله بن أبي مليكة: أخبرني يعلى بن مملك، أنه سأل أم سلمة زوج النبي
وَالر عن صلاة النبي ◌َّ ... الحديث، فقد صرح ابن جريج في هذه الرواية بالإخبار
بين ابن أبي مليكة، ويعلى، فتبين أن الرواية الأولى التي فيها العنعنة وقع فيها التدليس،
كما أشار إليه الترمذي رحمه الله تعالى. وسيأتي للمصنّف أيضًا ١٦٢٨/١٣ من رواية
حجاج الأعور، عن ابن جريج، عن أبيه، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، فزاد: ((عن
أبيه))، وهذا اضطراب منه، فلا تصحّ روايته.
والحاصل أن الرواية الصحيحة هي رواية الليث التي أوردها المصنف في هذا الباب.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا-١٠٢٢/٨٣ - وفي «الكبرى)) ١٠٩٥/٣٠- وفي ((فضائل القرآن)) -٤١/
٨٠٥٦- عن قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن ابن أبي مليكة، عن يعلى بن
مملك، عنها. وفي ١٦٢٩/١٣-١٣٢٤/٢١ - عن هارون بن عبدالله، عن حجاج
الأعور، عن ابن جريج، عن أبيه، عن ابن أبي مليكة به. فزاد ((عن أبيه)). والله أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) في ((الصلاة)) عن يزيد بن خالد بن موهب، عن الليث به. (ت) في
((فضائل القرآن)) عن قتيبة، عن الليث بن سعد به.
وأخرجه أحمد ٦/ ٢٩٤ و٢٩٧ و٣٠٠ و٣٠٨ (والبخاري في ((خلق أفعال العباد)))
٢٣ (وابن خزيمة) رقم ١١٥٨ . والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
(منها): استحباب التأني في القراءة، وعدم الإسراع فيها، لأن ذلك زينة للقرآن، وبه
(١) جامع الترمذي جه ص ١٨٥ .

٣٥
٨٤- (بابُ التكْبِيرِ لِلرّكُوع) - حديث رقم ١٠٢٣
يتمكن القارىء، والمستمع له من التدبر، والتفكر في معاني القرآن، وذلك هو المقصود
الأعظم من التلاوة (ومنها): ما كان عليه السلف من السؤال عن أحوال رسول اللّه وَله.
في الصلاة، والقراءة، وغير ذلك ليقتدوا به (ومنها): استحباب الوقوف على رؤس
الآي، ففي بعض طرق حديث أم سلمة رَّها هذا: ((كان إذا قرأ قطع آية، آيةٍ، يقول:
(بسم الله الرحمن الرحيم))، ثم يقف، ثم يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ ثم
يقف)) ... الحديث.
قال أبو عمرو الداني تَخّْلهُ في باب تفسير الوقف الحسن : -٢/٥: ومما ينبغي له
أن يُقطع عليه رؤوس الآي، لأنهن في أنفسهن مقاطع، وأكثر ما يوجد التام فيهن
لاقتضائهن تمام الجمل، واستبقاء أكثرهن انقضاء القصص.
وقد كان جماعة من الأئمة والقراء الماضين يستحبون القطع عليهن، وإن تعلق كلام
بعضهن ببعض، لما ذكرنا من كونهن مقاطع، ولسن بمشبهات لما كان الكلام التام في
أنفسهن دون نهایاتهن.
ثم روى عن اليزيد، عن أبي عمرو تَخْذَلَّهُ أنه كان يسكت على رأس كل آية، فكان
يقول: إنه أحب إلي إذا كان آية أن يسكت عندها. وقد وردت السنة أيضا عن رسول الله
وَ لجر عند استعماله التقطيع))، ثم ساق هذا الحديث. انتهى.(١). والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه
أنیب)).
ولما أنهى المصنف رحمه الله تعالى إيراد أحاديث تكبيرة الإحرام، و الاستفتاح،
والقراءة، وهي من - ٨٧٦ - إلى ١٠٢٢ - وجملتها- ١٤٦ - حديثا شرع يذكر أحاديث
الركوع، فقال :
٨٤- (بَابُ التَّكْبِيرِ لِلرُّكُوعِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على مشروعية التكبير لأجل الركوع.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: (الركوع)) بالضم: الخُضُوع. يقال: ركع يركع -
(١) راجع ((إرواء الغليل)) ج٢ ص ٦٢ .

٣٦
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
بفتح العين فيهما- رَكْعًا - بفتح، فسكون- ورُكوعا - بالضم -: طَأْطَأَ رأسه، وكلُّ قومة
يتلوها الركوع والسجدتان من الصلوات، فهي ركعة. ويقال: رَكَعَ المصلي رَكْعَةً،
ورَكْعَتَين، وثلاث رَكَعَات، وأما الركوع، فهو أن يخفض المصلي بعد القومة التي فيها
القراءة حتى يطمئن ظهره راكعا، قال لبيد:
أَدِبٌّ كَأَنْي كُلّمَا قُمْتُ رَاكِعُ
فالراكع الْمُنحَنِي في قول لبيد. وكل شيء يَنْكَبُّ لوجهه، فتمسُ ركبته الأرضَ، أو .
لا تمسها بعد أن یخفض رأسہ، فھو راکع، وجمعه: رُگے، ورُكُوع.
وفي حديث عليّ رَّه قال: ((نُهِيتُ أن أقرأ، وأنا راكع، أو ساجد)). قال الخطابي
◌َخْذَلهُ: لما كان الركوع والسجود - وهما غاية الذل والخضوع- مخصوصين بالذكر
والتسبيح نهاه عن القراءة فيهما، كأنه كرِهَ أن يجمع بين كلام اللّه وَّر وكلام الناس في
موطن واحد، فيكونان على السواء في المحلّ والمَوْقِعِ.
وكانت العرب في الجاهلية تسمِّي الحَنِيفَ راكعا، إذا لم يعبد الأوثان، وتقول: ركع
إلى اللَّه، ومنه قول الشاعر :.
إِلَى رَبِّهِ رَبِّ الْبَرِيَّةِ رَاكِعُ
ويقال: ركع الرجل: إذا افتقر بعد غِنَّى، وانحطّت حالُه، قال الشاعر: [من
الخفيف]
لَا تُهِينَ الْفَقِيرَ عَلَّكَ أَنْ تَزْ كَعَ يَوْمًا وَالذَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ
أراد: لا تهيئَنْ، فجعل النون ألفا ساكنة، فاستقبلها ساكن آخر، فسقطت.
والركوع: الانحناء، ومنه ركوع الصلاة، وركع الشيخ: انحنى من الْكِبَر، والركعة:
الهُوِيّ في الأرض لغة يمانية. قال ابن بَرِّيّ: ويقال: ركع: أي كبا وعَثَرَ، قال الشاعر:
[من الوافر]
وَأَقْلَتَ حَاجِبٌ فَوْتَ الْعَوَالِي عَلَى شَقَّاءَ تَرْكَعُ فِي الظُّرَابِ
انتهى ((لسان العرب)) بتصرف(١). والله تعالى أعلم بالصواب.
١٠٢٣ - (أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ .
الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ((أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حِينَ اسْتَخْلَفَهُ مَزْوَانُ عَلَى الْمَدِينَةِ،
كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَبَّرَ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ:
سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا، وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يُهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِرُ حِينَ يَقُومُ
(١) جـ ٣ ص ١٧١٩ - ١٧٢٠ . طبعة دار المعارف ..

:
٣٧
٨٤- (بابُ التكْبِيرِ لِلرَكُوع) - حديث رقم ١٠٢٣
مِنَ الثَّنْتَيْنِ بَعْدَ التَّشَهُدِ، يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ، فَإِذَا قَضَى صَلَاتَهُ، وَسَلَّمَ أَقْبَلَ
عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَشْبَهُكُمْ صَلَاةَ بِرَسُولِ الله ◌ِّ))).
رجال هذا الإسناد: ستة
١- (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي، ثقة [١٠] ت٢٤٠ (ت س) تقدم ٤٥/
٥٥ .
٢- (عبدالله بن المبارك) أبو عبدالرحمن المروزي الإمام الثبت الحجة [٨] ت١٨١
(ع) تقدم ٣٦/٣٢ .
٣- (يونس) بن يزيد الأيلي، أبو يزيد، ثقة، من كبار [٧] ت١٥٩ (ع) تقدم ٩/ ٩.
والباقون تقدموا في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد :
(منها): أنه من سداسيات المصنف تَخَّْثُ (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات نُبَلاء،
ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو والترمذي، وأن شيخه، وابن المبارك
مروزيان، ويونس أيلي، والباقون مدنيون (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي
(ومنها): أن فيه أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وأبا هريرة رَّه أحد
المكثرين السبعة. والله سبحانه وتعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف، كذا رواه يونس: ((عن أبي سلمة))، وكذا
هو عند البخاري من رواية مالك، وعند السرّاج من رواية معمر كلهم عن الزهري، عن
أبي سلمة. وقال عُقيل عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبدالرحمن بن
الحارث، أنه سمع أبا هريرة رَّه . وتابعه ابن جريج، عن ابن شهاب، عند مسلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ليس هذا اختلافا قادحا، بل الحديث عند ابن شهاب
عنهما معا، كما رواه البخاري من رواية شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال:
أخبرني أبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة بن عبدالرحمن، أن أبا
هريرة ◌َّه كان يكبر ... الحديث. أفاده الحافظ رحمه اللّه تعالى(١).
(أن أبا هريرة حين استخلفه) أي جعله خليفة له في الصلاة (مروان) بن الحكم بن أبي
العاص بن أمية، أبو عبدالملك الأموي المدني، ولي الخلافة في آخر سنة (٦٤) ومات
(١) راجع ((فتح)) جـ٢ ص ٥٢٥ -٥٢٦ .

٣٨
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
في رمضان سنة (٦٥) وله ثلاث، أو إحدى وستون سنة، ولا تثبت له صحبة(١) (على
المدينة) النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام، والظاهر أن استخلاف أبي
هريرة رَظُّه كان حينما كان مروان أميرا على المدينة، لأنه كان أمير معاوية رَّ عليها
(كان إذا قام إلى الصلاة) فيه التكبير قائما، وهو بالاتفاق في حق القادر (المكتوبة) أي
المفروضة، التي كتبها اللّه وَّر على عباده، وليس هذا خاصا بالمكتوبة فقط، بل النافلة
كذلك، وقد ثبت في رواية البخاري النص عليه، ولفظه من طريق شعيب بن أبي حمزة:
((أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها، في رمضان وغيره، فيكبر
حين يقوم)) ... (كبر) أي قال: ((الله أكبر))، وهذا التكبير للدخول في الصلاة فرض عند
الجمهور، كما تقدم الكلام عليه في محله (ثم يكبر حين يركع) قال النووي دَخَّلهُ: فيه
دليل على مقارنة التكبير للحركة، وبَسْطِهِ عليها، فيبدأ بالتكبير حين يشرع في الانتقال
إلى الركوع، ويمده حتى يصل إلى حد الركوع انتهى.
قال الحافظ وَخّْلهُ: ودلالة هذا اللفظ على البسط الذي ذكره غير ظاهرة. انتهى.
وعبارة النووي رّهُ في ((شرح مسلم)) عند قوله: یکبر حين يهوي ساجدا، ثم يكبر
حين يرفع، ويكبر حين يقوم من المثنى)): هذا دليل على مقارنة التكبير لهذه الحركات،
وبسطه عليها، فيبدأ حين يشرع في الانتقال إلى الركوع، ويمده حتى يصل حد
الراكعين، ثم يشرع في تسبيح الركوع، ويبدأ بالتكبير حين يشرع في الْهُوِيّ إلى
السجود، ويمده حتى يضع جبهته على الأرض، ثم يشرع في تسبيح السجود، ويبدأ في
قوله: ((سمع الله لمن حمده)) حين يشرع في الرفع من الركوع، ويمده حتى ينتصب
قائما، ثم يشرع في ذكر الانتقال، وهو ربنا ولك الحمد إلى آخره، ويشرع في التكبير
للقيام من التشهد الأول حين يشرع في الانتقال، ويمده حتى ينتصب قائما. انتهى كلام
النووي رحمه اللَّه تعالى(٢).
[قال الجامع عفا الله عنه]: هذا الذي قاله النووي تَخّْهُ من أنه يمد التكبير حتى تتم
الحركة، ليس في حديث الباب ما يدل عليه، كما أشار إليه الحافظ تَخّْتمُ تعالى في
كلامه السابق، وإنما يدل على أن التكبير يقارن هذه الانتقالات، فيستحب أن ينتقل من
ركن إلى آخر مصاحباللتكبير من أوله، وأَمَّا أن يمده حتى يصل إلى الركن الذي يليه
فمما لا يدل عليه الحديث، فتبصر. والله تعالى أعلم.
وقال العلامة الصنعاني تَخَّْهُ: ظاهر قوله: يكبر حين كذا، وحين كذا أن التكبير
(١) ((ت)) ص ٣٣٢ .
(٢) ((شرح مسلم)) جـ٤ ص ٩٩ .
..

٨٤- (بآبُ التَكْبِيرِ لِلرَّكُوع) - حديث رقم ١٠٢٣
٣٩
يقارن هذه الحركات، فيشرع في التكبير عند ابتدائه للركن. وأما القول بأنه يمد التكبير
حتى يتم الحركة، فلا وجه له، بل يأتي باللفظ من غير زيادة على أدائه، ولا نقصان
عنه. انتهى .
وقال صاحب ((المنهل)) رَخْذَّلهُ: وعلى تسليم ما قاله النووي في مد التكبير إلى انتهاء
حركات الانتقال، فينبغي للمصلي أن يسرع بحركات الانتقال، ويراعي عدم مدّ لفظ
الجلالة أزيد من حركتين، فإنه مدّ طبيعي. وقد اتفق القراء على أنه لا يجوز مدّه أزيد
من حركتين، خلافا لما يفعله بعضهم من مبالغتهم في هذا المدّ إلى ست حركات، أو
(١)
أكثر. انتهى. (١).
[قال الجامع عفا الله عنه]: وفيما قاله صاحب (المنهل)) من الإسراع في الانتقالات
نظر، فإن الإسراع أيضا مخالف للسنة، لأن السنة في الانتقالات وغيرها كونها على
سكون وطمأنينة، كما تدل عليه الأحاديث الصحيحة، فالإسراع المخل بالسنة مكروه،
بل ربما يؤدي إلى بطلان الصلاة، كما ثبت ذلك في حديث المسيء صلاته، فليتنبه.
والله تعالى أعلم.
(فإذا رفع رأسه من الركعة) بفتح الراء مصدر رَكَعَ، كما تقدم، فالمراد هنا المعنى
المصدريّ الحقيقي، وهو الانحناء المعروف، وهو الركوع، لا المعنى المجازي الذي
يطلق على جميع أفعال الركعة الواحدة من الصلاة .
(قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد) وفي الرواية الآتية - ١١٥٠/٩٠ - من
رواية الزهري عن أبي بكر بن عبدالرحمن: «ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع
صلبه من الركعة، ثم يقول، وهو قائم: ربنا ولك الحمد)). فدل على أن التسميع ذكر
النهوض، وأن التحميد ذكر الاعتدال، وفيه أن الإمام يجمع بينهما، خلافا لمالك، لأن
صلاة النبي وَّر الموصوفة محمولة على حال الإمامة، لكون ذلك هو الأكثر الأغلب من
أحواله ◌َّر، وسيأتي البحث عن ذلك في محله، وكذلك شرح قوله: ((سمع الله لمن
حمده) الخ يأتي هناك إن شاء اللَّه تعالى.
(ثم يكبر حين يهوي) بفتح الياء مضارع هَوَى: أي يسقط، ويهبط. يقال: هَوَى
يُهُوِي، من باب ضَرَبَ، هُوِيًّ -بضم الهاء، وفتحها- وزاد ابن القُوطِيَّة: ((هَوَاءٌ)) بالمد:
سقط من أعلى إلى أسفل، قاله أبو زيد وغيره، قال الشاعر: [من الوافر]:
هُوِيَّ الدَّلْوِ أَسْلَمَهَا الرِّشَاءُ
يُروَى- بالفتح، والضم- واقتصر الأزهري على الفتح. وهَوَى يُهُوِي أيضا هُوِيًّا -
(١) ((المنهل العذب المورود)) جه ص ٢٧٢ .
.--

٤٠
شرح سنن النسائي - كِتَابُ الافْتِتَاحِ
بالضم - لا غير: إذا ارتفع. قاله في ((المصباح))(١) أي فهو من الأضداد، والمراد به هنا
المعنى الأول.
(ساجدًا) حال من فاعل «یہوي)». وفيه أن التكبير ذکر الهُويّ، فیبتدىء به حین یشرع
في الهويّ بعد الاعتدال.
(ثم يكبر حين يقوم من الثنتين بعد التشهد) أي الركعتين الأوليين اللتين بعد التشهد
الأول. وفيه أنه يَشْرَعُ في التكبير من حين ابتداء القيام إلى الثالثة بعد التشهد الأول،
خلافا لمن قال: إنه لا يكبر حتى يستوي قائما. (٢)
(يفعل ذلك) أي المذكور من الأذكار (حتى يقضي صلاته) أي يتمها، يقال: قَضَى
فلان صلاتَه، يَقضِي، قَضَاءً، وقَضِيَّةً: إذا فرغ منها. أفاده في ((اللسان)).
(فإذا قضى صلاتَهُ، وسلم أقبل على أهل المسجد) أي توجه إليهم (فقال: والذي
نفسي بيده) فيه القسم بيد اللّه وَالر، لأن اليد صفة من صفات اللَّه تعالى التي أثبتها لنفسه
في كتابه، وأثبتها النبي ◌َّ في أحاديثه الصحيحة، فهي صفة ثابتة على ما يليق بجلاله،
بدون تأويلها إلى القدرة، كما يقول به بعض الناس (إني لأشبهكم صلاةً برسول الله
وَالد) جملة ((إن)) جواب القسم، و((صلاةً)) منصوب على التمييز.
زاد في الرواية الآتية ١١٥٥/٩٤- من طريق معمر عن الزهري: ((ما زالت هذه
صلاته حتى فارق الدنيا)). ووافقه شعيب بن أبي حمزة عن الزهري.
قال أبو داود في ((سننه)) بعد أن أخرج الحديث من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن
الزهري، عن أبي بكر بن عبدالرحمن، وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة تَّه وفي
آخره: ((والذي نفسي بيده إني لأقربكم شبَها بصلاة رسول اللَّه وَ لّر، إن كانت هذه
لصلاته حتى فارق الدنيا)): ما نصه: هذا الكلام الأخير - يعني قوله: ((ما زالت هذه
صلاته)) إلخ -. يجعله مالك، والزبيدي، وغيرهما عن الزهري، عن علي بن الحسين.
ووافق عبدُ الأعلى، عن معمر شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري. انتهى.
يعني أن قوله: ((إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا)) جعله مالك، والزبيدي،
وغيرهما عن الزهري، عن علي بن حسين مرسلا.
ولفظ ((الموطا)): ((حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن علي بن الحسين بن علي بن
أبي طالب رَّ أنه قال: ((كان رسول اللَّه ◌َ له يكبر في الصلاة كلما خفض، ورفع،
فلم تزل تلك صلاته حتى لقي اللّه ◌َلِّ)).
(١) ص ٦٤٣ .
(٢) قاله في ((الفتح)) جـ٢ ص ٥٥٠.