Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١ _
٧٦٠ - قراءة بعض السورة - حديث رقم ١٠٠٧
(الأول) : أنه استدل المصنف وغيره بهذا الحديث على جواز
الاقتصار على بعض السورة، لكن فيه نظر؛ لأن تركه عملية القراءة هنا
للضرورة، لأجل السعلة، فلا يتم الاستدلال به للترك حالة الاختيار.
فكان الأولى له الاستدلال بما تقدم له - ٦٧ / ٩٩١ - من قراءته عَ ﴾ سورة
الأعراف في المغرب في ركعتين، ففيها القراءة بالأول وبالأخير دون
ضرورة. وبما تقدم له أيضًا - ٣٨/ ٩٤٤ - من القراءة عم ◌ّ في ركعتي
الفجر، في الأولى آية ((البقرة)) ﴿قُولُوا آمَنًا باللّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] الآية،
وفي الثانية آية ((آل عمران)) ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: ٦٤]
ولا فرق في ذلك بين النافلة والفريضة .
وقد روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي بكر الصديق رضي الله
عنه أنه أمَّ الصحابة في صلاة الصبح بسورة البقرة، فقرأها في الركعتين.
قال في ((الفتح)): وهذا إجماع منهم.
وروى محمد بن عبد السلام الخُشَني(١) من طريق الحسن البصري،
قال: ((غزونا خراسان ، ومعنا ثلاثمائة من الصحابة، فكان الرجل منهم
يصلي بنا، فيقرأ الآيات من السورة، ثم يركع)). أخرجه ابن حزم محتجًا
به .
وروى الدار قطني بإسناد قوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ
((الفاتحة))، وآية من ((البقرة)) في ركعة. انتهى (٢).
(١) بضم الخاء المعجمة، وفتح الشين المعجمة، ثم نون.
(٢) فتح جـ ٢ ص ٥٠٤. ٥٠٥.
٦٢٢
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
الثاني : أنه احتج به بعضهم على جواز قراءة بعض آية، أخذًا من
قوله: ((حتى جاء ذكر موسى، وهارون، أو ذكر عيسى)) لأن كلاً من
الموضعين يقع في وسط آية. وفيه أن ذلك للضرورة. نعم الكراهة - كما
قال في ((الفتح)) - لا تثبت إلا بدليل، ولا دليل على الكراهة. والله
أعلم.
الثالث: أنه استدل به أيضًا على أن السعال لا يبطل الصلاة، وهو
واضح فيما إذا غلبه، وقال الرافعي رحمه الله في ((شرح المسند)): قد
يستدل به على أن ((سورة المؤمنين)) مكية، وهو قول الأكثر، قال: ولمن
خالف أن يقول: يحتمل أن يكون قوله: ((بمكة))، أي في الفتح، أو حجة
الوداع .
قال الجامع عفا الله عنه: كونه في فتح مكة هو المتعين، لرواية
المصنف في الباب. والله تعالى أعلم.
الرابع: أنه استدل به أيضًا على أن قطع القراءة لعارض السعال
ونحوه أولى من التمادي في القراءة مع السعال والتنحنح، ولو استلزم
تخفيف القراءة فيما يستحب فيه تطويلها(١) . والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت
وإليه أنيب .
(١) المصدر السابق.
٦٢٣
٧٧ - تعوذ القارئ إذا مر بآية عذاب - حديث رقم ١٠٠٨
٧٧ - تَعَوُّذُ الْقَارِئِ إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ عَذَاب
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على استحباب تعوذ القارئ في
الصلاة أو غيرها إذا مر بآية فيها ذكر العذاب.
ومعنى تَعَوَّذ القارئ: التجاؤُه إلى الله تعالى. قال الراغب
الأصفهاني رحمه الله: العَوْذُ: الالتجاء إلى الغير، والتعلق به.
انتهى(١). وفي ((اللسان)): عاذَ يَعُوذ عَوْذًا، وعيَاذًا، ومَعَاذًا: لاذ به.
ولجأ إليه ، واعتصم. انتهى(٢).
و((العذاب)) قال الراغب: هو الإيجاع الشديد، وقد عذّبّه تعذيبًا:
أكثرَ حبسَهُ في العذاب. واختلف في أصله، فقال بعضه : هو من
قولهم: عَذَبَ الرجلُ: إذا ترك المأكَلَ والنوم، فهو عاذبٌ، وعَذُوبٌ،
فالتعذيب في الأصل هو حمل الإنسان أن يَعْذِبَ، أي يَجُوعَ، ويَسْهَرَ.
وقيل: أصله من العَذْبِ ، فَعذّبْتُهُ، أي أزلتُ عَذْبَ حياته، على بناء
مَرَّضتُهُ، وقَدَيْتُهُ. وقيل: أصل التعذيب إكثار الضرب بعَذَبَة السوط، أي
طَرَفها، وقد قال أهل اللغة: التعذيب هو الضرب. وقيل: هو من
قولهم: ماء عَذَبٌ: إذا كان فيه قَذىِ وكَدَرٌ، فيكون عَذَّبْتُهُ كقولك:
كدّرت عَيْشَهُ، وزَلَّقت حياته . انتهى(٣).
(١) مفردات ألفاظ القرآن ص ٥٩٤ - ٥٩٥ .
(٢) جـ ٤ ص ٣١٦٢.
(٣) مفردات ألفاظ القرآن ص ٥٥٤ - ٥٥٥ .
-
٦٢٤
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
تنبيه:
أخرج المصنف رحمه الله تعالى حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه
المذكور في هذا الباب في عدة أبواب بأسانيد مختلفة، يستنبط منه
الأحكام المناسبة لكل باب، فأخرجه في ٧٧ / ١٠٠٨ و ٧٨ / ١٠٠٩
و٩/ ١٠٤٦ و٧٤/ ١١٣٣ و٢٥/ ١٦٦٤ . وسأتكلم في كل موضع بما
تدعو إليه الحاجة إن شاء الله تعالى.
١٠٠٨ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُبْنُ بَشَّار، قَالَ: حَدَّثَنَا
يَحْيَى، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَبْنُ أَبِيّ عَدِيٌّ، عَنْ شُعْبَةً،
عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعْدَ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ
الأحْتَف، عَنْ صِلَةَ بْنِ زَّقَرَ، عَنْ حُدَيْفَةَ، أَنَّهُ صَلَّى إِلَى
جَنْبِ النَّبِيِّفَ﴿ لَيْلَةٌ، فَقرَا، فَكَانَ إِذَا مَرَّ بِآيَة عَذَاب،
وَقَفَ، وَتَعَوَّذَ، وَإِذَا مَرَّ بَآيَةَ رَحْمَةٍ، وَقَفََ،َ فَدَعَاً،
وَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِه: (َسُبَّحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ)) ، وَفِي
سُجُوده: ((سَبْحَانَ رَبِّيَ الأعْلَى)).
رجال هذا الإسناد: عشرة
١ - (محمد بن بشار) بُنْدَار، أبو بكر البصري، ثقة حافظ، من
[١٠]، تقدم في ٢٤ / ٢٧.
٦٢٥ _
٧٧ - تعوذ القارئ إذا مر بآية عذاب - حديث رقم ١٠٠٨
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإمام الحافظ الحجة، من
[٩]، تقدم في ٢/٢.
٣ - (عبد الرحمن) بن مهدي الإمام الحافظ الحجة، من [٩]،
تقدم في ٤٢ / ٤٩ .
٤ - (ابن أبي عدي) محمد بن إبراهيم بن أبي عدي البصري،
أبو عمرو البصري، ثقة، من [٩]، تقدم في ١٢٢ / ١٧٥ .
٥ - (شعبة) بن الحجاج تقدم في الباب الماضي.
٦ - (سليمان) بن مهران الأعمش، تقدم في الباب الماضي أيضًا.
٧ - (سعد بن عُبَيدة) السلمي، أبو حمزة الكوفي، خَتَن أبي
عبد الرحمن السُّكَمِيّ على ابنته، ثقة، من [٣].
روى عن المغيرة بن شعبة، وابن عمر، والبراء بن عازب، والمستورد
بن الأحنف، وأبي عبد الرحمن السُّلَميّ، وغيرهم. وعنه الأعمش،
ومنصور، والحكم بن عتيبة، وفطر بن خليفة، وغيرهم.
قال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: كان يرى رأي
الخوارج ثم تركه، يُكتَب حديثُهُ، وقال الكَلاباذي: مات في ولاية عُمَر
ابن هُبَيرة على العراق، وكذا قال ابن سعد، وقال: كان ثقة كثير
الحديث، وكذا أرخه ابن حبان في ((الثقات)). وقال العجلي: تابعي ثقة.
روى له الجماعة (١) .
(١) ((تك)) جـ ١٠ ص ٢٩٠ -٢٩٢. ((تت)) جـ ٣ ص ٤٧٨.
٦٢٦
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
٨ - (الْمُسْتَورد (١) بن الأحنف) الكوفي، ثقة، من [٣].
روى عن حذيفة، وابن مسعود، ومعقل بن عامر، وصلة بن زفر.
وعنه سعد بن عبيدة، وعلقمة بن مرثد وسلمة بن كهيل، وأبو حَصين
الأسدي. قال ابن المديني: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال
ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة: كان ثقة، وله أحاديث.
وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. روى له الجماعة (٢).
٩ - (صِلَة بن زُفَر (٣)) العبسي، أبو العلاء، ويقال: أبو بكر
الكوفي تابعي كبير ثقة جليل، من [٢] .
روى عن عمار بن ياسر، وحذيفة، وابن مسعود، وعلي، وابن
عباس. وعنه أبو وائل، وهو أكبر منه، وربعي ابن حرَاش، وهو من
أقرانه، والمستورد بن الأحنف، وأبو إسحاق السبيعي، وأيوب
السختياني، وغيرهم.
قال ابن خراش: كوفي ثقة. وقال الخطيب: كان ثقة. وقال
شعبة: قلب صلَةَ من ذهب. يعني أنه منور كالذهب. وذكره ابن حبان
في ((الثقات)). وقال خليفة: مات في ولاية مصعب بن الزبير. وكذا قال
ابن سعد، وزاد: ((وكان ثقة، وله أحاديث)). وقال إسحاق بن منصور،
(١) بصيغة اسم الفاعل.
(٢) ((تت)) جـ ١٠ ص ١٠٦.
(٣) بكسر الصاد المهملة، وفتح اللام، و((زفر)) بضم الزاي المعجمة، وفتح الفاء
((والعبسي)) بالموحدة. اهـ ت ص ١٥٣ .
٦٢٧ _
٧٧ - تعود القارئ إذا مر بآية عذاب - حديث رقم ١٠٠٨
عن ابن معين: ثقة. ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير، وابن صالح.
يعني العجلي. روى له الجماعة(١) .
١٠ - (حذيفة) بن اليمان، واسم اليمان حُسَيل، ويقال: حسْل
العبسي، حليف الأنصار ، صحابي شهير، من السابقين ، وأبوه
صحابي أيضًا، رضي الله عنهما، تقدم في ٢/ ٢ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من ثمانیات المصنف رحمه الله .
ومنها : أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة .
ومنها: أن الخمسة الأولين بصريون، والخمسة الآخرين كوفيون.
ومنها: أن فيه أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض؛
الأعمش، عن سعد، عن المستورد، عن صلة.
ومنها : أن شيخه ممن اتفق الجماعة على الرواية عنهم دون واسطة
والله تعالى أعلم.
شرع الحديث
(عن حذيفة) بن اليمان رضي الله عنهما (أنه صلى إلى جنب
النبي ◌َّ ليلة) أي ليلة من الليالي، فالتنوين للتنكير (فقرأ) وفي
الرواية الآتية - ٧٤ / ١١٣٣ من طريق جرير، عن الأعمش: ((صليت مع
رسول الله تَّه ذات ليلة، فاستفتح بسورة ((البقرة)) ... (فكان إِذا مر
(١) ((تت)) جـ ٤ ص ٤٣٧ .
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
- ٦٢٨
بآية عذاب) أي بآية تذكر فيها النار، أو الوعيد (وقف) عند تلك الآية
(وتعوذ) أي اعتصم بالله تعالى من عذابه. يقال: استعذت بالله،
وعُذْتُ بِه مَعَاذَا، وعياذًا: اعتصمت به. قاله في ((المصباح))(١).
(وإِذا مر بآية رحمة) أي بآية تذكر فيها الرحمة، أو الجنة، أو
الوعد (وقف ، فدعا) أي سأل الله تعالى أن يعطيه إياها. وفي الرواية
الآتية ٢٥ / ١٦٦٤ - من طريق عبد الله بن نمير، عن الأعمش: ((إذا مر
بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ)) ...
(وكان) ◌َّ (يقول في) حال (ركوعه: ((سبحان ربي
العظيم))، و) يقول (في) حال (سجوده: ((سبحان ربي الأعلى)))
سيأتي الكلام على هذا في مبحث الركوع - ٩/ ١٠٤٦ - والسجود - ٧٤/
١١٣٣ - إن شاء الله تعالى. وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته :
حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا ٧٧ / ١٠٠٨، وفي ((الكبرى)) ٢٤/ ١٠٨٠ - بالإسناد
(١) ص ٤٣٧ .
٦٢٩ _
٧٧ - تعوذ القارئ إذا مر بآية عذاب - حديث رقم ١٠٠٨
المذكور. وفي ٧٨/ ١٠٠٩، والكبرى ٢٥/ ١٠٨١ - عن محمد بن آدم،
عن حفص بن غياث، وفي ٩/ ١٠٤٦، والكبرى ١٠ / ٦٣٤ - عن
إسحاق بن إبراهيم، عن أبي معاوية، وفي ٧٤ / ١١٣٣، و((الكبرى))
٧١/ ٧١٩ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، وفي ٢٥ / ١٦٦٤ - عن
الحسين بن منصور، عن عبد الله بن نمير - أربعتهم عن الأعمش به.
و ١٠٠٩/٧٨ عن محمد بن آدم ، عن حفص بن غياث، و ٢٥ / ١٦٦٥
- عن إسحاق بن إبراهيم، عن النضر بن محمد المروزي - كلاهما عن
العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن طلحة بن يزيد، عن حذيفة
رضي الله عنه .
قال أبو عبد الرحمن : هذا الحديث عندي مرسل، وطلحة بن يزيد
لا أعلمه سمع من حذيفة شيئًا، وغير العلاء بن المسيب قال في هذا
الحديث: عن طلحة، عن رجل، عن حذيفة. انتهى. والله تعالى
أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه :
أخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله
ابن نمير، وأبي معاوية به. وعن زهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم،
كلاهما عن جریر به. وعن محمد بن نمیر، عن أبيه به .
وأبو داود فيه عن حفص بن عمر، عن شعبة به .
والترمذي فيه عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، عن
شعبة به. وعن محمد بن بشار، عن ابن مهدي به .
- ٦٣٠
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
وابن ماجه فيه عن علي بن محمد، عن حفص بن غياث، وأبي
معاویة كلاهما عن الأعمش به.
وأخرجه أحمد ٥/ ٣٨٢ و٣٨٤ و٣٩٤ و٣٩٧. والدارمي برقم
١٣١٢ .
وابن خزيمة ٥٤٣ و ٦٦٠ و ٦٠٣ و٦٠٤ و ٦٦٨ و٦٦٩ و٦٨٤. والله
تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في استحباب التعوذ ونحوه
للقارئ إذا مر بآية العذاب ونحوها مطلقًا :
قال النووي رحمه الله تعالى: قال الشافعي وأصحابنا: يسن للقارئ
في الصلاة وخارجها إذا مربآية رحمة أن يسأل الله تعالى الرحمة، أو
بآية عذاب أن يستعيذ به من العذاب، أو بآية تسبيح أن يسبح، يستحب
ذلك للإمام، والمأموم، والمنفرد ، وبهذا قال جمهور العلماء من
السلف، ومن بعدهم. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يكره السؤال عند آية
الرحمة، والاستعاذة في الصلاة. انتهى. كلام النووي رحمه الله
>(١)
مختصراً(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: لكن المعروف عند الحنفية أن الكراهة في
الفريضة فقط، لا في النافلة . فليتنبه.
(١) المجموع جـ ٤ ص ٦٦ - ٦٧ .
٦٣١ _
٧٧ - تعود القارئ إذا مر بآية عذاب - حديث رقم ١٠٠٨
وقال الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله : ويستحب لكل مصل
إذا مربآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن
يستعيذ بالله عز وجل من النار. ثم أخرج بسنده حديث حذيفة رضي
الله عنه المذكور في الباب، وأخرج بسند صحيح عن عائشة رضي الله
عنها، أنها مرت بهذه الآية: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾
[الطور: ٢٧]، فقالت: مُنَّ علي، وقني عذاب السموم. وأخرج أيضًا
عن عبد خير، قال: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه قرأ في
صلاة: ﴿سَبّح اسْم رَبّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، فقال: سبحان ربي
الأعلى .
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أنه قرأ في الجمعة:
﴿سبّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، فقال: سبحان ربي الأعلى.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه كان إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ
عَلَى أن يُحْبِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] قال: اللهم بلى، وإذا قال:
﴿ سَبّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ قال: سبحان ربي الأعلى. وعن علقمة أنه
قرأ ﴿رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] فقال: رب زدني علماً .
وعن حُجْر المدَريّ(١) أنه كان يصلي، فإذا قرأ ﴿ أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ
(٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨، ٥٩] قال: بل
أنت رب. انتهى كلام ابن حزم رحمه الله باختصار(٢).
(١) بفتح الميم، والدال المهملة، وهو حجر بن قيس الهمداني اليمني، تابعي ثقة. اهـ،
من تعليق أحمد شاكر رحمه الله على المحلى. جـ ٤ ص ١١٩.
(٢) المحلَّى جـ ٤ ص ١١٧ -١١٩.
٦٣٢
-
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى عند قوله: ((فقرأها
مترسلاً، إذا مربآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر
بتعوذ تعوذ»، ما نصه: فيه استحباب الترسل، والتسبيح عند المرور بآية
فيها تسبيح، والسؤال عند قراءة آية فيها سؤال، والتعوذ عند تلاوة آية
فيها تعوذ. فالظاهر استحباب هذه الأمور لكل قارئ من غير فرق بين
المصلي وغيره، وبين الإمام والمنفرد والمأموم، وإلى ذلك ذهبت
الشافعية. انتهى(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر صنيع المصنف رحمه الله أنه يوافق
مذهب الجمهور القائلين باستحباب هذه الأمور لكل مصل، حيث أطلق
الترجمة، ولم يقيدها بالنافلة. وهذا هو المذهب الراجح عندي، وليس
لمن قال بالكراهة في الفريضة دليل، وأما عدم كونه ◌َّه لا يفعلها في
الفريضة فلأنه كان يصلي إمامًا، فيخشى من التطويل، وهكذا ينبغي
للإمام إذا خشي التطويل أن لا يفعلها. والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت، وإليه أنيب .
(١) نيل الأوطار جـ ٢ ٢٦٦.
٦٣٣
٧٨ - مسألة القارئ إذا مر بآية رحمة - حديث رقم ١٠٠٩
-
٧٨ - مَسْألةُ الْقَارِئِ إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ رَحْمَةٍ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على استحباب سؤال القارئ إذا مر
بآية فيها ذكر رحمة. فـ((المسألة)) بمعنى السؤال مصدر ميمي لـ السأل)).
١٠٠٩ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ
غِيَاثِ، عَنِ الْعَلاَءِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عَمْروِ بْنِ مُرَّةً،
عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، وَالأَعْمَشِ، عَنْ
سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ الأَحْتَفِ، عَنْ صِلَةَ
بْنِ زُقَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، ((أنَّالنَّبِيََُّّ قَرَأْ «البُقَرَةَ))،
وَآَلَ عَمْرَانَ)، وَالنِّسَاءَ) فِي رَكْعَةٍ، لا يَمُرُّبِيَّةِ رَحْمَةٍ
إلا سَألَ، وَلا بِآيَة عَذَاب إلا اسْتَجَارِ)).
رجال هذا الإسناد: عشرة
١ - (محمد بن آدم) بن سليمان الجُهني المصّيصيّ، صدوق من
[١٠].
روى عن ابن المبارك، وحفص بن غياث، وأبي خالد الأحمر،
وغيرهم. وعنه أبو داود، والنسائي، وأبو حاتم، وغيرهم. قال أبو
حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: صدوق، لا
- ٦٣٤
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
بأس به. وقال مسلمة في ((الصلة)): ثقة. وقال ابن عساكر: مات سنة
(٢٥٠) انفرد به أبو داود، والمصنف(١).
٢ - (حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعي، أبو عمر
الكوفي القاضي، ثقة فقيه تغير حفظه قليلاً في الآخر، من [٨]، مات
سنة ١٩٤ - أو ١٩٥-، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٦ / ١٠٥.
٣ - (العلاء بن المسيب) بن رافع الأسدي الكاهلي، ويقال :
الثعلبي الكوفي، ثقة ربما وهم(٢) ، من [٦].
روى عن أبيه، وعكرمة، وعطاء، وعمرو بن مرة، وغيرهم.
وعنه حفص بن غياث، وعبد الواحد بن زياد، وزهير بن معاوية،
وجرير بن عبد الحميد، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة مأمون. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال
ابن عمار: ثقة يحتج بحديثه. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال
العجلي: ثقة، وأبوه من خيار التابعين. وقال يعقوب بن سفيان: كوفي
ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال الحاكم: له أوهام في الإسناد
والمتن. وقال الأزدي. في بعض حديثه نظر، وتعقبه النباتي بأنه كان
يجب أن يذكر ما فيه النظر. وفي الميزان: قال بعضهم: كان يهم كثيرًا،
وهو قول لا يعبأ به. أخرج له الجماعة، إلا الترمذي (٣).
(١) راجع ((تت)) جـ ٩ ص ٣٤ _ ٣٥.
(٢) هكذا قال في ((ت)): ربما وهم، لكن فيه نظر لما يتبين فيما بعدُ من رد المحققين على
من زعم ذلك. فتبصر. والله أعلم.
(٣) ((تت)) جـ ٨ ص ١٩٢ - ١٩٣.
٦٣٥
-
٧٨ - مسألة القارئ إذا مر بآية رحمة - حديث رقم ١٠٠٩
٤ - (عمرو بن مرة) الجَمَليّ الكوفي، ثقة عابد، من [٥]، تقدم
قبل بابین .
٥ - (طلحة بن يزيد) الأيلي، أبو حمزة مولى قَرَظَة بن كعب
الأنصار، نزيل الكوفة، وثقه النسائي، من [٣].
روى عن حذيفة ، وقيل: عن رجل ، عنه ، وعن زيد بن أرقم.
وعنه عمرو بن مرة. قال ابن معين: لم يرو عنه غيره. وذكره ابن حبان
في ((الثقات)) . قال النسائي لما خرج حديثه، عن رجل، عن حذيفة في
((صلاة الليل)): هذا الرجل يشبه أن يكون أصله(١) وطلحة هذا ثقة.
أخرج له الجماعة سوى مسلم.
والباقون تقدموا في السند الماضي. وكذا شرح الحديث، والمسائل
المتعلقة به، فلا حاجة إلى إعادتها، بل أوَضِّح بعض ما يُحتاج إلیه هنا،
فأقول :
قوله: ((والأعمش)) بالجر عطفًا على قوله: ((العلاء بن المسيب))،
فحفص بن غياث له في هذا الحدیث، إسنادان :
أحدهما: عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن طلحة بن
یزید، عن حذيفة رضي الله عنه .
(١) هكذا بياض في تهذيب التهذيب بعد لفظة ((أصله))، وأظنه محرفًا، والصواب ما في
(السنن الكبرى)) للمصنف، ولفظه: ((هذا الرجل يشبه أن يكون صلة بن زفر)). لكن
قوله: ((وطلحة هذا ثقة)) لم أجده في كلام المصنف. والله تعالى أعلم.
٦٣٦
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
-
والثاني: عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن
الأحنف، عن صلة بن زفر، عن حذيفة رضي الله تعالى عنه. والله
تعالى أعلم.
وإنما ذكر المصنف رحمه الله الإسناد الثاني تقوية للأول، لأن طلحة
يقال: ما سمع هذا الحديث من حذيفة، كما سيأتي للمصنف رحمه الله
تعالى برقم ٢٥/ ١٦٦٥ - وسيأتي الكلام عليه هناك، إن شاء الله تعالى.
وقوله: (قرأ ((البقرة))، و(آل عمران))، و((النساء)) في ركعة).
قال القاضي عياض رحمه الله: فيه دليل لمن يقول: إن ترتيب السور
اجتهاد من المسلمين حين كتبوا المصحف، وإنه لم يكن ذلك من ترتيب
النبي ◌َّ بل وكَلَه إلى أمته بعده، قال: وهذا قول مالك، وجمهور
العلماء، واختاره القاضي أبو بكر الباقلاني، قال ابن الباقلاني: هو
أصح القولين مع احتمالهما، قال : والذي نقوله: إن ترتيب السور ليس
بواجب في الكتابة، ولا في الصلاة، ولا في الدرس، ولا في التلقين
والتعليم، وإنه لم يكن من النبي ◌َّه في ذلك نص، ولا حد تحرُمُ
مخالفته، ولذلك اختلف ترتيب المصاحف قبل مصحف عثمان، قال:
واستجاز النبي ◌َّه والأمة بعده في جميع الأعصار ترك ترتيب السور في
الصلاة والدرس والتلقين.
قال: وأما على قول من يقول من أهل العلم: إن ذلك بتوقيف
-
٦٣٧
٧٨ - مسألة القارئ إذا مر بآية رحمة - حديث رقم ١٠٠٩
من النبي ◌َّ حدده لهم كما استقر في مصحف عثمان، وإنما اختلفت
المصاحف قبل أن يبلغهم التوقيف والعرض الأخير، فيتأول قراءته {ل﴾.
((النساء) أوّلاً، ثم ((آل عمران)) هنا على أنه كان قبل التوقيف والترتيب،
وكانت هاتان السورتان هكذا في مصحف أبيّ رضي الله عنه.
قال: ولا خلاف أنه يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الثانية سورة
قبل التي قرأها في الأولى، وإنما يكره ذلك في ركعة، ولمن يتلو في غير
صلاة، قال: وقد أباحه بعضهم، وتأول نهي السلف عن قراءة القرآن
منكوسًا على من يقرأ من آخر السورة إلى أولها، قال: ولا خلاف أن
ترتيب آيات كل سورة بتوقيف من الله تعالى على ما هي عليه الآن في
المصحف، وهكذا نقلته الأمة عن نبيها ◌َّه. انتهى كلام القاضي عياض
رحمه الله تعالى منقولاً من شرح النووي على ((صحيح مسلم))(١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي قول من قال: إن
ترتيب السور على ما هي عليه الآن كان بتوقيف من النبي ثمّه، كما هو
المجمع عليه في ترتيب الآيات، فلا فرق بينهما في ذلك، وأما ما ثبت
من قراءة النبي ◌َّ ((النساء)) قبل ((آل عمران)) ونحو ذلك فيحمل على
بيان الجواز، وأن الترتيب غير لازم في القراءة، بل في الرسم والكتابة
فقط، فيجوز أن يقرأ بالسورة قبل التي قبلها، أو يُحْمَلُ على أن ذلك كان
قبل أن يُوحَى إليه بالترتيب، وأما اختلاف مصاحف الصحابة رضي الله
عنهم في ترتيبها، فيحمل على عدم وصول العلم إليهم بتوقيف النبي بتمطلق.
(١) شرح مسلم جـ ٦ ص ٦١ - ٦٢.
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
٦٣٨
-
بالترتيب . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت
وإليه أنيب .
٠٠
٦٣٩ _
٧٩ - ترديد الآية - حديث رقم ١٠١٠
٧٩ - تَرْدِيدُ الآيَةِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على جواز ترديد الآية الواحدة في الصلاة.
و ((الترديد)): مصدر ردّد الشيءَ: إذا كرره.
١٠١٠ - أخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ حَبيب، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى
بْنُ سَعِيد الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُدَامَةُ بْنُ عَبْد اللَّه،
قَالَ: حَدَّثَتْنِي جَسْرَةُ بِنْتُ دَجَاجَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا
ذَرِّ يَقُولُ: قَامَ النَّبِيُّ ◌َهُ حَتَّى أَصْبَحَ بِآيَة، وَالآيَةُ:
إِن تُعَدَيْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ
٩٩
الْحَكِيمِ ﴾ [المائدة: ١١٨].
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - ( نوح بن حبيب) القُوْمَسي الْبَذَشيّ(١) أبو محمد، ثقة سني
من [١٠].
(١) ((القومسي)) : - بضم القاف، وسكون الواو، آخره مهملة: نسبة إلى قومس، وهي
من بسطام إلى سمْنَان. اهـ لب جـ ٢ ص ١٩٢ . و((البذشي)) بفتح الموحدة ، بعدها
معجمة: نسبة إلى بَذَش قرية على فرسخين من بسطام. اهـلب جـ ١ ص ١١٠ ...
اهت.
٦٤٠
-
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
روى عن يحيى القطان، وعبد الله بن إدريس، وحفص بن غياث،
وغيرهم .
وعنه أبو داود، والنسائي، وأبو حاتم، وأبو زرعة الدمشقي،
وموسى بن هارون، وغيرهم. قال الْمَرُّوذّي عن أحمد: إن الخير عليه
لَبَيِّنٌّ، قلت: أكتب عنه؟ قال: نعم. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال
النسائي : لا بأس به .
وقال أحمد بن سيَّار المروزي: كان ثقة صاحب سنة وجماعة. وقال
الخطيب: كان ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال مسلمة بن قاسم :
ثقة. مات في رجب سنة (٢٤٢) وفيها أرخه جماعة. انفرد به أبو داود،
والمصنف(١).
٢ - (يحيى بن سعيد القطان) أبو سعيد البصري الإمام الحافظ
الحجة، من [٩]، تقدم في ٢/ ٢.
٣ - (قُدَامَة بن عبد الله) بن عبدة، ويقال: ابن عبد البكري
العامري الذهلي، أبو رَوح الكوفي، قيل: إنه فُلَيت العامري، مقبول،
من [٦].
روى عن جسرة بنت دجاجة. وعنه إسماعيل بن أبي خالد،
والثوري، وابن المبارك، ويحيى القطان، وغيرهم. ذكره ابن حبان في
((الثقات)). وقال ابن ماكولا: فُلَيْتُ العامري، عن جسرة بنت دجاجة،
(١) راجع تت جـ ١٠ ص ٤٨١ - ٤٨٢.