Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
-
٥٦ - تطويل القيام في الركعة الأولى من صلاة الظهر - حديث ٩٧٣
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سداسيات المصنف، ومنها: أن رجاله كلهم ثقات،
ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو، وأبو داود، وابن ماجه،
ومنها: أنه مسلسل بالشاميين، إلا الصحابي، فمدني، ومنها: أن فيه
رواية تابعي، عن تابعي؛ عطية، عن قَزَعَةَ، وهو من رواية الأقران،
فكلاهما من الطبقة الثالثة، ومنها: أن صحابيه أحد المكثرين السبعة ،
روى - ١١٧٠ - حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سعيد الخدري) رضي الله عنه، أنه (قال: لقد كانت
صلاة الظهر تقام، فيذهب الذاهب إِلى البقيع) بفتح الباء الموحدة،
وكسر القاف ـ اسم لمقْبَرَة المدينة النبوية، قال الفيومي رحمه الله: البقيعُ:
المكان المتَّسعُ، ويقال: الموضع الذي فيه شجر، وبَقيعُ الغَرْقَد
بمدينة النبي عمّه كان ذا شجر، وزال وبقي الاسم، وهو الآن مقبرة.
انتهى(١) .
وقال ابن منظور رحمه الله: والبَقيعُ : موضع فيه أُرُومٌ(٢) شجر من
ضُرُوب شَتَّى، وبه سمي بقيع الغَرْقَد، وهو مقبرة بالمدينة . والْغَرْقَد:
(١) انظر: المصباح جـ ١ ص ٥٧ .
(٢) أي أصل شجر، و((الأرومة)) بضمتين، وتميم تفتح همزته: الأصل، والجمع:
أروم. أفاده في اللسان جـ ١ ص ٦٦ .

_ ٤٤٢
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
شجر له شوك، كان ينبت هناك، فذهب، وبقي الاسم لازمًا للموضع .
والبقيع من الأرض: المكان الْمُتَّسعُ، ولا يسمى بقيعًا، إلا وفيه شجر.
(١)
انتهى(١) .
(فيقضي حاجته) من البول والغائط (ثم يتوضأ، ثم يجيء) إلى
المسجد (ورسول الله ◌َّه في الركعة الأولى)، جملة في محل نصب
على الحال من فاعل ((يجيء))، والرابط هو الواو، كما أوضحه ابن مالك
رحمه الله تعالى في (الخلاصة)) حيث قال:
وَمَوْضِعَ الْحَالِ تَجِيءُ جُمْلَهْ
كَـ «جَاءَ زَيدٌ وَهْوَ نَاوِ رِحْلَهْ»
إلى أن قال :
بِوَاوٍ أوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهما
وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوىَ مَا قُدِّمَا
(يطوّلها) يحتمل أن تكون الجملة حالاً، أي حال كونه مُطَوّلا لها .
ويحتمل أن تكون مستأنفة استئنافًا بيانيًا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال
مقدر، كأن سائلاً قال له: كيف وجده في الركعة الأولى؟ فأجابه بقوله:
((يطولها))، أي إنما أدركه لكونه مطولاً لها. ولفظ مسلم: ((مما يطولها)).
وفي الحديث دليل واضح لما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى،
وهو مشروعية تطويل القيام في الركعة الأولى من صلاة الظهر، تكثيرًا
للجماعة .
قال النووي رحمه الله تعالى: قد ثبت في أحاديث أخَرَ في غير هذا
(١) لسان العرب جـ ١ ص ٣٢٦.

٩٧٣ ٤٤٣ _
٥٦ - تطويل القيام في الركعة الأولى من صلاة الظهر - حديث ٩٧٣
الباب، وهي في الصحيحين: ((أن النبي ◌َّ كان أخف الناس صلاةً في
تمام))، وأنه ◌َّ قال: ((إني لأدخل في الصلاة، أريد إطالتها، فأسمع
بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي، مخافة أن تفتن أمه)) .
قال العلماء: كانت صلاة رسول الله ية تختلف في الإطالة
والتخفيف باختلاف الأحوال، فإذا كان المأمومون يؤثرون التطويل، ولا
شغل هناك له ولا لهم طَوَّلَ، وإذا لم يكن كذلك خفف ، وقد يريد
الإطالة، ثم يعرض ما يقتضي التخفيف، كبكاء الصبي، ونحوه،
وينضم إلى هذا أنه قد يدخل في الصلاة في أثناء الوقت، فيخفف.
وقيل: إنما طول في بعض الأوقات، وهو الأقل، وخفف في معظمها،
فالإطالة لبيان جوازها، والتخفيف لأنه الأفضل.
وقد أمر ◌َّ بالتخفيف، وقال: ((إن منكم منفرين، فأيكم صلى
بالناس، فليخفف، فإن فيهم السقيم، والضعيف، وذا الحاجة)). وقيل:
طول في وقت، وخفف في وقت، ليبين أن القراءة فيما زاد على الفاتحة
لا تقدير فيها من حيث الاشتراط، بل يجوز قليلها، وكثيرها، وإنما
المشترط الفاتحة، ولهذا اتفقت الروايات عليها، واختلف فيما زاد ،
وعلى الجملة السنة التخفيف، كما أمر به النبي ◌َّه للعلة التي بينها، وإنما
طول في بعض الأوقات لتحققه انتفاء العلة، فإن تحقق أحدٌ انتفاء العلة
طوّل. انتهى كلام النووي بتغییر یسیر .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النووي رحمه الله

٤٤٤
-
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
تعالى حسن جدّاً، وقد قدمت تحقيق المسألة مُستَوفى بما فيه الكفاية في
[كتاب الإمامة] برقم - ٣٥/ ٨٢٣ - فإن أحببت الاستفادة فارجع إليه،
والله تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته :
حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا - ٥٦/ ٩٧٣ - وفي ((الكبرى)) ٣/ ١٠٤٥ - بالسند
المذكور .
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن داود بن رُشَيد، عن الوليد بن
مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس - وعن محمد بن
حاتم، عن ابن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد - كلاهما
عن قَزَعَةَ، عنه. وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن
الحُبَاب، عن معاوية بن صالح به .
والله تعالى أعلم وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٩٧٤ - أخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ دُرُسْتَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ.

حديث ٩٧٤ ٤٤٥ _
٥٦ - تطويل القيام في الركعة الأولى من صلاة الظهر - حديث ٩٧٤ ٤٤٥
وَهُوَ الْقَنَّادُ . قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
أبي كَثِيرٍ، أَنَّ عَبْدَاللَّهِ بْنَ أَبِي فَتَادَةَ حَدَّثَّهُ، عَنْ أبيهِ، عَنِ
النَّبِيِّنَةَ، قَالَ: (( كَانَ يُصَلِّي بِنَ الظُّهْرَ، فَيَقْرَأْ فِي
الرَكْعَتَيْنِ الأولَيِيْنِ، يُسْمِعُنَا الآيَةَ كَذَلَكَ، وَكَانَ يُطيلُ
الرَّكِعَةَ فِي صَلاَةَ الظُّهْرِ، وَالرَّكْعَةَ الأولى - يَعْنِي فِي
صَلاة الصبح)).
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (يحيى بن دُرُسْتَ(١)) بن زياد البصري، ثقة من [١٠]،
أخرج ه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ٢٣/ ٢٤ .
٢ - ( أبو إِسماعيل القَنَّاد) إبراهيم بن عبد الملك البصري،
صدوق، في حفظه شيء، من [٧]، أخرج ه الترمذي والنسائي، تقدم
في ٢٣ / ٢٤ .
تنبيه: وقع هنا في نسخ ((المجتبى)) الموجودة عندي عقب ذكر أبي
إسماعيل القَنَّاد، وبين يحيى بن أبي كثير: ما نصه: ((حدثنا خالد)) وليس
موجودًا في ((الكبرى))، ونصها: أخبرنا يحيى بن دُرُسْتَ البصري،
قال: نا أبو إسماعيل - وأبو إسماعيل إبراهيم بن عبد الملك بصري، قال:
(١) بضمتين، وسكون المهملة. اهـ (ت)) ص ٣٧٥.

٤٤٦
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
-
نا يحيى ...
وقد تقدم هذا السند بعينه في ((المجتبى)) برقم ٢٣ / ٢٤ - ونصه
هناك: أخبرنا يحيى بن درست، قال: أنبأنا أبو إسماعيل - وهو القناد.
قال : حدثني يحيى بن أبي كثير ...
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن زيادة: ((حدثنا خالد))
في نسخ ((المجتبى)) هنا غلط، لما يلي:
الأول: أنه ليس في شيوخ أبي إسماعيل القَنَّاد من اسمه خالد،
فَلْتُرَاجَعْ ترجمته في ((تهذيب الكمال)) جـ ٢ ص ١٤٠. وفي ((تهذيب
التهذيب)) جـ ١ ص ١٤٢ . بل ليس له فيهما سوى شيخين: يحيى بن أبي
کثیر، وقتادة.
الثاني : أنه لیس فیمن روی عن يحيى بن أبي كثير من اسمه خالد،
فلتُراجع ترجمته في ((تهذيب الكمال)) جـ ٣١ ص ٥٠٤ - ٥١٠ -
و ((تهذيب التهذيب)) جـ ١١ ص ٢٦٨ - ٢٧٠.
الثالث: تصريح أبي إسماعيل القَنَّاد بالتحديث عن يحيى بن أبي
كثير، كما تقدم في نص ((الكبرى)) في هذا الباب، ونص ((المجتبى)) في
٢٣/ ٢٤.
والحاصل أن زيادة ((حدثنا خالد)) هنا غلط. والصواب: حدثنا أبو
إسماعيل ، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير ... إلخ. هذا ما ظهر لي،

-
٥٦ - تطويل القيام في الركعة الأولى من صلاة الظهر - حديث ٩٧٤ ٤٤٧
والله تعالى أعلم بالصواب.
٣ - (يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة
ثبت ، يدلس، ويرسل من [٥]، مات سنة ١٣٢ ، أخرج له الجماعة،
تقدم في ٢٣ / ٢٤.
٤ - (عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري المدني، ثقة من [٢]،
مات سنة ٩٥، أخرج له الجماعة. تقدم في ٢٣ / ٢٤.
٥ - (أبو قتادة) الأنصاري، الحارث بن ربعي، وقيل غيره، السَّلَمي
المدني شهد أحدًا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرًا مات سنة ٥٤ على
الأصح ، أخرج له الجماعة. تقدم في ٢٣ / ٢٤ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، غير أبي
إسماعيل، فمتكلم فيه، وهم من رجال الجماعة غير شيخه؛ فانفرد به
هو، والترمذي، وابن ماجه، وغير أبي إسماعيل؛ فمن أفراده،
والترمذي، وفيه رواية تابعي عن تابعي، ورواية الابن عن أبيه . والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث
(أن عبد الله بن أبي قتادة حدثه) أي حدث يحيى بن أبي كثير

- ٤٨
-
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
(عن أبيه) أي حال كونه آخذًا عن أبيه أبي قتادة الأنصاري رضي الله
عنه (عن النبي ◌ّ) أي حال كون أبي قتادة يتحدث عن شأنه عَ لّه
(قال) أبو قتادة رضي الله عنه: (كان) أي النبي ◌َّ (يصلي بنا
الظهر، فيقرأ في الركعتين الأوليين) لم يبين في هذه الرواية ما كان
يقرؤه، وقد بينه في الرواية الآتية في الباب التالي - ٥٧ / ٩٧٥ - من
طريق الأوزاعي ، وفي ٩٥/ ٩٧٧ من طريق أبان بن يزيد: أنه كان يقرأ بـ
((أم القرآن))، وسورتين في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر وصلاة
العصر ... (يسمعنا الآية كذلك) جملة في محل نصب على الحال،
أي حال كونه مسمعًا لنا الآية، وقوله: ((كذلك)) أي كما أنه يقرأ، يعني
كما أنه يقرأ، يسمعنا الآية أيضًا، وأراد به تشبيه ثبوت الإسماع بثبوت
القراءة، والمراد أنه يسمعهم أحيانًا، كما بينته رواية الأوزاعي: ((ويسمعنا
الآية أحيانًا)) .
(وكان ◌ٍَّ يطيل الركعة) أي الأولى، ففي رواية الأوزاعي:
((وكان يطيل في الركعة الأولى)). وفي رواية هشام الدستوائي: ((ويطول
في الأولى، ويقصر في الثانية)). وفي رواية أبان: ((وكان يطيل أول ركعة
من صلاة الظهر)).
وإنما طول في الأولى إعانة لهم على إدراك صلاة الجماعة كاملة
بإدراك الركعة الأولى، عملاً بقوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرّ
وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] الآية.

٩٧٤ ٤٤٩ _
٥٦ - تطويل القيام في الركعة الأولى من صلاة الظهر - حديث ٩٧٤
(والركعة الأولى) بالنصب عطفًا على ((الركعة)) (- يعني في صلاة
الصبح -) أي وكان يطيل الركعة الأولى من صلاة الصبح. والعناية من
بعض الرواة، ولا أدري من هو؟ . وفي رواية هشام: ((وكان يفعل ذلك
في صلاة الصبح، يطول في الأولى، ويقصر في الثانية)).
والحديث دليل لما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو مشروعية
تطويل الركعة الأولى على الثانية من صلاة الظهر. وسيأتي تحقيق القول
فيه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. وبالله تعالى التوفيق، وهو
المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث أبي قتادة رضي الله عنه هذا متفق عليه .
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا ٥٦/ ٩٧٤، وفي ((الكبرى)) ٣/ ١٠٤٦ - بالسند
المذكور. و ٥٧ / ٩٧٥، و((الكبرى)) ٤/ ١٠٤٧ و٥٨ / ٩٧٦،
و ((الكبرى)) ١٠٤٨/٥، و٥٩/ ٩٧٧، و((الكبرى)) ١٠٤٩/٦، و٦٠/
٩٧٨، و ((الكبرى)) ٧ / ١٠٥٠ . والله أعلم.
المسألة الثالثة : فیمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن أبي نعيم عن شيبان النحوي،

..
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
- ٤٥٠
وعن المكي بن إبراهيم، عن هشام الدستوائي، وعن موسى بن
إسماعيل، عن همام، وعن محمد بن يوسف، عن الأوزاعي، وعن أبي
نعیم، عن هشام-کلهم عن یحیی بن أبي کثیر به .
ومسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن
همام، وأبان بن يزيد كلاهما عن يحيى بن أبي كثير به. وأبو داود فيه عن
مسدد، عن يحيى، عن هشام به. وعن الحسن بن علي، عن يزيد ابن
هارون به. وعن الحسن بن علي ، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن
يحيى بن أبي كثير به. وابن ماجه فيه عن بشر بن هلال الصواف، عن
یزید بن زريع، عن هشام الدستوائي به .
وأخرجه أحمد في ((مسنده))، والدارمي في ((سننه))، وابن خزيمة في
((صحيحه)). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: دل حديث الباب على استحباب تطويل الركعة
الأولى على الثانية .
قال النووي رحمه الله: هذا مما اختلف فيه العلماء في العمل
بظاهره، وهما وجهان لأصحابنا .
أشهرهما عندهم: لا يطول، والحديث متأول على أنه طوّل بدعاء
الافتتاح والتعوذ، أو لسماع داخل في الصلاة ونحوه، لا في القراءة.
والثاني: أنه يستحب تطويل القراءة في الأولى قصدًا، وهذا هو

يت ٤٥١٩٧٤ _
٥٦ - تطويل القيام في الركعة الأولى من صلاة الظهر - حديث ٩٧٤
المذهب الصحيح المختار الموافق لظاهر السنة، ومن قال بقراءة السورة في
الأخريين اتفقوا على أنها أخف منها في الأوليين. انتهى كلام النووي
رحمه الله تعالى(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صححه النووي رحمه الله من
استحباب تطويل الركعة الأولى على الثانية، هو الراجح عندي عملاً
بظواهر الأحاديث الصحيحة. والله تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)): قال الشيخ ابن دقيق العيد رحمه الله: كأن
السبب في ذلك أن النشاط في الأولى يكون أكثر، فناسب التخفيف في
الثانية حَذَرًا من الملل. انتهى .
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير في آخر هذا
الحديث: ((فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة)). ولأبي داود،
وابن خزيمة نحوه من رواية أبي خالد، عن سفيان، عن معمر .
وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: إني أحب أن
يطوّل الإمام الركعة الأولى من كل صلاة حتى يكثر الناس.
واستدل به على استحباب تطويل الأولى على الثانية.
وقال من قال باستحباب استوائهما: إنما طالت الأولى بدعاء
الاستفتاح والتعوذ، وأما في القراءة فهما سواء، ويدل عليه حديث أبي
(١) راجع شرح مسلم جـ ٤ ص ١٧٥ .

٤٥٢
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
1
سعيد عند مسلم: ((كان يقرأ في الظهر في الأوليين في كل ركعة قدر
ثلاثين آية)). وفي رواية لابن ماجه: أن الذين حزروا كانوا ثلاثين من
الصحابة .
وادعى ابن حبان أن الأولى طالت على الثانية بالزيادة في الترتيل فيها
مع استواء المقروء فيهما. وقد روى مسلم من حديث حفصة رضي الله
عنها: ((أنه عَّ كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها.
واستدل به بعض الشافعية على جواز تطويل الإمام في الركوع لأجل
الداخل. قال القرطبي: ولا حجة فيه؛ لأن الحكمة لا يعلل بها لخفائها، أو
لعدم انضباطها، ولأنه لم يكن يدخل في الصلاة يريد تقصير تلك الركعة،
ثم يطيلها لأجل الآتي، وإنما كان يدخل فيها ليأتي بالصلاة على سننها من
تطويل الأولى، فافترق الأصل والفرع، فامتنع الإلحاق. انتهى.
وقد ذكر البخاري في ((جزء القراءة)) كلامًا معناه أنه لم يَردْ عن أحد
من السلف في انتظار الداخل في الركوع شيء. والله أعلم. انتهى ما في
((الفتح)) (١) .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت، وإليه أنيب .
(١) راجع فتح جـ ٢ ص ٤٩٠.

٤٥٣
٥٧ - باب إسماع الإمام الآية في الظهر - حديث ٩٧٥
٥٧ - بَابُ إسْمَاعِ الإمَامِ الآيَةَ فِىِ الظُّهْرِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز إسماع الإمام المأمومين
الآية من القرآن في صلاة الظهر.
٩٧٥ - أَخْبَرَنَا عمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ خَالِد بْنِ مُسْلِم - يُعْرَفُ بابْن أبي
جَميل الدِّمَشْقِيّ() . قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدَ اللَّه
أبْنِ سَمَاعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِيَ
كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: ((حَدَّثَنَا
أبِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَهُ كَانَ يَقْرَأْ بـ«أْمِّ الْقُرْآن))، وَسُورَتَيْنِ
فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأولَيْنِ مِنْ صَلاةَالظُّهْر، وَصَلاَةَ الْعَصْرِ،
ويُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَخْيَانًا، وَكَانَ يُطِيَلُ فِي الرَّكْعَةِ الأَولى)).
رجال هذا الإسناد : ستة
١ - (عمران بن يزيد بن خالد بن مسلم - يعرف بابن أبي
جميل الدِّمَشقِيِّ -) ويقال: عمران بن خالد بن يزيد بن مسلم، وقد
ينسب إلى جده، صدوق من [١٠]، مات سنة ٢٤٤، أخرج له
النسائي، تقدم في ١٨ / ٤٢٢ .
(١) قوله: ((الدمشقي)) يحتمل رفعه صفة لعمران، وجملة ((يعرف بابن أبي جميل))
معترضة. ويحتمل جره صفة لـ ((ابن أبي جميل)). والله أعلم.

٤٥٤
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
-
٢ - (إِسماعيل بن عبد الله بن سَمَاعَةَ) العدوي مولى آل عمر
الرَّمْلي، وقد ينسب إلى جده، ثقة من [٨]، أخرج له أبو داود،
والترمذي، والنسائي. تقدم في ١٣٤/ ٢٠١.
٣ - (الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو
الدمشقي، الفقيه، ثقة جليل من [٧]، مات سنة ١٥٧، أخرج له
الجماعة. تقدم في ٤٥ / ٥٦ .
والباقون تقدموا في الباب الماضي، وكذا شرح الحديث ومتعلقاته
من المسائل.
والحدیث دلیل واضح لما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو
جواز إسماع الإمام المأمومين الآية في صلاة الظهر، وفيه جواز الجهر
ببعض الآيات في الصلاة السرية .
قال النووي رحمه الله: قوله: ((وكان يقرأ بفاتحة الكتاب،
وسورتين)). فيه دليل لما قاله أصحابنا وغيرهم، أن قراءة سورة قصيرة
بكمالها أفضل من قراءة قدرها من طويلة؛ لأن المستحب للقارئ أن
يبتدئ من أول الكلام المرتبط، ويقف عند انتهاء المرتبط، وقد يخفى
الارتباط على أكثر الناس، أو كثير منهم، فندب إلى إكمال السورة
ليحترز عن الوقوف دون الارتباط. انتهى(١) .
وقال في ((الفتح)): واستدل به على جواز الجهر في السرية، وأنه لا
سجود على من فعل ذلك، خلافًا لمن قال ذلك من الحنفية وغيرهم،
(١) شرح مسلم جـ ٤ ص ١٧٤ .

٤ -
٤٥٥
٥٧ - باب إسماع الإمام الآية في الظهر - حديث ٩٧٥
سواء قلنا: كان يفعل ذلك عمدًا، لبيان الجواز، أو بغير قصد للاستغراق
في التدبر. وفيه حجة على من زعم أن الإسرار شرط لصحة الصلاة
السرية .
وقوله: ((أحيانًا)) يدل على تكرر ذلك منه. وقال ابن دقيق العيد: فيه
دليل على جواز الاكتفاء بظاهر الحال في الإخبار دون التوقف على
اليقين، لأن الطريق إلى العلم بقراءة السورة في السرية لا يكون إلا
بسماع كلها، وإنما يفيد يقين ذلك لو كان في الجهرية، وكأنه مأخوذ من
سماع بعضها مع قيام القرينة على قراءة باقيها، ويحتمل أن يكون
الرسول ◌َّه كان يخبرهم عقب الصلاة دائمًا، أو غالبًا بقراءة السورتين،
وهو بعيد جداً . والله أعلم. انتهى (١).
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت، وإليه أنيب .
(١) فتح جـ ٢ ص ٤٩٠.

٤٥٦
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
٥٨ - تَقْصِيرُ الْقِيَامِ فِي الرَّطْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الظُّهْرِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على استحباب تقصير القيام في
الركعة الثانية من صلاة الظهر .
٩٧٦ - أخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّه بْنُ سَعيد، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام،
قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنَّ يَحْيَى بْنِ أبِي كَثِيرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي
عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي فَتَادَةَ، أنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَّهُ، قَالَ: ((كَانَ
رَسُولُ الله ◌َ يَقْرَأْ بِنَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأولَيَّيْنِ مِنْ صَلاَة
الظُّهْرِ، ويَسْمِعُنَا الَآيَةَ أَحْيَانًا، وَيُطَوِّلُ في الأولى،
ويُقَصَّرَّ فِي الثَّانِيَّةِ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلَكَ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ،
يُطَوِّلُ فِيَ الأولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَكَانَ يَقْرَأْ بِنَا فِي
الرَّكْعَتَيْنِ الأولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الْعَصَّرِ، يُطَوِّلُ الأولى،
وَيُقَصُِّ الثَّانِيَةَ».
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدَامَةَ السَّرَخْسيُّ، نزيل نيسابور،
ثقة ثبت مأمون سُنِيّ من [١٠]، مات سنة ٢٤١، أخرج له البخاري،
ومسلم، والنسائي، تقدم في ١٥/ ١٥ .

٤٥٧
٥٨ - تقصير القيام في الركعة الثانية من الظهر - حديث رقم ٩٧٦
٢ - (معاذ بن هشام) الدستُوائي البصري، وقد سكن الیمن،
صدوق ربما وهم من [٩]، مات سنة ٢٠٠، أخرج له الجماعة. تقدم في
٣٠/ ٣٤.
٣ - (هشام بن أبي عبد الله) سَنْبَر الدستوائي، أبو بكر البصري،
ثقة ثبت، رمي بالقدر، من كبار [٧] مات سنة ١٥٤ وله ٧٨ سنة، أخرج
له الجماعة. تقدم في ٣٠/ ٣٤ .
والباقون تقدموا قريبًا، وكذا شرح الحديث، والمسائل المتعلقة به
واضحة مما تقدم.
والحديث دليل لما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو استحباب
تقصير القيام في الركعة الثانية من صلاة الظهر .
قال الجامع عفا الله عنه: لم يقع في حديث أبي قتادة هذا ، ولا
فيما مضى من الروايات ذكر القراءة في الأخریین، فتمسك به بعض
الحنفية على إسقاطها فيهما، كما قال في ((الفتح)) (١).
قلت: هذا التمسك باطل، فقد ثبت في حديثه الآتي في الباب
التالي من طريق أبان بن يزيد العطار، أنه كان يقرأ في الأخريين بـ ((أم
القرآن)). فتبصر. وبالله تعالى التوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت، وإليه أنيب .
(١) راجع الفتح جـ ٢ ص ٤٩٠.

٤٥٨
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
٥٩ - الْقِرَاءَةُ فِي الرَّفْعَتَيْنِ الأوليَيْنِ مِنْ صَلاَةِ الظُّهْر
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية القراءة في الركعتين
الأوليين من صلاة الظهر.
وكان الأولى للمصنف أن يترجم للأخريين؛ لأن الأحاديث المتقدمة
فيها بيان القراءة في الأوليين، وهذه الرواية فيها زيادة بيان القراءة في
الأخريين، فيكون التبويب بها أليق . والله تعالى أعلم.
٩٧٧ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أبِي
كَثِير، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أبيه، قَالَ: ((كَانَ
رَسُولُ اللَّهِنَّهُ يَقْرَا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ
الأوليَيْنِ بِ ((أمِّ الْقُرْآنِ)) وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الأَخْرَبَيْنِ بِ ((أمِّ
الْقُرْآن)»، وَكَانَ يُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيانًا، وَكَانَ يُطيلُ أوَّلَ
رَكْعَة مِنْ صَلاَة الظُّهْرَ)).
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى الَعنَزيّ البصري، ثقة، حافظ

٥٩ - القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر - حديث رقم ٩٧٧ ٤٥٩
من [١٠]، مات سنة ٢٥٢، أخرج له الجماعة. تقدم في ٦٤ / ٨٠ .
٢ - (عبد الرحمن بن مهدي) أبو سعيد البصري الإمام الثبت
الحجة من [٩]، مات سنة ١٩٨، أخرج له الجماعة. تقدم في
٤٢/ ٤٩.
٣ - (أبان بن يزيد) العطار، أبو يزيد البصري، ثقة، له أفراد من
[٧]، مات في حدود سنة ١٦٠ أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود،
والترمذي، والنسائي، تقدم في ٩/ ٧٨٧ .
والباقون تقدموا قريبًا، وكذا شرح الحديث واضح مما سبق، وقد
سبق الكلام عليه في ٥٦/ ٩٧٣، فارجع إليه .
وفيه دليل واضح لما بوب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو القراءة
في الأوليين من صلاة الظهر، وفيه أيضًا بيان مشروعية القراءة في
الأخريين، بل هذا كان أحق أن يُبَوِّبَ المصنفُ عليه، كما تقدم.
قال النووي رحمه الله: فيه دليل على أنه لابد من قراءة الفاتحة في
جميع الركعات، ولم يوجب أبو حنيفة رحمه الله في الأخريين القراءةَ،
بل خيره بين القراءة، والتسبيح، والسكوت، والجمهور على وجوب
القراءة، وهو الصواب الموافق للسنن الصحيحة. انتهى كلام النووي
رحمه الله تعالى بتغيير يسير(١).
(١) شرح مسلم جـ ٤ ص ١٧٥ .

- ٤٦٠
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النووي رحمه الله
من ترجيح مذهب الجمهور في وجوب القراءة في الركعتين الأخريين هو
الصواب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وماتوفيقي إلا بالله، عليه
توكلت، وإليه أنيب .