Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١ -
٠ ٤٦ - باب الفضل في قراءة المعوذتين - حديث رقم ٩٥٣
فيهما، فتقول: قرأت هودَ، ونوحَ، ولوطَ، وتبركت بهودَ، ونوحَ،
ولوطَ، وإن عنيت أنه على حذف مضاف جوزت صرفه، فتقول: قرأت
هودا، ونوحًا، ولوطًا، يعني سورة هود، وسورة نوح. وقد جوز
الصرف باعتبار الأول عيسى بن عمر، ورأيه ضعيف. انتهى كلام
السمين باختصار(١) .
وهو هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم
ابن سام بن نوح. وقيل : هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح بن
عم أبي عاد. انتهى بيضاوي (٢).
(وسورة يوسف) بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه
الصلاة والسلام، سميت السورة باسمه لما ذكرنا (فقال) ◌َّ (لن
تقرأ شيئًا أبلغ عند الله) زاد في ((كتاب الاستعاذة)): ((عز وجلّ)) (من
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الغلق: ١]، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِ النَّاسِ﴾ [الناس:
١]) والمراد أنه لا تقرأ بشيء أعظم في باب الاستعاذة من هاتين السورتين، لما
يأتي في ((كتاب الاستعاذة)) من طريق ابن عجلان، عن سعيد المقبري،
عن عقبة رضي الله عنه، وفيه ( ... ما سأل سائل بمثلهما، ولا استعاذ
مستعيذ بمثلهما)). فلا ينافي هذا ما ثبت من أفضلية فاتحة الكتاب، وآية
الكرسي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) انظر الدر المصون في علوم الكتاب المكنون جـ ٤ ص ٧٤ .
(٢) انظر حاشية الجمل جـ ٢ ص ٣٧٨.

- ٣٢٢
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
تنبيه: حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه هذا صحيح.
وهو من أفراد المصنف رحمه الله، أخرجه هنا - ٤٦/ ٩٥٣ - وفي
((الكبرى)) - ٤٦ / ١٠٢٥ - وفي ((كتاب الاستعاذة)) - ١/ ٥٤٣٩ -
بالسند المذكور. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
٩٥٤ - أخْبَرَنَي مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ
بَيَان، عَنْ قَيْس، عَنْ عُقْبَةَ بْن عَامر، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ ثَّهُ: ((آيَاتٌ أَنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ، لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ
قَطُّ، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]، وَ﴿قُلْ أَعُوذُ
بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١].
رجال هذا الإسناد : خمسة
١ - (محمد بن قدامة) بن أعين الهاشمي مولاهم المصَّيصيّ،
ثقة من [١٠]، مات سنة ٢٥٠ تقريبًا، أخرج له أبو داود والنسائي،
تقدم في ١٩ / ٥٢٨.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبي، أبو عبد الله الكوفي
نزيل الرَّيِّ وقاضيها، ثقة ثبت من [٩]، مات سنة ١٨٨، أخرج له
الجماعة، تقدم في ٢/٢ .
٣ - (بيان) بن بشرْ الأحمسي البجلي، أبو بشر الكوفي، ثقة
من[٥].

٣٢٣ _
٤٦ - باب الفضل في قراءة المعوذتين - حديث رقم ٩٥٤
روى عن أنس، وقيس بن أبي حازم، والشعبي، وغيرهم. وعنه
شعبة، والسفيانان، وشريك، وزائدة، وجرير بن عبد الحميد،
وغيرهم .
قال ابن المديني: له نحو سبعين حديثًا. وقال أحمد: ثقة من
الثقات. وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة ، زاد أبو حاتم :
وهو أحلى من فراس. وقال العجلي: كوفي ثقة، وليس بكثير
الحديث، روى أقل من مائة حديث. وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة
ثبتًا. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. وقال أبو ذرّ الهروي، عن
الدار قطني: هو أحد الثقات الأثبات. وفرق أبو الفضل الهروي،
والخطيب في ((المتفق والمفترق)) بينه وبين بيان بن بشر المعلم، يروي عنه
هاشم بن البريد، زاد الخطيب: ليس لهاشم رواية عن البجلي .
قال الحافظ: ومما يدلّ على أنهما اثنان أن المعلم طائي، والآخر
بجلي، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). أخرج له الجماعة (١) .
٤ - (قيس) بن أبي حازم، واسم أبيه: حصين بن عوف، ويقال:
عوف بن عبد الحارث ، ويقال: عبد عوف بن الحارث بن عوف بن
حُشَيش البجلي الأحمسي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة مخضرم من [٢].
أدرك الجاهلية، ورحل إلى النبي ◌َّهُ ليبايعه، فقبض، وهو في
الطريق، وأبوه له صحبة، ويقال: لقيس رؤية، ولم يثبت .
روى عن أبيه، وعن العشرة المبشرين بالجنة، على خلاف في
(١) ((تك)) جـ ٤ ص ٣٠٣ - ٣٠٥. ((تت)) جـ ١ ص ٥٠٦.

- ٣٢٤
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
عبد الرحمن بن عوف، وغيرهم.
وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بشر، والمغيرة بن
شبیل، وغيرهم.
قال علي بن المديني: روى عن بلال، ولم يلقه، وعن عقبة بن
عامر، ولا أدري سمع منه، أم لا؟ ، ولم يسمع من أبي الدرداء، ولا
من سلمان وقال إسحاق بن إسماعيل، عن ابن عيينة: ما كان بالكوفة
أحد أروى عن أصحاب رسول الله ◌َيّة من قيس. وقال الآجري، عن
أبي داود: أجود التابعين إسنادًا قيس بن أبي حازم، روى عن تسعة من
العشرة، ولم يرو عن عبد الرحمن بن عوف.
وقال يعقوب بن شيبة السدوسي: وقيس من قدماء التابعين، وقد
روى عن أبي بكر، فمن دونه، وأدركه، وهو رجل كامل، ويقال: إنه
ليس أحد من التابعين جَمَعَ أنْ روى عن العشرة مثله، إلا عبد الرحمن
ابن عوف، فإنا لا نعلمه روى عنه شيئًا، ثم قد روى بعد العشرة عن
جماعة من الصحابة، وكبرائهم، وهو متقن الرواية، وقد تكلم
أصحابنا فيه، فمنهم من رفع قدره، وعظمه، وجعل الحديث عنه من
أصح الإسناد، ومنهم من حمل عليه، وقال: له أحاديث مناكير،
والذين أطروه حملوا هذه الأحاديث على أنها عندهم غير مناكير،
وقالوا: هي غرائب، ومنهم من حمل عليه في مذهبه، وقالوا: كان
يحمل على علي، وعلى جميع الصحابة، والمشهور عنه أنه كان يقدم
عثمان، ولذلك تجنب كثير من قدماء الكوفيين الرواية عنه. ومنهم من

٣٢٥ -
٤٦ - باب الفضل في قراءة المعوذتين - حديث رقم ٩٥٤
قال : إنه مع شهرته لم يرو عنه كبير أحد، وليس الأمر عندنا كما قال
هؤلاء، وقد روى عنه جماعة ، منهم: إسماعيل بن أبي خالد، وهو
أرواهم عنه، وكان ثقة ثبتًا، وبيان بن بشر، وكان ثقة ثبتًا، وذكر
آخرین ، ثم قال : کل هؤلاء قد روى عنه.
وقال ابن خراش: كوفي جليل، وليس في التابعين أحد روى عن
العشرة إلا قيس بن أبي حازم. وقال ابن معين: هو أوثق من الزهري،
وقال مرة: ثقة. وقال أبو سعيد الأشج: سمعت أبا خالد الأحمر يقول
لعبد الله بن نمير: يا أبا هشام أما تذكر إسماعيل بن أبي خالد، وهو
يقول: حدثنا قيس هذه الأسطوانةُ - يعني في الثقة مثل هذه
الأسطوانة- وقال يحيى بن أبي غنية: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال:
كبر قيس حتى جاوز المائة بسنين كثيرة، حتى خرف، وذهب عقله.
وقال ابن المديني: قال لي يحيى بن سعيد: قيس بن أبي حازم منكر
الحديث، ثم ذكر له يحيى أحاديث مناكير، منها حديث كلاب الحوأب.
قال الحافظ: ومراد القطان بالمنكر الفرد المطلق.
وقال الذهبي في ((الميزان)): ثقة حجة، كاد أن يكون صحابيًا،
أجمعوا على الاحتجاج به، ومن تكلم فيه فقد آذی نفسه. انتهى .
قال عمرو بن علي: مات سنة - ٨٤ - وقال ابن أبي خيثمة، عن
ابن معين: مات سنة - ٩٧ - أو - ٩٨ - وقال خليفة، وأبو عبيد: سنة
- ٩٨ - وقال الهيثم بن عدي: مات في آخر خلافة سليمان بن
عبد الملك. وكذا قال الواقدي. وحكى ابن حبان في ((الثقات)) في وفاته

- ٣٢٦
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
أيضًا ٨٤ و٩٤ و٨٦ وقال: كنيته أبو عبد الله، وقيل: أبو عبيد الله،
يروي عن العشرة، جاء إلى النبي ◌َّه ليبايعه، فقدم المدينة، وقد
قبض، فبايع أبا بكر. وفي مسند البزار عن قيس بن أبي حازم، قال:
قدمت على رسول الله مم ◌ّه، فوجدته قد قبض، فسمعت أبا بكر
يقول ... فذكر حديثًا .
وقال في ((الإصابة)): وقد أخرج أبو نعيم من طريق إسماعيل بن
أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم: دخلت المسجد مع أبي، فإذا
رسول الله ◌َّه يخطب، فلما خرجت قال لي أبي: هذا رسول الله عَ ◌ّه
یا قیس، وكنت ابن سبع، أو ثمان.
قال الحافظ رحمه الله: لو ثبت هذا لكان قيس من الصحابة،
والمشهور عند الجمهور أنه لم ير النبي ◌َّة، وقد أخرجه الخطيب من
الوجه الذي أخرجه ابن منده، وقال: لا يثبت. انتهى. أخرج له
الجماعة(١).
٥ - (عقبة بن عامر) رضي الله عنه، تقدم في السند الماضي.
والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله كلهم
(١) (تك) جـ ٢٣ ص ١٠ - ١٦. ((تت) جـ ٨ ص ٣٨٦ - ٣٨٨. (الإصابة)) جـ ٨ ص
٢٣٧ - ٢٣٨.

٣٢٧ -
٤٦ - باب الفضل في قراءة المعوذتين - حديث رقم ٩٥٤
ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو، وأبو داود.
ومنها : أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، بيان، عن قيس .
ومنها : أن قيسًا هو الذي انفرد من بين التابعين بالرواية عن العشرة
المبشرين بالجنة، على الأصح في عبد الرحمن بن عوف، وليس ذلك
لأحد من التابعين غيره، وإلى هذا أشار الحافظ السيوطي رحمه الله
تعالى في ألفية الحديث، حيث قال:
مَعْ خَمْسَةٍ أَوَّلُهُمْ ذُو الْعَشَرِهْ
وَالتَّابِعُونَ طَبَقَاتٌ عَشَرَهُ
وَعُدَّ عِنْدَ حَاكِمٍ كَثِيرُ
وَذَاكَ قَيْسٌ مَالَهُ نَظِيرُ
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عقبة بن عامر) رضي الله عنه، أنه (قال: قال رسول الله
◌َّةِ: آيات أنزلت عليَّ الليلة) («آيات)) مبتدأ، و((أنزلت)) بالبناء
للمفعول، و((عَلَيَّ)) متعلق به، و((الليلة)) منصوب على الظرفية، متعلق
به أيضًا، والجملة في محل جر صفة لـ((آيات))، أي آيات من القرآن
مُنزَلَة عليَّ في هذه الليلة.
ولفظه في ((كتاب الاستعاذة)) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن
قيس: ((أنزل علي آيات، لم يُرَ مثلُهُنّ، ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلقِ﴾ [الفلق: ١] إلى
آخر السورة، و﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] إلى آخر السورة).
ولفظ مسلم عن قتيبة، بإسناد المصنف: ((ألم تر آيات أنزلت

- ٣٢٨ .
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
الليلة، لم يُرَ مثلُهن قط، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]، و﴿قُلْ
أَعُوذُ بِرَبِ النَّاسِ﴾ [الناس: ١])).
(لم ير مثلهن قطٌ) بالبناء للمفعول أيضًا، و((مثلهن)) نائب فاعله،
والجملة في محل جر صفة بعد صفة، أو في محل نصب حال. و((قط))
من ظروف الزمان تستعمل للماضي، وقد تقدم قول شيخنا
عبد الباسط المنَاسيّ رحمه الله تعالى في ضبطها:
وَخَمْسَةً جَعَلَ مَنْ قَطُّ ضَبَطْ قَطُّ وَقُطُّ قَطِّ ثُمَّ قَطُ قَطْ
والمعنى أنه لم ينزل الله تعالى عليّ فيما مضى من الزمان مثل هؤلاء
الآيات في بابهن، وهو الاستعاذة، يعني أنه لم يكن آياتُ سورة كُلُّهُنَّ
تعويذٌ للقارئ غير هاتين السورتين، ففي حديث أبي سعيد الخدري
رضي الله عنه: ((أن رسول الله تَمّ كان يتعوذ من أعين الجانّ ، وأعين
الإنسان، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما، وترك ما سواهما)). أخرجه
الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح. ولما
سُحر استشفى بهما، وإنما كان كذلك لأنهما من الجوامع في هذا الباب.
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾
[الناس: ١] بدل من ((آيات))، أو خبر لمحذوف، أي هن، أو مفعول
المحذوف، أي أعني. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.

٣٢٩
٤٦ - باب الفضل في قراءة المعوذتين - حديث رقم ٩٥٤
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته :
حديث عقبة رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا - ٤٦ /٩٥٤ - وفي ((الكبرى)) - ٤٦ / ١٠٣٦ - بالسند
المذكور، وفي ((كتاب الاستعاذة)) - ١ / ٥٤٤٠ - عن محمد بن المثنى، عن
يحيى القطان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عنه. وفي
((فضائل القرآن)) من ((الكبرى)) عن يوسف بن عيسى، عن الفضل بن
موسى، عن إسماعيل به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فیمن أخرجه معه :
أخرجه مسلم في ((الصلاة)) عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه؛
وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع؛ وعن محمد بن رافع، عن أبي
أسامة؛ ثلاثتهم عن إسماعيل بن أبي خالد - وعن قتيبة، عن جرير، عن
بیان۔کلاهما عن قیس، عنه.
والترمذي في ((فضائل القرآن)) عن بندار، عن يحيى، عن إسماعيل
به. وقال : حسن صحيح. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة : في فوائد حديثي الباب :
منها : أن فيهما بيان عظم فضل هاتين السورتين، وقد سبق اختلاف
أهل العلم في جواز إطلاق تفضيل بعض سور القرآن على بعض،

- ٣٣٠
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
وترجيح الراجح من ذلك - وهو الجواز - بدليله في - ٢٥/ ٩١٢.
ومنها: أن فيهما دليلاً واضحًا على كون هاتين السورتين من
القرآن، وقد تقدم تحقيق القول في ذلك في الباب الماضي.
ومنها: أن لفظة ((قل)) من القرآن ثابتة في أول السورتين بعد
البسملة، وقد أجمعت الأمة على ذلك ، كما قاله النووي رحمه الله
تعالى(١) .
وقد ورد في فضل هاتين السورتين أحاديث كثيرة، عن عقبة بن عامر
وغيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقد أخرج المصنف رحمه
الله معظمها في ((کتاب الاستعاذة)) ۔٥٤٢٨ -٥٤٤١.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره: بعد أن أورد الأحاديث
الكثيرة عن عقبة بن عامر رضي الله عنه: ما نصه: فهذه طرق عن عقبة
كالمتواتر عنه تفيد القطع عند كثير من المحققين في الحديث. انتهى (٢).
والله تعالى ولي التوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت، وإليه أنيب.
(١) راجع شرح مسلم جـ ٦ ص ٩٦.
(٢) تفسير ابن کثیر جـ ٤ ص ٦١٢ .

٤٧ - القراءة في الصبح يوم الجمعة - حديث رقم ٩٥٥
٣٣١
٤٧ - الْقِرَاءَةُ فِي الصُّبْحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على مشروعية القراءة في صلاة
الصبح.
ثم إنه يحتمل أن يكون المراد بيانَ ما يقرأ بعد فاتحة الكتاب من
السور، ويؤيده ما تقدم في الأبواب السابقة، فإنها بينت السور التي تقرأ
بعد فاتحة الكتاب.
ويحتمل أن يكون بيان مشروعية مطلق القراءة، والاحتمال الأول
أولى، لأن مطلق القراءة معلوم من الأدلة السابقة في وجوب قراءة
الفاتحة، وغيرها .
وقد ترجم البخاري رحمه الله بقوله: [باب ما يقرأ في صلاة الفجر
يوم الجمعة]، والله تعالى أعلم.
٩٥٥ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعيد،
قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُحَ وَأَنْبَأْنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ وَاللَّفْظُ لَهُ.
عَنْ سَعْدِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِعَهُ كَانَ يَقْرَأْ فِي صَلَةِ الصَّبْحِ

٣٣٢
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
[السجدة: ٢،١]، و﴿هَلْ
يَوْمَ الْجُمُعَةِ ﴿الَمَ (١) تَنزِيلَ﴾
أَتَى﴾ [الإنسان: ١].
رجال هذا الإسناد : ثمانية
١ - (محمد بن بشار) بن عثمان العبدي، أبو بكر البصري،
بندار، ثقة حافظ، من [١٠]، مات سنة ٢٥٢، أخرج له الجماعة، تقدم
في ٢٤/ ٢٧.
٢ - ( عمرو بن علي ) بن بحر الفلاس الصيرفي، أبو حفص
البصري، ثقة حافظ ، من [١٠]، مات سنة ٢٤٩، تقدم في ٤ / ٤.
٣ - (يحيى بن سعيد) القطان، أبو سعيد البصري، الإمام الحافظ
الحجة [٩]، مات سنة ١٩٨، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤ / ٤.
٤ - (عبد الرحمن) بن مهدي بن حسّان العنبري مولاهم، أبو
سعيد البصري، ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، من [٩]،
مات سنة ١٩٨، تقدم في ٤٢ / ٤٩ .
٥ - (سفيان) بن سعيد الثوري، الإمام الحافظ الحجة ، من [٧]
تقدم قبل باب .
٦ - ( سعد بن إِبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني،
ثقة فاضل عابد ، من [٥]، مات سنة ١٢٥ وقيل: بعدها، وهو ابن ٧٢
سنة، أخرج له الجماعة، تقدم في ١١ / ٥١٨ .

٣٣٣ _
٤٧ - القراءة في الصبح يوم الجمعة - حديث رقم ٩٥٥
٧ - (عبد الرحمن الأعرج) هو ابن هُرْمُزَ، مولى ربيعة بن
الحارث، أبو داود المدني، ثقة ثبت عالم، من [٣]، مات سنة ١١٧،
أخرج له الجماعة، تقدم في ٧ / ٧.
٨ - (أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله. ومنها : أن رجاله
كلهم ثقات نُبَلاَء، وأنهم من رجال الجماعة، وأنهم بصريون، إلا
سعدًا، والأعرج، وأبا هريرة فمدنيون. ومنها : أن شيخيه من مشايخ
الأئمة الستة الذين يروون عنهم بدون واسطة، وقد تقدموا غير مرة.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، سعد، عن الأعرج. ومنها: أن
فيه أبا هريرة رئيس المكثرين من الصحابة رضي الله عنهم، روى ٥٣٧٤ -
حديثًا .
ومنها: أن فيه قوله: ((واللفظ له))، أي اللفظ المذكور لشيخه عمرو ابن
علي، وأما محمد بن بشار فقد رواه بمعناه، وقد تقدم بيان ذلك غير مرة،
فلا تغفل. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله عَ ◌ّه كان يقرأ
في صلاة الصبح) أي بعد الفاتحة، وإنما لم يذكرها لوضوح أمرها (يوم

-
٣٣٤
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
الجمعة) متعلق بـ ((يقرأ))، ويحتمل أن يتعلق بمحذوف حال من ((صلاة
الصبح))، أي حال كونها كائنة يوم الجمعة (﴿الَمّ (١) تنزيل﴾ [السجدة:
١، ٢]) برفع (تنزيل)) على الحكاية، وزاد في الرواية التالية: ((السجدة))،
وهو بالنصب بدل مما قبله.
﴿ هَلْ أَتَى﴾ [الإنسان: ١] زاد في الرواية التالية: ﴿عَلَى الإِنسَان﴾
[الإنسان: ١].
والمراد أنه كان يقرأ كل ركعة بسورة من هاتين السورتين. وقد بين
ذلك مسلم في روايته من طريق إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، عن أبيه،
بلفظ: ﴿الَمَّ (١) تَنزِيلَ﴾ [السجدة: ١، ٢] في الركعة الأولى، وفي
الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ [الإنسان: ١].
وفيه دليل على استحباب قراءة هاتين السورتين في هذه الصلاة من
هذا اليوم، لما تشعر الصيغة به من مواظبته ◌َّ على ذلك، أو إكثاره منه،
بل قد ورد من حديث ابن مسعود رضي الله عنه التصريح بمداومته
◌َّ على ذلك، أخرجه الطبراني، ولفظه: ((يديم ذلك)). وأصله في ابن
ماجه بدون هذه الزيادة، ورجاله ثقات، لكن صوب أبو حاتم إرساله.
وكأن ابن دقيق العيد لم يقف عليه، فقال في الكلام على حديث
الباب: ليس في الحديث ما يقتضي فعل ذلك دائمًا اقتضاء قويًا، وهو
كما قال بالنسبة لحديث الباب، فإن الصيغة ليست نصًا في المداومة، لكن

٣٣٥
٤٧ - القراءة في الصبح يوم الجمعة - حديث رقم ٩٥٥
الزيادة التي ذكرناها نص في ذلك. قاله في (الفتح))(١).
قيل : الحكمة في قراءة هاتين السورتين في فجر الجمعة الإشارة إلى
ما فيهما من ذكر خلق آدم، وأحوال يوم القيامة، لأن ذلك كان، وسيقع
يوم الجمعة. قاله في الفتح نقلاً عن ابن دحية رحمه الله تعالى(٢). والله
تعالى ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا - ٤٧ / ٩٥٥ - وفي ((الكبرى)) - ٤٧ / ١٠٢٧ - بالسند
المذكور .
المسألة الثالثة : فیمن أخرجه معه :
أخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن أبي نعيم - وعن محمد بن يوسف -
كلاهما عن سفيان الثوري، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن
الأعرج، عنه.
(١) جـ ٣ ص ٣٤.
(٢) راجع الفتح جـ ٣ ص ٣٦.

٣٣٦
-
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
ومسلم فيه عن زهير بن حرب، عن وكيع، عن سفيان به. وعن أبي
الطاهر بن السرح، عن ابن وهب، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه به .
وابن ماجه فيه عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب به.
وأخرجه أحمد جـ ٢ ص ٤٣٠ و ٤٧٢، والدارمي برقم
١٥٥٠ . والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: قال الحافظ رحمه الله: قد أشار أبو الوليد الباجي
في رجال البخاري إلى الطعن في سعد بن إبراهيم لروايته لهذا الحديث،
وأن مالكًا امتنع من الرواية عنه لأجله، وأن الناس تركوا العمل به،
لاسيما أهل المدينة اهـ.
وليس كما قال، فإن سعدًا لم ينفرد به مطلقًا، فقد أخرجه مسلم من
طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما - وهو الحديث
التالي في الباب عند النسائي - وكذا ابن ماجه، والطبراني من حديث ابن
مسعود، وابن ماجه من حديث سعد بن أبي وقاص، والطبراني في
((الأوسط)) من حديث علي.
وأما دعواه أن الناس تركوا العمل به فباطلة، لأن أكثر أهل العلم من
الصحابة والتابعين قد قالوا به، كما نقله ابن المنذر وغيره، حتى إنه ثابت
عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف والد سعد، وهو من كبار التابعين
من أهل المدينة أنه أم الناس بالمدينة بهما في الفجر يوم الجمعة. أخرجه

٣٣٧
٤٧ - القراءة في الصبح يوم الجمعة - حديث رقم ٩٥٥
ابن أبي شيبة بإسناد صحيح.
وكلام ابن العربي يشعر بأن ترك ذلك أمر طرأ على أهل المدينة، لأنه
قال: وهو أمر لم يعلم بالمدينة، فالله أعلم بمن قطعه كما قطع غيره. اهـ.
وأما امتناع مالك من الرواية عن سعد ، فليس لأجل هذا الحديث،
بل لكونه طعن في نسب مالك، كذا حكاه ابن البَرْقيّ، عن يحيى بن
معين، وحكى أبو حاتم، عن علي بن المديني، قال: كان سعد بن إبراهيم
لا يحدث بالمدينة، فلذلك لم يكتب عنه أهلها .
وقال الساجي: أجمع أهل العلم على صدقه. وقد روى مالك عن
عبد الله بن إدريس، عن شعبة، عنه، فصح أنه حجة باتفاقهم. قال:
ومالك إنما لم يرو عنه لمعنى معروف، فأما أن يكون تكلم فيه، فلا أحفظ
ذلك اهـ. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في حكم قراءة هاتين
السورتين في صلاة فجر يوم الجمعة :
ذهب بعض أهل العلم إلى استحباب ذلك، وممن كان يفعله من
الصحابة - كما قاله الحافظ العراقي رحمه الله - عبد الله بن عباس، ومن
التابعين إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو مذهب الشافعي،
وأحمد، وأصحاب الحديث.
وذهب مالك وآخرون إلى كراهته. قال النووي: وهم محجوجون

٣٣٨
-
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
بهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة المروية من طرق (١) .
وقال في ((الفتح)): وقد اختلف تعليل المالكية بكراهة قراءة السجدة
في الصلاة، فقيل: لكونها تشتمل على زيادة سجود في الفرض. قال
القرطبي: وهو تعليل فاسد بشهادة هذا الحديث.
وقيل: لخشية التخليط على المصلين، ومن ثَمَّ فرق بعضهم بين
الجهرية والسرية ، لأن الجهرية يؤمن معها التخليط. لكن صح (٢) من
حديث ابن عمر أنه تَّه قرأ سورة فيها سجدة في صلاة الظهر، فسجد
بهم فيها. أخرجه أبو داود ، والحاكم، فبطلت التفرقة .
ومنهم من علل الكراهة بخشية اعتقاد العوام أنها فرض. قال ابن
دقيق العيد: أما القول بالكراهة مطلقًا فيأباه الحديث، لكن إذا انتهى
الحال إلى وقوع هذه المفسدة ، فينبغي أن تترك أحيانًا، لتندفع ، فإن
المستحب قد يترك لدفع المفسدة المتوقعة، وهو يحصل بالترك في بعض
الأوقات اهـ.
وإلى ذلك أشار ابن العربي بقوله: ينبغي أن يفعل ذلك في الأغلب
للقدوة، ويقطع أحيانًا لئلا تظنه العامة سنة. اهـ.
(١) راجع نيل الأوطار جـ ٣ ص ٣٣٠.
(٢) لكن في صحته نظر، لأن في سنده أمية شيخ لسليمان التيمي، رَوىَ عن أبي مجْلَز
مجهول، كما في تقريب التهذيب، ونبه عليه الشوكاني في ((نيله)) جـ ٣ ص ١٢٠ -
١٢١ . فتأمل.

٣٣٩
٤٧ - القراءة في الصبح يوم الجمعة - حديث رقم ٩٥٥
-
وهذا على قاعدتهم في التفرقة بين السنة والمستحب .
وقال صاحب ((المحيط)) من الحنفية: يستحب قراءة هاتين السورتين
في صبح يوم الجمعة بشرط أن يقرأ غير ذلك أحيانًا، لئلا يظن الجاهل أنه
لا يجزئ غيره.
وأما صاحب ((الهداية)) منهم فذكر أن علة الكراهة هجران الباقي،
وإيهام التفضيل، وقول الطحاوي يناسب قول صاحب المحيط، فإنه
خص الكراهة بمن يراه حتمًا، لا يجزئ غيره، أو يرى القراءة بغيره
مكروهة. انتهى(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: ما تقدم في كلام ابن دقيق العيد، وأشار
إليه ابن العربي، رحمهما الله تعالى هو الراجح عندي، فتستحب
المداومة على هاتين السورتين في صلاة فجر يوم الجمعة، لكن إن خُشي
على العوامّ اعتقاد وجوب ذلك فينبهون بالقول، أو بالترك أحيانًا، دفعًا
للمفسدة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
فائدتان: ذكرهما الحافظ في ((الفتح))، فقال :
الأولى: لم أر في شيء من الطرق التصريح بأنه ◌َّ سجد لما قرأ
سورة ((تنزيل السجدة)) في هذا المحلّ إلا في كتاب الشريعة لابن أبي داود
من طريق أخرى عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما،
(١) فتح جـ ٣ ص ٣٤.

شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
- ٤٠
قال: ((غدوت على النبي ◌َّه يوم الجمعة في صلاة الفجر، فقرأ سورة فيها
سجدة، فسجد)) ... الحديث، وفي إسناده من ينظر في حاله. وللطبراني
في الصغير من حديث علي رضي الله عنه: ((أن النبي ◌َ ◌ّهِ سجد في
صلاة الصبح في ((تنزيل السجدة)). لكن إسناده ضعيف. والله تعالى أعلم.
الثانية: قيل: الحكمة في اختصاص يوم الجمعة بقراءة سورة
السجدة، قصد السجود الزائد حتى إنه يستحب لمن لم يقرأ هذه السورة
بعينها أن يقرأ سورة غيرها، فيها سجدة، وقد عاب ذلك على فاعله غير
واحد من العلماء، ونسبهم صاحب الهدي إلى قلة علم، ونقص
المعرفة، لكن عند ابن أبي شيبة بإسناد قوي عن إبراهيم النخعي أنه قال:
يستحب أن يقرأ في الصبح يوم الجمعة بسورة فيها سجدة، وعنده من
طريقه أيضًا أنه فعل ذلك، فقرأ سورة مريم، ومن طريق ابن عون قال:
كانوا يقرؤون في الصبح يوم الجمعة بسورة فيها سجدة، وعنده من
طريقه أيضًا، قال: وسألت محمدًا - يعني ابن سيرين - عنه؟ فقال: لا
أعلم به بأسًا. انتهى.
فهذا قد ثبت عن بعض علماء الكوفة والبصرة، فلا ينبغي القطع
بتزییفه .
وقد ذكر النووي في زيادات الروضة هذه المسألة، وقال: لم أر فيها
كلامًا لأصحابنا، ثم قال: وقياس مذهبنا أنه يكره في الصلاة إذا قصده.
انتھی .