Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١ _
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٤٢
مُتَعَهِّد. ومنه قول أبي عَطَاء السِّنديّ، وكان فصيحًا، يَرْنِي ابنَ هُبَيْرَة:
أَقَامَ بِهِ بَعْدَ الْوَفُودِ وُفُودُ
وَإِنْ تُمْسِ مَهْجُورَ الْفِنَاء فَرْبَّمَا
بَلَى كُلُّ مَنْ تَحْتَ التُّرَابِ بَعيدُ
فَإِنَّكَ لَمْ تَبْعُدْ عَلَى مُتَعَهِّدٍ
قال: وتَعَهَّدَ الشَّيءَ، وتعَاهده، واعتهده: تفقّده، وأحدث العهد
به، قال الطّرِمَّاح [من الخفيف]:
وَيُضِيعُ الَّذِي قَدَ اوْجَبَهُ اللَّ
ـهُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ يَعْتَهِدَه
وتَعَهَّدْتُ ضَيْعَتَي، وكُلَّ شيء، وهو أفصح من قولك: تعاهدته،
لأن التعاهد إنما يكون بين اثنين. وفي (التهذيب)): ولا يقال: تعاهدته.
قال: وأجازها الفراء. انتهى كلام ابن منظور باختصار(١).
(أمسكها) أي استمرّ إمساكه لها. وفي رواية أيوب عن نافع،
عند مسلم: ((فإن عقلها حفظها))(٢).
( وإِن أطلقها ذهبت) أي إن حَلَّ وثَاقَها وتركها انفلتت، وشَرَدَت
منه، فلا يقدر على إمساكها .
وفي رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع عند مسلم: ((إن تعاهدها
صاحبها، فعقلها أمسكها، وإن أطلق عقلها ذهبت))، وفي رواية موسى
(١) لسان العرب جـ ٤ ص ٣١٥٠.
(٢) هكذا عزا هذا اللفظ في ((الفتح)) إلى مسلم من رواية أيوب، ولم أره في
((صحيحه))، وكذا ما عزاه إليه من لفظ عبيد الله بن عمر الآتي. فليحرر.

- ٢٢٢
شرح سنن النسائي - كتاب الإفتتاح
ابن عقبة، عن نافع عنده: ((وإذا قام صاحب القرآن، فقرأه بالليل
والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه)). قاله في الفتح. وتقدمت رواية
موسى بن عقبة هذه للمصنف في ((الكبرى)).
والله تعالى أعلم ، وهو المستعان ، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا متفق عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا - ٣٧/ ٩٤٢ - وفي (الكبرى)) - ٣٧/ ١٠١٤ - وفي
((فضائل القرآن)) - ٣٢/ ٨٠٤١ - عن قتيبة، عن مالك، عن نافع،
عنه. وفي ((الفضائل)) أيضًا - ٣٣/ ٨٠٤٣ - عن قتيبة بن سعيد، عن
يعقوب - يعني ابن عبد الرحمن - عن موسى بن عقبة، عن نافع، عنه،
وتقدم لفظه .
المسألة الثالثة: فیمن أخرجه معه :
أخرجه البخاري في ((فضائل القرآن)) عن عبد الله بن يوسف، عن
مالك به. ومسلم في الصلاة عن عن يحيى بن يحيى، عن مالك -
وعن زهير بن حرب، ومحمد بن المثنى، وعبيد الله بن سعيد، كلهم
عن يحيى القطان . (ح) وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد

٢٢٣ -
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٤٢
الأحمر . (ح) وعن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه - كلهم عن
عبيد الله . (ح) وعن ابن أبي عمر، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن
أيوب . (ح) وعن قتيبة بن سعيد، عن يعقوب بن عبد الرحمن . (ح)
وعن محمد بن إسحاق المسيبي، عن أنس بن عياض - كلهم عن موسى
ابن عقبة به .
وابن ماجه في (الأدب)) عن أحمد بن أزهر، عن عبد الرزاق ، عن
معمر، عن أيوب به.
و(مالك في الموطأ) رقم ١٤٣، و(أحمد) جـ ٢ ص ١٧ و ٢٣ و
٣٠ و ٣٥ و٦٤ و ١١٢.
وفوائد الحديث تأتي في الحديث الذي بعده، إن شاء الله تعالى،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.
٩٤٣ - أخْبَرَنَا عمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ،
قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عنْ
عَبْد الله، عَنِ النَّبِي ◌َُّ، قَالَ: ((بْسَمَا لِأحَدَهمْ أنْ
يَقُولَ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ، اسْتَذْكُرُوا
الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ أَسْرَعُ تَفَصِيًا مِنْ صُدُورِ الرِجَالِ مِنَ النَّعَمِ

- ٢٢٤
شرح سنن النسائي - كتاب الإفتتاح
، و و
من عقله)) .
--
رجال هذا الإسناد : ستة
١ - (عمران بن موسى) القزّاز الليثي، أبو عمرو البصري،
صدوق من [١٠]، مات بعد ٢٤٠، أخرج له الترمذي والنسائي وابن
ماجه، تقدم في٦/ ٦ .
٢ - (يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري، ثقة ثبت، من [٨]،
مات سنة ١٨٢، أخرج له الجماعة، تقدم في ٥/ ٥ .
٣ - (شعبة) بن الحجاج، الإمام الثبت الحجة من [٧]، تقدم
في ٢٤/ ٢٦
٤ - (منصور) بن المعتمر السلمي، أبو عَتَّاب الكوفي، ثقة ثبت لا
يدلس من [٥]، تقدم في ٢/ ٢ .
٥ - (أبو وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، ثقة مخضرم،
مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة أخرج له الجماعة،
تقدم في ٢/ ٢ .
٦ - (عبد الله) بن مسعود الهذلي، رضي الله عنه، تقدم
في ٣٥/ ٣٩.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سداسيات المصنف.

٢٢٥ _
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٤٣
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه،
فما أخرج له الشيخان، وأبو داود.
ومنها: أنهم ما بين بصريَّيْن، وهما شيخه، ویزید بن زريع،
وكوفيينَ، وهم الباقون.
ومنها : أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، منصور، عن أبي وائل،
فإن منصورًا تابعي صغير، كما قاله الحافظ في ((الفتح))، وقال الحافظ
الذهبي رحمه الله في ترجمته: وما علمت له رواية عن أحد من
الصحابة، وبلا شك كان عنده بالكوفة بقايا من الصحابة، وهو رجل
شابٌ ، مثل عبد الله بن أبي أوفى، وعمرو بن حريث. انتهى كلام
الذهبي رحمه الله بتصرف(١) .
ومنها: أن فيه عبد الله بالإطلاق، والمراد به عند الكوفيين ابن
مسعود، كما هو القاعدة في اصطلاح المحدثين، كما أشار إليه الحافظ
السيوطي رحمه الله في ((ألفية المصطلح))، بقوله:
طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإِنْ يَفِي
وَحَيْثُمَا أُطْلِقَ عَبْدُ اللهِ فِي
بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْ جَرَى
بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى
و
وَالشَّامِ مَهْمَا أُطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو
وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرٍ
والله سبحانه وتعالى أعلم.
(١) انظر ((سير أعلام النبلاء)) جـ ٥ ص ٤٠٢.

٢٢٦
--
شرح سنن النسائي - كتاب الإفتتاح
شرح الحديث
(عن أبي وائل) وقد صرح أبو وائل بالسماع عن عبد الله عند
البخاري تعليقًا، قال: سمعت عبد الله، سمعت النبي ثمّ ... (عن
عبد الله) بن مسعود رضي الله عنه (عن النبي ◌َّم ) أنه (قال: بئسما
لأحدهم أن يقول)، وفي رواية لمسلم: ((لا يقل أحدكم: نَسيتُ آية))،
((وبئس)) هي أخت ((نعم))، فالأولى للذم، والثانية للمدح، وهما - على
الصحيح من أقوال النحاة - فعلان غير متصرفين، يرفعان الفاعل
ظاهراً، أو مضمراً.
ثم إذا كان الفاعل ظاهراً فإما يكون مُحَلّىَّ بالألف واللام
للجنس، كقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠]،
وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦]. وإما أن يكون مضافًا إلى
ما هما فيه، كقوله تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارَ الْمَتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]، ﴿فَبِئْسَ
مَنْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢].
وإن كان الفاعل مضمرًا، فلابدّ من ذكر اسم نكرة ينصب على
التفسير للضمير، كقوله تعالى: ﴿ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ [الكهف: ٥٠].
وقد يكون هذا التفسير ((ما)) على ما نص عليه سيبويه، كما في هذا
الحديث، وكما في قوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١].
فـ ((ما)) في هذا الحديث نكرة منصوبة على التمييز، وفاعل ((بئس))
ضمير مستتر، على الأصح، وقيل: ((ما)) هي الفاعل. وقوله:
((لأحدهم)) متعلق بحال محذوف، أي حال كونه كائنًا لأحدهم ، أو

٢٢٧ _
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٤٣
متعلق بـ(بئس)) على رأي بعضهم، وقوله: ((أن يقول)) في تأويل المصدر
مخصوص بالذم، أي بئس شيئًا قوله.
وإلى ما ذَكَرنَاه من أحوال ((نعم)) وبئس أشار ابن مالك رحمه الله
تعالی في ((الخلاصة)) حيث قال :
نِعْمَ وَبِئْسَ رَافِعَانِ اسْمَيْنِ
فِعْلَاَنِ غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ
قَارَنَهَا كَـ ((نعْمَ عُقْبَى الْكُرَمَا))
مُقَارِنَيْ ((أَلْ)) أوْ مُضَافَيْنِ لِمَا
مُمَيِّزٌ كَ ((نِعْمَ قَوْمًا مَعْشَرُهُ))
وَيَرْفَعَانِ مُضْمَرًا يُفَسِّرَهُ
وَجَمْعُ تَمْيِيزٍ وَفَاعِلٍ ظَهَرْ
فيه خلافٌ عَنْهُمُ قَدِ اشْتَهر
فِي نَحْوِ ((نِعْمَ مَا يَقُولُ الْفَاضِلُ))
وَ ((مَا)) مُمَيِّزٌ وَقِيلَ فَاعِلُ
أَوْ خَبَرَ اسْمٍ لَيْسَ يَبْدُو أَبَدًا
وَيُذْكَرُ الْمَخْصُوصُ بَعْدُ مُبْتَدَا
كَ ( الْعِلْمُ نِعْمَ الْمُقْتَنَى وَالْمَقْتَفَی»
وَإِنْ يُقَدَّمْ مُشْعِرٌ بِهِ كَفِى
( نسيت آية كيت وكيت) بفتح النون ، وتخفيف السين اتفاقًا .
وإنما نهي عنه لما فيه من التشبه بمن ذمه الله تعالى بقوله: ﴿كَذَلكَ
أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تَنسَى﴾ [طه: ١٢٦]، فالاحتراز عن مثل
هذا القول أحسن. أفاده السندي رحمه الله تعالى.
قال النووي رحمه الله: (قوله: كيت وكيت) أي كذا وكذا،
وهو بفتح التاء على المشهور، وحكى الجوهري فتحها وكسرها عن أبي

- ٢٢٨
شرح سنن النسائي - كتاب الإفتتاح
(١)
عبید . انتھی
٠
وقال القرطبي رحمه الله: ((كيت وكيتَ)) يعبر بهما عن الجمل
الكثيرة، والحديث الطويل، ومثلهما ((ذَيْتَ وذَيْتَ)). وقال ثعلب:
كَيَت للأفعال، وذيتَ للأسماء.
وحكى ابن التين عن الداودي أن هذه الكلمة مثل كذا، إلا أنها
خاصة بالمؤنث، قال في الفتح: وهذا من مفردات الداودي. انتهى (٢).
وقال ابن منظور: ما نصه: وكان من الأمر كَيْتَ وكَيْتَ، وإن شئت
كسرت التاء، وهي كناية عن القصَّة، أو الأحْدُوثة، حكاه سيبويه.
وقال الليث: تقول العرب كان من الأَمر كيت وكيتَ، قال: وهذه التاء
في الأصل هاءٌ مثل ذَيْتَ وذيتَ، أصلها كيَّه، وذَيَّه، بالتشديد،
فصارت تاء في الوصل. انتهى (٣) .
(بل هو نَسِّيَ) بضم النون، وتشديد المهملة المكسورة. قال
القرطبي : رواه بعض رواة مسلم مخففًا. قال الحافظ: وكذا هو في
((مسند أبي يعلى))، وكذا أخرجه ابن أبي داود في ((كتاب الشريعة)) من
طرق متعددة مضبوطة بخط موثوق به على كلّ سين علامة التخفيف.
وقال عياض: كان الكناني - يعني أبا الوليد الوقشي - لا يجيز في هذا
(١) شرح مسلم جـ ٦ ص ٧٧ .
(٢) فتح جـ ١٠ ص ٩٩.
(٣) لسان العرب جـ ٥ ص ٣٩٦٤ - ٣٩٦٥.

٢٢٩ -
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٤٣
غير التخفيف .
قال الحافظ: والتثقيل هو الذي وقع في جميع الروايات في
البخاري، وكذا في أكثر الروايات في غيره، ويؤيده ما وقع في رواية
أبي عبيد في ((الغريب)) بعد قوله: ((كيت وكيت)): ليس هو نَسيَ، ولكنه
نُسّيَ، الأول بفتح النون، وتخفيف السين ، والثاني بضم النون،
وتثقيل السين .
قال القرطبي: التثقيل معناه أنه عوقب بوقوع النسيان عليه،
لتفريطه في معاهدته، واستذكاره، قال: ومعنى التخفيف أن الرجل
تُركَ غيرَ ملتفَت إليه، وهو كقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيهُمْ﴾ [التوبة:
٦٧]، أي تركهم في العذاب، أو تركهم من الرحمة .
وسيأتي الخلاف في متعلق الذم من قوله: (بئس)) في المسألة
الخامسة إن شاء الله تعالى.
( استذكروا القرآن) أي واظبوا على تلاوته، واطلبوا من أنفسكم
المذاكرة له. ورواية المصنف بدون عاطف، وكذا عند مسلم، وفي رواية
البخاري ((واستذكروا)) بواو العطف، قال الطيبي: وهو عطف من
حيث المعنى على قوله: ((بئسما لأحدهم)) ، أي لا تقصروا في معاهدته.
وزاد ابن أبي داود من طريق عاصم، عن أبي وائل في هذا الموضع :
((فإن هذا القرآن وَحْشيّ)). وكذا أخرجها من طريق المسيب بن رافع،

ـ ٢٣٠
شرح سنن النسائي - كتاب الإفتتاح
عن ابن مسعود. قاله في الفتح .
(فإِنه) الفاء تعليلية، أي لأنه (أسرع تفصيًا)، وفي رواية
الشيخين: ((أشد تفصيًا)). بفتح الفاء، وكسر الصاد المهملة الثقيلة،
بعدها تحتانية خفيفة: أي خروجًا وتخلُّصًا .
وأصل التَّفَصِّي: أن يكون الشيءُ في مَضيق، ثم يخرج إلى غيره.
قال ابن الأعرابي: أقْصَى: إذا تخلّص من خير، أو شرّ. وقال
الجوهري: أصْلُ الفَصْيَة الشيءُ تكون فيه، ثم تخرج منه. ويقال: ما
كدت أتَفَصَّى من فلان: أي ما كدت أتخلص منه، وتفصّيت من
الديون: إذا خرجت منها، وتخلصت . انتهى ملخصًا من اللسان(١).
قال في الفتح: ووقع في حديث عقبة بن عامر بلفظ: ((تَفَلَّنَا))، وكذا
وقعت عند مسلم في حديث أبي موسى، ونصب على التمييز. انتهى.
(من صدور الرجال) متعلق بـ التفصيًا))، أي أسرع خروجًا من
قلوبهم .
(من النعم من عُقُله) الجار والمجرور الأول متعلق بـ (أسرع))،
وهو على حذف مضاف، أي من تفصي النعم، والثاني متعلق بالمضاف
المقدر .
و(النَّعَمُ)) - بفتحتين .: المال الراعي، وهو جمع لا واحد له من
لفظه، وأكثر ما يقع على الإبل، قال أبو عبيد: ((النعم)) الجمَال فقط،
(١) جـ ٥ ص ٢٥٣٤.

٢٣١ _
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٤٣
ويؤنث، ويذكّر، وجمعه نُعْمَانٌ، مثلُ حَمَل، وحُمْلاَن، وأنْعام أيضًا .
وقيل: ((النعم)) الإبل خاصة، والأنعام ذوات الخُفّ، والظّلْف، وهي
الإبل، والبقر، والغنم، وقيل: تطلق الأنعام على هذه الثلاثة، فإذا
انفردت الإبل فهي نَعَم، وإن انفردت البقر والغنم لم تُسَمَّ نَعَمًا. قاله
الفيّومي رحمه الله تعالى(١) .
قال النووي رحمه الله: ((النعم)) أصلها الإبل، والبقر، والغنم،
والمراد هنا الإبل خاصة، لأنها التي تُعقل .
و((العُقُلُ)) - بضم العين، والقافُ، ويجوز إسكان القاف، وهو
کنظائره، وهو جمع عقَال، ككتاب وكُتُب .
وتذكير الضمير في قوله: ((من عقله)) لأن النعم يجوز تذكيره،
وتأنيثه، كما مر آنفًا .
ووقع في رواية لمسلم ((بعقلها))، وفي رواية ((من عقله))، وفي رواية
((في عقلها)). قال النووي: رحمه الله: وكله صحيح.
والمراد برواية الباء ((من))، كما في قوله تعالى: ﴿ عينا يَشْرَبُ بِهَا
ءُ
عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] على أحد القولين في معناها(٢).
وقال القرطبي رحمه الله: من رواه ((من عُقُلُها)) فهو على الأصل
(١) المصباح جـ ٢ ص ٦١٣ - ٦١٤.
(٢) انظر: شرح مسلم جـ ٦ ص ٧٧ .

٢٣٢
-
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
الذي يقتضيه التعدي من لفظ التفلت (١) وأما من رواه بالباء، أو
بـ((في))، فيحتمل أن يكون بمعنى ((من))، أو للمصاحبة ، أو الظرفية.
والحاصل تشبيه من يتفلّت منه القرآن بالناقة التى تتفلَّت من
عقالها، وبقيت متعلقة به. قال الحافظ: كذا قال.
والتحرير أن التشبيه وقع بين ثلاثة بثلاثة، فحامل القرآن شبّهَ
بصاحب الناقة، والقرآن بالناقة، والحفظ بالربط .
وقال الطيبيّ رحمه الله: ليس بين القرآن والناقة مناسبة؛ لأنه
قديم، وهي حادثة، لكن وقع التشبيه في المعنى(٢). والله تعالى أعلم،
وهو المستعان ، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث ابن مسعود رضي الله عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا - ٣٧/ ٩٤٣ - وفي ((الكبرى)) - ٣٧/ ١٠١٥ - وفي
((عمل اليوم والليلة)) -١٠٥٦٢ - وفي ((فضائل القرآن)) ٨٠٣٩ - عن
عمران بن موسى، عن يزيد بن زُرَيع، عن شعبة، عن منصور، عن أبي
(١) أي في رواية ((أشَدُّ تَفَلُّنَا)) ومثله ((التفَصِّي)) كما في رواية المصنف رحمه الله.
(٢) راجع (فتح الباري)) جـ ١٠ ص١٠٢ .

٢٣٣ _
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٤٣
وائل، عنه. وفي ((عمل اليوم والليلة)) - ١٠٥٦٣ - وفي ((فضائل
القرآن)) ٨٠٤٣ - عن محمود بن غيلان، عن أبي نُعَيم، ومعاوية،
كلاهما عن سفيان، عن منصور به. وفي ((فضائل القرآن)) أيضًا ٨٠٤٣
عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن منصور به. وفي ((فضائل
القرآن)) أيضًا ٨٠٤٠ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن منصور
به. وفي ((عمل اليوم والليلة)) - ١٠٥٦١ - عن أحمد بن حرب، عن
أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل به. وفي - ١٠٥٦٠ - عن عبد
الوارث بن عبد الصمد، عن أبي معمر، عن عبد الوارث، عن محمد
بن جحادة، عن عبدة بن أبي لبابة، عن أبي وائل عنه. وفي - ١٠٥٦٤
- عن قتيبة بن سعيد، عن حماد، عن منصور، وعاصم ، كلاهما عن
أبي وائل، عن ابن مسعود موقوفًا .
تنبيه:
ليس في رواية ((عمل اليوم والليلة)) إلا الجزء الأول من الحديث
فقط، وكذا في ((فضائل القرآن)) من طريق سفيان عن منصور. والله
تعالى أعلم.
تنبيه آخر:
قال المصنف رحمه الله في ((فضائل القرآن)) بعد أن خرج الحديث
مرفوعًا بسند الباب - ما نصه: وقفه جرير .

- ٢٣٤
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح.
حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا جرير، عن منصور، عن أبي
وائل، عن عبد الله، قال: استذكروا القرآن، فلهو أشدّ تفصيًا من
صدور الرجال من النعم من عُقُله، ولا يقولنّ أحدكم: نَسيت آية كيت
وكيت، قال رسول الله عَّه: ((بل نسي)). انتهى(١).
وقال الإسماعيلي رحمه الله: روی حماد بن زيد، عن منصور،
وعاصم الحديثين معًا موقوفين، وكذا رواهما أبو الأحوص عن
منصور، وأما ابن عيينة، فأسند الأول، ووقف الثاني، قال: ورفعهما
جميعًا إبراهيم بن طهمان، وعَبِيدَةُ بنُ حُمَيد عن منصور، وهو ظاهر
سياق سفيان الثوري.
قال الحافظ رحمه الله: ورواية عَبيدَة أخرجها ابن أبي داود، ورواية
سفيان أخرجها البخاري مرفوعة، لكن اقتصر على الحديث الأول،
وأخرج ابن أبي داود من طريق أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي
وائل، عن عبد الله مرفوعًا الحديثين معًا، وفي رواية عبدة بن أبي لبابة
تصريح ابن مسعود بقوله: ((سمعت رسول الله عَّه))، وذلك يقوي
رواية من رفعه عن منصور. والله تعالى أعلم (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن الحديثين رويا مرفوعين،
وموقوفين، والراجح الرفع، لكونه زيادة من الثقات الضابطين، مثل
شعبة، وسفيان الثوري، وإبراهيم بن طهمان، وعَبيدة بن حُمَيد ،
(١) السنن الكبرى جـ ٥ ص ١٩ .
(٢) انظر الفتح جـ ١٠ ص ١٠١.

٢٣٥ _
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٤٣
وغيرهم ، فلا التفات إلى قول من أعل الحديثين بالوقف. والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه البخاري في ((فضائل القرآن)) عن محمد بن عرعرة، عن
شعبة به. (ح) وعن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير بن عبد الحميد، عن
سفیان، عن منصور به. وعن أبي نعيم، عن سفيان به .
ومسلم في الصلاة عن زهير بن حرب، وعثمان بن أبي شيبة،
وإسحاق بن إبراهيم، كلهم عن جرير به. وعن محمد بن عبد الله بن
نمير، عن أبيه، وأبي معاوية - وعن يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية -
كلاهما عن الأعمش به. وعن محمد بن حاتم، عن محمد بن بكر، عن
ابن جريج، عن عبدة بن أبي لبابة به .
والترمذي عن محمود بن غيلان، عن أبي داود ، عن شعبة به .
وأخرجه (الحميدي) رقم ٩١، (وأحمد) ١/ ٤١٧ و ٤٢٣ و٤٢٩
و ٤٣٨ و٣٦٢٠ و٤٤٩ و٤٦٣، و(الدارمي) رقم ٣٣٥٠. والله
تعالى أعلم .
المسألة الرابعة: في فوائد الحديثين :
منها : الحَثُّ على محافظة القرآن بدوام دراسته، وتكرار تلاوته،
والتحذير من تعريضه للنسيان .
وقد أقسم النبي ◌َّهُ مبالغةً في الحث على تعاهده، فيما أخرجه

- ٢٣٦
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن
النبي ◌َّه، قال: ((تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيًا
من الإبل في عقلها)).
ومنها : ضرب الأمثال لإيضاح المقاصد، وتقريبه إلى الأذهان.
ومنها : بيان صعوبة القرآن على المتساهل في مراجعته، ولا ينافي
هذا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذَّكْر﴾ [القمر: ١٧]؛ لأن
تيسيره بالنسبة لمن أراد حفظه، واجتهد فيه، وصعوبته بالنسبة لمن لم
يتعاهده، ولم يُجهدْ نفسه فيه.
ومنها : النهي عن قول الإنسان: نسيت آية كذا وكذا، وإنما يقول:
نُسيتها، وإنما نهي عن الأول دون الثاني، لأنه يتضمن التساهل
فيها، والتغافل عنها، وقد قال الله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا
فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تَنسَى﴾ [طه: ١٢٦].
وقال القاضي عياض رحمه الله: أولى ما يتأول عليه الحديث أن
معناه ذمّ الحال، لا ذم القول، أي نسيت الحالة ، حالة من حفظ القرآن،
فغفل عنه حتى نسيه. انتهى. وقال النووي رحمه الله: الكراهية
للتنزيه .
قال الجامع عفا الله عنه: يؤيد ما قاله النووي رحمه الله ما ثبت
عن النبي ◌َُّ أنه سمع رجلاً يقرأ في سورة بالليل، فقال: ((يرحمه الله،
لقد أذكرني آية كذا وكذا، كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا)). رواه
البخاري. وفي رواية الإسماعيلي: ((كنت نسيتُها)) - بفتح النون، ليس

٢٣٧ _
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٤٣
قبلها همزة. فإنه صارف للنهي عن التحريم إلى التنزيه. والله تعالى
أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في متعلق الذمّ من قوله :
((بئس)): قال في الفتح: واختلف في متعلق الذم من قوله: ((بئس)) على
أو جه :
الأول: قيل هو على نسبة الإنسان إلى نفسه النسيان، وهو لا صنع
له فيه، فإذا نسبه إلى نفسه أوهم أنه انفرد بفعله، فكان ينبغي أن يقول :
أنسيت، أو نُسّيت - بالتثقيل - على البناء للمجهول فيهما، أي إن الله
هو الذي أنساني، كما قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:
١٧]، وقال: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤]، وبهذا
الوجه جزم ابن بطال ، فقال: أراد أن يجري على ألسن العباد نسبة
الأفعال إلى خالقها، لما في ذلك من الإقرار له بالعبودية، والاستسلام
لقدرته، وذلك أولى من نسبة الأفعال إلى مكتسبها مع أن نسبتها إلى
مكتسبها جائز بدليل الكتاب والسنة، ثم ذكر الحديث الآتي في [باب
نسيان القرآن] (١)، قال: وقد أضاف موسى عليه السلام النسيان مرة
إلى نفسه، ومرة إلى الشيطان ، فقال: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ
إِلاَّ الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣]، ولكل إضافة منها معنى صحيح،
(١) الظاهر أنه أراد حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: سمع رسول الله عَّه رجلاً يقرأ
في سورة بالليل، فقال: ((يرحمه الله، لقد أذكرني آية كذا وكذا، كنت أنسيتها من
سورة كذَا))، وفي رواية الإسماعيلي: (نَسیتها)).

- ٢٣٨
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
فالإضافة إلى الله بمعنى أنه خالق الأفعال كلها، وإلى النفس لأن الإنسان
هو المكتسب لها، وإلى الشيطان بمعنى الوسوسة اهـ.
قال الحافظ: ووقع له ذهول فيما نسبه لموسى عليه السلام، وإنما هو
کلام فتاه .
وقال القرطبي رحمه الله: ثبت أن النبي عَّم نسب النسيان إلى
نفسه - يعني حيث قال حينما سمع رجلاً يقرأ سورة: ((يرحمه الله لقد
أذكرني آية كذا وكذا، كنت أنسيتها، من سورة كذا وكذا)) - وفي رواية
الإسماعيلي: نَسيتها - وكذا نسبه يوشع إلى نفسه حيث قال: ﴿نَسِيتُ الْحُوت
[الكهف: ٦٣]، وموسى إلى نفسه حيث قال: ﴿ لا تؤاخذَّنِي بِمَا نَسيتُ
[الكهف: ٧٣]، وقد سيق قول الصحابة ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسينَا ﴾
[البقرة: ٢٨٦] مساق المدح، قال تعالى لنبيه ثمّ: ﴿سنَقْرِئَكَ فَلا تَنسَى (٦) إِلاَّ
g
٥٩٠
مَا شَاءَ اللَّهِ ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧].
فالذي يظهر أن ذلك ليس متعلق الذمّ، وجنح إلى اختيار:
الوجه الثاني: وهو كالأول، لكن سبب الذمّ ما فيه من الإشعار
بعدم الاعتناء بالقرآن، إذ لا يقع النسيان إلا بترك التعاهد، وكثرة
الغفلة، فلو تعاهده بتلاوته، والقيام به في الصلاة لدام حفظه وتذكره،
فإذا قال الإنسان : نسيت الآية الفلانية، فكأنه شهد على نفسه بالتفريط،
فيكون متعلق الذم ترك الاستذكار والتعاهد، لأنه الذي يورث النسيان .
الوجه الثالث : قال الإسماعيلي رحمه الله: يحتمل أن يكون كره

٢٣٩ _
٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٤٣
له أن يقول: نسيت بمعنى تركت، لا بمعنى السهو العارض، كما قال
ط
٥٠٠
تعالى: ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسيهم﴾ [التوبة: ٦٧]، وهذا اختيار أبي عبيد، وطائفة.
الوجه الرابع: قال الإسماعيلي أيضًا: يحتمل أن يكون فاعل
نَستُ النبيَّ ◌َّة، كأنه قال: لا يقل أحد عني إني نسيت آية كذا، فإن الله
هو الذي نسّاني ذلك، لحكمة نسخه، ورفع تلاوته، وليس لي في ذلك
صنع، بل الله هو الذي ينسيني لما تنسخ تلاوته، وهو كقوله تعالى:
◌ِ سَنَقْرِتُكَ فَلا تَنسى (٦) إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦-٧]، فإن المراد
بالمنسي ما ينسخ تلاوته، فينسي الله نبيه قَّه ما يريد نسخ تلاوته.
الوجه الخامس: قال الخطابي: يحتمل أن يكون ذلك خاصًا بزمن
النبي ثَّ، وكان من ضروب النسخ نسيان الشيء الذي ينزل ، ثم
ينسخ منه بعد نزوله الشيء، فيذهب رسمه، وترفع تلاوته، ويسقط
حفظه عن حملته، فيقول القائل: نسيت آية كذا، فنهوا عن ذلك، لئلا
يتوهم على محكم القرآن الضياع، وأشار لهم إلى أن الذي يقع من
ذلك إنما هو بإذن الله لما رآه من الحكمة والمصلحة .
الوجه السادس: قال الإسماعيلي: وفيه وجه آخر، وهو أن
النسيان الذي هو خلاف الذكر إضافته إلى صاحبه مجاز، لأنه عارض
له لا عن قصد منه، لأنه لو قصد نسيان الشيء لكان ذاكرًا له في حال
قصده، فهو كما قال: ما مات فلان، ولكن أميت .
قال الحافظ: هو قريب من الوجه الأول، وأرجح الأوجه الوجه

- ٢٤٠
شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح
الثاني، ويؤيده عطف الأمر باستذكار القرآن عليه. انتهى ما في الفتح(١).
قال الجامع عفا الله عنه: أرجح الأوجه عندي هو الثاني كما
رجح الحافظ رحمه الله تعالى.
فيكون سبب الذم هو عدم الاعتناء باستذكار القرآن، وتعاهده،
فإذا قال: نسيت آية كيت وكيت فكأنه شهد على نفسه بالتفريط، فيكون
مشابهًا للذين ذمهم الله تعالى بسبب إعراضهم عن آياته، بقوله:
كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسى﴾ [طه: ١٢٦]. والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة السادسة: في اختلاف العلماء في حكم نسيان القرآن:
قال في الفتح: واختلف السلف رحمهم الله في نسيان القرآن،
فمنهم من جعل ذلك من الكبائر، وأخرج أبو عبيد من طريق الضحاك
ابن مزاحم موقوفًا، قال: ما من أحد تعلم القرآن، ثم نسيه إلا بذنب
أحدثه، لأن الله يقول: ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصیبةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ،
[الشورى: ٣٠]، ونسيان القرآن من أعظم المصائب، واحتجوا أيضًا بما
أخرجه أبو داود، والترمذي من حديث أنس مرفوعًا: ((عُرضَت علي
ذنوب أمتي، فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن، أوتيها رجل، ثم
نسيها)). وفي إسناده ضعف.
(١) فتح جـ ١٠ ص ٩٩ - ١٠٠.