Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ _ ٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٣ الرجل، وكل عُقدة حللتها، فقد فصمتها، قال الله تعالى: ﴿فَقَد اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوَثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وانفصام العروة أن تُنْفَكَّ عن موضعها، وأصل الفصم عند العرب أن تفكّ الخَلْخالَ، ولا تُبينَ كسره، فإذا كسرته، فقد قصمته - بالقاف ـ قال ذو الرمة [من البسيط]: كَأنَّهُ دُمْلُجٌ مِنْ فِضْةٍ نَبَةٌ (١) فِي مَلْعَبٍ مِنْ جَوَارِي الْحَي مَفْصُومُ (٢) وقال الحافظ رحمه الله: قوله ((فيفصمُ عني)) أي يُقلعُ، ويتجلى ما يَغشَاني، وأصل الفصم: القطع، ومنه قوله تعالى: ﴿لا انفِصَامَ لَهَا ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وقيل الفصم بالفاء: القطع بلا إبانة، وبالقاف: القطع بإبانة، فذُكرَ بالفصم إشارة إلى أن الملك فارقه ليعود، والجامع بينهما بقاء العلقة. أفاده في الفتح(٣). وقال العلامة العیني رحمه الله تعالی: فيه ثلاث روايات: [الأولى]: وهي أفصحها بفتح الياء، وإسكان الفاء، وكسر الصاد المهملة. قال الخطابي: معناه، يقلع، ويتجلى ما يغشاني منه، قال : وأصل الفصم: القطع، ومنه ﴿لا انفصام لها﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقيل: إنه الصدع بلا إبانة، وبالقاف قطعٌ بإبانة، فمعنى الحديث أن الملك فارقه ليعود. (١) النَّبَهُ بفتحتين: كل شيء سقط عن الإنسان فنسيه. اهـ لسان العرب جـ ٥ ص٣٤٢٤. (٢) التمهيد ٢٢ ص ١١٤ - ١١٥. الاستذكار ج ٨ ص ٦٧ - ٦٨ . (٣) جـ١ ص ٣١. شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح ١٠٢ - ٠٢ [الثانية]: بضم أوله، وفتح ثالثه، على صيغه المجهول من المضارع الثلاثي . [الثالثة]: بضم أوله، وكسر ثالثه، من أفصم المطرُ: إذا أقلع، وهي لغة قليلة . وقال العلامة ابن منظور رحمه الله: الفَصْمُ: الكسر من غير بَيْنُونَة، فَصَمَهِ يَفْصِمُهُ فَصْمًا - من باب ضرب -: كسره من غير أن يَبينَ، وتَفَصَّمَ مثله. قال: وأما القَصْمُ بالقاف، فأن ينكسر الشيءُ، فَيَبينَ. وانفَصَمَ المطرُّ: انقطع، وأقلع، وأفصمَ المطرُ، وأَفْصىَ: إذا أقلع، وانكشف ، وأفصمتْ عنه الحُمَّى. انتهى(١) . (وقد وَعيتُ عنه ما قال) بفتح العين، أي حفظت، وفهمت. قال ابن منظور رحمه الله: الوَعْيُ حفظ القلب الشيءَ، يقال: وَعَى الشيءَ، والحديثَ يَعيه وَعْيًّا، من باب وَعَدَ، وأوعاه: حَفْظَه، وفَهمَهُ، وقَبلَه، فهو واع، وفلان أوعى من فلان، أي أحفظ، وأفهم. وقال الجوهري رحمه الله: أوعَيتُ الزادَ والمتاعَ: إذا جعلته في الوعاء، قال عبيدُ بنُ الأبْرَص [من البسيط]: الْخَيْرُ يَبْقَى وَإِنْ طَالَ الزَّمَان بِهِ وَالشَّرُّ أَخْبثُ مَا أَوْعَيْتُ مِنْ زَادِ انتهى كلام ابن منظور بتصرف، واختصار (٢). والجملة في محل نصب على الحال من فاعل ((يفصم)). و((ما)) في (١) لسان العرب جـ ٥ ص ٣٤٢٤. (٢) لسان جـ ٦ ص ٤٨٧٦ - ٤٨٧٧. ١٠٣ _ ٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٣ قوله : ((ما قال)): مصدرية حرفية، أو اسم موصول، والعائد مقدر، أي والحال أني قد حفظت عن ذلك الملك قوله، أو القول الذي قاله. وفيه إسناد الوحي إلى قول الملك ، ولا معارضة بينه وبين قوله تعالى حكاية عمن قال من الكفار: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥] لأنهم كانوا ينكرون الوحي، وينكرون مجيء الملك به. قاله في الفتح. (وهو أشده عليّ) أي إن هذا النوع من الوحي، أشد أنواع الوحي علي . قال الحافظ رحمه الله: ويفهم منه أن الوحي كله شديد، ولكن هذه الصفة أشدها، وهو واضح ، لأن الفهم من كلام مثل الصلصلة أشكل من الفهم من كلام الرجل بالتخاطب المعهود. والحكمة فيه أن العادة جرت بالمناسبة بين القائل والسامع، وهي هنا إما باتصاف السامع بوصف القائل بغلبة الروحانية، وهو النوع الأول، وإما باتصاف القائل بوصف السامع، وهو البشرية، وهو النوع الثاني، والأول أشد بلا شك. قال: وقال شيخنا شيخ الإسلام البُلْقيني: سبب ذلك أن الكلام العظيم له مقدمات تؤذن بتعظيمه للاهتمام به، كما سيأتي في حديث ابن عباس: ((وكان يعالج من التنزيل شدة)). قال: وقال بعضهم: وإنما كان شديدًا عليه ليستجمع قلبه، فيكون أوعی لما سمع اهـ. وقيل: إنه إنما كان ينزل هكذا إذا نزلت آية وعيد، أو تهديد. وهذا شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح _ ١٠٤ فيه نظر . والظاهر أنه لا يختص بالقرآن، كما سيأتي بيانه في حديث يعلى بن أمية في قصة لابس الجبة المتضمخ بالطيب في الحج، فإن فيه أنه رآه معَ ◌ّه. حال نزول الوحي عليه، وإنه ليغط . وفائدة هذه الشدة ما يترتب على المشقة من زيادة الزُّلْفَى والدرجات. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى(١) . ( وأحيانًا) جمع حين، يطلق على كثير الوقت وقليله، والمراد به هنا مجرد الوقت، فكأنه قال: أوقاتًا يأتيني، وانتصابه على الظرفية، وعامله «يأتيني)) موخراً عنه. وفي رواية للبخاري في ((بدء الخلق)): ((كل ذلك يأتي الملك))، أي کل ذلك حالتان، فذكرهما . وروى ابن سعد من طريق أبي سلمة الماجشون أنه بلغه أن النبي ◌َ ◌ّ. كان يقول: ((كان الوحي يأتيني على نحوين: يأتيني به جبريل، فيلقيه عليّ كما يلقي الرجل على الرجل، فذاك ينفلت مني، ويأتيني في بيتي مثل صوت الجرس حتى يخالط قلبي، فذاك الذي لا يتلفت مني)). قال الحافظ رحمه الله: وهذا مرسل مع ثقة رجاله، فإن صح فهو g محمول على ما كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿ لا تُحَرّكْ بِه لِسَانَكَ [القيامة: ١٦] كما سيأتي، فإن الملك قد تمثل رجلاً في صور كثيرة، ولم ينفلت منه ما أتاه به، كما في قصة مجيئه في صورة دحية، وفي صورة أعرابي، وغير ذلك ، وكلها في الصحاح. (١) فتح جـ ١ ص ٣٠ - ٣١. ١٠٥ _ ٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٣ [وأوردَ على ما اقتضاه الحديث] - وهو أن الوحي منحصر في الحالتين - حالات أخرى: إما من صفة الوحي، كمجيئه كدوي النحل، والنَّفْث في الرُّوع، والإلهام، والرؤيا الصالحة ، والتكليم ليلة الإسراء بلا واسطة . وإما من حامل الوحي، كمجيئه في صورته التي خلق عليها، له ستمائة جناح، ورؤيته على كرسي بين السماء والأرض، وقد سد الأفق . (والجواب) منع الحصر في الحالتين المتقدم ذكرهما، وحملهما على الغالب، أو حمل ما يغايرهما على أنه وقع بعد السؤال، أو لم يتعرض لصفتي الملك المذكورتين لندورهما، فقد ثبت عن عائشة أنه لم يره كذلك إلا مرتين، أو لم يأته في تلك الحالة بوحي، أو أتاه به، فكان على مثل صلصلة الجرس، فإنه بَيِّنَ بها صفة الوحي، لا صفة حامله . وأما فنون الوحي، فدويّ النحل لا يعارض صلصلة الجرس، لأن سماع الدوي بالنسبة إلى الحاضرين - كما في حديث عمر - يُسمَع عنده كدوي النحل، والصلصلة بالنسبة إلى النبي ثُمَّهُ، فشبهه عمر بدوي النحل بالنسبة إلى السامعين، وشبهه هو ◌َّ بصلصلة الجرس بالنسبة إلى مقامه . وأما النَّفْث في الرُّوع، فيحتمل أن يرجع إلى إحدى الحالتين ، فإذا أتاه الملك في مثل صلصلة الجرس نفث حينئذ في رُوعه. - ١٠٦ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح وأما الإلهام فلم يقع السؤال عنه، لأن السؤال وقع عن صفة الوحي الذي يأتي بحامل، وكذا التكليم ليلة الإسراء. وأما الرؤيا الصالحة، فقال ابن بطال: لا تَردُ ، لأن السؤال وقع عما ينفرد به عن الناس، لأن الرؤيا قد يَشركُهُ فيها غيره اهـ. والرؤيا الصادقة، وإن كانت جزءًا من النبوة، فهي باعتبار صدقها لا غير، وإلا لساغ لصاحبها أن یسمی نبيًّا، وليس كذلك. ويحتمل أن يكون السؤال وقع عما في اليقظة، أو لكون حال المنام لا يخفى على السائل، فاقتصر على ما يخفى عليه، أو كان ظهور ذلك له عَّه في المنام أيضًا على الوجهين المذكورين، لا غير. قاله الكرماني. قال الحافظ : وفيه نظر. وقد ذكر الحليمي أن الوحي كان يأتيه على ستة وأربعين نوعًا . فذكرها - وغالبها من صفات حامل الوحي، ومجموعها يدخل فيما ذکر . وحديثُ: ((إن روح القدس نفث في رُوعي)). أخرجه ابن أبي الدنيا في القناعة، وصححه الحاكم من طريق ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى(١) . ( يأتيني في صورة الفتى) ((الصُّورة)): التِّمْثال، وجمعها صُوَرَ، (١) فتح جـ ١ ص ٢٩ - ٣٠. ١٠٧ - ٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٤ مثل غُرْفَة وغُرَف، وتَصوّرت الشيءَ: مَثَّلْتُ صورته، وشَكْلَه في الذهن، فتصور هو، وقد تطلق الصور، ويراد بها الصفة، كقولهم: صورة الأمر كذا، أي صفته، ومنه قولهم: صورة المسألة كذا، أي صفتها. قاله في المصباح (١) . و ((الفتى)) - بفتحتين مقصوراً -: الشاب الحدث، ويستعار للعبد، وإن كان شيخًا مجازًا، تسمية باسم ما كان عليه. وجمعه في القلة فتَّةُ، وفي الكثرة فتْيَانٌ، والأنثى فَتَاة، وجمعها فَتَيَات. أفاده في المصباح(٢). والمعنى هنا: أي يأتيني في بعض الأوقات في مثال رجل شابٌ. (فيَنْبِذُه إِلي) من باب ضرب: أي يُلقي ذلك الملك الوحي الذي أتى به إلي . وفي الرواية التالية: ((وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلاً، فيكلمني فأعي ما يقول)). وسيأتي شرحه هناك، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. ومسائل هذا الحديث ستأتي بعد شرح الحديث التالي، إن شاء الله تعالى. ٩٣٤ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارثُ بْنُ مسْكين، قرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أسْمَعُ ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبيهِ، عَنْ (١) المصباح جـ ١ ص ٣٥٠. (٢) جـ ٢ ص ٤٦٢ . ١٠٨ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح عَائِشَةَ: أنَّ الْحَارثَ بْنَ هِشامٍ، سَألَ رَسُولَ اللهِ نَّهِ . كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَُّ: ((أَحْيَانًا يَأْتِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلاً، فَيُكَلِّمُنِي، فَأَعِي مَا يَقُولُ)) . قَالَتْ عَائشَةُ: وَلَقَدْ رَأيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ، فَيَقْصِمُ عَنْهُ، وَإِنَّ جَبينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا. رجال هذا الإسناد : سبعة ١ - (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المرادي الْجَمَليّ، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت [١١]، مات سنة ٢٤٨، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ١٩/ ٢٠ . ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد بن يوسف مولى بني أمية، أبو عمرو المصري، قاضيها، ثقة فقيه [١٠] مات سنة ٢٥٠ أخرج له أبو داود، والنسائي، تقدم في ٩/ ٩. ٣ - (عبد الرحمن بن القاسم) بن خالد بن جُنَادة الْعُتَقيّ، أبو عبد الله المصري الفقيه، صاحب مالك، ثقة من كبار [١٠]، مات سنة ١٩١، أخرج ه البخاري، وأبو داود في ((مراسيله))، والنسائي، تقدم في ١٩ / ٢٠. ١٠٩ _ ٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٤ ٤ - (مالك) بن أنس الإمام المدني الثبت الحجة [٧]، مات سنة ١٧٩، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧. والباقون تقدموا في السند الماضي. ومن لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالفقهاء الثقات الأثبات. (قال الجامع عفا الله عنه): شرح الحديث تقدم في الذي قبله، وأشرح هنا ما لم یسبق شرحه : قوله : (يتمثل لي الملك رجلاً) التمثل مشتق من المثل، أي يتصور، ((وأل)) في ((الملك)) للعهد، والمعهود هو جبريل، وقد وقع التصريح به في رواية ابن سعد من طريق أبي سلمة الماجشون، ولفظه : ((كان الوحي يأتيني على نحوين: يأتيني به جبريل، فيلقيه علي، كما يلقي الرجل على الرجل ... )) الحديث. وهو مرسل تقدم الكلام عليه في الحديث الماضي . وفيه دليل على أن الملك يتشكل بشكل البشر، قال المتكلمون : الملائكة أجسام علوية لطيفة، تتشكل أيَّ شكل أرادوا، وزعم بعض الفلاسفة أنها جواهر روحانية. ذكره في الفتح(١) . وقوله: (رجلاً) منصوب على أنه مفعول مطلق على النيابة، والأصل تَمَثّلَ رجل، وقيل: منصوب على الحال، أي مُتَصَوِّرًا بصورة رجل، وقيل: منصوب على التمييز. ولا يخفى بُعْدُه. (١) جـ ١ ص ٣١. ١١٠ - ١٠ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح قال الحافظ السيوطي رحمه الله: قال المتكلمون: الملائكة أجسام علوية لطيفة، تتشكل أيَّ شكل أرادوا . وقد سأل عبد الحق الصَّقَليَّ إمام الحرمين حين اجتمع به بمكة عن هذه، وكيف كان جبريل يجيء مرّة في صورة دحية، وجاء مرة في هيئة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، وصورته الأصلية له ستمائة جناح، وكل جناح منها يسد الأفق؟ . فقال: منْ قائل: إنه سبحانه يُفني الزائدَ من خلقه، ثم يعيده، ومن قائل: إن ذلك إنما هو تمثيل في عين الرائي، لا في جسم جبريل، وهو الذي يعطيه قوله: ((يتمثل لي)). قال: وتحقيقه أن جبريل عبارة عن الحقيقة الملكية الخاصة، والملك لا يتغير بالصورة والقوالب، كما أن حقيقتنا لا تتغير بها، ألا ترى أن الجسم يتغير، ويفنى مع أن الأرواح لا تتغير، كما أنها في الجنة تركب على أجسام لطيفة نورانية ملكية، تنعكس الأبدان الآدمية الكثيفة هناك إلى عالم الكمال الجسماني على نحو الأجسام الملكية الآن، فحقيقة جبريل كانت معلومة عند النبي ◌َّ مجعولة في أيّ قَالَب كان. قلت(١): ولهذا ورد في حديث مجيئه، وسؤاله عن الإيمان: ((ما جاءني قط، إلا وأنا أعرفه، إلا أن يكون هذه المرة)). انتهى المقصود من (١) القائل هو السيوطي. ١١١- ٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٤ - كلام السيوطي رحمه الله تعالى(١). وقال في الفتح: قال إمام الحرمين: تمثل جبريل معناه أن الله أفنى الزائد من خلقه، أو أزاله عنه، ثم يعيده إليه بَعْدُ. وجزم ابن عبد السلام بالإزالة دون الفناء، وقرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجبًا لموته، بل يجوز أن يبقى الجسد حيًا، لأن موت الجسد بمفارقة الروح ليس بواجب عقلاً، بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه، ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تَسْرَحُ في الجنة . وقال شيخنا شيخ الإسلام - يعني البلقيني - : ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه، بل يجوز أن يكون الآتي هو جبريل بشكله الأصلي، إلا أنه انضم، فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته . ومثال ذلك القطن إذا جمع بعد أن كان منتفشًا، فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة، وذاته لم تتغير، وهذا على سبيل التقريب . والحق أن تمثل الملك رجلاً ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلاً، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسًا لمن يخاطبه، والظاهر أيضًا أن القدر الزائد لا يزول، ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط. والله أعلم. انتهى كلام (١) زهر الربى جـ ٢ ص ١٤٨. شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح - ١١٢ الحافظ (١) ٥ (قال الجامع عفا الله عنه): مثل هذا الاختلاف، ومثله الاختلاف السابق في حقيقة الملائكة من فضول الكلام، ومن الخوض فيما لا يعني، لأمور : (الأول): أنه مما لم يكلف الشرع أحدًا بالخوض فيه . (الثاني): أنه من القول بلا علم، لأنه ليس عليه أثارة من علم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَّيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ. وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ [الإسراء: ٣٦]. (الثالث ): أنه مما لم يخض فيه السلف، ولو كان فيه خير لكانوا أسبق الناس إليه. فالواجب على العاقل أن لا يخوض في مثل هذا إلا بدليل، فما جاءنا من النبي ◌َّه بيانه من كون الملائكة خلقوا من نور، وأن لهم أجنحة، وأنهم يتشكلون بشكل البشر، وأن جبريل يأتيه بصورة رجل، ونحو ذلك آمنا به، وتكلمنا بتفاصيله، وما لا فلا. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (فيكلمني) كذا للأكثر، ووقع في رواية البيهقي من طريق القعنبي، عن مالك: ((فيعلمني)) بالعين بدل الكاف. والظاهر أنه (١) فتح جـ ١ ص ٣١. ١١٣ ٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٤ تصحيف، فقد وقع في الموطأ رواية القعنبي بالكاف، وكذا للدار قطني في حديث مالك من طريق القعنبي وغيره. قاله في الفتح. (فأعي ما يقول) زاد أبو عوانة في صحيحه: ((وهو أهونه عليّ)). وقد وقع التغاير في الحالتين، حيث قال في الأول: ((وقد وعَيتُ) بلفظ الماضي، وهنا بلفظ الاستقبال، لأن الوعي حصل في الأول قبل الفصم، وفي الثاني حصل بعد المكالمة، أو أنه في الأول قد تلبس بالصفات الملكية، فإذا عاد إلى حالته الجبلية كان حافظًا لما قيل له، فعبر عنه بالماضي، بخلاف الثاني، فإنه على حالته المعهودة(١) . (قالت عائشة) رضي الله عنها. قال في الفتح: هو بالإسناد الذي قبله، وإن كان بغير حرف العطف، كما يستعمله البخاري وغيره كثيرًا، وحيث يريد التعليق يأتي بحرف العطف . وقد أخرجه الدار قطني في حديث مالك من طريق عتيق بن يعقوب، عن مالك، مفصولاً عن الحديث، وكذا فصلهما مسلم من طريق أبي أسامة، عن هشام، ونكتة الاقتطاع هنا اختلاف التحمل، لأنها في الأول أخبرت عن مسألة الحارث، وفي الثاني أخبرت عما شاهدت تأييدًا للخبر الأول. انتهى. (ولقد رأيته) الواو للقسم، واللام للتأكيد، و((قد)) للتحقيق، ((رأیت)) بمعنی أبصرت، فلذلك اكتفى بمفعول واحد. (١) فتح جـ ١ ص ٣٢. - ١١٤ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح وفيه من المؤكدات واو القسم، ولام التأكيد، و((قد)) التي وَضْعُهَا للتحقيق في مثل هذا الموضع، كما في قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ [الشمس: ٩]. أكدت به عائشة رضي الله عنها ما تقدم من قوله تعمئة: ((وهو أشده عليّ)). (ينزل عليه) الفاعل ضمير الوحي، وقد صرح به في رواية البخاري، ولفظه: ((ولقد رأيته ينزل عليه الوحي)). ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، والجار والمجرور نائب فاعله. والجملة في محل نصب على الحال من المفعول به، أي والله لقد رأيت رسول الله تمثّ حال كونه نازلاً عليه الوحي (في اليوم الشديد البرد) من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، وهي صفة جرت على غير صاحبها، لأنها صفة للبرد، لا لليوم. وفيه دلالة على معاناته تَّة التعبَ والكربَ عند نزول الوحي، لما فيه من مخالفة العادة، وهو كثرة العرق في شدة البرد، فإنه يشعر بوجود أمر طارئ زائد على الطباع البشرية. قاله في الفتح(١). (فيفصم عنه) أي ينفرج، ويذهب عنه. وتقدم ضبطه ومعناه في الحديث الماضي، (وإِن جبينه) بفتح الجيم، وكسر الباء. قال ابن منظور: الجَبين: فوق الصَّدْغ، وهما جبينان عن يمين الجبهة، وشمالها، (١) فتح جـ ١ ص ٣٢. ١١٥_ ٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٤ - وقال ابن سيدَهْ: والجبينان حرفان مُكتنفا الجبهة من جانبيها فيما بين الحاجبين، مُصْعدًا إلى قُصَاص الشعر. وقيل: هما ما بين القُصاص إلى الحاجبين. وقيل: حروف الجبهة ما بين الصُّدْغَين متصلاً عدا الناصيةَ كلُّ ذلك جَبينٌ واحد. قال: وبعضُ يقول: هما جبينان. والجمع أجْبُنّ، وأجْبنَةٌ، وجُبُنٌ. انتهى(١) . ( ليَتفصد) بالفاء، وتشديد المهملة: أي يسيل، مأخوذ من الفَصْد، وهو قطع العرْق الإسالة الدم، شُبِهَ جبينُهُ بالعرْق المقصود، مبالغةً في كثرة العَرَق . (عَرَقًا) منصوب على التمييز، وهو تمييز محول عن الفاعل، قال ابن منظور رحمه الله: تفصَّدَ جبينه عرقًا، أي تفصّدَ عرقُ جبينه، وكذلك هذا الضرب من التمييز إنما هو في نية الفاعل، وانفصد الشيءُ، (٢) وتفصد: سال. انتهى ٠ زاد ابن أبي الزناد عن هشام بهذا الإسناد عند البيهقي في الدلائل : ((وإن كان لَيَوُحَى إليه، وهو على ناقته، فيضرب حزَامَهَا، من ثقَل ما يوحى إليه))(٣). (١) لسان العرب جـ ١ ص ٥٤٠ . (٢) المصدر نفسه جـ ٥ ص ٣٤٢١. (٣) فتح جـ ١ ص ٣٢. _ ١١٦ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح وأرادت عائشة رضي الله عنها بهذا الإشارةَ إلى كثرة معاناته عليه الصلاة والسلام التعَبَ والكربَ عند نزول الوحي، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام كان إذا ورد عليه الوحي يجد له مشقة، ويغشاه الكرب، لثقل ما يُلقَى عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقيلاً } [المزمِّل: ٥]، ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم، كما روي ((أنه كان يأخذه عند الوحي الرُّحَضَاء))(١). أي البُهْرُ(٢) والعرق من الشدة، وأكثر ما یسمی به عرق الحُمَّى، ولذلك كان جبينه يتفصد عَرقا، وإنما كان ذلك ليبلو صبره، ويحسن تأديبه، فيرتاض لاحتمال ما كلفه من أعباء النبوة. وقد ذكر البخاري رحمه الله في حديث يعلى بن أمية: ((فأدخل رأسه، فإذا رسول الله ثَّ مُحْمَرٌّ وجهه، وهو يغطّ، ثم سُري عنه)). ومنه في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: ((كان نبي الله ◌َيُ إذا نزل عليه كُرب لذلك، وتَرَبَّدَ وجهه)). وفي حديث الإفك، ((قالت عائشة رضي الله عنها: فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحَاء(٣) عند الوحي، حتى إنه لينحدر منه مثل الجُمَان من العرق في اليوم الشَّاتي، من ثقل الوحي الذي ينزل عليه)). أفاده العيني رحمه الله (١) الرُّحَضاء: بضم الراء، وفتح الحاء المهملة وبالضاد المعجمة الممدودة: العَرَق في إثر الحمى. اهـ عمدة القاري جـ ١ ص ٤٣ . (٢) الْبُهْر بالضم: تتابع النَّفَس، وبالفتح: المصدر. اهـ عمدة القاري جـ ١ ص ٤٣ . (٣) بضم الموحدة، وفتح الراء، والحاء: شدة الكرب، وشدة الحمى. ١١٧ ٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٤ تعالى(١) . تنبيه: حكى العسكري في التصحيف عن بعض شيوخه أنه قرأ: (ليتقصد)) بالقاف، ثم قال العسكري: إن ثبت فهو من قولهم: تَقَصَّدَ الشيءُ: إذا تکسر، وتقطع، ولا یخفی بعده. انتهى . قال الحافظ: وقد وقع في هذا التصحيف أبو الفضل ابن طاهر، فرده عليه المؤتمن الساجي بالفاء، قال: فأصرّ على القاف. وذكر الذهبي في ترجمة ابن طاهر عن ابن ناصر أنه رد على ابن طاهر لما قرأها بالقاف، قال: فكابرني. قال الحافظ: ولعل ابن طاهر وجّهَهَا بما أشار إليه العسكري(٢) ٠ والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث (المسألة الأولى) : في درجته : حديث عائشة رضي الله عنها هذا متفق عليه . (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا - ٣٧/ ٩٣٣ - وفي ((الكبرى)) - ٣٧/ ١٠٠٥ - وفي فضائل القرآن جـ٥ ص ٣ رقم - ٧٩٧٩ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان بن عيينة، (١) ((عمدة القاري)) جـ ١ ص ٤٣. (٢) (فتح)) جـ ١ ص ٣٢. - ١١٨ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح عن هشام بن عروة، عن أبيه عنها. و- ٩٣٤ - و((الكبرى)) ١٠٠٦ - عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، كلاهما عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، عن هشام به . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة) : فيمن أخرجه معه : أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف، عن مالك به. وفي ((بدء الخلق)) عن فَرْوَة بن أبي المغْرَاء، عن علي بن مسهر، عن هشام به. ومسلم عن أبي كريب، عن أبي أسامة ح. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن عيينة ح. وعن أبي كريب، عن أبي أسامة، ومحمد بن بشرح. وعن محمد بن عبد الله بن نمير، عن محمد بن بشر كلهم عن هشام به . والترمذي عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن، عن مالك به . وأخرجه مالك في ((الموطأ)) رقم ١٤٣، والحميدي ٢٥٦ وأحمد ج٦ ص ٥٨ و٢٠٢ و ١٥٨ و ١٦٣ و٢٥٦ و ٢٥٧، وعبد بن حميد رقم ١٤٩٠ . والله تعالى أعلم. ( المسألة الرابعة) : في فوائده: منها: أن فيه دليلاً على أن أصحاب رسول الله تَ ◌ّه كانوا يسألونه ثمّ عن كثير من المعاني، وكان رسول الله تَّه يجيبهم، ويعلمهم، وكانت طائفة منهم تسأل، وطائفة تحفظ، وكلهم أدّى، وبلغ - ١١٩ - ٣٧ - جامع ما جاء في القرآن - حديث رقم ٩٣٤ ما علم، ولم یکتم حتی أکمل الله دينه، والحمد لله(١) . ومنها : أن السؤال عن الكيفية لطلب الطمأنينة لا يقدح في اليقين. ومنها : جواز السؤال عن أحوال الأنبياء من الوحي وغيره. ومنها : أن المسؤول عنه إذا كان ذا أقسام يذكر المجيب في أول جوابه ما يقتضي التفصيل (٢). ومنها: ما قاله الحافظ أبو عمر رحمه الله: وفي هذا الحديث: نوعان أو ثلاثة من أنواع نزول الوحي. وقد ورد في غير ما حديث من نزول الوحي أنواع، حتى الرؤيا الصالحة جعلها جزءًا من أجزاء النبوة، ولكنه أراد بهذا الحديث نزول ما يتلى، والله أعلم. وقد روى حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان الوحي إذا نزل سمعت الملائكة صوتًا كإمرار السلسلة على الصَّفَا(٣). وفي حديث يوم حنين أنهم سمعوا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست الجدید. وقالت عائشة: كان أول ما بدئ به رسول الله عَ ◌ّه من الوحي الرؤيا (١) التمهيد جـ ٢٢ ص ١١٣. الاستذكار جـ ٨ ص ٦٠. (٢) فتح جـ ١ ص ٣٢. (٣) أخرجه أبو داود، وابن خزيمة في التوحيد، والبيهقي في الأسماء والصفات بإسناد صحيح . - ١٢٠ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. متفق علیه . وقد كان ◌َّه يتبدى له جبريل بين السماء والأرض، وذلك بَيْنَ في حديث جابر بن عبد الله الذي أخرجه الشيخان . وأحيانًا يأتيه جبريل في هيئة إنسان، فيكلمه مشافهة كما يكلم المرء أخاه، وذلك بُيّن في حديث عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر في الإيمان، والإسلام، وحديثه حين جاء جبريل في صفة دحية الكلبي. وفي حديث عمر بن الخطاب، ويعلى بن أمية إذا نزل عليه الوحي يحمرّ وجهه، ويَغطّ غَطيط البكر، وينفخ . إلى غير ذلك من أنواع الوحي الكثيرة . وروى ابن وهب عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب أنه سئل عن هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ [الشورى: ٥١]. قال: نرى هذه الآية تعم مَنْ أوحى الله إليه من البشر كلهم، والكلام ما کلم الله موسى عليه السلام من وراء حجاب. والوحي ما يوحي الله إلى النبي من أنبيائه، فيثبت الله ما أراد من الوحي في قلب النبي، فیتکلم به النبي، ویکتبه، فهو كلام الله ووحيه.