Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ - ٤ - رفع اليدين حيال الأذنين - حديث رقم ٨٨٠ رواه ثابتًا، لا منسوخًا، لكونه في آخر عمره عندهم، فالقول بأنه منسوخ قريب من التناقض، وقد قال عَّ لمالك هذا وأصحابه: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)). والله تعالى أعلم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله السندي رحمه الله تعالى يدل على إنصافه، وكونه يؤثر اتباع الدليل، وإن خالف مذهبه، خلاف ما عليه المتأخرون من أهل مذهبه الحنفي، فإنهم يتعصبون لمذهبهم مع وضوح الدليل على خلافه كالشمس في رابعة النهار، والذي ادعى النسخ هو الطحاوي، وتبعه في ذلك المتأخرون، وحاولوا ردَّ الأحاديث الصحيحة بأدلتهم الواهية، وسيأتي الكلام معهم، وإدحاض حججهم الواهية، في باب ((رفع اليدين للركوع)) - ٨٥/ ١٠٢٤ - إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم ، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا - ٤ / ٨٨٠ - وفي ((الكبرى)) - ٤/ ٩٥٤ - عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد الهُجَيمي - وفي ١٠٨٤/٣٥ - عن محمد بن (١) شرح السندي جـ ٢ ص ١٢٣. - ١٨٢ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح المثنى، عن ابن أبي عدي - كلاهما عن شعبة، عن قتادة، عن نصر بن عاصم عنه. وفي ٤ / ٨٨١ - و((الكبرى)) ٩٥٥/٤ - عن يعقوب بن إبراهيم، عن إسماعيل ابن علية- و١٠٢٤/٨٥ - و((الكبرى)) ١٠٩٧/٣٢ - عن علي بن حجر، عن ابن علية - و١٧ / ١٠٥٥ - عن إسماعيل بن مسعود، عن يزيد بن زريع - و٣٦/ ١٠٨٦ - عن محمد ابن المثنى، عن عبد الأعلى - كلهم عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة به. و٣٦/ ١٠٨٧ - عن محمد بن المثنى، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، به. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه : أخرجه (مسلم) عن محمد بن المثنى، عن ابن أبي عدي، به. وعن أبي كامل الجحدري، عن أبي عوانة، عن قتادة، به . و(أبو داود) عن حفص بن عمر، عن شعبة ، به. و(ابن ماجه) عن حمید بن مسعدة، عن یزید بن زريع، به . و(أحمد) ٤٣٦/٣ و٤٣٧ و٥٣/٥. و(الدارمي) رقم ١٢٥٤، و(البخاري في جزء رفع اليدين) ٧و ٥٣و٩٨ . والله تعالى أعلم وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٨٨١ - أخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْراهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَن ابْنِ أَبِي عَرْوبَةَ، عَنْ فَتَادَةً، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ ١٨٣ - ٤ - رفع اليدين حيال الأذنين - حديث رقم ٨٨١ مَالِك بْنِ الْحُوَيْرِث، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ عَّهُ حِينَ دَخَلَ فِي الْصَلاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَحِينَ رَكَعَ، وَحِينَ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ حَتَّى حَاذَنَا فُرُوعَ أْذُنَيْهِ. رجال هذا الإسناد : ستة ١ - ( يعقوب بن إِبراهيم) الدَّوْرَقيَّ، أبو يوسف البغدادي، ثقة، من [١٠]، تقدم في ٢٢/٢١. ٢ - (ابن علية) هو إسماعيل بن إبراهيم البصري، ثقة حافظ، من [٨]، تقدم في ١٨/ ١٩. ٣ - (ابن أبي عروبة) هو سعيد بن مهران البصري، ثقة ثبت يدلس واختلط، من [٦]، تقدم في ٣٨/٣٤. والباقون تقدموا في السند السابق . قال الجامع عفا الله عنه: أما شرح الحديث فواضح يعلم مما تقدم، و کذا مسائله. وقوله: ((فروع أذنيه)): أي أعاليهما، وفرع كل شيء أعلاه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت ، وإليه أنيب. - ١٨٤ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح ٥ - بَابُ مَوْضِعِ الإِبْهَامَيْنِ عِنْدَ الرَّفْعِ ٠ ے أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على محل إبهامي الأصابع عند رفع اليدين في الصلاة . و((الإبهامان)): تثنية إيهام - بالكسر - : الأصبع العُظْمَى ، وهي مؤنثة، وجمعها إبهامات، وأباهيم(١) . ٨٨٢ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْر، قَالَ: حَدَّثَنَا فِطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائلٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيََّثُ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى تَكَادَ إِبْهَامَاهُ تُحَاذِي شَحْمَةَ أَذُنَيْه . رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة عابد، مات سنة ٢٤٥، من [١١]، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، تقدم في ٩٢ / ١١٤ . ٢- (محمد بن بشر) بن الفَرافصَة بن المختار الحافظ العبدي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ، من [٩]. قال عثمان الدارمي، عن ابن معين : ثقة. وقال الآجري، عن أبي داود: هو أحفظ من كان بالكوفة. وقال الكديمي، عن أبي نعيم: لما (١) راجع المصباح جـ ١ ص ٦٤، والمختار ص ٢٧ . ١٨٥ _ ٥ - باب موضع الإبهامين عند الرفع - حديث رقم ٨٨٢ خرجنا في جنازة مسعر جعلت أتطاول، فقلت : يجيئوني، فيسألوني عن حديث مسعر، فذاكرني محمد بن بشر العبدي بحديث مسعر ، فأغرب علي سبعين حديثًا، لم يكن عندي منها إلا حديث واحد. وقال النسائي، وابن قانع: ثقة. وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: لم يكن به بأس، وقيل له: هو أحب إليك، أو أبو أسامة؟ فقال: أبو أسامة . وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال عثمان بن أبي شيبة: محمد بن بشر ثقة ثبت إذا حدث من كتابه. وفي ((المراسيل)): قال ابن معين: والله ما سمع محمد ابن بشر من مجاهد بن رومي شيئًا، ولكنه مرسل. قال البخاري، وابن حبان: مات سنة ٢٠٣، وفيها أرخه يعقوب بن شيبة، ومحمد بن سعد، وزادا: في جمادى الأولى، وقالا: وكان ثقة كثير الحديث. أخرج له الجماعة(١). ٣ - (فطر بن خليفة) القرشي المخزومي مولاهم، أبو بكر الحناط(٢) الكوفي صدوق رمي بالتشيع من [٥]. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: ثقة صالح الحديث، قال: وقال أبي: كان عند يحيى بن سعيد ثقة. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة حسن الحديث، وكان فيه تشيع قليل. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، كان يحيى بن سعيد يرضاه، ويحسن القول فيه، ويحدث عنه. (١) ((تت)) جـ ٩ ص ٧٣ - ٧٤. ((ت)) ٣٩١. (٢) ((الحناط)) بالمهملة، والنون. شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح - ١٨٦ وقال أبو داود، عن أحمد بن يونس: كنا نمر على فطر، وهو مطروح، لا نكتب عنه. وقال النسائي: لا بأس به، وقال في موضع آخر: ثقة حافظ كَيِّس. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، ومن الناس من يستضعفه، وكان لا يدع أحدًا يكتب عنه، وكانت له سن عالية، ولقاء. وقال الساجي: صدوق ثقة، ليس متقن، كان أحمد ابن حنبل يقول: هو خَشَبي(١) مُفْرط، قال الساجي: وكان يقدم عليًا على عثمان، وكان يحيى بن سعيد يقول: حدث عن عطاء، ولم يسمع منه، وقال الساجي: وقد حكى وكيع أن فطرًا سأل عطاء، وروى أيضًا عن رجل، يقال له: عطاء رأى النبي ◌َّه. وقال السعدي: زائغ غير ثقة. وقال الدار قطني: فطر زائغ، ولم يحتج به البخاري. وقال أبو بكر بن عياش: ما تركت الرواية عنه إلا لسوء مذهبه. وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا نعيم يرفع من فطر ويوثقه، ويذكر أنه كان ثبتًا في الحديث. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت قطبة بن العلاء يقول: تركت فطراً لأنه يروي أحاديث فيها إزراء على عثمان. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: وقد قيل: إنه سمع من أبي الطفيل، فإن صح فهو من التابعين. وقال النسائي في الكنى: حدثنا (١) ((الخشبي)) بفتح الخاء، والشين المعجمتين، وفي آخره الباء الموحدة - نسبة إلى الخشبية، وهم طائفة من الشيعة ، يقال لكل واحد منهم: خشبي. اهـ اللباب. ج١ ص ٤٤٤ - ٤٤٥. ١٨٧ _ ٥ - بَاب موضع الإبهامين عند الرفع - حديث رقم ٨٨٢ يعقوب بن سفيان، عن ابن نمير، قال: فطر حافظ كيس. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة عند الكوفيين، وهو متماسك، وأرجو أنه لا بأس به . وقال محمد بن عبد الله الحضرمي: مات سنة ٥، ويقال: سنة ١٥٣، روى له البخاري مقرونًا بغيره، والباقون، إلا مسلمًا (١). وأما عبد الجبار وأبوه فتقدما في الباب الماضي. قال الجامع عفا الله عنه: حديث وائل بن حجر رضي الله عنه هذا فيه انقطاع، لكن المصنف رحمه الله صححه في ((الكبرى))، ونصه فيها: قال أبو عبد الرحمن: عبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه، والحديث في نفسه صحیح. انتهى كلامه في ((الکبری)) جـ ١ ص ٣٠٨ رقم - ٥/ ٩٥٦. قال الجامع عفا الله عنه: أراد أنه صحيح لشواهده. والله أعلم. وقوله: ((شَحْمَتَي أذنيه)): تثنية شَحْمَة - بفتح الشين المعجمة، وسكون الحاء المهملة، بعدها ميم - : وهو ما لان في أسفل الأذن، وهو مُعَلَّقُ القُرْط. أفاده الفيومي رحمه الله تعالى(٢). والله تعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت، وإليه أنيب . (١) (تت)) جـ ٨ ص ٣٠٠ - ٣٠٢. ((ت)) ٢٧٧. (٢) المصباح جـ ١ ص ٣٠٦. ١٨٨ - شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح ٦ - رَفْعُ الْيَدَيْنِ مَدّا أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على استحباب رفع اليدين في الصلاة رفعاً بليغاً. والمراد رفعهما إلى المنكبين، أو الأذنين، لا فوق رأسه كما توهم بعضهم، لأن حديث الباب لم يحدد محل الرفع، فيحمل على الأحاديث المفسرة المتقدمة، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا إن شاء الله تعالى. ٨٨٣ - أخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلَيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَمْعَانَ، قَالَ: جَاءَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى مَسْجِدٍ بَنِي زُرَيْقِ، فَقَالَ: ثَلاثٌ كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهُ يَعْمَلُ بِهِنَّ، تَرَكَهُنَّ النَّاسُ، كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الصَّلاة مَدّاً، وَيَسْكُتُ هُنَيْهَةً، وَيُكَبِّرُ إِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ. رجال هذا الإسناد: خمسة ١- (عمرو بن علي) الفَلأَّس الصيرفي، أبو حفص البصري، ثقة حافظ، مات سنة ٢٤٩، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤ / ٤ . ٢ - (يحيى) بن سيعد القطان، الإمام الحجة الثبت، مات سنة ١٨٩ _ ٦ - رفع اليدين معاً - حديث رقم ٨٨٣ ١٩٨، من كبار [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤ / ٤ . 1 ٣ - (ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري، أبو الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل، مات سنة ١٥٨، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤١ / ٦٨٥ . ٤ - (سعيد بن سمعان (١) ) الأنصاري الزَّرَقي مولاهم المدني، ثقة، من [٣]، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي. روى عن أبي هريرة ، وابن حَسَنَة. وعنه ابن أبي داود، وسابق بن عبد الله الرّقّيّ، ومحمد بن أبي ذئب. قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال البرقي عن الدار قطني: ثقة. وقال الحاكم: تابعي معروف. وقال الأزدي: ضعيف. قال في ((ت)): لم يصب الأزدي في تضعيفه (٢) . ٥ - (أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في ١/١ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. (١) قال في المغني: بكسر السين وفتحها، وسكون الميم، وإهمال العين. اهـ من هامش ((تت )) جـ ٤ ص ٤٥. (٢) (تت) جـ ٤ ص ٤٥. (ت)) جـ ٦ ص ١٢٣. شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح - ١٩٠ ومنها : أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا سعيد بن سمعان، فانفرد به هو، وأبو داود، والترمذي . ومنها: أن شيخه هو أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بدون واسطة، وتقدموا غير مرة، وأن فيه أبا هريرة أحد المكثرين السبعة، وفيه الإخبار، والتحديث، والقول. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (قال) سعيد بن سمعان (جاء أبو هريرة) رضي الله عنه (إِلى مسجد بني زريق) بضم الزاي المعجمة، وفتح الراء، وسكون الياء آخر الحروف، وآخره قاف، وبنو زريق بن عامر بن حارثة بن غضب بن جشم بن الخزرج. أفاده العيني(١) . (فقال : ثلاث) أي ثلاث خصال من خصال الصلاة (كان رسول الله څ یعمل بھی تر کھن الناس) أي تركوا العمل بهن، جهلاً، أو لاعتقادهم أن تركهن لا يضر بالصلاة، ثم أشار إلى الخصلة الأولى بقوله: (كان يرفع يديه في الصلاة مَدَّا) أي رفعًاً بليغًا، أو رفعًا، وهو مصدر من غير لفظ الفعل، كقعدت جلوسًا، إلا أنه على الأول للنوع، وعلى الثاني للتأكيد. قاله السندي رحمه الله تعالى. وقال ابن سيد الناس رحمه الله: يجوز أن يكون مَدّاً مصدرًا (١) عمدة القاري جـ ٤ ص ١٥٩ . ١٩١ _ ٦ - رفع اليدين مداً - حديث رقم ٨٨٣ مختصًا ، كقعد القُرْفُصَاء، أو مصدرًا من المعنى، كقعدت جلوسًا، أو حالاً من رفع. انتهى. وقال العلامة الشوكاني رحمه الله : يجوز أن يكون منتصبًا على المصدرية بفعل مقدر، وهو يمدّهما مدًا، ويجوز أن يكون منتصبًا على الحالية، أي رفع يديه في حال كونه مادًا لهما إلى رأسه، ويجوز أن يكون مصدرًا منتصبا بقوله: ((رفع))، لأن الرفع بمعنى المدّ، وأصل المدّ في اللغة الجرّ - قاله الراغب - والارتفاع؛ قال الجوهري: ومَدُّ النهار ارتفاعُهُ، وله معان أخر، ذكرها صاحب القاموس وغيره. وقد فسر ابن عبد البرّ المدَّ المذكور في الحديث بمد اليدين فوق الأذنين مع الرأس. انتهى كلام الشوكاني (١). قال العلامة المباركفوري رحمه الله : لم يبين في هذا الحديث غاية المدّ، فهو مجمل فيها، فلابدّ من أن يحمل على الأحاديث التي بينت فيها غايته، هذا ما عندي، والله تعالى أعلم. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله المباركفوري رحمه الله حسن جدّاً. وحاصله: أن معنى قول أبي هريرة رضي الله عنه: ((رفع يديه مدّاً)) بمعنى حديث ابن عمر، ووائل بن حجر، ومالك بن الحويرث (١) نيل الأوطار جـ ٣ ص ٩. (٢) تحفة الأحوذي جـ ٢ ص ٤٤ . - ١٩٢ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح رضي الله عنهم أنه رفع يديه حَذْوَ المنكبين، وحيال الأذنين، وأما ما فسر به ابن عبد البر فلا أراه صحيحا؛ إذ حديث أبي هريرة رضي الله عنه مجمل، حيث لم يبين فيه حد الرفع، ولابد من حمل المجمل على المفسر . والحاصل أن أبا هريرة رضي الله عنه إنما أنكر على الناس تركهم الرفع أصلاً، أو اقتصارهم على ما دون المنكبين. والله تعالى أعلم. ثم أشار إلى الخصلة الثانية بقوله: (ويسكت هنيهة) أي زمنًا يسيرًا، وهو بضم الهاء، وفتح النون، مصغر ((هَنَة)). قال الفيومي رحمه الله: الْهَنُ خفيف النون كناية عن كل اسم جنس، والأنثى ھَنَة، ولامها محذوفة، ففي لغة هي هاء، فيصغر على هُنَيْهَة، ومنه يقال: سكت هُنَيْهَة، أي ساعة لطيفة، وفي لغة هي واو، فيصغر في المؤنث على هُنَيَّة، والهمز خطأ، إذ لا وجه، وجمعها هَنَوَات، وربما جُمعَت هَنَات على لفظها، مثل عدَات. انتهى(١) . قال السندي رحمه الله : والمراد السكوت قبل القراءة، أو بعد الفاتحة، والحديث يدلّ على أن الناس تركوا بعض السنن وقتَ الصحابة، فينبغي الاعتماد على الأحاديث. والله تعالى أعلم. انتهى. وقال الجامع عفا الله عنه: الصواب كون المراد بالسكوت السكوتَ الذي بين التكبير وقراءة الفاتحة، كما بينه أحمد رحمه الله في (١) المصباح جـ ٢ ص ٦٤١ . ١٩٣ - ٦ - رفع اليدين مدا - حديث رقم ٨٨٣ روايته : قال عبد الله بن أحمد رحمه الله : حدثني أبي، ثنا يحيى، عن ابن أبي ذئب - ويزيد بن هارون، قال: أنا ابن أبي ذئب المعنى، قال: ثنا سعيد بن سمعان ، قال: أتانا أبو هريرة في مسجد بني زريق، قال : ثلاث کان رسول الله مَّه يعمل بهن، قد تركهن الناس، كان يرفع يديه مدّاً إذا دخل في الصلاة، ويكبر كلما ركع، ورفع، والسكوت قبل القراءة، يسأل الله من فضله. قال یزید: يدعو، ويسأل الله من فضله. راجع ((المسند)) جـ ٢ ص ٤٣٤ . وقال عبد الله أيضاً: حدثني أبي، ثنا محمد بن عبد الله، ثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة، قال : ترك الناس ثلاثة مما كان يعمل بهن رسول الله عَّه، كان عَّ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدّاً، ثم سكت قبل القراءة هُنَيَّةً، يسأل الله من فضله، فيكبر كلما خفض، ورفع. راجع ((المسند)) جـ ٢ ص ٥٠٠. ويأتي للمصنف رحمه الله - ٨٩٥/١٥ - حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان رسول الله عَّه إذا افتتح الصلاة سكت هنيهة، فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما تقول في سكوتك بين التكبير والقراءة؟ ... الحديث. والله تعالى أعلم. فتبين بهذا كله أن المراد بالسكوت هنا هو السكوت بين التكبير وقراءة الفاتحة. والله تعالى أعلم. - ١٩٤ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح ثم المراد بالسكوت هنا ما قابل الجهر، لا ما قابل الكلام، بدليل أنه كان يقرأ دعاء الاستفتاح فيه، ففي رواية أبي هريرة المذكورة قال: فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه؟ قال: أقول: « اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بین المشرق والمغرب)) ... الحديث. وفي رواية أحمد المذكورة: (( ثم سكت قبل القراءة هنيّة يسأل الله من فضله)). والحاصل أن سکوته هو عدم جھره بدعاء الاستفتاح، كما يجهر بالقراءة ، لا عدم نطقه أصلاً. والله أعلم. ثم أشار إلى الخصلة الثالثة بقوله: ( ويكبر إِذا سجد، وإِذا رفع) ورواية أحمد: ((كلما خفض، ورفع))، وهي أعم، أي أنه يكبر في خفض الركوع، وخفض السجود، ورفع السجود، ورفع القيام، فيعم بالتكبير كل انتقالاته، إلا ما استثني بالنص، وهو الرفع من الركوع، فإن المشروع فيه هو التسميع، والتحميد. وقد أخرج البخاري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه كان يصلي بهم، فيكبر كلما خفض ورفع، فإذا انصرف قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله تَّه. ويأتي للمصنف رحمه الله مطولاً برقم ١٠٢٣/٨٤ . وأخرج عن مطرف بن عبد الله ، عن عمران بن حُصَين رضي الله ١٩٥ - ٦ - رفع اليدين مدا - حديث رقم ٨٨٣ عنه، قال : صلى مع علي رضي الله عنه بالبصرة، فقال: ذكّرنا هذا الرجل صلاةً كنا نصليها مع رسول الله ◌َّه، فذكر أنه كان يكبر كلما رفع، وكلما خفض. ويأتي للمصنف برقم ١٠٨٢/٣٤ . وقال الحافظ رحمه الله: فيه إشارة إلى أن التكبير الذي ذكره كان قد ترك، وقد روى أحمد، والطحاوي بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري قال: ذكّرنا علي صلاة كنا نصليها مع رسول الله ◌َّله إما نسيناها، وإما تركناها عمدًا. ولأحمد من وجه آخر عن مطرف قال: قلنا : - يعني لعمران بن حصين - يا أبا نُجَيد - هو بالنون، والجيم مصغراً - مَنْ أولُ من ترك التكبير؟ قال: عثمان بن عفان حين كبر، وضعف صوته. وهذا يحتمل إرادة ترك الجهر. وروى الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن أول من ترك التكبير معاوية. وروى أبو عبيد أن أول من تركه زياد. وهذا لا ينافي الذي قبله، لأن زيادًا تركه بترك معاوية، وكأن معاوية تركه بترك عثمان. وقد حمل ذلك جماعة من أهل العلم على الإخفاء، ويرجِّحُهُ ما أخرجه البخاري في صحيحه عن سعيد بن الحارث، قال : صلى لنا أبو سعيد، فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود، وحين سجد، وحين رفع، وحين قام من الركعتين، وقال: هكذا رأيت النبي ◌َّه . - ١٩٦ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح لكن حكى الطحاوي أن قومًا كانوا يتركون التكبير في الخفض دون الرفع، قال: وكذلك كانت بنو أمية تفعل. وروى ابن المنذر نحوه عن ابن عمر. وعن بعض السلف أنه كان لا يكبر سوى تكبيرة الإحرام. وفرق بعضهم بين المنفرد وغيره، ووَجَّهَه بأن التكبير شرع للإيذان بحركة الإمام، فلا يحتاج إليه المنفرد. لكن استقر الأمر على مشروعية التكبير في الخفض والرفع لكل مصلّ، فالجمهور على ندبية ما عدا تكبيرة الإحرام. وعن أحمد، وبعض أهل الظاهر يجب كله. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى بتصرف(١) . والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته : حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا - ٦/ ٨٨٣ - وفي ((الكبرى)) - ٦/ ٩٥٧ - عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فیمن أخرجه معه : أخرجه (أبو داود) في ((الصلاة)) عن مسدد، عن يحيى، به . (١) فتح جـ ٢ ص ٥٢٢ - ٥٢٣ . ١٩٧ - ٦ - رفع اليدين مداً - حديث رقم ٨٨٣ و(الترمذي) فيه عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن ابن أبي ذئب به. و (أحمد) جـ ٢ / ٤٣٤ و ٥٠٠. و(البخاري في جزء رفع اليدين) رقم ٢٧٩ . و(ابن خزيمة) رقم ٤٥٦ و ٤٦٠ و ٤٧٣ . والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة : في فوائده : منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله ، وهو المبالغة في رفع اليدين، وقد تقدم أن الأرجح أن يفسر بما في الروايات الأخرى، وهو المدّ إلى المنكبين، أو الأذنين، لا كما توهم أنه يرفعه فوق رأسه. والله أعلم. ومنها : مشروعية السكوت بين الإحرام للصلاة، وقراءة الفاتحة، مشتغلاً بدعاء الاستفتاح، وسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى. ومنها: مشروعية التكبير في كل خفض ورفع، إلا الرفع من الركوع، فيقول : ((سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد)). ومنها : ما كان عليه الصحابة من شدة حرصهم على بيان سنة رسوله الله عَّهم، وتبليغها للناس، فإن أبا هريرة رضي الله عنه صلى بالناس، وأعلن لهم أنه أشبههم برسول الله تَّه صلاةً حيث رآهم تركوا السنن جهلاً، فنبههم عليها، وأرشدهم إليها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . - ١٩٨ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح المسألة الخامسة: أخرج الترمذي رحمه الله في جامعه حديث الباب عن قتيبة، وأبي سعيد الأشج، قالا: حدثنا يحيى بن يمان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان رسول الله ◌َّه إذا كبر للصلاة نشر أصابعه . قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة قد رواه غير واحد عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة: أن النبي ◌َّ كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مداً. وهو أصح من رواية يحيى بن يمان، وأخطأ ابن يمان في هذا الحديث. حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، حدثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، قال: سمعت أبا هريرة يقول: كان رسول الله تَّه إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مداً. قال أبو عيسى: قال عبد الله: وهذا أصح من حديث يحيى بن يمان، وحديث يحيى بن يمان خطأ. انتهى. وقال ابن أبي حاتم: قال أبي: وَهمَ يحيى، إنما أراد: كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مداً. كذا رواه الثقات من أصحاب ابن أبي ذئب. (١) انتھی . قال الجامع عفا الله عنه: يحيى بن يمان العجلي الكوفي، قال عنه الحافظ في ((ت)): صدوق عابد يخطئ كثيرًا، وقد تغير، من كبار (١) راجع تحفة الأحوذي جـ ٢ ص ٤٢ - ٤٤ . ١٩٩ - ٦ - رفع اليدين مدا - حديث رقم ٨٨٣ التاسعة مات سنة ١٨٩ . وقد ظهر هنا خطؤه حيث خالف الحفاظ من أصحاب ابن أبي ذئب، وهم يحيى القطان - كما عند المصنف، وأحمد، وأبي داود - ويزيد بن هارون، ومحمد بن عبد الله - كما عند أحمد - وعبيد الله ابن عبد المجيد - كما عند الترمذي - فصارت روايته منكرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت، وإليه أنيب. - ٢٠٠ شرح سنن النسائي - كتاب الافتتاح ٧ - فَرْضُ التَّكْبيرة الأولى أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على إيجاب التكبيرة الأولى في الصلاة . يقال: فَرَضَ الله الأحكام فَرْضًا: أوجبها. قاله الفيومي. فإضافة الفرض إلى التكبيرة من إضافة المصدر إلى مفعوله. وموضع الاستدلال قوله: (( فكبر))؛ حيث أمره بالتكبير، والأمر للإيجاب. والله تعالى أعلم. ٨٨٤ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حدَّثَنَا يَحْيِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعيد، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهَ: أنَّ رَسُولَ الله ◌َّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللهِعَهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ الله ◌َُّ، وَقَالَ: ((ارْجِعْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلَّ)، فَرَجَعَ، فَصَلَّى كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِّ ثَُّ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِلَّهُ:(وَعَلَيْكَ الْسَّلامُ، ارْجِعْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّات، فَقَالَ