Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ - ٥١ - العذر في ترك الجماعة - الحديث رقم ٨٥٣ ثم فيه نظر ؛ لأن المفسدتين إذا تعارضتا، اقتصر على أخفهما ، وخروج الوقت أشد من ترك الخشوع بدليل صلاة الخوف والغريق وغير ذلك ، وإذا صلى لمحافظة الوقت صحت مع الكراهة ، وتستحب الإعادة عند الجمهور . قال الجامع عفا الله عنه : في استحباب الإعادة نظر ؛ إذ لا دليل عليه ، فإن صلاة الخوف لم يشرع فيها الإعادة مع كونها صليت في حالة تنافي الخشوع. قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ الآية [التغابن: ١٦]. وادعى ابن حزم رحمه الله أن في الحديث دلالة على امتداد الوقت في حق من وضع له الطعام ، ولو خرج الوقت المحدود ، وقال مثل ذلك في حق النائم والناسي . قال الجامع : النصوص المذكورة لا تدلّ على ما ادعاه . والله أعلم. واستدل النووي وغيره بحديث أنس رضي الله عنه على امتداد وقت المغرب . واعترضه ابن دقيق العيد بأنه إن أريد بذلك التوسعة إلى غروب الشفق ففيه نظر ، وإن أريد به مطلق التوسعة ، فمسلم، ولكن ليس محل الخلاف المشهور، فإن بعض من ذهب إلى ضيق وقتها جعله مقدرًا بزمن يدخل فيه مقدار ما يتناول لقيمات يكسر بها سورة الجوع. واستدل به القرطبي على أن شهود صلاة الجماعة ليس بواجب ؛ : شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ٦٠٢ لأن ظاهره أنه يشتغل بالأكل ، وإن فاتته الصلاة في الجماعة، وفيه نظر؛ لأن بعض من ذهب إلى الوجوب كابن حبان، جعل حضور الطعام عذرًا في ترك الجماعة ، فلا دليل فيه حينئذ على إسقاط الوجوب مطلقًا . وفيه فضيلة الخشوع في الصلاة على فضيلة أول الوقت. واستدل بعض الشافعية والحنابلة بقوله: (( فابدؤوا)) على تخصيص ذلك بمن لم يشرع في الأكل ، وأما من شرع ، ثم أقيمت الصلاة ، فلا يتمادى ، بل يقوم إلى الصلاة . قال النووي رحمه الله: وصنیع ابن عمر يبطل ذلك، وهو الصواب . وتعقب بأن صنيع ابن عمر اختيار له، وإلا فالنظر إلى المعنى يقتضي ما ذكروه ؛ لأنه يكون قد أخذ من الطعام ما دفع شغل البال به ، ويؤيد ذلك حديث عمرو بن أمية رضي الله عنه ، قال : رأيت رسول الله ◌َّ يأكل ذراعًا يحتزّ منها، فدعي إلى الصلاة ، فقام ، فطرح السكين ، فصلى ، ولم يتوضأ . قال الجامع: لكن قال الزين ابن المُنَير رحمه الله: لعله ◌َّ أخذ في خاصة نفسه بالعزيمة ، فقدم الصلاة على الطعام، وأمر غيره بالرخصة ؛ لأنه لا يقوى على مدافعة الشهوة قوته ، (( وأيكم يملك أربه)). انتهى . وروى سعيد بن منصور ، وابن أبي شيبة بإسناد حسن ، عن ٦٠٣ _ ٥١ - العذر في ترك الجماعة - الحديث رقم ٨٥٣ أبي هريرة ، وابن عباس رضي الله عنهما: ((أنهما كانا يأكلان طعاماً، ثم وفي التنور شواء ، فأراد المؤذن أن يقيم ، فقال له ابن عباس : لا تعجل لئلا نقوم وفي أنفسنا منه شيء)). وفي رواية ابن أبي شيبة: ((لئلا يعرض لنا في صلاتنا))، وله عن الحسن بن علي، قال: ((العشاء قبل الصلاة يذهب النفس اللوامة )) . وفي هذا كله إشارة إلى أن العلة في ذلك تشوف النفس إلى الطعام، فينبغي أن يدار الحكم مع علته وجودًا وعدمًا، ولا يتقيد بكل، ولا بعض ، ويستثنى من ذلك الصائم ، فلا تكره صلاته بحضرة الطعام ، إذ الممتنع بالشرع لا يشغل العاقل نفسه به، لكن إذا غلب استحب له التحول من ذلك المكان. انتهى ((فتح))(١). قال الجامع عفا الله عنه: الأولى تعميم الحكم فيمن بدأ بالأكل ، ومن لم يبدأ به، لقوله تعمية فيما أخرجه الشيخان: (( إذا وضع عشاء أحدكم، وأقيمت الصلاة ، فابدؤوا بالعشاء ، ولا يعجل حتى يفرغ منه)). وقوله: (( إذا كان أحدكم على الطعام ، فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه ، وإن أقيمت الصلاة)) ، فهذا نص واضح فيمن بدأ ، ومن لم يبدأ ، فتبصر . والله تعالى أعلم . فائدتان : الأولى : قال ابن الجوزي رحمه الله : ظن قوم أن هذا من باب تقديم حق العبد على حق الله ، وليس كذلك ، وإنما هو صيانة لحق (١) جـ ٢ ص ٣٨٤ - ٣٨٥. - ٦٠٤ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة الحق ، ليدخل في عبادته بقلوب مقبلة ، ثم إن طعام القوم كان شيئًا يسيرًا لا يقطع عن لحاق الجماعة غالبًا . الثانية: قال الحافظ العراقي رحمه الله في ((شرح الترمذي)): ما يقع في بعض كتب الفقه: ((إذا حضر العشاء والعشاء، فابدؤوا بالعَشَاء)) لا أصل له في كتب الحديث بهذا اللفظ . انتهى . قال الحافظ رحمه الله : لكن رأيت بخط الحافظ قطب الدين أن ابن أبي شيبة أخرج عن إسماعيل ، وهو ابن علية ، عن ابن إسحاق ، قال: حدثني عبد الله بن رافع، عن أم سلمة مرفوعًا: ((إذا حضر العَشَاء ، وحضرت العشاء، فابدأوا بالعَشاء)). فإن كان ضبطه ، فذاك . وإلا فقد رواه أحمد في مسنده عن إسماعيل بلفظ: (( وحضرت الصلاة)) ، ثم راجعت ((مصنف ابن أبي شيبة)) ، فرأيت الحديث فيه كما أخرجه أحمد. والله تعالى أعلم . انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى(١). المسألة الخامسة : ذكر الإمام الحافظ أبو حاتم ابن حبان رحمه الله تعالى الأعذار التي تسقط فرض الجماعة ، فقال : وأما العذر الذي يكون المتخلف عن إتيان الجماعات به معذوراً ، فقد تتبعته في السنن كلها ، فوجدتها تدل على أن العذر عشرة أشياء. اهـ . وهاك خلاصة ما قاله رحمه الله تعالی : (١) (فتح)) جـ٢ ص٣٨٥ . أ ٦٠٥ _ ٥١ - العذر في ترك الجماعة - الحديث رقم ٨٥٣ الأول : المرض الذي لا يقدر المرء معه أن يأتي الجماعات ، لحديث أنس رضي الله عنه في كونه ◌َّ كشف الستارة ، والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله عنه ، فأراد أبو بكر أن يرتد ، فأشار إليهم أن امكثوا، وألقى السِّجْفَ ... (١). الثاني : حضور الطعام ، لحديث الباب . الثالث : النسيان الذي يعرض في بعض الأحوال ، لحديث أبي قتادة رضي الله عنه في نومهم عن صلاة الصبح (٢) . الرابع: السِّمَن المفرط الذي يمنع المرء من حضور الجماعات ، لحديث أنس رضي الله عنه ، قال : قال رجل من الأنصار - وكان ضخمًا - للنبي ◌َّ: إني لا أستطيع الصلاة معك، فلو أتيت منزلي ، فصليت فيه ، فأقتدي بك ، فصنع له الرجل طعامًا ، ودعاه إلى بيته ، فبسط له طرف حصير لهم، فصلى عليه ركعتين ... (٣) . الخامس: وجود المرء حاجة الإنسان في نفسه - يعني البول والغائط - لحديث عبد الله بن الأرقم المذكور في الباب . والمراد أن يؤذيه ذلك بحيث يشغله عن الصلاة ، لا ما لا يتأذى به ، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ثمّة: (( لا يصل أحدكم ، وهو (١) سيأتى للمصنف ٧/ ١٨٣١. (٢) تقدم للمصنف ٤٧ / ٨٤٦ . (٣) أخرجه ابن حبان ، وأخرج البخاري في صحيحه نحوه. شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ٦٠٦ يدافعه الأخبثان))(١) . السادس: خوف الإنسان على نفسه وماله في طريقه إلى المسجد. لحديث عتبان بن مالك(٢) . السابع: وجود البرد الشديد المؤلم. لحديث ابن عمر رضي الله عنهما ، أنه وجد ذات ليلة بردًا شديدًا، فأذَّنَ مَنْ مَعَه ، فصلوا في رحالهم، وقال : إني رأيت رسول الله تَّه إذا كان مثل هذا أمر الناس أن يصلوا في رحالهم (٣) . الثامن: وجود المطر المؤذي ؛ لحديث ابن عمر أيضًا ، قال : إن رسول الله عَّة كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول : ((ألا صلوا في الرحال)) (٤) . التاسع: وجود العلة التي يخاف المرء على نفسه العَثْرَ منها ؛ لحديث ابن عمر أيضًا ، قال: كنا إذا كنا مع رسول الله تَّ في سفر، فكانت ليلة ظلماء ، أو ليلة مطيرة، أذن مؤذن رسول الله مث ، أو نادى مناديه، أن صلوا في رحالكم(٥) . (١) رواه ابن حبان بإسناد قوي جـ ٥ ص٤٢٨. (٢) تقدم للمصنف ١/ ٧٨٨. (٣) رواه ابن حبان في صحيحه. (٤) تقدم للمصنف ١٧ / ٦٥٤ . (٥) رواه ابن حبان في صحيحه ، وتقدم نحوه للمصنف من حديث رجل من ثقيف . ٠٦٥٣/١٧ ----- ٦٠٧ - ٥١ - العذر في ترك الجماعة - الحديث رقم ٨٥٤ العاشر : أكْلُ الثوم والبصل إلى أن يذهب ريحها. لحديث : ((من أكل من هذه الشجرة الخبيثة، فلا يقربن مصلانا حتى يذهب ريحها))(١). انتهى ما ذكره ابن حبان في صحيحه من أعذار سقوط فرض الجماعة حسبما دلت عليه الأحاديث الصحيحة بالاختصار(٢) . والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٨٥٤ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَنَادَةَ ، عَنْ أَبِي المَلِيحِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ عَهُ بِحُنَيْنِ، فَأَصَابَنَا مَطَرٌ ، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِعَه(( أَنَّ صَلُوا فِي رِحَالِكُمْ)) . رجال هذا الإسناد : ستة ١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزي البصري ، ثقة حافظ ، مات سنة ٢٥٢ ، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨/٦٤. ٢ - (محمد بن جعفر) أبو عبد الله البصري المعروف بغُنْدَر ، ثقة صحيح الكتاب ، مات سنة ١٩٣ ، من [٩]، أخرج له الجماعة ، تقدم في ٢١ / ٢٢ . (١) أخرجه أحمد ، وأبو داود ، وابن حبان. (٢) راجع صحيح ابن حبان جـ٥ ص ٤١٧ -٤٣٩ بتحقيق شعيب الأرنؤوط. - ٦٠٨ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة ٣ - (شعبة بن الحجاج) البصري الإمام الحجة الثبت ، من [ ٧]، تقدم في ٢٤/ ٢٦ . ٤ - (قتادة) بن دعامة السَّدُوسيّ ، ثقة ثبت ، مات سنة بضعة عشر ومائة، تقدم في ٣٠ / ٣٤ . ٥ - (أبو المليح) بن أسامة بن عمير ، أو عامر بن حنيف بن ناجية الهذلي ، اسمه عامر ، وقيل : زيد . وقيل : زياد ، ثقة ، مات سنة ٩٨، وقيل: غير ذلك، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٢/ ١٣٩ . ٦ - (أسامة بن عمير) بن عامر بن الأقيش الهُذَلي البصري رضي الله عنه، صحابي تفرد بالرواية عنه ولده، تقدم في ١٠٢/ ١٣٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من سداسيات المصنف ، وأن رجاله كلهم ثقات ، وأنهم من رجال الجماعة ، إلا الصحابي ، فما أخرج له الشيخان . ومنها : أنه مسلسل بالبصريين . ومنها : أن شيخه أحد مشايخ الستة . ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي، ورواية الابن عن أبيه . والله تعالى أعلم . : م ٦٠٩ - ٥١ - العذر في ترك الجماعة - الحديث رقم ٨٥٤ شرح الحديث (عن أبي المليح) تقدم الخلاف في اسمه ( عن أبيه) أسامة بن عمیر الهذلي رضي الله عنه ، أنه (قال: کنا مع رسول الله ﴾. بحنين) وفي رواية ابن أبي شيبة: ((عام الحديبية، أو حنين))، وفي رواية لابن حبان من طريق أبي قلابة ، عن أبي المليح: ((زمن الحديبية)) ( فأصابنا مطر، فنادى منادي رسول الله عَّي أن صلوا في رحالكم) ((أن)) يحتمل أن تكون تفسيرية ، ويحتمل أن تكون مصدرية، فتكون الجملة في تأويل المصدر مجرورة بحرف جر مقدر ، أي بالصلاة . و((الرحال)) بالكسر جمع رَحْل بفتح ، فسكون . قال الفيومي رحمه الله : وَرَحْلُ الشخص: مأواه في الحضر ، ثم أطلق على أمتعة المسافر؛ لأنها هناك مأواه . انتهى(١) . ثم إن هذا النداء يحتمل أن يكون في خلال الأذان ، وأن يكون بعده . فقد أخرج الشيخان عن عبد الله بن الحارث ، قال : خطبنا ابن عباس في يوم رَدْغٍ (٢) ، فلما بلغ المؤذن حي على الصلاة ، فأمره أن ينادي: ((الصلاة في الرحال)) ، فنظر القوم بعضهم إلى بعض ، فقال : فعل هذا من هو خير منه ، وإنها عزمة . (١) المصباح جـ١ ص ٢٢٢. (٢) الردغ ، ويقال الرزغ: الطين القليل من مطر، أو غيره . وقيل : الردغة : الوحل ، والرزغة أشد منها . ٦١٠ -- شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة وأخرجا أيضًا عن نافع، قال : أذن ابن عمر في ليلة بادرة بضجنان(١) ، ثم قال : صلوا في رحالكم، فأخبرنا أن رسول الله څ} كان يأمر مؤذنًا يؤذن، ثم يقول على إثره: ((ألا صلوا في الرحال)) في الليلة الباردة ، أو المطيرة في السفر . وتقدم للمصنف رحمه الله برقم ١٧ / ٦٥٤. قال في ((الفتح)): قوله: فلما بلغ ((حي على الصلاة))، فأمره . كذا فيه، وكأن فيه حذفًا ، تقديره أراد أن يقولها ، فأمره ، ويؤيده رواية ابن علية: ((إذا قلت أشهد أن محمداً رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة )) . وبوب عليه ابن خزيمة ، وتبعه ابن حبان ، ثم المحب الطبري [ حذفُ حي على الصلاة في يوم المطر] وكأنه نظر إلى المعنى ؛ لأن معنى ((حي على الصلاة)): هلموا إليها، ومعنى ((الصلاة في الرحال))، و((صلوا في بيوتكم)): تأخروا عن المجيء، ولا يناسب إيراد اللفظين معًا؛ لأن أحدهما نقيض الآخر . ويمكن الجمع بينهما ، ولا يلزم منه ما ذكر بأن يكون معنى (( الصلاة في الرحال)) رخصة لمن أراد أن يترخص ، ومعنى هلموا إلى الصلاة ندب لمن أراد أن يستكمل الفضيلة ، ولو تحمل المشقة ، ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم ، قال: خرجنا مع رسول الله عَّه في سفر ، فمطرنا ، فقال : « ليصل من شاء منکم في رحله )) . (١) بفتح الضاد المعجمة ، وسكون الجيم: جبل بناحية مكة. اهـ فتح. ٦١١ _ ٥١ - العذر في ترك الجماعة - الحديث رقم ٨٥٤ وقال النووي: في حديث ابن عباس أن هذه الكلمة تقال في نفس الأذان . وفي حديث ابن عمر أنها تقال بعده ، قال : والأمران جائزان، كما نص عليه الشافعي، لكن بعده أحسن ليتم نظم الأذان ، قال : ومن أصحابنا من يقول : لا يقوله إلا بعد الفراغ ، وهو ضعيف مخالف لصريح حديث ابن عباس . انتهى . وكلامه يدل على أنها تزاد مطلقًا ، إما في أثنائه ، وإما بعده ، لا أنها بدل من (( حي على الصلاة)) . وقد تقدم عن ابن خزيمة ما يخالفه ، وقد ورد الجمع بينهما في حديث آخر ، أخرجه عبد الرزاق ، وغيره بإسناد صحيح عن نعيم بن النحام ، قال: أذن مؤذن النبي تميّ للصبح في ليلة باردة ، فتمنيت لو قال : ومن قعد فلا حرج ، فلما قال : الصلاة خير من النوم ، قالها. انتهى ما في ((الفتح)) بتصرف(١). قال الجامع عفا الله عنه : الظاهر جواز الثلاثة ، لصحة الأدلة ، فيجوز أن يكون بعد الأذان ، كما دل عليه حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، وأن يكون فيه ، إما بدلاً من (( حي على الصلاة)) كما دل عليه حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، وإما معه کما دل عليه حديث جابر رضي الله عنه . والله تعالى أعلم . وفي هذا الحديث أن المطر عذر من الأعذار المبيحة للتخلف عن - (١) انتهى منقولاً من موضعين بتصرف جـ٢ ص ٣٠٥. وص ٣٢٣. - ٦١٢ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة الجماعة ، وقد تقدم في حديث ابن عمر: ((ألا صلوا في الرحال)) في الليلة الباردة ، أو المطيرة ، في السفر . قال الحافظ رحمه الله: (( أو)) للتنويع، لا للشك . وفي صحيح أبي عوانة: ((ليلة باردة ، أو ذات مطر، أو ذات ريح)). ودل ذلك على أن الثلاثة عذر في التأخر عن الجماعة . ونقل ابن بطال فيه الإجماع، لكن المعروف عند الشافعية أن الريح عذر في الليل فقط . وظاهر الحديث اختصاص الثلاثة بالليل ، لكن في السنن من طريق ابن إسحاق، عن نافع في هذا الحديث : (( في الليلة المطيرة ، والغداة القُرَّة)». وفيها بإسناد صحيح من حديث أبي المليح ، عن أبيه: (( أنهم مطروا يومًا ، فرخص لهم . قال : ولم أر في شيء من الأحاديث الترخص بعذر الريح في النهار صريحًا ، لكن القياس يقتضي إلحاقه . وقد نقله ابن الرفعة وجهًا . وقوله: (( في السفر )) ظاهره اختصاص ذلك بالسفر ، ورواية مالك ، عن نافع الآتية في أبواب صلاة الجماعة مطلقة ، وبها أخذ الجمهور ، لكن قاعدة حمل المطلق على المقيد تقتضي أن يختص ذلك بالمسافر مطلقًا ، ويلحق به من تلحقه بذلك مشقة في الحضر ، دون من لا تلحقه . والله أعلم. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى(١). والله تعالى أعلم، وهو المستعان ، وعليه التكلان . (١) فتح جـ ٢ ص ٣٢٣ - ٣٢٤ . ٦١٣ - ٥١ - العذر في ترك الجماعة - الحديث رقم ٨٥٤ مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حديث أبي المليح ، عن أبيه رضي الله عنه هذا صحيح . المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا ٨٥٤/٥١، وفي ((الكبرى)) ٩٢٧/٥١ بالسند المذكور. 1 المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه أبو داود في ((الصلاة)) عن محمد بن كثير ، عن همام ، عن قتادة ، عن أبي المليح ، عن أبيه ، وعن نصر بن علي ، عن سفيان بن حبيب . وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن إسماعيل بن إبراهيم ، كلاهما عن خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن أبي المليح ، عن أبيه . وأحمد ، جـ٥ ص ٧٤ و٧٥ . وابن خزيمة رقم ١٦٥٧ و١٦٥٨ . والله تعالى أعلم . إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت ، وإليه أنيب . ---- -- -- **-* * ٦١٤ - شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة ٥٢ - حَدّ إِدْرَكَ الجَمَاعَة أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على حد إدراك فضل صلاة الجماعة لمن توجه إلى المسجد لأداء الصلاة جماعة . والحدّ : هو الحاجز بين الشيئين ، ومُنتهى الشيء . قاله في ((ق)). والمراد به هنا أن من فعل ما ذكر في الحديث من إحسان الوضوء، ثم الخروج إلى المسجد ، بقصد أداء الصلاة جماعة ، أدرك فضل الجماعة، وإن انتهى الناس من الصلاة ، ومن لم يفعل ذلك لم يدركه ، فالفعل المذكور حدّ للإدراك ، ونهاية له . والله تعالى أعلم . ٨٥٥ - أخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ طَخْلَاءَ، عَنْ مُحْصِنِ بْنِ عَلِيِّالغِهْرِيِّ، عَنْ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُول اللَّهِعَثُ، قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى المَسْجِد، فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوا، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ أَجْر مَنْ حَضَرَهَا ، وَلَا يَنْقُصُ ذَلَكَ مِنْ أجُورِهِمْ شَيْئًا)» . ----..... "- ٦١٥ _ ٥٢ - حد إدراك الجماعة - حديث رقم ٨٥٥ رجال هذا الإسناد : ستة ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي ابن راهويه ، ثقة حافظ حجة، من [١٠]، تقدم في ٢/٢ . ٢ - (عبد العزيز بن محمد) بن عبيد الدراوردي ، أبو محمد الجُهَني مولاهم المدني ، صدوق ، مات سنة ١٨٦ وقيل غير ذلك ، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٤ / ١٠١. ٣ - (ابن طَحْلاء)(١) هو محمد بن طحلاء المدني ، صدوق ، من [٧]. مولى غطفان ، ويقال: مولى بني ليث . وقال ابن حبان: يكنى أبا صالح . وقال غيره: أبو صالح كنية طحلاء . قال أبو حاتم : ليس به بأس . وذكره ابن حبان في الثقات . له عند أبي داود ، والنسائي حديث الباب فقط . ٤ - (مُحصن(٢) بن علي الفهري) المدني ، مستور ، من [٦]. ٥ ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يروي المراسيل . وقال أبوالحسن القطان الفاسي: مجهول الحال . أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي. ٥ - (عوف بن الحارث) بن الطفيل بن سَخْبَرَةَ(٣) بن جرثومة (١) ((طحلاء)) - بفتح الطاء، وسكون الحاء المهملتين. اهـ (ت). (٢) بضم أوله، وسكون ثانيه، وكسر الصاد المهملة. اهـ (ت)) ص ٣٣٠ . (٣) بفتح المهملة ، وسكون المعجمة، بعدها موحدة. اهـ (ت)). ص ٢٦٧. - ٦١٦ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة الأزدي، رضيع عائشة ، وابن أخيها لأمها ، مقبول ، من [٣]. ذكره ابن حبان في الثقات. أخرج ه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه . ٦ - (أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في ١/١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف ، وأن رجاله كلهم موثقون ، وأنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه ، فمروزي ، ثم نيسابوري ، وفيه أبو هريرة من المكثرين السبعة . والله تعالى أعلم . شرح الحديث (عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله عَّه) أنه (قال: من توضأ) ((من)) شرطية، جوابها: ((كتب)) (فأحسن الوضوء) باستکمال فرائضه ، ومستحباته ( ثم خرج) أي من مکانه ( عامداً إِلی المسجد) أي قاصدًا له . يقال: عَمَدْت للشيء عَمْدًا ، وعمدت إليه: قصدت ، وتعمدته : قصدت إليه أيضًا . قاله الفيومي(١). (فوجد الناس قد صلوا) جملة ((قد صلوا)) في محل نصب على الحال من المفعول ؛ لأن ((وجد)) هنا بمعنى صادف، فلا تتعدى إلا إلى مفعول واحد ، وهو (( الناس)) ، أي صادفهم حال كونهم مصلين تلك (١) المصباح جـ ٢ ص٤٢٨ . ٦١٧ _ ٥٢ - حد إدراك الجماعة - حديث رقم ٨٥٥ الصلاة التي توجه إليها ( كتب الله له مثل أجر من حضرها) أي من حضر تلك الصلاة من أولها ، فصلاها جماعة . وفي رواية أبي داود ((أعطاه الله عز وجل مثل أجر من صلاها وحضرها)). والمعنى أن الله تعالى يكتب للذي جاء يريد الصلاة جماعة بعد انقضائها أجرًا مثل أجر من حضرها . والمراد أجر واحد من الحاضرين، لا أجر كلهم ، فلا يلزم تفضيله على من حضرها . وقال السندي رحمه الله : ظاهره أن إدراك فضل الجماعة يتوقف على أن يسعى لها بوجهه ، ولا يقصر في ذلك ، سواء أدركها ، أم لا ، فمن أدرك جزءًا منها ، ولو في التشهد ، فهو مدرك بالأولى ، وليس الفضل والأجر مما يعرف بالاجتهاد ، فلا عبرة بقول من يخالف قوله الحديث في هذا الباب. اهـ(١). (ولا ينقص) بفتح الياء من باب قتل ، قال الفيومي رحمه الله : ونقصته يتعدى ، ولا يتعدى ، هذه هي اللغة الفصيحة ، وبها جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿يَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]، وقوله ء تعالى: ﴿غَيْرَ مَنقَوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]. وفي لغة ضعيفة يتعدى بالهمزة والتضعيف ، ولم يأت في كلام فصيح ، ويتعدى أيضًا بنفسه إلى مفعولين، فيقال : نقصت زيداً حقه. اهـ باختصار (٢). (١) شرح السندي جـ ٢ ص ١١١ - ١١٢. (٢) المصباح جـ ٢ ص ٦٢١ . - ٦١٨ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة (ذلك من أجورهم شيئًا) اسم الإشارة فاعل ((ينقص)) و ((من أجورهم)) متعلق به ، و (( شيئًا)) مفعوله . يعني أن أجر ذلك الرجل لا ينقص من أجور من حضر تلك الصلاة، فصلاها جماعة ، بل يُعْطَى كُلُّ واحد من الحاضرين ، وهذا الذي جاء بعد الصلاة ، فصلاها وحده أجرًا كاملاً ، لكمال فضل الله تعالى، وسعة رحمته ، والله سبحانه وتعالى أعلم ، وهو المستعان ، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا صحيح . المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا ٨٥٥/٥٢، وفي ((الكبرى)) ٩٢٨/٥٢ بالسند المذكور. المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه أبو داود في ((الصلاة)) عن القعنبي، عن الدراوردي بسند المصنف . المسألة الرابعة: في فوائده: منها : ما بوب له المصنف رحمه الله ، وهو أن من توجه إلى المسجد ، وقد أحسن وضوءه ، فقد نال أجر الجماعة، وإن وجد الناس قد انتهوا من الصلاة . ! ٦١٩ _ ٥٢ - حد إدراك الجماعة - حديث رقم ٨٥٦ ومنها : بيان عظم شأن صلاة الجماعة . ومنها : فضل من أتم الوضوء باستكمال الواجبات، والمستحبات. ومنها : بيان فضل الله تعالى ، وسعة كرمه؛ حيث يثيب كُلاًّ بثواب كامل ، فلا يزاحم أحد أحدًا فيه ، وإن اشتركوا في نوع العمل ، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٤]. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٨٥٦ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، قَالَ : أخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارث، أنَّالْحُكَيمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيَّ حَدَّثَّهُ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُيٍْ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَاهُ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُمَا، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَهُ يَقُولُ: ((مَنْ تَوَضَّأْ الصَّلاة ، فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، فَصَلَّهَا مَعَ النَّاسِ ، أَوْ مَعَ الْجَمَاعَةِ، أَوْ فِي المَسْجِد ، ٠٠ غُفرَ لَهُ ذُنُوبُهُ )) . . ٦٢٠ - شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة رجال هذا الإسناد : تسعة ١ - (سليمان بن داود) بن حماد المَهْريّ ، أبو الربيع المصري ، ابن أخي رشْدين بن سَعْد ، ثقة ، مات سنة ٢٥٣، من [١٠]، أخرج له أبو داود، والنسائي ، تقدم في ٦٣/ ٧٩ . ٢ - (ابن وهب) عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم ، أبو محمد المصري الفقيه ، ثقة حافظ عابد ، مات سنة ١٩٧ ، من [٩] ، أخرج له الجماعة ، تقدم في ٩/ ٩ . ٣ - (عمرو بن الحارث ) بن يعقوب الأنصاري مولاهم ، أبو أيوب المصري ، ثقة فقيه حافظ ، مات قبل سنة ١٥٠ ، من [ ٧] . أخرج له الجماعة . تقدم في ٧٩/٦٣ . ٤ - ( الحُكَيم(١) بن عبد الله القرشي) المُطَّلبي ، نزيل مصر، صدوق ، مات سنة ١١٨، من [٤]. أخرج له مسلم ، والأربعة. تقدم في ٣٨ / ٦٧٩ . ٥ - ( نافع بن جبير) بن مطعم النوفلي، أبو محمد أو أبو عبد الله المدني ، ثقة فاضل ، مات سنة ٩٩ ، من [٣]، أخرج له الجماعة ، تقدم في ٩٦/ ١٢٤ . ٦ - (عبد الله بن أبي سلمة) الماجشون التيمي مولى آل المنكدر، (١) بضم المهملة مصغرًاً.