Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١ _
٥٠ - المحافظة على الصلوات حيث ينادى بهن - حديث رقم ٨٥١
ومنها : أن العمى ليس عذرًا يسقط الجماعة ، وإن لم يجد قائدًا ،
والظاهر أن هذا فيما إذا كان يعرف طريق المسجد ، ولا يخاف عليه من
الهلاك .
ومنها : أن من سمع النداء لا يجوز له أن يتخلف إلا بعذر .
ومنها : وجوب إجابة المؤذن بالفعل ، كما يجب بالقول ،
لحديث: ((إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن )) متفق عليه .
والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٨٥١ - أخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أبِي الزَّرْقَاء، قَالَ: حَدَّثَنَا
أبي، قَالَ : حَدَّقْنَا سُفْيَانُح وَآخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّد
أبْن إِسْحَاقَ ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابسٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ ابْنِ أمِّ مَكْتُومٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه
إِنَّ المَدِينَةَ كَثِيرَةُ الهَوَامِ وَالسِّبَاعِ، قَالَ: ((هَلْ تَسْمَعُ حَيَّ
عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ؟ )) قَالَ: نَعَمْ ، قَال:
(فَحَيَّ هَلاً))، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ .

٥٨٢
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
رجال هذا الإسناد : ثمانية
١ - (هارون بن زيد (١) بن أبي الزرقاء) التغلبي ، أبو محمد
الموصلي ، نزيل الرملة ، صدوق ، من [١٠].
قال أبو حاتم : صدوق . وقال النسائي : لا بأس به . وذكره ابن
حبان في ((الثقات)). وقال مسلمة بن قاسم: ثقة . مات بعد ٢٥٠ ،
روى عنه أبو داود ، والمصنف .
٢ - (زيد بن أبي الزرقاء) يزيد التغلبي (٢)، أبو محمد الموصلي ،
نزيل الرملة، ثقة ، من [٩].
قال ابن معين : ليس به بأس ، كان عنده ((جامع سفيان)) ، رأيته
بمكة، وقال ابن عمار الموصلي : لم أر مثل هؤلاء الثلاثة في الفضل :
المعافى بن عمران ، وزيد بن أبي الزرقاء ، وقاسم الجرمي . وذكره ابن
حبان في ((الثقات)) ، وقال : يغرب ، وحكي في اسم أبيه بُريد - بالراء ،
والموحدة أيضًا .
وقال أحمد بن أبي رافع : كان زيد يُلْقي ما في الحديث من غلط
وشك ، ويحدث بما لا يشك فيه . وقال أبو زكريا الأزدي في الطبقة
(١) وقع في النسخة الهندية: هارون بن يزيد ، والصواب ما هنا .
(٢) في ((تت)) جـ٣ ص ٤١٣ - ٤١٤: الثعلبي بالثاء المثلثة، والعين المهملة، وفي ((تك)):
التغلبي بالمثناة الفوقية، والغين المعجمة، وهو الصواب، قال : كان زيد بن أبي الزرقاء
ينتمي إلى بني تغلب . اهـ جـ ١٠ ص٧٤.

٥٨٣ _
٥٠ - المحافظة على الصلوات حيث ينادى بهن - حديث رقم ٨٥١
الثالثة من أهل الموصل : ومنهم زيد بن يزيد بن أبي الزرقاء الثعلبي من
أهل الفضل والنسك ، خرج من الموصل إلى الرملة مهاجرًا لفتْنَة،
كانت فيها سنة ١٩٣ ، ومات هناك سنة ١٩٤، وقال أحمد بن صالح:
ليس به بأس . وقال أبو حاتم : ثقة ، وكذا قال ابن معين في رواية
الدوري . أخرج له أبو داود، والمصنف .
٣ - (عبد الله بن محمد بن إِسحاق) الجزري، أبو عبد الرحمن
الأَذْرَمي(١) الموصلي، ثقة، من [١٠]، أخرج له أبو داود ، والنسائي،
تقدم في ٦/ ٥٠٣ .
٤ - (قاسم بن يزيد(٢)) الجَرْمي(٣) أبو يزيد الموصلي، ثقة عابد،
مات سنة ١٩٤، من [٩]، أخرج ه أبو داود في ((مراسيله))، والنسائي.
تقدم في ١٠٢ / ١٣٥.
٥ - (سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، الإمام الحجة الثبت،
مات سنة ١٦١، من [٧]، أخرج له الجماعة. تقدم في ٣٧/٣٣.
٦ - (عبد الرحمن بن عابس) بن ربيعة النخعي الكوفي ، ثقة ،
(١) بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة، وفتح الراء، آخره ميم: نسبة إلى أَذْرَمَةَ، قرية
عند نَصيبين، من الجزيرة . اهـ اللباب ج١ ص٣٨ .
(٢) هكذا في النسخة ((الهندية)) و((الكبرى)): ((يزيد)) وهو الصواب ، ووقع في بعض
نسخ (المجتبى)): ((بن زيد))، بدلاً من يزيد، وهو خطأ . فتنبه.
(٣) بفتح الجيم، وسكون الراء: نسبة إلى قبيلة من طيء. قاله في اللباب جـ٢ ص٢٧٣ .
٢٧٤ .
1

- ٥٨٤
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
مات سنة ١١٩، من [٤].
قال ابن معين ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي، والعجلي: ثقة.
وذكره ابن حبان في ((الثقات)). ووثقه ابن نمير، وابن وضاح. وقال
الصريفيني: مات سنة ١١٩، أخرج له الجماعة إلا الترمذي .
٧ - (عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري المدني ، ثم الكوفي،
ثقة، مات سنة ٨٦، من [٢]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٤/٨٦.
٨ - (ابن أم مكتوم) عمرو بن زائدة ، أو ابن قيس بن زائدة،
ويقال : زياد القرشي العامري الأعمى الصحابي المشهور ، قديم
الإسلام، ويقال: اسمه عبد الله، ويقال: الحصين، كان النبي تَ ﴾.
استخلفه على المدينة ، مات في آخر خلافة عمر رضي الله عنهما ، تقدم
في ٩/ ٦٣٧ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سداسيات المصنف ، وأن رجاله ثقات .
ومنها : أن فيه كتابة (ح) إشارة إلى تحويل السند ، فللمصنف في
هذا الحديث سندان ، أحدهما: هارون بن زيد بن أبي الزرقاء ، عن أبيه ،
والثاني: عبد الله بن محمد بن إسحاق ، عن قاسم بن يزيد ، وكلاهما
يرويان عن سفيان الثوري ، وقد تقدم الكلام على مثل هذا غير مرة .

٥٨٥ _
٥٠ - المحافظة على الصلوات حيث ينادى بهن - حديث رقم ٨٥١
ومنها : أن فيه روايةً تابعي عن تابعي . والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عن ابن أم مكتوم) رضي الله عنه ( أنه قال : یا رسول الله، إِن
المدينة كثيرة الهوام) يعني وأخشى منها الأذى ، فهل يرخص لي في
التأخر عن الجماعة .
والهوام ، جمع هامّة كدابّة ودوابٌ ، وهي ما له سم يقتل ،
كالحية، قاله الأزهري ، وقد تطلق على ما لا يقتل ، كالحشرات ، ومنه
حديث كعب بن عجرة ، وقد قال له عليه الصلاة والسلام: ((أيؤذيك
هوامّ رأسك)) ، والمراد القمل على الاستعارة بجامع الأذى . قاله
الفيومي(١) . والمراد هنا المعنى الأول .
(والسباع) جمع سبع بفتح المهملة ، وضم الموحدة ، مثل رجل
ورجال ، حيوان معروف ، وإسكان الباء لغة حكاها الأخفش، وغيره،
وهي الفاشية عند العامة، وقرئ بهما قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَكَلَ السَّبْعُ﴾
الآية [المائدة: ٣]. وجمعه على لغة السكون في القلة أسْبُع ، مثل فلس
وأفلس ، ويقع السبع علی کل ما له ناب یعدو به، ويفترس كالذئب ،
والفهد ، والنمر ، وأما الثعلب، فليس بسبع ، وإن كان له ناب ؛ لأنه
(١) المصباح جـ٢ ص ٦٤١ .

شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
- ٥٨٦
لا يَعْدُو، ولا يَفْتَرس، وكذلك الضبع، قاله الأزهري(١). وهذا
٠
الإطلاق الثاني هو المراد هنا .
(قال) تَّهُ: (هل تسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح؟)
وأراد به الأذان ، وخص هذين اللفظين بالذكر لما فيهما من معنى
الطلب .
وأخرج أبو داود بسنده عن عاصم بن بهدلة ، عن أبي رزين ، عن
ابن أم مكتوم ، أنه سأل النبي ◌َّه ، فقال : يا رسول الله ، إني رجل
ضرير شاسع الدار ، ولي قائد لا يلائمني ، فهل لي رخصة أن أصلي
في بيتي؟ قال: ((هل تسمع النداء؟)) قال: نعم. قال: (( لا أجد لك
رخصة)) .
(قال) ابن أم مكتوم رضي الله عنه (نعم) أسمع ذلك
(قال) تَّ: (فَحَيَّ هَلاَ) بالتنوين ، وجاء بالألف بلا تنوين ،
وبسكون اللام. قاله السندي . وقال بعضهم : يجوز في حي هل
سكون اللام وفتحها مع التنوين ، وبغير تنوين ، ويجوز رسمها
كلمتين ، وكلمة واحدة .
قال الخطابي رحمه الله : كلمة حث واستعجال . وقال في
((النهاية)): هما كلمتان، جعلتا كلمة واحدة، فـ((حيّ)) بمعنى ((أقبل))،
(١) أفاده في المصباح جـ١ ص٢٦٤.
أ
----

٥٠ - المحافظة على الصلوات حيث ينادى بهن - حديث رقم ٨٥١
-٥٨٧ -
و(هلا)) بمعنى أسرع وقال في ((مرقاة الصعود)): وفي ((شرح المفصل)):
هو اسم من أسماء الأفعال مركب من ((حيّ)) و((هلا))، وهما صوتان ،
معناهما الحث ، والاستعجال ، وجمع بينهما ، وسمي بهما للمبالغة ،
وكان الوجه أنه لا ينصرف، كحضرموت، وبعلبك، إلا أنه قد وقع
موقع فعل الأمر ، فبني ، كصَهْ ، ومَهْ ، وتارة يستعمل حيّ وحده ،
نحو: حي على الصلاة ، وتارة هلا وحدها ، واستعمال حيّ وحده
أكثر. انتهى(١) .
(ولم يرخص له) أي لم يسهل له في التخلف عن الجماعة بسبب
ما ذكره من كون المدينة كثيرة الهوام والسباع؛ حيث علم عَّ أنه لا
يلحقه منها ضرر ، فلم يجعلها من الأعذار المبيحة للتخلف عن
الجماعة .
وفيه أن مجرد العمى ليس عذراً في التخلف عن الجماعة ، إلا إذا
شق عليه ، وتحقق الضرر ، كأن يكون هناك سيل ، أو بئر يخاف عليه
التردي فيه، أو نحو ذلك. والله سبحانه وتعالى أعلم ، وهو المستعان،
وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث ابن أم مكتوم رضي الله عنه هذا صحيح .
(١) انظر المنهل جـ٤ ص ٢٤٣.
- -

- ٥٨٨
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا ٥٠/ ٨٥١، وفي ((الكبرى)) ٩٢٤/٥٠ بالسند المذكور .
قال الجامع عفا الله عنه : أشار الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه
الله تعالى إلى أن النسائي قال بعد تخريجه لهذا الحديث : قد اختلف
على ابن أبي ليلى في هذا الحديث ، فرواه بعضهم عنه مرسلاً . انتهى
((تحفة الأشراف)) جـ ٨ ص١٧١ . وكذا عزا الكلام إلى النسائي الحافظ
المنذري في مختصر أبي داود جـ ٢ ص٢٩٢ .
قال الجامع : لكن لم أجد هذا الكلام فيما عندي من نسخ
((المجتبى))، ولا ((الكبرى))، ولا أدري في أيّ باب ذكره . والله أعلم .
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه أبو داود في ((الصلاة)) عن هارون بن زيد بن أبي الزرقاء ،
عن أبيه ، عن سفيان ، عن عبد الرحمن بن عابس ، عن عبد الرحمن
بن أبي ليلى، عنه . وفوائد الحديث تعلم مما سبق ، والله تعالى أعلم .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .

٥٨٩ -
٥١ - العذر في ترك الجماعة - الحديث رقم ٨٥٢
٥١ - الْعُذْرُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَة
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على ترك الصلاة جماعة في
المسجد بسبب عذر يمنع من الحضور . والأعذار التي ثبت في الأحاديث
أنها تسقط فرض الجماعة عشرة أشياء ، كما تتبعها ابن حبان رحمه الله،
وسيأتي عدها في المسألة الخامسة من الحديث الثاني إن شاء الله تعالى.
٨٥٢ - أخْبَرَنَا قُتَّبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ
أبيه ، أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أرْقَمَ كَانَ يَؤُمُّ أَصْحَابَهُ ، فَحَضَرَت
الصَّلاَةُ يَوْمًا، فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ، ثُمَّ رَجَعَ ، فَقَالَ:
سَمَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَّهُ يَقُولُ: ((إِذَا وَجَدَ أحَدُكُمْ
الْغَائِطَ، فَلْيَبْدَأ به قَبْلَ الصَّلاة)).
رجال هذا الإسناد : خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت ، من [١٠]، تقدم في
١/١.
٢ - (مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة ، الثبت الحجة ، من [٧]،
تقدم في ٧ / ٧ .
٣ - (هشام بن عروة) أبو المنذر المدني ، ثقة فقيه ، من [٥]،
تقدم في ٤٩/ ٦١ .

- ٥٩٠
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
٤ - (عروة) بن الزبير بن العوّام المدني ، ثقة ثبت فقيه ، من [٣]،
تقدم في ٤٠ / ٤٤ .
٥ - (عبد الله بن أرقم) بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن
زهرة، القرشي الزهري. أسلم عام الفتح، وكتب للنبي تعمّه، ولأبي
بكر ، وعمر ، وكان على بيت مال عمر. روى عن النبي ثَّ، وعنه
أسلم مولى عمر ، وعبد الله بن عتبة ، وعمرو بن دينار مرسلاً ،
وعروة بن الزبير ، وقيل : بينهما رجل ، ويزيد بن قتادة ، وقال ابن
شهاب : أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أباه أخبره ، قال: ما
رأيت رجلاً قط کان أخشى لله منه .
روى له الأربعة حديثًا واحدًا في البداءة بالخلاء لمن أراد الصلاة ،
ويقال : ليس له مسند غيره . قال ذلك البزار في ((مسنده))، وقال
الترمذي في ((العلل الكبير)): سألت محمدًا عنه ؟ فقال: رواه وهيب،
عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن رجل ، عن ابن أرقم ، وكأن هذا
أشبه عندي .
قال الترمذي: قد رواه مالك ، وغير واحد عن هشام ، عن أبيه ،
عن ابن أرقم، وصححه الترمذي وغير واحد ، وقال ابن السكن: توفي
في خلافة عثمان، وكذا ذكره البخاري في ((التاريخ الصغير))، قال
الحافظ رحمه الله: وأما ما وقع في ((كتاب الثقات)) لابن حبان : وعبد الله
ابن أرقم توفي بمكة يوم جاءهم نعي يزيد بن معاوية في شهر ربيع الأول

٥٩١ _
٥١ - العذر في ترك الجماعة - الحديث رقم ٨٥٢
سنة ٦٤، وصلى عليه ابن الزبير ، وله يوم مات ٦٢ سنة ، فوهم
فاحش ، وخطأ ظاهر ، إما في تقدير مولده ، وإما في وفاته ، وإنما
نبهت عليه لئلا يغتر به ، وكأنه انتقل ذهنه إلى المسور بن مخرمة الزهري .
انتهى(١) . أخرج له الأربعة .
قال الجامع عفا الله عنه : ومن لطائف هذا الإسناد : أن صحابيه
من المقلين ، ليس له عند أصحاب السنن غير حديث الباب ، كما مر
آنفًا في قول البزار، وأما بقية اللطائف فقد تقدمت غير مرة . والله
تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عبد الله بن أرقم) رضي الله
عنه (كان يؤم أصحابه) أي يصلي بهم إمامًا. وفي رواية أبي داود ((أنه
خرج حاجًا ، أو معتمرًا، ومعه الناس ، وهو يؤمهم)) . وفي رواية
البيهقي في ((المعرفة)): ((أنه خرج إلى مكة صحبةً قوم، فكان يؤمهم)).
وفي رواية ابن عبد البر من طريق حماد بن زيد إلى ابن الأرقم: (( أنه
كان يسافر، فكان يؤذن لأصحابه، ويؤمهم)) ... (فحضرت
الصلاة يومًا) وفي رواية أبي داود: (( فلما كان ذات يوم ، فأقام الصلاة
صلاةَ الصبح)) (فذهب لحاجته) أي البول والغائط ، أي وأمر غيره أن
يتقدم، ففي رواية أبي داود: (( ثم قال : ليتقدم أحدكم ، وذهب إلى
(١) ((تت)) جـ٥ ص ١٤٦ - ١٤٧.
:

- ٥٩٢
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
الخلاء))، وفي رواية الترمذي: ((أقيمت الصلاة ، فأخذ بيد رجل ،
فقدمه ، وكان إمام قومه )) ...
(ثم رجع) أي من محل حاجته (فقال) مبينًا سبب ذهابه لحاجته
بعد أن أقيم للصلاة : (سمعت رسول الله عَ ◌ّه يقول: إِذا وجد
أحدكم الغائط ) الخطاب وإن كان للحاضرين بحسب الظاهر ، لكن
الحكم عامّ ؛ لأنه لا فرق في ذلك بين الحاضر وغيره، والذكر والأنثى
(فليبدأ به قبل الصلاة) ولفظ أبي داود: ((إذا أراد أحدكم أن يذهب
الخلاءَ، وقامت الصلاة، فليبدأ بالخلاء)). يعني أنه ينبغي له أن يفرّغ
نفسه من الشواغل ، فيصلي خاليًا مما يشوش عليه ؛ لأنه إذا صلى قبل
قضاء حاجته لا يتفرغ قلبه للعبادة ، لنقصان خشوعه باشتغال قلبه ،
والله سبحانه وتعالى أعلم ، وهو المستعان، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته :
حديث عبد الله بن أرقم رضي الله عنه هذا صحيح .
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا ٥١/ ٨٥٢، وفي ((الكبرى)) ٩٢٥/٥١ بالسند المذكور .
المسألة الثالثة: فیمن أخرجه معه :
أخرجه أبو داود في ((الطهارة)) عن أحمد بن يونس، عن زهير، عن

-٠٠.
٥١ - العذر في ترك الجماعة - الحديث رقم ٨٥٢
٥٩٣ -
هشام بن عروة ، عن أبيه، عنه . والترمذي فيه عن هناد، عن أبي
معاوية ، عن هشام، به ، وقال : حسن صحيح. وابن ماجه فيه عن
محمد بن الصباح ، عن سفيان بن عيينة ، عن هشام به نحوه . ومالك
في ((الموطأ)) ص ١١٧، وأحمد جـ٣ ص ٤٨٣، وجـ٣٥/٤، والدارمي
رقم ١٤٣٤ ، وابن خزيمة ٩٣٢ .
المسألة الرابعة : في فوائده :
منها : ما بوب له المصنف رحمه الله ، وهو أن البول والغائط عذر
تسقط به صلاة الجماعة .
ومنها : أنه لا يجوز لأحد أن يصلي ، وبه حاجة إلى البول
والغائط .
ومنها : أنه يطلب من المصلي الإقبال على صلاته ، والبعد عن كل
ما يشغل قلبه عنها ، فلا يدخل فيها ، وهو يجد شيئًا يمنعه من
الخشوع .
ومنها : أنه ينبغي لمن فعل شيئًا مستغربًا أن يبين الدليل الشرعي
الذي حمله على فعله ، فإن عبد الله بن أرقم لما تخلف عن صلاة
الجماعة بسبب حاجته ، بين لأصحابه دليله .
ومنها: أن في قوله: ((إذا وجد أحدكم الغائط)) ما يدل على
هروب العرب من الفحش، ودناءة القول ، ومجانبتهم للخنا كله ،

- ٥٩٤
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
فلهذا قالوا لموضع الغائط: الخلاء ، والمذهب، والمخرج، والكَنيف ،
والحُشّ ، والمرْحَاض، وكل ذلك كناية ، وفرار عن التصريح في ذلك.
قاله الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى . والله تعالى أعلم .
المسألة الخامسة : أنه اختلف الحفاظ في سند هذا الحديث ، فمنهم
من أدخل بين عروة وعبد الله بن أرقم رجلاً ، ومنهم من أسقطه ، وهو
الأصح ، قال أبو داود رحمه الله في ((سننه)) ، بعد أن ساقه عن أحمد بن
يونس ، عن زهير ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن
الأرقم : ما نصه : روى وهيب بن خالد ، وشعيب بن إسحاق،
وأبو ضمرة هذا الحديث عن هشام بن عروة ، عن رجل حدثه عن
عبد الله بن أرقم ، والأكثر الذين رووه عن هشام ، قالوا كما قال
زهير . انتهى كلام أبي داود رحمه الله تعالى .
وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في كتابه
((التمهيد))، بعد أن ساق نص مالك في ((الموطأ)) كنص النسائي : ما نصه :
ولم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث ولفظه ، واختلف فيه عن
هشام بن عروة ؛ فرواه مالك - كما ترى - وتابعه زهير بن معاوية ،
وسفيان بن عيينة ، وحفص بن غياث ، ومحمد بن إسحاق، وشجاع
ابن الوليد، وحماد بن زيد ، ووكيع ، وأبو معاوية ، والمفضل بن
فَضَالة ، ومحمد بن كُنَاسَةَ ، كلهم رواه عن هشام بن عروة ، عن أبيه ،
عن عبد الله بن الأرقم ، كما رواه مالك ، ورواه وهيب بن خالد ،

٥٩٥ -
٥١ - العذر في تركـ الجماعة - الحديث رقم ٨٥٣
وأنس بن عياض ، وشعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة ، عن أبيه ،
عن رجل حدثه ، عن عبد الله بن الأرقم ، فأدخل هؤلاء بين عروة وبين
عبد الله بن الأرقم رجلاً . ذكره أبو داود . ورواه أيوب بن موسى ،
عن هشام ، عن أبيه ، أنه سمعه من عبد الله بن الأرقم ، فالله أعلم .
ذكر عبد الرزاق ، قال: أخبرنا ابن جريج ، عن أيوب بن موسى ،
عن هشام بن عروة ، عن عروة ، قال : خرجنا في حج ، أو عمرة مع
عبد الله بن الأرقم الزهري ، فأقام الصلاة ، ثم قال : صلوا ، وذهب
لحاجته، فلما رجع قال: إن رسول الله عَّه قال: ((إذا أقيمت
الصلاة، وأراد أحدكم الغائط، فليبدأ بالغائط)) ، فهذا الإسناد يشهد
بأن رواية مالك ، ومن تابعه في هذا الحديث متصلة ، وابن جريج ،
وأيوب بن موسى ثقتان حافظان .
ثم أخرج أبو عمر بأسانيده رواية محمد بن عبد الله بن كُنَاسَةَ ،
وحماد بن زيد ، ووكيع . انتهى كلام ابن عبد البر في ((التمهيد)) جـ٢٢
ص ٢٠٣ - ٢٠٥ . والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٨٥٣ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُور، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَن
الزُّهْرِي، عَنْ أَنَس، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: ((إِذَا
حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأقيمَت الصَّلاةُ ، فَابْدَءُوا بِالعَشَاءِ ».

- ٥٩٦
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
رجال هذا الإسناد : أربعة
١ - (محمد بن منصور) الجوّاز المكي، ثقة، من [١٠]، تقدم
في ٢٠/ ٢١ .
٢ - ( سفيان) بن عيينة الكوفي ، ثم المكي ، الحجة الحافظ
الثبت، من [٨]، تقدم في ١/ ١.
٣ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني ، الإمام الحجة الثبت ، من
[٤]، تقدم في ١/ ١ .
٤ - (أنس) بن مالك الصحابي رضي الله عنه ، تقدم في ٦/ ٦.
قال الجامع عفا الله عنه : لطائف هذا الإسناد تقدمت غير مرة ،
وهو (٦١) من رباعيات المصنف رحمه الله ، وهي أعلى الأسانيد التي
وقعت له في كتابه . والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك رضي الله عنه ، أنه (قال: قال
رسول الله ◌َّهِ: إِذا حضر العَشَاء) بالفتح، والمد: الطعام يُتَعَشَّى
به وقت العشاء. قاله الفيّومي. وفي ((ق)): هو طعام العَشيّ، وهو
ممدود كسماء .
قال العراقي رحمه الله : المراد بحضوره : وضعه بين يدي الآكل ،
لا استواؤه ، ولا غَرْفه في الأوعية ، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما

٥٩٧ _
٥١ - العذر في ترك الجماعة - الحديث رقم ٨٥٣
المتفق عليه، قال: قال رسول الله عَمّ: ((إذا وضع عشاء أحدكم،
وأقيمت الصلاة ، فابدأوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه)). وكان
ابن عمر رضي الله عنهما يوضع له الطعام ، وتقام الصلاة ، فلا يأتها
حتى يفرغ منه ، وإنه ليسمع قراءة الإمام . انتهى منقولاً من ((تحفة
الأحوذي))(١) .
ويؤيد ما قاله العراقي من أن المراد بحضوره: وضعه بين يدي
الآكل، حديث أنس رضي الله عنه، عند البخاري بلفظ: ((إذا قدم العشاء))،
ولمسلم: ((إذا قرب العشاء)). وعلى هذا، فلا يناط الحكم بما إذا حضر
العشاء ، لكنه لم يقرب للآكل، كما لو لم يقرب. أفاده في ((الفتح))(٢).
(وأقيمت الصلاة) قال ابن دقيق العيد رحمه الله : الألف واللام
في ((الصلاة)) لا ينبغي أن تحمل على الاستغراق ، ولا على تعريف
الماهية، بل ينبغي أن تحمل على المغرب، لقوله: ((فابدءوا بالعشاء)).
ويترجح حمله على المغرب ، لقوله في الرواية الأخرى: (( فابدؤوا به
قبل أن تصلوا المغرب)) . والحديث يفسر بعضه بعضًا . وفي رواية
صحيحة: (( إذا أقيمت الصلاة ، وأحدكم صائم ، فليبدأ بالعشاء قبل
صلاة المغرب ، ولا تعجلوا عن عشائكم )) رواه ابن حبان(٣) . انتهى.
(١) جـ٢ ص ٣٣٤ .
(٢) جـ٢ ص٣٨٢ .
(٣) ((صحيح ابن حبان)) جـ٥ ص٤٢١ - ٤٢٢ .

- ٥٩٨
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
قال العلامة الشوكاني رحمه الله : وأنت خبير بأن التنصيص على
المغرب لا يقتضي تخصيص عموم الصلاة ، لما تقرر في الأصول من أن
موافق العام لا يخصص به ، فلا يصلح جعله قرينة لحمل اللام على ما
لا عموم فيه ، ولو سلم عدم العموم، لم يسلم عدم الإطلاق ، وقد
تقرر أيضًا في الأصول أن موافق المطلق لا يقتضي التقييد، ولو سلمنا ما
ذكره باعتبار أحاديث الباب لتأييده بأن لفظ العشاء يخرج صلاة
النهار، وذلك مانع من حمل اللام على العموم، لم يتم له باعتبار
حديث: (( لا صلاة بحضرة طعام)) عند مسلم وغيره، ولفظ: ((صلاة))
نكرة في سياق النفي ، ولا شك أنها من صيغ العموم، ولإطلاق
الطعام، وعدم تقييده بالعشاء ، فذكر المغرب من التنصيص على بعض
أفراد العام، وليس بتخصيص ، على أن العلة التي ذكرها شرّاح الحديث
للأمر بتقديم العَشَاء، كالنووي وغيره لعدم الاختصاص ببعض
الصلوات ، فإنهم قالوا: إنها اشتغال القلب بالطعام ، وذهاب كمال
الخشوع عند حضوره ، والصلوات متساوية الإقدام في هذا .
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي حمله على العموم ،
لوضوح دليله . والله تعالى أعلم .
وظاهر الأحاديث أنه يقدم العَشاء مطلقًا ، سواء كان محتاجاً إليه ،
أم لا ، وسواء كان خفيفًا أم لا ، وسواء خشي فساد الطعام أم لا ،
وخالف الغزالي ، فزاد قيد خشية فساد الطعام، والشافعية، فزادوا قيد

٥٩٩ _
٥١ - العذر في ترك الجماعة - الحديث رقم ٨٥٣
الاحتياج ، ومالك ، فزاد قيد أن يكون الطعام خفيفًا .
وقد ذهب إلى الأخذ بظاهر الأحاديث ابن حزم والظاهرية ، ورواه
الترمذي عن أبي بكر ، وعمر ، وابن عمر ، وإسحاق ، والعراقي عن
الثوري، فقال : يجب تقديم الطعام ، وجزموا ببطلان الصلاة إذا
قدمت . وذهبت الجمهور إلى الكراهة . انتهى كلام الشوكاني رحمه
الله تعالى(١).
قال الجامع عفا الله عنه : ادعى أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله
الإجماع على صحة صلاة من صلى بحضرة الطعام ، ومن صلى
حاقًا، إذا لم يترك شيئًا من فرائض الصلاة (٢). فإن صح دعوى
الإجماع، فذاك ، وإلا فما قاله الأولون هو الظاهر ؛ لأن حديث
مسلم: (( لا صلاة بحضرة طعام ، ولا هو يدافعه الأخبثان )) نص في
انتفاء الصلاة ، وعدم الاعتداد بها مع حضور الطعام ، ومدافعة
الأخبثين . والله تعالى أعلم ، وهو المستعان ، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث أنس رضي الله عنه هذا متفق عليه .
(١) نيل الأوطار جـ٢ ص ٥٧ .
(٢) انظر التمهيد جـ٢٢ ص ٢٠٦.

- ٦٠٠
شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا ٥٠/ ٨٥٣، وفي ((الكبرى)) ٩٢٦/٥٠ بالسند المذكور .
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه :
أخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن
عقيل ، عن الزهري ، عنه . ومسلم فيه عن هارون بن سعيد الأيلي ،
عن ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن الزهري به . وعن عمرو
الناقد ، وزهير بن حرب ، وأبي بكر بن أبي شيبة ، كلهم عن ابن
عيينة، عن الزهري ، عنه . وابن ماجه فيه عن هشام بن عمار ، عن ابن
عيينة، به . والحميدي رقم ١١٨١. وأحمد جـ٣ ص ١١٠ و١٦١.
والدارمي رقم ١٢٨٥ . وابن خزيمة ٩٣٤ و١٦٥١. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: قال النووي رحمه الله: في هذه الأحاديث - يعني
أحاديث الباب - كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذى يريد أكله ، لما فيه
من ذهاب كمال الخشوع ، ويلتحق به ما في معناه مما بشغل القلب .
وهذا إذا كان في الوقت سعة . فإن ضاق صلَّى على حاله محافظة على
حرمة الوقت ، ولا يجوز التأخير ، وحكى المتولي وجهًا أنه يبدأ
بالأكل، وإن خرج الوقت ؛ لأن مقصود الصلاة الخشوع ، فلا يفوته .
انتهى .
قال في ((الفتح)) : وهذا إنما يجيء على قول من يوجب الخشوع ،
: