Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ _ ١٦ -الائتمام بالإمام - حديث رقم ٧٩٤ وفي الرواية الآتية (٤٠/ ٨٣٢) من طريق مالك عن ابن شهاب: (ركب فرساً، فصرع عنه، فجُحش شقه الأيمن ... )) فقوله: ((فصرع)) بالبناء للمفعول، أي سقط عن ظهر الفرس. قال في المحكم: الصَّرْع: الطَّرْح بالأرض. وقوله: ((فجحش)) بالبناء للمفعول أيضاً، أي قُشر جلده، وخُدشَ. وذكر بعضهم أن الجحش أكبر من الخدش. وفي رواية للبخاري ((فخدش))، أو ((فجحش)). وهذا يقتضي فرقاً بينهما، إلا أن يكون شكاً من الراوي في اللفظ المقول. وقال القاضي عياض: قد یکون ما أصاب رسول الله عَ﴾ من ذلك السقوط رَضّاً في الأعضاء، وتوجع، فلذلك منعه القيام في الصلاة. (١) انتهى(١) . (على شقه الأيمن) متعلق بـ ((سقط))، و(الشق)) بكسر الشين المعجمة: الجانب. وفي رواية للشيخين من طريق الليث عن الزهري الاقتصار على قوله: ((فجحش)). وفي رواية للبخاري عن ابن عيينة، قال: حفظت ((شقه الأيمن)) فلما خرجنا من عند الزهري قال ابن جريج : «فجحش ساقه الأيمن)). انتهى . قال الحافظ ولي الدين رحمه الله : وقوله: ((فجحش ساقه الأيمن)) لا ينافي قوله في الرواية المشهورة: ((شقه الأيمن))؛ لأن الجحش لم (١) طرح التثريب جـ ٢ ص ٣٤٣ - ٣٤٤. شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ١٠٢ يستوعب الشقّ، وإنما كان في بعضه، وقد تبين بتلك الرواية أن ذلك البعض هو الساق. وفي سنن أبي داود، وغيره عن جابر رضي الله عنه: ((ركب رسول الله ◌َّه فرساً بالمدينة، فصرعه على جذع نخلة، فانفكت قدمه ... )) الحديث. فيحتمل أن يقال في الجمع بينه وبين حديث أنس: لا مانع من حصول فك القدم، وقشر الجلد معاً، ويحتمل أنهما واقعتان. اهـ. كلام ولي الدين رحمه الله(١). صَلى اللّهِ (فدخلوا عليه) أي دخل الصحابة رضي الله عنهم على النبي (يعودونه) أي يزورونه، يقال: عُدتُ المريض، عيَادَةً: زُرْتُه، فالرجل عائد، وجمعه عُوّاد، والمرأة عائدة، وجمعها عُوَّد، بغير ألف. قاله الأزهري(٢). والجملة في محل نصب على الحال من الواو في ((دخلوا)). (فحضرت الصلاة)، وفي رواية مالك الآتية: ((فصلى صلاة من الصلوات)). قال في الفتح: قال القرطبي رحمه الله : اللام للعهد ظاهراً، والمراد الفرض؛ لأنها التي عرف من عادتهم أنهم يجتمعون لها، بخلاف النافلة. وحكى عياض عن ابن القاسم أنها كانت نفلاً. وتعقب بأن في رواية جابر رضي الله عنه عند أبي داود الجزم بأنها فرض. (١) طرح جـ ٢ ص ٣٤٤. (٢) المصدر المذكور جـ ٢ ص ٤٣٦ - ٤٣٧ . ١٠٣ - ١٦ -الانتمام بالإمام - حديث رقم ٧٩٤ قال الجامع عفا الله عنه : لفظ أبي داود في سننه: حدثنا عثمان ابن أبي شيبة، ثنا جرير ووكيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: ركب رسول الله عَّه فرساً بالمدينة، فصرعه على جذْم نَخْلَةٍ، فانفكت قدمه، فأتيناه نعوده، فوجدناه في مشربة لعائشة رضي الله عنها يسبح جالساً، قال: فقمنا خلفه، فسكت عنا، ثم أتيناه مرة أخرى نعوده، فصلى المكتوبة جالساً، فقمنا خلفه، فأشار إلينا، فقعدنا، فلما قضى الصلاة، قال: ((إذا صلى الإمام جالساً، فصلوا جلوساً، وإذا صلى قائماً، فصلوا قياماً، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها)) انتهى. قال الجامع عفا الله عنه : هذا الحديث صريح في أنهم دخلوا يعودونه مرتین، ففي المرة الأولى صلوا وراءه نافلة قياماً، وهو جالس، وفي المرة الثانية صلوا وراءه فريضة قياماً، فأشار عليهم بالجلوس، فدل على اختلاف الحكم بين الفريضة والنافلة، وأن تلك الصلاة التي أمرهم بالجلوس فيها كانت فريضة . قال الحافظ رحمه الله : لكن لم أقف على تعيينها، إلا أن في حديث أنس ((فصلى بنا يومئذ))، فكأنها نهارية؛ الظهر، أو العصر. اهـ. قال الجامع عفا الله عنه : في استدلال الحافظ على أنها نهارية بقوله: ((يومئذ)) بُعْد، لأن ((يومئذ)) في مثل هذا لمطلق الوقت، لا شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ١٠٤ لخصوص النهار. فتدبر. والله أعلم. تنبيه : تبين من قوله: ((في مشربة لعائشة)) أن ذلك لم يكن في المسجد، وإنما كان في بيته، وكأنه لم يستطع الخروج لعذره، ولا يمكن التقدم عليه، فصلى بهم، وصلى الناس وراءه في منزله. قال القاضي عياض رحمه الله: والظاهر أن مَن في المسجد صلى بصلاته، لكون منزله في المسجد، قال: وفيه جواز صلاة الإمام على أرفع مما عليه أصحابه إذا كانت معه جماعة هناك، قال: وقد روي هذا عن مالك، وحمله شيوخنا على تفسير ما وقع له من الكراهية مجملاً، وأن منعه من ذلك إنما هو لمن يفعله تكبراً، وهو ضد ما وضعت له الصلاة من التواضع، والسكينة. انتهى. قال ولي الدين رحمه الله: وهذه الصورة إن صح فيها أن أهل المسجد صلوا مقتدين بالنبي ◌َّة ليست من صور المنع عند مالك وأبي حنيفة، لأنهما يقولان: إن كان مع الإمام في العلو طائفة جازت الصلاة بالذين أسفل، وإلا فلا. انتهى(١). والله تعالى أعلم. تنبيه آخر : قوله: ((فصلينا وراءه قعوداً))، ظاهره يخالف حديث عائشة (١) طرح جـ ٢ ص ٣٤٥ -٣٤٦. ١٠٥ - ١٦ -الانتمام بالإمام - حديث رقم ٧٩٤ رضي الله عنها، فإن فيه: ((وصلى وراءه قوم قياماً، فأشار إليهم أن اجلسوا)). والجمع بينهما أن في رواية أنس هذا اختصاراً، وكأنه اقتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس. وفي رواية للبخاري من رواية حميد، عن أنس رضي الله عنه: ((فصلى بهم جالساً، وهم قيام، فلما سلم، قال: إنما جعل الإمام ... )) وفيها اختصار أيضاً؛ لأنه لم يذكر فيه قوله لهم: ((اجلسوا)). والجمع بينهما أنهم ابتدؤوا الصلاة قياماً، فأومأ إليهم أن يقعدوا، فقعدوا، فنقل كل من الزهري، وحميد أحد الأمرين، وجمعتهما عائشة، وكذا جمعهما جابر عند مسلم. وجمع القرطبي بين الحديثين باحتمال أن يكون بعضهم قعد من أول الحال، وهو الذي حكاه أنس رضي الله عنه، وبعضهم قام حتى أشار إليهم بالجلوس، وهو الذي حكته عائشة رضي الله عنها. وتعقب باستبعاد قعود بعضهم بغير إذنه ◌َّ ؛ لأنه يستلزم النسخ بالاجتهاد؛ لأن فرض القادر في الأصل القيام. وجمع آخرون بينهما باحتمال تعدد الواقعة، وفيه بعد؛ لأن حديث أنس إن كانت القصة فيه سابقة لزم منه ما ذكرناه من النسخ بالاجتهاد، وإن كانت متأخرة لم يحتج إلى إعادة قول: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) إلخ. لأنهم قد امتثلوا أمره السابق، وصلوا قعوداً، لكونه قاعداً. قاله في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا الله عنه : قول من قال بتعدد الواقعة لا بُعْدَ فيه؛ (١) جـ ٢ ص ٤٠٨. - ١٠٦ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة لاحتمال أن يكون الذين صلوا معه في واقعة غير الذين صلوا معه في أخرى. فتأمل. والله تعالى أعلم. (فلما قضى الصلاة قال: إِنما جعل الإِمام) في رواية المصنف هنا اختصار يبينه ما يأتي من رواية مالك، ولفظه: ((فصلى صلاة من الصلوات، وهو قاعد، فصلينا وراءه قعوداً، فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به ... )). فقول: ((إنما جعل الإمام)) ببناء ((جُعلَ) للمفعول، وهو بمعنى صيّر يتعدى إلى مفعولين، فـ ((الإمام)) بالرفع نائب فاعله، وهو المفعول الأول، وحذف المفعول الثاني، أي إنما جعل الإمام إماماً. قال العلامة الشوكاني رحمه الله : لفظ ((إنما)) من صيغ الحصر عند جماعة من أئمة الأصول والبيان، ومعنى الحصر فيها: إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما عداه. واختار الآمدي أنها لا تفيد الحصر، وإنما تفيد تأكيد الإثبات فقط. ونقله أبو حيان عن البصريين. وفي كلام الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد رحمه الله ما يقتضي نقل الاتفاق على إفادتها للحصر . والمراد بالحصر هنا حصر الفائدة في الاقتداء بالإمام، والاتباع له، ومن شأن التابع أن لا يتقدم على المتبوع، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال التي فصلها الحديث، ولا ينافي غيرها قياساً عليها، ولكن ذلك مخصوص بالأفعال الظاهرة، لا الباطنة، وهي ما ١٠٧ _ ١٦ -الائتمام بالإمام - حديث رقم ٧٩٤ لا يطلع عليه المأموم، كالنية، فلا يضر الاختلاف فيها، فلا يصح الاستدلال به على من جوز ائتمام من يصلي الظهر بمن يصلي العصر، ومن يصلي الأداء بمن يصلي القضاء، ومن يصلي الفرض بمن يصلي النفل، وعكس ذلك. وعامة الفقهاء على ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، وترك مخالفته له في نية أو غيرها؛ لأن ذلك من الاختلاف، وقد نهى عنه عَل﴾ بقوله: ((فلا تختلفوا)). وأجيب بأنه ◌َّ قد بَيَّنَ وجوه الاختلاف، فقال: ((فإذا كبر، فكبروا)) إلخ. ويتعقب بإلحاق غيرها بها قياساً، كما تقدم. وقد يَسْتَدِلُّ بالحديث أيضاً القائلون بأن صحة صلاة المأموم لا تتوقف على صحة صلاة الإمام إذا بان جنباً، أو محدثاً، أو عليه نجاسة خفية، وبذلك صرح أصحاب الشافعي بناء على اختصاص النهي عن الاختلاف بالأمور المذكورة في الحديث، أو بالأمور التي يمكن المؤتم الاطلاع عليها. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى(١) . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي أن الاختلاف المنهي عنه مقصور على الأشياء المذكورة في الحديث، فلا يُلحق بها غيرها قياساً عليها. والله تعالى أعلم. وقال في الفتح : قال البيضاوي، وغيره: الائتمام: الاقتداء، (١) نيل الأوطار جـ ٤ ص ٢٦ - ٢٧. شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ١٠٨ والاتباع، أي جعل الإمام إماماً ليُقْتَدَى به، ويُتَّبَعَ، ومن شأن التابع أن لا يسبق متبوعه، ولا يساويه، ولا يتقدم عليه في موقفه، بل يراقب أحواله، ويأتي على أثره بنحو فعله، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال. وقال النووي وغيره: متابعة الإمام واجبة في الأفعال الظاهرة، وقد نبه عليها في الحديث، فذكر الركوع، وغيره، بخلاف النية، فإنها لم تذكر، وقد خرجت بدليل آخر. وكأنه يعني قصة معاذ الآتية (٤١/ ٨٣٥). قال الحافظ رحمه الله: ويمكن أن يستدلّ من هذا الحديث على عدم دخولها؛ لأنه يقتضي الحصر في الاقتداء به في أفعاله، لا في جميع أحواله، كما لو كان محدثاً، أو حامل نجاسة، فإن الصلاة خلفه تصح لمن لم يعلم حاله على الصحيح عند العلماء، ثم مع وجوب المتابعة ليس شيء منها شرطاً في صحة القدوة إلا تكبيرة الإحرام. واختلف في السلام، والمشهور عند المالكية اشتراطه مع الإحرام، والقيام من التشهد الأول، وخالف في ذلك الحنفية، فقالوا: تكفي المقارنة، قالوا: لأن معنى الائتمام الامتثال، ومن فعل مثل فعل إمامه عُدَّ ممتثلاً. انتهى(١) . قال الجامع عفا الله عنه : ما قاله الحنفية مخالف لصريح الحديث الذي يوجب تأخر فعل المأموم عن فعل الإمام كما سيأتي تحقيقه، إن (١) فتح جـ ٢ ص ٤٠٦. ١٠٩ - ١٦ -الانتمام بالإمام - حديث رقم ٧٩٤ شاء الله تعالى. والله أعلم. (ليؤتم به) أي ليقتدى به على الوجه المشروع، فقوله: ((فإذا ركع، فاركعوا)) إلخ، بيان للوجه المشروع الذي يطلب الاقتداء فيه. (فإِذا ركع، فاركعوا) جزم ابن بطال وابن دقيق العيد وغيرهم بأن الفاء فيه للتعقيب، قالوا: ومقتضاه الأمر بأن أفعال المأموم تقع بعد أفعال الإمام. واعترض عليهم بأن الفاء التي للتعقيب هي العاطفة، وأما التي هنا فهي للربط فقط؛ لأنها وقعت جواباً للشرط، فعلى هذا لا يقتضي تأخر أفعال المأموم عن الإمام، إلا على القول بتقدم الشرط على الجزاء، وقد قال قوم: إن الجزاء يكون مع الشرط، فعلى هذا لا تنتفي المقارنة. لكن رواية أبي داود ((لا تركعوا حتى يركع، ولا تسجدوا حتى يسجد)) صريحة في انتفاء التقدم والمقارنة. والله أعلم(١). وقال العلامة العيني رحمه الله : فإن قلت: الفاء التي للتعقيب هي الفاء العاطفة، والفاء التي هنا للربط فقط؛ لأنها وقعت جواباً للشرط، فعلى هذا لا تقتضي تأخر أفعال المأموم عن الإمام. قلت: وظيفة الشرط التقدم على الجزاء، مع أن رواية أبي داود تصرح بانتفاء التقدم، والمقارنة، ولا اعتبار لقول من يقول: إن الجزاء (١) قاله في الفتح جـ ٢ ص ٤٠٦ - ٤٠٧. شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ١١٠ یکون مع الشرط. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه : المراد بالتعقيب هنا هو الترتيب بدون مهلة، فما قاله الأولون من إفادة الفاء له هو الصواب، وأما الاعتراض بأن الفاء لا تفيد الترتيب إلا إذا كانت للعطف - غير صحيح، فقد نقل محمد الأمير في حاشيته على ((مغني اللبيب)) لابن هشام الأنصاري جـ ١ ص ١٣٩ عن العلامة الرضي أن الفاء تفيد الترتيب سواء كانت حرف عطف، أو لا . انتهى. ويؤيد هذا المعنى رواية أبي داود المذكورة، فإنها صريحة في وجوب كون أفعال المأموم بعد أفعال الإمام، بأن يقع كل فعل من أفعاله عقب كل فعل من أفعاله بلا تراخ. فتبصر. والله تعالى أعلم. وقال في ((الفتح)) في شرح حديث عائشة رضي الله عنها : قوله: ((فإذا ركع، فاركعوا)) قال ابن المُنَير: مقتضاه أن ركوع المأموم يكون بعد ركوع الإمام، إما بعد تمام انحنائه، وإما أن يسبقه الإمام بأوله، فيشرع فيه بعد أن يشرع. قال: وحديث أنس أتم من حديث عائشة؛ لأنه زاد فيه المتابعة في القول أيضاً . قال الحافظ رحمه الله: قد وقعت الزيادة المذكورة، وهي قوله: ((وإذا قال: سمع الله لمن حمده))، في حديث عائشة أيضاً. ووقع في رواية الليث عن الزهري، عن أنس زيادة أخرى في الأقوال، وهي قوله في أوله: ((فإذا كبر، فكبروا)). وكذا من رواية الأعرج، عن أبي هريرة. 1 ! ١١١ _ ١٦ -الائتمام بالإمام - حديث رقم ٧٩٤. وزاد في رواية عبدة، عن هشام: ((وإذا رفع، فارفعوا، وإذا سجد، فاسجدوا)). وهو يتناول الرفع من الركوع، والرفع من السجود، وجميع السجدات. وكذا وردت زيادة ذلك في حديث أنس في حديث الباب. وقد وافق عائشة، وأنساً، وجابراً على رواية هذا الحديث دون القصة التي في أوله أبو هريرة، وله طرق عند مسلم : منها : ما اتفق عليه الشيخان من رواية همام عنه، وفيه جميع ما ذكر في حديث عائشة، وحديث أنس بالزيادة، وزاد أيضاً بعد قوله: ((ليؤتم به)): ((فلا تختلفوا عليه)). ولم يذكرها البخاري في رواية أبي الزناد، عن الأعرج، عنه من طريق شعيب، عن أبي الزناد، لكن ذكرها السرَّاج، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في المستخرج عنه من طريق أبي اليمان شيخ البخاري فيه، وأبو عوانة من رواية بشر بن شعيب، عن أبيه شيخ أبي اليمان، ومسلم من رواية مغيرة بن عبد الرحمن، والإسماعيلي من رواية مالك وورقاء، كلهم عن أبي الزناد شيخ شعيب . وأفادت هذه الزيادة أن الأمر بالاتباع يعم جميع المأمومين، ولا يكفي في تحصيل الائتمام اتباع بعض دون بعض. ولمسلم من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عنه: ((لا تبادروا الإمام؛ إذا كبر، فكبروا ... )) الحديث. زاد أبو داود من رواية مصعب ابن محمد، عن أبي صالح: ((ولا تركعوا حتى يركع، ولا تسجدوا - ١١٢ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة حتى يسجد)). وهي زيادة حسنة، تنفي احتمال إرادة المقارنة من قوله: ((إذا كبر، فكبروا)). انتهى(١) . (وإِذا رفع فارفعوا) يتناول الرفع من الركوع، والرفع من السجود، كما تقدم قريباً. (وإِذا سجد فاسجدوا) قال العلامة الشوكاني رحمه الله: في شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند قوله: «فإذا کبر فکبروا)) ما حاصله : فيه أن المأموم لا يشرع في التكبير إلا بعد فراغ الإمام منه، وكذلك الركوع، والرفع منه، والسجود، ويدل على ذلك أيضاً قوله في الرواية الثانية: ((ولا تكبروا، ولا تركعوا، ولا تسجدوا)). وكذلك سائر الروايات المشتملة على النهي. وقد اختلف في ذلك هل هو على سبيل الوجوب، أو الندب، والظاهر الوجوب من غير فرق بين تكبيرة الإحرام وغيرها. انتهى (٢). قال الجامع : ما قاله الشوكاني من كون الأمر للوجوب هو الذي رجحه الصنعاني في عدته جـ ٢ ص ٢٤١، وهو الراجح عندي، فيحرم على المأموم مسابقة إمامه، أو مقارنته؛ لأن النهي الصريح المتقدم في (١) فتح جـ ٢ ص ٤٠٦ - ٤٠٧ . (٢) نيل الأوطار جـ ٤ ص ٢٧ . ١١٣ _ ١٦ -الائتمام بالإمام - حديث رقم ٧٩٤ رواية أبي داود للتحريم. والله تعالى أعلم. (وإِذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا : ربنا لك الحمد) هكذا الرواية هنا، وفي الكبرى بدون واو، وفي (٢٢ / ١٠٦١) «فقولوا : ربنا ولك الحمد» بالواو . قال في ((الفتح)): قوله: ((فقولوا: ربنا ولك الحمد)). كذا لجميع الرواة في حديث عائشة رضي الله عنها بإثبات الواو، وكذا لهم في حديث أبي هريرة، وأنس رضي الله عنهما، إلا في رواية الليث، عن الزهري، فللكشميهني بحذف الواو. ورجح إثبات الواو بأن فيها معنىً زائداً؛ لكونها عاطفة على محذوف، تقديره: ربنا استجب، أو ربنا أطعناك، ولك الحمد، فيشتمل على الدعاء والثناء معاً. ورجح قوم حذفها؛ لأن الأصل عدم التقدير، فتكون عاطفة على كلام غير تام، والأول أوجه، كما قال ابن دقيق العيد. وقال النووي: ثبتت الرواية بإثبات الواو وحذفها، والوجهان جائزان بغير ترجيح. انتهى(١). وقال العلامة الصنعاني رحمه الله : وجزم بعضهم بأنها زائدة، لا عاطفة، قال: وجزم به ابن القيم في كتابه الصغير في الصلاة. وقال في الهدي: لا ينبغي أن تهمل زيادة الواو، فإنها تُصَيّر الكلام جملتين. (٢) انتهى(٢) . (١) فتح جـ ٢ ص ٤٠٧ . (٢) راجع ((العدة)) حاشية ((العمدة)) جـ ٢ ص ٢٤٢ -٢٤٣. - ١١٤ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة قال الجامع عفا الله عنه : عندي ما قاله النووي رحمه الله تعالى هو الأرجح؛ إذ لا مرجح من جهة النقل، فتبصر. والله تعالى أعلم. وسيأتي تمام القول في هذه المسألة، وفي زيادة ((اللهم)) قبلها. في [باب قوله: ربنا ولك الحمد] برقم (٢٣ / ١٠٦٣، ١٠٦٤) إن شاء الله تعالى . ونقل عياض عن القاضي عبد الوهاب أنه استدل به على أن الإمام يقتصر على قوله: ((سمع الله لمن حمده))، وأن المأموم يقتصر على قوله: ((ربنا ولك الحمد)). قال الحافظ: وليس في السياق ما يقتضي المنع من ذلك؛ لأن السكوت عن الشيء لا يقتضي ترك فعله، نعم مقتضاه أن المأموم يقول: ((ربنا ولك الحمد)) عقب قول الإمام: ((سمع الله لمن حمده))، فأما منع الإمام من قول: ((ربنا ولك الحمد)) فليس بشيء؛ لأنه ثبت أن النبي تَمّ كان يجمع بينهما. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه : سيأتي تحقيق القول في هذه المسألة في الباب المذكور إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : (١) فتح جـ ٢ ص ٤٠٧ . أ ١١٥ - ١٦ -الائتمام بالإمام - حديث رقم ٧٩٤ حديث أنس رضي الله عنه هذا متفق عليه . المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا (١٦ / ٧٩٤)، و((الكبرى)) (١٦ / ٨٦٩) عن هناد بن السري، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عنه. و (٤٠ / ٨٣٢)، و ((الكبرى)) (٤٠/ ٩٠٦) عن قتيبة، عن مالك، عن الزهري به. و(٢٢ / ١٠٦١) بسند الباب. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة : فیمن أخرجه معه : أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه؛ فأخرجه البخاري عن علي بن عبد الله - وعن أبي نعيم - كلاهما عن ابن عيينة به. وعن عبد الله بن يوسف، عن مالك به. وعن قتيبة، عن الليث بن سعد - وعن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة - كلاهما عن ابن شهاب به . ومسلم عن ابن أبي عمر، عن معن بن عيسى، عن مالك، به. وعن يحيى بن يحيى، وقتيبة بن سعيد، وأبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، وأبي كريب، كلهم عن ابن عيينة به. وعن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن شهاب به. وعن قتيبة، ومحمد بن رمح، كلاهما عن الليث بن سعد به. وعن حرملة بن يحيي، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب به . شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - ١١٦ وأبو داود عن القعنبي، عن مالك به. والترمذي عن قتيبة، عن الليث به. وابن ماجه عن هشام بن عمار، عن ابن عيينة به . مالك في ((الموطأ)) ص ١٠٣، والدارمي رقم (١٢٥٩)، (١٣١٦)، والحميدي رقم (١١٨٩)، وأحمد جـ ٣ ص ١١٠، ١٦٢ مطولاً ومختصراً، وعبد بن حميد رقم (١١٦١). والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة : في فوائده : منها : ما ترجم له المصنف رحمه الله، وهو وجوب متابعة الإمام في أفعال الصلاة، أي كون أفعاله عقب أفعاله بدون تراخ. ومنها : مشروعية ركوب الخيل، والتدرب على أخلاقها، والتأسي لمن يحصل له سقوط ونحوه بما اتفق للنبي ◌ّ في هذه الواقعة، وبه الأسوة الحسنة . ومنها : أنه يجوز عليه ما يجوز على البشر من الأسقام، ونحوها، من غير نقص في مقداره بذلك، بل ليزداد قدره رفعةً، ومنصبه جلالةً. ومنها : مشروعية عيادة من سقط عن مركوبه، فحصل له بذلك ضرر. ومنها : ما قاله الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله : أنه يجوز للإمام إذا مرض، وعجز عن القيام أن يصلي بنفسه، ولا يستخلف، لكن الأفضل له الاستخلاف. قال الشافعي رضي الله عنه: وإنما اخترت أن يوكل الإمام إذا مرض ٠٠ 1 1 ١٦ -الانتمام بالإ مام - حديث رقم ٧٩٤ ١١٧ _ رجلاً صحيحاً، يصلي بالناس قائماً؛ لأن مرض رسول الله عَم ◌ّه كان أياماً كثيرة، وإنا لم نعلمه صلى بالناس جالساً في مرضه إلا مرة واحدة، لم يصل بهم بعدها علمته حتى لقي الله عز وجل، فدلّ ذلك على أن التوكيل بهم، والصلاة قاعداً جائزان عنده مَعًا، وكان ما صلى بهم غيره بأمره أکثر من ذلك. انتھی. ومراد الشافعي بكونه عليه الصلاة والسلام لم يصل بالناس جالساً في مرضه إلا مرة مرض موته، فإنه قد صلى بهم في غير مرض الموت غير مرة، وهو جالس، وهم جلوس، كما دلت عليه الأحاديث، وكذا ذكر الحنابلة أنه يستحب الاستخلاف عند العجز عن القيام، وعللوه بأن الناس اختلفوا في صحة إمامته، فنخرج من الخلاف، وبأن صلاة القائم أكمل، فيستحب أن يكون الإمام كامل الصلاة، وأجابوا عن هذا الحديث بأنه عليه الصلاة والسلام فعل ذلك لبيان الجواز، واستخلف في الأكثر، وبأن الاقتداء بالنبي ◌َّ قاعداً أفضل من الاقتداء بغيره قائماً. انتهى(١). إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. (١) طرح التثريب جـ ٢ ص ٣٤٥. : : شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة ١١٨ - ١٧ - الانْتَمَامُ بِمَنْ يَأْتَمَّ بِالإِمَامِ أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على حكم الاقتداء بأفعال من يقتدي بالإمام . وقد ترجم الإمام البخاري رحمه الله تعالى بنحو ترجمة المصنف هذه، حیث قال في ((صحیحه)) : (باب الرجل يأتم بالإمام، ويأتم الناس بالمأموم): قال في ((الفتح)): قال ابن بطال: هذا موافق لقول مسروق والشعبي: إن الصفوف يؤم بعضها بعضاً، خلافًا للجمهور. قال الحافظ: وليس المراد أنهم يأتمون بهم في التبليغ فقط، كما فهمه بعضهم، بل الخلاف معنوي؛ لأن الشعبي قال فيمن أحرم قبل أن يرفع الصف الذي يليه رؤوسهم من الركعة: إنه أدركها، ولو كان الإمام رفع قبل ذلك، لأن بعضهم لبعض أئمة. انتهى. فهذا يدل على أنه يرى أنهم يتحملون عن بعضهم بعض ما يتحمله الإمام. وأثر الشعبي الأول وصله عبد الرزاق، والثاني وصله ابن أبي شيبة . ولم يفصح البخاري باختياره في هذه المسألة لأنه بدأ بالترجمة الدّالة على أن المراد بقوله: ((ويأتم الناس بأبي بكر)) أنه في مقام المبلغ، ثم ثَنّى بهذه الرواية التي أطلق فيها اقتداء الناس بأبي بكر، ورشح ظاهرها ١١٩ _ ١٧ - الائتمام بمن ياتم بالإمام - حديث رقم ٧٩٥ بظاهر هذا الحديث المعلق - يعني حديث أبي سعيد المذكور هنا - فيحتمل أن يكون يذهب إلى قول الشعبي، ويرى أن قوله في الرواية الأولى: ((ويسمع الناس التكبير)) لا ينفي كونهم يأتمون به؛ لأن إسماعه لهم التكبير جزء من أجزاء ما يأتمون به فيه، وليس فيه نفي لغيره، ويؤيد ذلك رواية الإسماعيلي من طريق عبد الله بن داود المذكور، ووكيع جميعاً عن الأعمش بهذا الإسناد، قال فيه: ((والناس يأتمون بأبي بكر، وأبو بکر یسمعهم)). انتهى. قال الجامع عفا الله عنه : والظاهر أن المصنف يرى أن معنى ائتمام المأموم بمن يأتم بالإمام هو أن يكون مبلغاً عنه يُسمع الناسَ تكبيره، حيث إنه أورد أخيراً حديث جابر رضي الله عنه الذي هو صريح في توضيح معنى حديث أبي سعيد، وحديث عائشة رضي الله عنهما، فإنه قال: ((فإذا كبر رسول الله تَّه، كبر أبو بكر يسمعنا)). والله تعالى أعلم. ٧٩٥ - أخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْر، قَالَ : أَنْبَأْنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّنَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِي: أنَّالنَّبِيَّ ◌َّهُ رَأى فِي أَصْحَابِهِ تَأْخُرًا، فَقَالَ : (تَقَدَّمُوا ، فَأَتَمُّوا بِي، وَلَيَأَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ ، وَلاَ يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأْخَّرُونَ ، حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) . - ١٢٠ شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة رجال هذا الإسناد : خمسة ١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي، ثقة، مات سنة ٢٤٠، أخرج له الترمذي، والنسائي، من [١٠]، تقدم في ٤٥/ ٥٥ . ٢ - (عبد الله بن المبارك) الحنظلي، ثقة ثبت حجة، مات سنة ١٨١، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٢/ ٣٦. ٣ - (جعفر بن حَيَّان) السعدي، أبو الأشهب العطاردي البصري الخزاز الأعمى، مشهور بكنيته، ثقة، من [٦]. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه، صدوق. وقال أبو حاتم، عن أحمد: من الثقات. وقال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن ابن المديني: ثقة ثبت. وقال أبو حاتم: هو أحب إليّ من سلام بن مسكين. وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن أبي خيثمة: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: كان حماد بن زيد يقول: لم يسمع أبو الأشهب من أبي الجوزاء. قال الحافظ: وقد وقع في صحيح البخاري في تفسير سورة النجم: حدثنا مسلم، ثنا أبو الأشهب، ثنا أبو الجوزاء ... فذكر حديثاً، فالله أعلم. وذكر أبو عمرو الداني في طبقات القراء أنه قرأ على أبي رجاء العطاردي. قال الأصمعي ١ !