Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١ _
٤٢ - الرخصة في ذلك - حديث رقم ٧٣٦
٤٢ - الرَّخْصَةُ فِي ذَلكَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على تسهيل الأمر في الصلاة في
أعطان الإبل.
ووجه استدلال المصنف رحمه الله تعالى للرخصة من حديث
الباب تقديم العموم على الخصوص، لكن الأولى كما تقدم التقرير أن
یکون بالعكس، فیقدم الخاص على العام، فیخص عموم حديث الباب
بحديث النهي عن الصلاة في أعطان الإبل، ونحوه. والله أعلم
٧٣٦ - أخْبَرَنَا الحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا
هُشَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، عَنْ يَزِيدَ الفَقِيرِ، عَنْ جَابر
ابْنِ عَبْدِ اللَّه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِعَّهُ: ((جُعِلَتْ لِيَ
الأَرْضُ مَسْجداً وطَهُوراً، أيْنَمَا أَدْرَكَ رَجُلٌ مِنْ أمَّتِي
الصَّلاةَ صَلَّى)).
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (الحسن بن إسماعيل بن سليمان) بن مجالد، أبو سعيد
المجالدي المصيصي، ثقة توفي بعد سنة ٢٤٠، من [١٠]، أخرج له
النسائي، تقدم في ٢٦/ ٤٣٢.
٠

شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
- ٢٦٢
٢ - (هُشَيم) بن بشير بن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية
الواسطي، ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفي توفي سنة ١٨٣،
من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٩/٨٨.
٣ - (سيار) بن أبي سيار، وَرْدَان، وقيل: غيره، أبو الحَكَم
العَنَزي الواسطي، ثقة توفي سنة ١٢٢، من [٦]، أخرج له الجماعة،
تقدم في ٢٦/ ٤٣٢.
٤ - (يزيد الفقير) بن صُهيب الكوفي، أبو عثمان، ثقة، من
[٤]، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه،
تقدم في ٢٦/ ٤٣٢ .
٥ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي
رضي الله عنهما، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٥/٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى.
ومنها : أن شيخه ممن انفرد به .
ومنها : أن رواته كلهم ثقات، اتفقوا علیهم، غیر شيخه، فممن
انفرد به، ویزید، فما أخرج ه الترمذي.
ومنها : أن الفقير لقب يزيد، وليس لفقره من المال، وإنما لكونه
٠
كان يشكو ألماً في فَقَار ظهره.

٢٦٣ -
٤٢ - الرخصة في ذلك - حديث رقم ٧٣٦
ومنها : أن صحابيه أحد المكثرين السبعة، روى ١٥٤٠ حديثاً.
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن جابر بن عبد الله) رضي الله عنهما، أنه (قال: قال
رسول الله عَّ: جعلت لي الأرض مسجدًا) هو طرف من حديث
تقدم برقم ٢٦/ ٤٣٢ ونصه: ((أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي؛
نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا، وطهوراً،
فأينما أدرك رجل من أمتي الصلاة يصلي، وأعطيت الشفاعة، ولم
يعط نبي قبلي، وبعثت إلى الناس كافة، وكان النبي يبعث إلى قومه
خاصة)) .
وقد تقدم أنه سقطت في رواية المصنف الخصلة الخامسة، وقد ثبتت
في الصحيحين، وهي ((وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي)).
والمراد من كونها مسجدًا كونها صالحة للصلاة فيها بأن كانت على
حالتها الأصلية، وإلا بأن تنجست بوقوع نجس، فليست صالحة لها.
(وطهوراً) - بفتح الطاء - أي مطهرة عن الأحداث، والمراد به جواز
التیمم بها .
(أينما أدرك) («أينما)) ظرف مكان، متضمن معنى الشرط، في
محل نصب على الظرفية، متعلق بأدرك، وهو فعل الشرط (رجل)

- ٢٦٤
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
بالرفع فاعل ((أدرك)» (من أمتي) متعلق بمحذوف صفة لرجل
(الصلاة) بالنصب مفعول أدرك (صلى) جواب الشرط.
والمعنى أن أيّ رجل من أمته عَّي أدرك وقت الصلاة في أي موضع
من الأرض أدى فيه الصلاة، لكون الأرض مسجده، خصوصية
للنبي عَّ بخلاف الأنبياء السابقين، فكانوا لا يصلون إلا في كنائسهم،
ونحوها .
وهذا محل الاستدلال للمصنف رحمه الله تعالى في دعواه
الرخصة في الصلاة في أعطان الإبل، عملاً بعمومه، لكن قد عرفت في
أول الباب أن الأصح تقیید عموم هذا الحدیث بخصوص حدیث الباب
السابق، فتكون أعطان الإبل، ونحوها مما صح النص بالنهي عن
الصلاة فيه مستثنى من عموم هذا الحديث، عملا بالنصين، إذ الجمع
بين المتعارضين متعين إذا أمكن، كما هنا. والله سبحانه وتعالى أعلم.
وتمام شرح الحديث، وذكر متعلقاته تقدمت برقم ٢٦/ ٤٣٢
فراجعها تستفد. والله ولي التوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .

٢٦٥ _
٤٣ -الصلاة على الحصير - حديث رقم ٧٣٧
٤٣ - الصَّلاةُ عَلَى الحَصِيرِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الصلاة على
الحصير .
الحَصير - بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين - جمعه
أحْصرَة، وحُصُرٌ - بضمتين، وتسكن الصاد تخفيفًا. قال ابن منظور
رحمه الله: والحصير: وجه الأرض، وسَفيفَة تُصنَع من بَرْديٍّ، وأسَل،
ثم تُفْرِشُ، سُمِّيَ بذلك لأنه يلي وجه الأرض، وقيل: الحصير
المنسوج، سمي حصيراً لأنه حُصرت طاقته بعضها مع بعض. اهـ
(لسان)) باختصار جـ ٢ ص ٨٩٧ .
وقوله: سَفِيفَة بسين مفتوحة، ففاءين بينهما تحتانية ساكنة: أي
منسوجة. والبَرْديّ بالفتح نبت معروف واحدته بَرْدية. والأسَلُ
بفتحتين: عيدان تنُبت طوالاً دقاقاً مستوية، لا ورق لها، يعمل منها
الحُصُر.
وهو: مُصَلَّى كبير قدر طول الرجل، وأكثر، فإن كان صغيراً قدر
ما يسجد عليه سمي خُمْرة وسيأتي في الباب التالي. إن شاء الله
تعالی .
قال الحافظ رحمه الله تعالى: النكتة في ترجمة الباب الإشارة إلى
ما رواه ابن أبي شيبة، وغيره من طريق شُرَيْح بن هانئ أنه سأل عائشة

- ٢٦٦
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
رضي الله عنها: ((أكان النبي ◌َّه يصلي على الحصير، واللهُ يقول:
ء
﴿ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]؟ فقالت: لم يكن
يصلي على الحصير)) فكأنه لم يثبت عند المصنف، أو رآه شاذًا مردوداً،
لمعارضته ما هو أقوى منه، كحديث الباب، بل سيأتي عنه من طريق
أبي سلمة، عن عائشة رضي الله عنها: ((أن النبي ◌َ﴾ كان له حصير،
يبسطه، ويصلي عليه)). وفي مسلم من حديث أبي سعيد ((أنه رأى النبي
التى
(يصلي على حصير)). اهـ ((فتح)) جـ ٢ ص ٤٦. والله تعالى أعلم.
٧٣٧ - أخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الأمَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا
أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ
عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ((أَنَّ أَمَّ سُلَيْمٍ
سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِلَّهُ أنْ يَأْتِيَهَا، فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهَا،
فَتَتَّخِذَهُ مُصَلّى، فَأَتَاهَا، فَعَمَدَتْ إِلَى حَصِيرِ، فَنَضَحَتْهُ
بِمَاءِ. فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَصَلَّوْا مَعَهُ».
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (سعيد بن يحيى بن سعيد) بن أبان بن سعيد بن العاص بن سعيد
ابن العاص بن أمية القرشي الأموي، أبو عثمان البغدادي، ثقة ربما
أخطأ، من [١٠].

٢٦٧ -
٤٣ -الصلاة على الحصير - حديث رقم ٧٣٧
قال ابن المديني: هو أثبت من أبيه. وقال يعقوب بن سفيان: هما
ثبتان، الأب والابن. وقال النسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق.
وقال صالح بن محمد: صدوق، إلا أنه كان يغلط. وذكره ابن حبان في
الثقات، وقال: ربما أخطأ. قال محمد بن إسحاق السراج: مات
للنصف من ذي القعدة سنة ٢٤٩ هـ، وكذا أرخه البخاري، وابن نافع،
وغير واحد. ووهم أبو القاسم البغوي، فأرخه سنة ٥٩، وقد رد ذلك
الخطيب. روى عنه الجماعة سوى ابن ماجه. وروى النسائي عنه أيضاً
بواسطة.
٢ - (يحيى بن سعيد) بن أبان بن سعيد بن العاص بن سعيد بن
العاص بن أمية القرشي الأموي، أبو أيوب الكوفي، نزيل بغداد، لقبه
الجَمَل، صدوق يُغْرب، من كبار [٩].
قال الأثرم، عن أحمد: ما كنت أظن عنده هذا الحدیث الکثیر،
فإذا هم يزعمون أن عنده عن الأعمش حديثاً كثيراً، وعن غيره، وقد
کتبنا عنه، وکان له أخ، له قدر وعلم، يقال له: عبد الله بن سعيد،
ولم یبین أمر یحیی في الحديث، كأنه يقول: يصدق، ولیس بصاحب
حديث. وقال المرُّوذي، عن أحمد: لم تكن له حركة في الحديث.
وقال أبو داود، عن أحمد: ليس به بأس، عنده عن الأعمش غرائب.
وقال أبو داود: ليس به بأس، ثقة. وقال يزيد بن الهيثم، عن ابن
معین : هو من أهل الصدق، ليس به بأس. وقال الدوري، وغيره، عن

٢٦٨
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
ابن معين: ثقة. وكذا قال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي،
والدار قطني. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في
الثقات. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وأورده العقيلي في
الضعفاء، واستنكر له عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله: ((لا
يزال المسروق متغيظاً، حتى يكون أعظم إثماً من السارق)).
وقال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي: مات أبي سنة ١٩٤ في
النصف من شوال، وبلغ ٨٠ سنة. أخرج له الجماعة.
٣ - (يحيى بن سعيد) الأنصاري أبو سعيد القاضي المدني، ثقة
ثبت، توفي سنة ١٤٤، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٣/٢٢ .
٤ - (إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري، أبو يحيى
المدني، ثقة حجة توفي سنة ١٣٢، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في
٦٨/٥٤.
٥ - (أنس بن مالك) الصحابي الخادم الشهير رضي الله عنه،
تقدم ٦/٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف رحمه الله، وأن رجاله موثقون،
ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وفيه رواية
الراوي عن أبيه؛ سعيد، عن يحيى، ورواية الراوي عن عمه؛ إسحاق،

٢٦٩ -
٤٣ -الصلاة على الحصير - حديث رقم ٧٣٧
عن أنس، ورواية تابعي، عن تابعي؛ يحيى الأنصاري، عن
إسحاق، وفيه أنس بن مالك رضي الله عنه، أحد المكثرين السبعة، روى
٢٢٨٦ حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة
٩٢، وقيل غيره. والله تعالى أعلم.
شرع الحديث
(عن أنس بن مالك) الأنصاري رضي الله عنه (أن أم سليم)
بنت ملحان بن خالد بن زيد الأنصارية، من الصحابيات الفاضلات.
واسمها: سَهْلة، ويقال: رُمَيلة، ويقال: رُمَيثة، ويقال: أنَيفَة، وقيل:
مليكة. والدة أنس بن مالك، وأخت أم حرام بنت ملحان، وزوج
أبي طلحة الأنصاري، يقال: إنها هي الغُمَيصاء، أو الرُّمَيْصَاء. ثبت
ذلك في صحيح البخاري في حديث ابن المنكدر، عن جابر رضي الله
عنه، عن النبي ◌َّ﴾ قال: ((دخلت الجنة، فإذا بالرميصاء امرأة أبي
طلحة)). وفي صحيح مسلم من حديث ثابت، عن أنس رضي الله عنه،
عن النبي ◌َّه قال: ((دخلت الجنة، فسمعت خشفة، فقلت: من هذا؟
فقالوا: هذه الرميصاء)). وفي رواية ((الرميصاء بنت ملحان، أم أنس بن
مالك))، ورواه عبد بن حميد نحوه، إلا أنه قال: ((الغميصاء)).
وقال ابن عبد البر: كانت تحت مالك بن النضر في الجاهلية،
فولدت له أنس بن مالك، فلما جاء الله بالإسلام أسلمت مع قومها،

- ٢٧٠
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
وعرضت الإسلام على زوجها، فغضب عليها، وخرج إلى الشام،
فهلك هناك، ثم خَلَفَ عليها بعده أبو طلحة الأنصاري خطبها مشركاً،
فلما علم أنه لا سبيل له عليها إلا بالإسلام أسلم، وتزوجها، وحسن
إسلامه، فوُلُدَ له منها غلام كان قد أعْجبَ به، فمات صغيراً، فَأسفَ
عليه، ويقال: إنه أبو عُمَير صاحب النُّغير، ثم وَلَدَتْ له عبدَ الله بن أبي
طلحة، فبورك فيه، وهو والد إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الفقيه،
وإخوته، وكانوا عشرة كلهم حُملَ عنه العلم. وروي عن أم سليم أنها
قالت: لقد دعالي رسول الله ﴾ حتى ما أريد زيادة. ومناقبها كثيرة
مشهورة. روى لها الجماعة، سوى ابن ماجه .
(سألت رسول الله عَي أن يأتيها) أي يجيء إليها (فيصلي في
بيتها، فتتخذه) أي المكان الذي صلى فيه النبي ◌َه، تبركاً بأثره
(فأتاها، فعمدت) أي قصدت أم سليم رضي الله عنها، يقال:
عَمَدت للشيء، عمداً من باب ضرب، وعمدت إليه: قصدت،
وتعمدته: قصدت إليه. قاله في المصباح (إِلى حصير) متعلق
بعمدت، أي إلى إصلاح حصير، وتقدم معنى الحصير في أول الباب
(فنضحته) أي رشَّته (بماء) قال في ((الفتح)): يحتمل أن يكون النضح
لتليين الحصير، أو لتنظيفه، أو لتطهيره، ولا يصح الجزم بالأخير، بل
المتبادر غيره، لأن الأصل الطهارة. اهـ جـ ٢ ص ٤٥.
(فصلى عليه) أي صلى النبي ◌َّه على ذلك الحصير الذي نضحته
:

٢٧١ -
٤٣- الصلاة على الحصير - حديث رقم ٧٣٧
أم سليم (وصلوا معه) أي صلى القوم الحاضرون معه ثميه جماعة.
والحديث يدل على أنه تم صلى على الحصير.
فإن قلت: أخرج أبو يعلى الموصلي عن عائشة رضي الله عنها،
بسند؛ قال العراقي: رجاله ثقات: ((أنها سئلت أكان رسول الله عَّه
يصلي على الحصير؟ قالت لم يكن يصلي عليه)). فكيف الجمع بين
الحدیثین؟
قلت: يجاب بأنها إنما نَفَتْ علمها، والمثبت مقدم على النافي،
ومن حفظَ حجة على من لم يحفظ. وأيضاً فإن حديثها، وإن كان
رجاله ثقات، فإن فيه شذوذاً، ونكارة، كما قال العراقي، رحمه الله
تعالى. أفاده في ((نيل الأوطار)) جـ ٢ ص ٢٢٧ -٢٢٨. والله أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس رضي الله عنه هذا صحيح. وهو من أفراد المصنف،
أخرجه هنا (٧٣٧/٤٣)، و((الكبرى)) (٨١٦/٤٣) بالسند المذكور.
المسألة الثانية: في فوائده:
منها : ما ترجم له المصنف، وهو جواز الصلاة على الحصير.
ومنها : بيان فضل أم سليم رضي الله عنها، وما كانت عليه من
شدة محبتها للنبي تمّه ، واقتفائها آثاره.

- ٢٧٢
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
ومنها : بيان ما كان عليه النبي ◌َ﴾ ، من عظيم الخلق، حيث كان
يقضي رغبة من رغب إليه، ولو كانت امرأة، فهو كما وصفه الله تعالى
في محكم كتابه، حيث قال: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
ومنها : بيان تواضعه عملي ، حيث كان يصلي على الحصير الذي
يفترشه الرجال، والنساء، والأطفال، ويَدُوسُونَه بأقدامهم.
ومنها : مشروعية الجماعة في التطوع. والله سبحانه وتعالى
أعلم.
المسألة الثالثة: في مذاهب العلماء في الصلاة على الحصير،
ونحوه:
ذهب طائفة من أهل العلم إلى جواز الصلاة على الحصير. ومثله ما
في معناه، مما يفرش، سواء كان من حيوان، أو نبات. وحكاه الترمذي
عن أكثر أهل العلم، من الصحابة، ومن بعدهم، وهو قول أحمد،
والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وجمهور الفقهاء.
قال العلامة الشوكاني رحمه الله: قال العراقي: وقد ذهب إلى
استحباب الصلاة على الحصير أكثر أهل العلم، كما قال الترمذي.
قال: إلا أن قوماً من أهل العلم اختاروا الصلاة على الأرض استحباباً.
انتھی. وقد روي عن زيد بن ثابت، وأبي ذر، وجابر بن عبد الله،
وعبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، ومكحول، وغيرهما من

٢٧٣ -
٤٣ -الصلاة على الحصير - حديث رقم ٧٣٧
التابعين استحباب الصلاة على الحصير. وصرح ابن المسيب بأنها سنة.
اهـ ((نیل)) جـ ٢ ص ٢٢٨ .
وذهب جماعة من التابعين إلى كراهة الصلاة على غير الأرض. فقد
روى ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين
أن الصلاة على الطّنفسَة - وهي البساط الذي تحته خمل - محدثة.
وعن جابر بن زيد أنه كان يكره الصلاة على كل شيء من الحيوان،
ويستحب الصلاة على كل شيء من نبات الأرض. وعن عروة بن
الزبير أنه کان یکره أن يسجد على شيء دون الأرض.
قال الشوكاني رحمه الله: وإلى الكراهة ذهب الهادي، ومالك.
ومنعت الإمامية صحة السجود على ما لم يكن أصله من الأرض.
وكره مالك أيضاً الصلاة على ما كان من نبات الأرض، فدخلته صناعة
أخرى، كالكتان، والقطن.
قال ابن العربي رحمه الله: وإنما كرهه من جهه الزخرفة. واستدل
الهادي على كراهه ما ليس من الأرض بحديث ((جعلت لي الأرض
مسجداً وطهورًا)) بناء على أن لفظ الأرض لا يشمل ذلك.
قال في ضوء النهار: وهو وَهَم؛ لأن المراد بالأرض في الحديث
التراب، بدليل ((وطهورا)) وإلا لزم مذهب أبي حنيفة في جواز التيمم بما
أنبتت الأرض. انتهى.
---- ----------
.

- ٢٧٤
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
قال الشوكاني: وأقول: بل المراد بالأرض في الحديث ما هو أعم
من التراب، بدليل ما ثبت في الصحيح بلفظ: ((وتربتها طهورًا)) وإلا
لزم صحة إضافة الشيء إلى نفسه، وهي باطلة بالاتفاق. ولكن الأولى
أن يقال في الجواب عن الاستدلال بالحديث: إن التنصيص على كون
الأرض مسجداً لا ينفي كون غيرها مسجداً بعد تسليم عدم صدق
مسمى الأرض على البسط، على أن السجود على البسط، ونحوها
سجود على الأرض، كما يقال للراكب على السرج الموضوع على ظهر
الفرس: راكب على الفرس، وقد صح: ((أن رسول الله تَّه صلى على
البسط))، وهو لا يفعل المكروه. اهـ ((نيل الأوطار)) جـ ٢ ص ٢٢٦ - ٢٢٧ .
وقال في ((النيل)) أيضاً جـ ٢ ص ٢٢٨: وممن اختار مباشرة المصلي
للأرض من غیر وقاية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ فروی
الطبراني عنه أنه كان لا يصلي ولا يسجد إلا على الأرض. وعن إبراهيم
النخعي أنه كان يصلي على الحصير، ويسجد على الأرض.
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأقوال ليس عليها حجة، من
كتاب، ولا سنة، بل الذي ثبت عن النبي تمّ﴾ خلافها، فقد صح
عنه ◌َّ أنه صلى على الحصير، كما في حديث الباب، وصلى على
الخمرة، كما في الحديث الآتي في الباب التالي، وصلى على البساط،
كما في الحديث المتفق عليه، عن أنس رضي الله عنه قال: ((ونُضحَ
بساط لنا، فصَلَّى عليه)). فالصواب ما قاله الجمهور، من جواز الصلاة

٢٧٥ _
٤٣ -الصلاة على الحصير - حديث رقم ٧٣٧
والسجود على الحصير، ونحوه والله سبحانه وتعالى أعلم.
المسألة الرابعة :
حديث أنس رضي الله عنه هذا غير حديثه الآتي برقم ٨٠١ و٨٠٢ .
فإن ذلك وقع جدته مليگة، رضي الله عنها، ((دعت رسول الله تَ﴾.
لطعام قد صنعته له، فأكل منه، ثم قال: ((قوموا، فلأصليَ لكم))، قال
أنس: فقمت إلى حصير لنا، قد اسودّ من طول ما لُبسَ ، فنضحته
بماء، فقام رسول اللـه لَ﴾، وصففت أنا، واليتيم وراءه، والعجوز من
ورائنا، فصلی لنا ركعتين، ثم انصرف)). متفق عليه.
فالداعية في حديث الباب أم سليم، أم أنس، دعته ليصلي في
بيتها، لتتخذه مصلَّى، وهناك الداعية مليكة جدة أنس، دعته لطعام
صنعته له، ولكنه، صلى لها في بيتها، مكافأة على إحسانها .
وإنما نبهت علیه، وإن كان واضحاً، لأنه ربما يلتبس على بعض
الناس، لتقارب القصتين. والله سبحانه وتعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .

٢٧٦
-
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
٤٤ - الصَّلاةُ عَلَى الْخُمْرَة
أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على جواز الصلاة على الخمرة.
و ((الخمرة)) - بضم الخاء، وسكون الميم -: وزان غُرْفة: يأتي
تفسیرها قریباً، إن شاء الله تعالى.
٧٣٨ - أخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُود، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالدٌ، عَنْ
شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ - يَعْنِي الشََّانِيَّ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
شَدَّاد، عَنْ مَيْمُونَةَ، ((أنَّ رَسُولَ اللهِ عَمْيُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى
الخُمْرَة)).
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدَري أبو مسعود البصري،
ثقة، توفي سنة ٢٤٨، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في
٤٢/ ٤٧.
٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيمي أبو عثمان البصري، ثقة ثبت
توفي سنة ١٨٦ هـ، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢ / ٤٧ .
٣ - (شعبة) بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، الإمام الحجة
الثبت، توفي سنة ١٦٠، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في

٢٧٧ _
٤٤ - الصلاة على الخمرة - حدیث رقم ٧٣٨
٢٦/٢٤.
٤ - (سليمان) بن أبي سليمان، فيروز، أبو إسحاق الشيباني
الكوفي ثقة، توفي في حدود سنة ١٤٠هـ، من [٥]، أخرج له الجماعة،
تقدم في ١٧٢/ ٢٦٧.
٥ - (عبد الله بن شداد) بن الهاد، واسم الهاد: أسامة بن عمرو
ابن عبد الله بن جابر، وقيل: خالد بن بشر بن عَتوارة بن عامر بن مالك
ابن ليث بن بكر بن عبد مناة بن علي بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن
إلياس بن مضر بن نزار الليثي، أبو الوليد المدني، كان يأتي الكوفة،
وأمه سلمى بنت عميس الخثعمية، أخت أسماء بن عمیس.
قال الميموني: سئل أحمد، أسمع عبد الله بن شداد من النبي
شيئاً؟ قال: لا. وقال ابن المديني: شهد مع علي يوم النهروان. وقال
العجلي، والخطيب: هو من كبار التابعين، وثقاتهم. وقال أبو زرعة،
والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان عثمانياً، ثقة في الحديث، توفي
في ولاية الحجاج على العراق. وقال الواقدي: خرج مع القراء أيامَ ابن
الأشعث على الحجاج، فقتل يوم دُجَيْل، وكان ثقة فقيهاً، كثير
الحديث، متشيعاً. وقال ابن نمير: قتل بدجيل سنة ٨١. وقال يحيى بن
بكير، وغير واحد: فُقدَ ليلة دجيل سنة ٨٢. وقال الثوري: فقد ابن
شداد، وابن أبي ليلى بالجَمَاجم. وكذا قال العجلي، وزاد: اقتحم بهما
فرساهما الماء، فذهبا. وقال ابن حبان في الثقات: غَرَقَ بدُجيل. وقال

شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
- ٢٧٨
ابن عبد البر في الاستيعاب: ولد على عهد النبي ◌َّ﴾ . وقال يعقوب
ابن شيبة في مسند عمر: كان يتشيع. قال الحافظ: وما تقدم عن ابن
سعد: كان عثمانياً. فيه نظر. أخرج له الجماعة. وفي ((ت)) مات
بالكوفة مقتولاً سنة ٨١، وقیل بعدها.
٦ - (ميمونة) بنت الحارث الهلالية، زوج النبي لم﴾ ، قيل:
اسمها برة، فسماها النبي ﴾ ميمونة، تزوجها بسرف سنة ٧، وماتت
به، ودفنت سنة ٥١، على الصحيح، أخرج لها الجماعة. تقدمت في
٢٣٦/١٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سداسيات المصنف رحمه الله.
ومنها : أن رواته كلهم ثقات، من رجال الجماعة، إلا شیخه، فمن
فراده.
ومنها : أنهم ما بين بصريين، وهم الثلاثة الأولون، وكوفي، وهو
سلیمان، ومدنیین، وهما عبد الله بن شداد، وميمونة.
ومنها : أن فيه رواية تابعي، عن تابعي؛ سلیمان، عن عبد الله بن
شداد .

٢٧٩ -
٤٤ - الصلاة على الخمرة - حديث رقم ٧٣٨
شرح الحديث
(عن ميمونة) أم المؤمنين رضي الله عنها (أن رسول الله وَاللّه كان
يصلي على الخمرة) هذا الحديث مختصر، ولفظه عند البخاري:
((كان رسول الله عمّيه يصلي، وأنا حذاءه، وأنا حائض، وربما أصابني
ثوبه إذا سجد، قالت: وكان يصلي على الخمرة)).
والخُمْرة - بضم الخاء المعجمة، وسكون الميم -: قال الطبري: هو
مصَلَّى صغير يعمل من سَعَف النخل، سميت بذلك لسترها الوجه
والكفين من حر الأرض وبردها، فإن كانت كبيرة سميت حصيراً. وكذا
قال الأزهري في تهذيبه، وصاحبه أبو عبيد الهروي، وجماعة بعدهم.
قاله في الفتح. جـ ١ ص ٥٧٢.
وقال ابن منظور: الخُمْرة: حَصيرة أو سَجَّادة صغيرة، تُنْسَج من
سَعَف النخل(١) وتُرَمَّلُ(٢) بالخيوط. وقيل: حَصيرة أصغر من المُصَلَّى.
وقيل: الخمرة: الحصير الصغير الذي يُسجَدُ عليه. قال الزجاج:
سميت خمرة لأنها تستر الوجه من الأرض. لسان. جـ ٢ ص ١٢٦١ .
وقال ابن الأثير رحمه الله: هي مقدار ما يضع الرجل عليه وجهه
(١) السَّعَف-بفتحتین-أغصان النخل ما دامت بالخوص، فإن زال الخوص عنها قيل:
جَريد، الواحدة سَعَفَة، مثل قَصَب، وقَصَّبة. والخوص بالضم: ورق النخل،
الواحدة خوصة. اهـ المصباح.
(٢) قوله: ((يُرَمَّل))، يقال: رَمَّلَ النَّسْجَ: رقَّقَه، كأرملة، والسريرَ، أو الحصيرَ: زيَّنَه
بالجوهر، ونحوه. اهـ ((ق)).

- ٢٨٠ -
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
في سجوده من حصیر، أو نسیج خُوص، ونحوه، من النبات، قال:
ولا تكون خُمْرة إلا في هذا المقدار، وسميت خمرة لأن خيوطها مستورة
بسعفها. وقد تكررت في الحديث،. هكذا فسرت. وقد جاء في سنن
أبي داود، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ((جاءت فأرة،
فأخذت تَجُرُّ الفتيلة، فجاءت بها، فألقتها بين يدي رسول الله ﴾﴾ على
الخمرة التي كان قاعداً عليها، فأحرقت منها مثل موضع درهم)).
وهذا صريح في إطلاق الخمرة على الكبير من نوعها. اهـ ((نهاية)). جـ ٢
ص ٧٧ -٧٨ .
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن المراد هنا الكبيرة، إذ لو كانت
صغيرة لقالت: ((كان يسجد على الخمرة)).
وفي ((المنهل)): أن الخمرة يجعلها المصلي تحت جبهته، لتَقيه من
الحر، والبرد، وتطلق أيضاً على الكبير من نوعها، وهو المراد في
الحدیث. اهـ. جـ ٥ ص ٤٦ .
وفيه دلالة على جواز الصلاة على الخمرة. قال ابن بطال: لا خلاف
بين فقهاء الأمصار في جواز الصلاة على الخمرة، إلا ما روي عن عمر
ابن عبد العزيز أنه كان يؤتى بالتراب، فيوضع على الخمرة، فيسجد
عليه. ولعله كان يفعله على جهة المبالغة في التواضع، والخشوع، فلا
یکون فيه مخالفة للجماعة. اهـ.