Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤١ _
١٥ - النهي عن منع النساء من إتيان المساجد - حديث رقم ٧٠٦
٣ - (الزهري) محمد بن مسلم المدني ، ثقة ثبت حجة ، من
[٤]، تقدم في ١/ ١ .
٤ - (سالم) بن عمر العدوي المدني الفقيه، ثقة ثبت ، من [٣]،
تقدم في ٤٩٠ .
٥ - (عبد الله) بن عمر بن الخطاب الصحابي المشهور رضي الله
عنهما ، تقدم في ١٢ / ١٢ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف .
ومنها: أن رواته كلهم ثقات ، اتفقوا عليهم ، إلا إسحاق ، فلم
يخرج له ابن ماجه.
ومنها : أن فيه سالماً أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال.
ومنها: رواية الابن عن أبيه، ورواية تابعي عن تابعي.
ومنها: أن ابن عمر أحد المكثرين السبعة ، وأحد العبادلة الأربعة
من الصحابة رضي الله عنهم. والله تعالى أعلم.
شرع الحديث
(عن سالم عن أبيه ) عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، أنه
(قال : قال رسول الله ◌َّ: إِذا استأذنت امرأة أحدكم) أي طلبت
الخروج (إِلى المساجد) لأداء الصلاة ، ونحوها (فلا يمنعها) من

- ٦٤٢
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
الخروج ليلاً أو نهاراً ، على ظاهر هذه الرواية ، كما هو رأي المصنف ،
حيث أطلق الترجمة ، أو ليلاً فقط ، كما هو رأي البخاري رحمه الله
تعالى حيث قيد ترجمته به ، على رواية التقييد .
فقد أخرج البخاري حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا من طريق
حنظلة بن أبي سفيان الجمحي ، عن سالم ، عنه، بلفظ: (( إذا استأذنكم
نساؤكم بالليل إلى المساجد ، فأذنوا لهن)) .
قال الحافظ رحمه الله تعالى: لم يذكر أكثر الرواة عن حنظلة
قوله: ((بالليل))، وكذلك أخرجه مسلم ، وغيره . وقد اختلف فيه
على الزهري ، عن سالم أيضاً ، فأورده البخاري من رواية معمر ،
ومسلم من رواية يونس بن يزيد ، وأحمد من رواية عقيل ، والسراج
من رواية الأوزاعي ، كلهم عن الزهري بغير تقييد . وكذا أخرجه
البخاري في النكاح عن علي بن المديني ، عن سفيان بن عيينة ، عن
الزهري بغیر قید .
ووقع عند أبي عوانة في صحيحه عن يونس بن عبد الأعلى ، عن
ابن عيينة مثله ، لكن قال في آخره (( يعني بالليل )) ، وبين ابن خزيمة عن
عبد الجبار بن العلاء أن سفيان بن عيينة هو القائل: (( يعني))، وله عن
سعيد بن عبد الرحمن ، عن ابن عيينة قال: ((قال نافع: بالليل))، وله
عن يحيى بن حكيم ، عن ابن عيينة قال: ((جاءنا رجل، فحدثنا عن

٦٤٣ -
١٥ - النهي عن منع النساء من إتيان المساجد - حديث رقم ٧٠٦
نافع، قال: إنما هو بالليل)) وسمي عبدُ الرزاق، عن ابن عيينة الرجلَ
المبهَمَ ، فقال بعد روايته عن الزهري : ((قال ابن عيينة : وحدثنا
عبدالغفار - يعني بن القاسم - أنه سمع أبا جعفر - يعني الباقر - يخبر بمثل
هذا عن ابن عمر، قال: فقال له نافع مولى ابن عمر: (( إنما ذلك
بالليل)» .
و كأن اختصاص الليل بذلك لكونه أستر . ولا يخفى أن محل ذلك
إذا أمنت المفسدة منهن ، وعليهن .
وقال النووي رحمه الله : استدل به على أن المرأة لا تخرج من بيت
زوجها إلا بإذنه ، لتوجه الأمر إلى الأزواج بالإذن ، وتعقبه ابن دقيق
العيد رحمه الله بأنه إن أخذ من المفهوم ، فهو مفهوم لقب ، وهو
ضعيف ، لكن يتقوى بأن يقال : إنَّ منع الرجال نسائهم أمر مقرر ،
وإنما علق الحكم بالمساجد لبيان محل الجواز ، فيبقى ما عداه على المنع.
وفيه إشارة إلى أن الإذن المذكور لغير الوجوب ، لأنه لو كان واجباً
لانتفى معنى الاستئذان ، لأن ذلك إنما يتحقق إذا كان المستأذَنُ مخيراً
في الإجابة ، أو الرد . انتھی. ((فتح)) جـ٢ ص ٤٠٤.
قال الجامع عفا الله عنه : في هذا الاستنباط نظر لا يخفى ، بل
الصواب أن الأمر للوجوب ، كما سيأتي تحقيقه . والله أعلم .

-
٦٤٤
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
تنبيه :
وقع في رواية مسلم لحديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا قصة مع
أحد أبنائه ، فأخرج من طريق يونس ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني
سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله عَّه
يقول: ((لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذَنَّكم إليها)) قال: فقال:
بلال بن عبد الله : والله لنمنعهن . قال : فأقبل عليه عبد الله، فسبه
سبّاً سيئاً، ما سمعته سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله عَّهِ،
وتقول : والله لنمنعنهن .
وفي رواية مجاهد : فقال ابن لعبد الله بن عمر: لا ندعهن
يخرجن، فيتخذنه دَغَلاً ، قال : فزَبَرَه ابن عمر ، وقال : أقول : قال
رسول الله ﴾ ، وتقول: لا ندعهن .
وفي رواية : فقال ابن له يقال له واقد : إذن يتخذنه دغلاً ، قال :
فضرب في صدره ، وقال: أحدثك عن رسول الله عمّة، وتقول : لا.
قال في ((الفتح)): والراجح أن صاحب القصة بلال ، لورود ذلك
من رواية نفسه ، ففي رواية الطبراني من طريق عبد الله بن هبيرة ، عن
بلال ابن عبد الله: ((فقلت: أما أنا فسأمنع أهلي، فمن شاء فليسرح أهله))، وكذا
من رواية أخيه سالم كما تقدم ، ولم يختلف عليهما في ذلك .
وأما تسميته واقداً ، فإن كان محفوظاً ، فيحتمل أن يكون كلٌّ من
بلال وواقد وقع له ذلك ، إما في مجلس ، أو في مجلسين ، وأجاب

٦٤٥ _
١٥ - النهي عن منع النساء من إتيان المساجد - حديث رقم ٧٠٦
ابن عمر كلاً منهما بجواب يليق به . ويقويه اختلاف النقلة في جواب
ابن عمر ، ففي رواية بلال عند مسلم (« فأقبل عليه عبد الله ، فسبه سبّاً
سيئاً ما سمعته سبه مثله قط)) .
وفسر عبد الله بن هبيرة في رواية الطبراني السب المذكور باللعن
ثلاث مرات ، وفي رواية زائدة، عن الأعمش ((فانتهره، وقال : أفّ
لك)). وله عن ابن نمير، عن الأعمش ((فعل الله بك، وفعل))، ومثله
للترمذي ، من رواية عيسى بن يونس ، ولمسلم من رواية أبي معاوية
((فزبره))، ولأبي داود من رواية جرير ((فسبه، وغضب)).
فيحتمل أن يكون بلال البادئ ، فلذلك أجابه بالسب المفسر للعن ،
وأن يكون واقد بدأه ، فلذلك أجابه بالسب المفسر بالتأفيف مع الدفع
في صدره .
وكأن السر في ذلك أن بلالاً عارض الخبر برأيه ، ولم يذكر علة
المخالفة ، ووافقه واقد، لكن ذكرها بقوله: ((يتخذنه دَغَلاً))، وهو
بفتح المهملة ، ثم المعجمة، وأصله الشجر الملتف، ثم استعمل في
المخادعة ، لكون المخادع يلف في ضميره أمراً ، ويظهر غيره.
وكأنه قال ذلك لما رأى من فساد بعض النساء في ذلك الوقت ،
وحملته على ذلك الغيرة ، وإنما أنكر عليه ابن عمر لتصريحه بمخالفة
الحدیث، وإلا فلو قال-مثلاً - : إن الزمان قد تغير ، وإن بعضهن ربما
ظهر منها قصد المسجد وإضمار غيره ، لكان يظهر أن لا ينكر عليه.

- ٦٤٦
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
وإلى ذلك أشارت عائشة بما ذكر في حديثها .
وأخذ من إنكار ابن عمر على ولده تأديب المعترض على السنن
برأيه، وعلى العالم بهواه ، وتأديب الرجل ولده، وإن كان كبيراً ، إذا
تكلم بما لا ينبغي له ، وجواز التأديب بالهجران ، فقد وقع في رواية ابن
أبي نجيح ، عن مجاهد ، عند أحمد ((فما كلمه عبد الله حتى مات))،
وهذا إن كان محفوظاً يحتمل أن يكون أحدهما مات عقب هذه القصة
بیسیر . انتهى. ((فتح)) جـ٢ ص ٤٠٥ - ٤٠٦. والله تعالى أعلم، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث ابن عمر رضي الله عنهما هذا من طريق ابن عيينة متفق عليه.
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا (٧٠٦/١٥)، و((الكبرى)) (١٥/ ٧٨٥)، عن إسحاق
ابن إبراهيم الحنظلي ، عن ابن عيينة ، عن الزهري ، عن سالم ، عنه.
والله أعلم.
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه البخاري ومسلم.
فأخرجه البخاري في ((النكاح)) (١١٧) عن علي بن عبد الله.
ومسلم في ((الصلاة)) (١/٣٠) عن عمرو الناقد، وزهير بن حرب
ثلاثتهم عن ابن عيينة ، به .

٦٤٧ -
١٥ - النهي عن منع النساء من إتيان المساجد - حديث رقم ٧٠٦
وأخرجه من طريق حنظلة بن أبي سفيان الجمحي البخاري في
الصلاة ٣١٣/ ٢ عن عبيد الله بن موسى.
وأخرجه مسلم فيه (٤/٣٠) عن محمد بن عبد الله بن مير ، عن
أبيه ، كلاهما عن حنظلة ، عن سالم ، عن أبيه .
ومن طريق معمر أخرجه البخاري في ((الصلاة)) (١/٣١٧) عن
مسدد، عن يزيد بن زريع ، عن معمر ، عن الزهري ، به . وابن ماجه
في المقدمة (٥/٣) عن محمد بن يحيى ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ،
به. ومن طريق يونس بن يزيد الأيلي، ومسلم في ((الصلاة)) (٢/٣٠)
عن حرملة بن يحيى ، عن ابن وهب ، عن يونس ، عن الزهري ، به .
وأخرجه أحمد ، والحميدي ، والدارمي ، وابن خزيمة. والله تعالى
أعلم.
المسألة الرابعة : هذا الحديث - كما قال العلامة الحافظ ابن دقيق
العيد رحمه الله في ((إحكام الأحكام)) جـ٢ ص١٣٩، صريح في النهي
عن منع النساء عن المساجد عند الاستئذان .
وقد ثبت في ((صحيح ابن حبان)) جـ٥ ص٢٢١١، و٢٢١٤ (( لا
تمنعوا إماء الله مساجد الله))، وهو يشعر بطلبهن للخروج، فإن المانع
إنما يكون مانعاً بعد وجود المقتضي ، ويلزم من النهي عن منعهن من
الخروج إباحته لهن ، لأنه لو كان ممتنعاً لم ينه الرجال عن منعهن منه .
والحديث عام في النساء ، ولكن الفقهاء قد خصوه بشروط
وحالات : منها أن لا يتطيبن ، وهذا الشرط مذكور في الحديث ، ففي

- ٦٤٨
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
بعض الروايات (( وليخرجن تَفلات))، قال الحافظ : وهو بفتح المثناة ،
وكسر الفاء ، أي غير متطيبات ، ويقال : امرأة تفلة: إذا كانت متغيرة
الريح ، وهو عند أبي داود ، وابن خزيمة من حديث أبي هريرة ، وعند
ابن حبان من حديث زيد بن خالد، وأوله: (( لا تمنعوا إماء الله
مساجد))، ومسلم من حديث زينب امرأة ابن مسعود رضي الله عنه :
((إذا شهدت إحداكن المسجد ، فلا تمسن طيباً)).
ويلحق بالطيب ما في معناه ، لأن سبب المنع منه ما فيه من تحريك
داعية الشهوة ، كحسن الملبس ، والحلي الذي يظهر ، والزينة الفاخرة،
وكذا الاختلاط بالرجال.
وفرق كثير من الفقهاء المالكية ، وغيرهم بين الشابة وغيرها ، وفيه
نظر ، إلا إن أخذ الخوف عليها من جهتها ، لأنها إذا عريت مما ذكر ،
وكانت مستترة حصل الأمن عليها ، ولا سيما إذا كان ذلك بالليل .
وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث وغيره ما يدل على أن صلاة
المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد ؛ وذلك في رواية حبيب
ابن أبي ثابت ، عن ابن عمر، بلفظ (( لا تمنعوا نساءكم المساجد،
وبيوتهن خير لهن)) ، أخرجه أبو داود ، وصححه ابن خزيمة .
ولأحمد والطبراني من حديث أم حميد الساعدية (( أنها جاءت
إلى رسول الله عَّ، فقالت: يا رسول الله، إني أحب الصلاة
معك، قال : ((قد علمت ، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في

٦٤٩ -
١٥ - النهي عن منع النساء من إتيان المساجد - حديث رقم ٧٠٦
حجرتك ، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك ،
وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في
مسجد قومك خير من صلاتك في مسجد الجماعة)))). وإسناده
حسن، وله شاهد من حديث ابن مسعود عند أبي داود .
ووجه كون صلاتها في الإخفاء أفضل تحقق الأمن فيه من الفتنة ،
ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة ، ومن ثم
قالت عائشة رضي الله عنها - كما في صحيح البخاري - ((لو أدرك
رسول الله :َّ ما أحدث النساء لمنعهن، كما منعت نساء بني
إسرائيل)).
وتمسك بعضهم بقول عائشة هذا في منع النساء مطلقاً ، وفيه نظر ،
إذ لا يترتب على ذلك تغير الحكم ؛ لأنها علقته على شرط ، لم يوجد
بناء على ظن ظنته، فقالت: ((لو رأى لمنع))، فيقال عليه : لم ير ، ولم
يمنع، فاستمر الحكم ، حتى إن عائشة لم تصرح بالمنع ، وإن كان
كلامها يشعر بأنها كانت ترى المنع .
وأيضاً فقد علم الله سبحانه ما سيُحْدثْنَ ، فما أوحى إلى نبيه
بمنعهن ، ولو كان ما أحدثن يستلزم منعهن من المساجد لكان منعهن من
غيرها ، کالأسواق أولى.
وأيضاً فالإحداث إنما وقع من بعض النساء، لا من جميعهن ، فإن
تعین المنع ، فلیکن من أحدثت ، والأولى أن ينظر إلى ما يخشى منه من

- ٦٥٠ -
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
الفساد ، فيجتنب، لإشارته ◌َّى إلى ذلك بمنع الطيب والزينة ،
و كذلك التقیید بالليل ، کما سبق . انتهى فتح جـ٢ ص ٤٠٧ .
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى : وقد حصل من
الأحاديث المذكورة في هذا الباب أن الإذن للنساء من الرجال إلى
المساجد إذا لم يكن في خروجهن ما يدعو إلى الفتنة ، من طيب ، أو
حلي ، أو زينة واجب على الرجال ، وأنه لا يجب مع ما يدعو إلى
ذلك، ولا يجوز، ويحرم عليهن الخروج، لقوله مّه: ((أيما امرأة
أصابت بَخُوراً فلا تشهدنَّ معنا العشاء الآخرة))، رواه مسلم، وأبوداود،
والنسائي.
وصلاتهن على كل حال في بيوتهن أفضل من صلاتهن في
المساجد. انتھی. ((نیل)) جـ٤ ص١٦.
وقال النووي رحمه الله : وهذا النهي عن منعهن من الخروج
محمول على كراهة التنزيه، إذا كانت المرأة ذات زوج ، أو سيد،
ووجدت الشروط المذكورة ، فإن لم يكن لها زوج ، ولا سيد حرم
المنع، إذا وجدت الشروط. انتهى. ((شرح مسلم)) جـ٤ ص ١٦٢ .
قال الجامع عفا الله عنه : تفریق النووي رحمه الله بین ذوات
الأزواج ، وبين غيرهن لا وجه له ، لأن النص جاء صريحاً في ذوات
الأزواج ، فالراجح ما تقدم للشوكاني ، من التحريم مطلقاً ، للنص
الصريح . والله أعلم .

٦٥١ _
١٥ - النهي عن منع النساء من إتيان المساجد - حديث رقم ٧٠٦
المسألة الخامسة : في اختلاف العلماء في خروج النساء إلى
المساجد :
قال العلامة المجتهد أبو محمد بن حزم رحمه الله : ولا يحل لولي
المرأة ، ولا لسيد الأمة منعهما من حضور الصلاة في جماعة في المسجد،
إذا عرف أنهن يردن الصلاة ، ولا يحل لهن أن يخرجن متطيبات ،
وفي ثياب حسان ، فإن فعلت فليمنعها ، وصلاتهن في الجماعة أفضل
من صلاتهن منفردات .
قال : وقال أبو حنيفة ومالك : صلاتهن في بيوتهن أفضل. وكره
أبو حنيفة خروجهن إلى المساجد لصلاة الجماعة ، وللجمعة ، وفي
العيدين ، ورخص للعجوز خاصة في العشاء الآخرة ، والفجر ، وقد
روي عنه أنه لم یکره خرو جهن في العيدين .
وقال مالك: لا تمنعهن من الخروج إلى المساجد ، وأباح للْمُتَجالَّة
- أي الكبيرة السن - شهود العيدين ، والاستسقاء ، وقال : تخرج
الشابة إلى المسجد المرة بعد المرة ، قال : والمتجالة تخرج إلى المسجد ،
ولا تكثر التردد.
ثم رد أبو محمد رحمه الله على هؤلاء بمالا تجده في غير كتابه ،
فأجاد ، وأفاد . انظر ((المحلى)) جـ٣ ص١٢٩ .
قال الجامع عفا الله عنه : ما قاله أبو محمد رحمه الله تعالى

- ٦٥٢
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
حسن جداً ، إلا قوله : وصلاتهن في الجماعة أفضل ، فإنه غير مُسَلَّم
له، فإن صلاتهن في بيوتهن أفضل ، لصحة الأحاديث بذلك :
فمنها : حديث أم حميد المتقدم ، وهو حديث حسن ، كما تقدم
عن الحافظ .
ومنها: حديث ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي ◌َّ ، قال:
((صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها ، وصلاتها في
مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها)) ، أخرجه أبو داود بإسناد
صحيح. والمخدع ـ بضم الميم - : بيت صغير، يحرز فيه الشيء ،
وتثليث الميم لغة . قاله في المصباح .
ومنها : حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : قال
رسول الله ملي: ((لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن)).
أخرجه أبوداود ، وأحمد ، والحاكم ، والبيهقي ، وصححه الحاكم
على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبي، وصححه جماعة آخرون ، لكن
فيه عنعنة حبيب بن أبي ثابت ، وهو مدلس . كما قال الشيخ الألباني .
انظر «الإرواء)) جـ٢ ص٢٩٣ -٢٩٤.
قال الجامع : لكنه ينجبر بالأحاديث المذكورة .
وبالجملة فأحاديث الباب صحيحة ، فتضعيف ابن حزم لها ، وكذا
دعواه النسخ فيها على تقدير ثبوتها ، مما لا يلتفت إليه .

٦٥٣ -
١٥ - النهي عن منع النساء من إتيان المساجد - حديث رقم ٧٠٦
والحاصل أن الأرجح من الأقوال المذكورة في هذا الباب قول من
قال بوجوب إذن الرجل لامرأته إذا طلبت منه الخروج إلى المساجد ، إذا
كان على الوجه المشروع لها ، بأن لا تتطيب ، ولا تتزين ، ونحو
ذلك، ولكن الأفضل لها أن تصلي في بيتها . والله أعلم .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .

٦٥٤
-
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
١٦ - مَنْ يُمْنَعُ مِنَ المَسْجِدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان الشخص الذي يمنع دخول
المسجد .
فمن اسم موصول ، و(( يمنع)) بالبناء للمفعول، والجار والمجرور
متعلق به . ويحتمل أن تكون (( من)) استفهامية مبتدأ ، والجملة بعدها
خبر ، أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواب من سأل قائلاً : أيُّ
شخص يُمْنَعُ من المسْجد ؟ والله تعالى أعلم.
٧٠٧ - أخْبَرَنَا إسْحَاقُ بْنُ مَنْصُور، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنِ
ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللّهِ لَهُ: ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ))، قَالَ
أوَّلَ يَوْمٍ: ((الثُّومِ))، ثُمَّ قَالَ: (( الثَّوْمِ، والبَصَلِ،
والْكُرَّاتِ، فَلاَ يَقْرَبْنَا فِي مَسْجِدِنَا، فَإِنَّ المَلائِكَةَ تَتَأْذَّى
ممَّا يَتَأْذَّى مِنْهُ الإنْسُ)).
رجال هذا الإسناد : خمسة
١ - (إِسحاق بن منصور) الكوسج ، أبو يعقوب المروزي ، ثقة
ثبت ، من [١١]، تقدم في ٨٨/٧٢ .
٢ - ( يحيى ) بن سعيد القطان البصري، ثقة حجة، من [٩]،
تقدم في ٤ / ٤ .

٦٥٥ _
١٦ - من يمنع من المسجد - حديث رقم ٧٠٧
٣ - ( ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي ، ثقة
فقيه فاضل ، كان يدلس ويرسل ، من [٦]، تقدم في ٣٢/٢٨ .
٤ - (عطاء) بن أبي رباح المكي ، ثقة فقيه فاضل كثير الإرسال ،
من [٣]، تقدم في ١١٢ / ١٥٤ .
٥ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَمي
الصحابي ابن الصحابي رضي الله عنهما، تقدم في ٣٥/٣١ . والله
تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف ، وأن رواته كلهم ثقات ، اتفقوا
علیهم ، إلا شيخه ، فلم يخرج له أبو داود .
ومنها : أنه ليس في الكتب الستة من يسمى إسحاق بن منصور ،
إلا الكوسج هذا ، وإلا إسحاق منصور السَّلُوليَّ من الطبقة (٩).
ومنها : أن فيها جابراً أحد المكثرين من الصحابة رضي الله عنهم ،
روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن جابر) عبد الله رضي الله عنهما، أنه (قال: قال
رسول الله تَّ: من أكل) شرطية مبتدأ، جوابها قوله (( فلا يقربنا)).
قال ابن بطال: هذا يدل على إباحة أكل الثوم، لأن قوله: ((من أكل))
لفظ إباحة . وتعقبه ابن المُنَيِّر بأن هذه الصيغة إنما تعطي الوجود ، لا

- ٦٥٦
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
الحكم. أي من وجد منه الأكل، وهو أعم من كونه مباحاً، أو غير مباح .
قال الجامع : لكن قد جاء ما يدل على عدم تحريمها ، فقد أخرج
مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، أنه قال : لم
نَعْدُ أن فتحت خيبر، فوقعنا أصحاب رسول الله ◌َّ في تلك البَقْلَة
الثوم ، والناس جياع ، فأكلنا منها أكلاً شديداً ، ثم رحنا إلى المسجد ،
فوجد رسول الله مي الريح، فقال: ((من أكل من هذه الشجرة
الخبيثة شيئًا، فلا يَقْرَبَنَّا في المسجد)) ، فقال الناس : حرمت ، حرمت،
فبلغ ذلك النبي عمله، فقال: (( أيها الناس إنه ليس لي تحريم ما أحل الله
لي، ولكنها شجرة أكره ريحها)). انظر صحيح مسلم بشرح النووي
جـہ ص٥١.٥٠.
(من هذه الشجرة) واحدة الشجر ، وهو ماله ساق صُلْب يقوم
به ، كالنخل وغيره ، ويجمع أيضاً على شَجَرات ، وأشجار . قاله في
المصباح .
وقال في الفتح: وفي قوله: (( الشجرة)) مجاز ، لأن المعروف في
اللغة أن الشجرة ما كان لها ساق ، وما لا ساق له يقال له : نجم ، وبهذا
فسر ابن عباس وغيره قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمَ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾
[الرحمن: ٦].
ومن أهل اللغة من قال : كل ما ثبتت له أرومة ، أي أصل في
الأرض يخلف ما قطع منه ، فهو شجر ، وإلا فنجم .

٦٥٧ _
١٦ - من يمنع من المسجد - حديث رقم ٧٠٧
وقال الخطابي : في هذا الحديث إطلاق الشجر على الثوم ، والعامة
لا تعرف الشجر إلا ما كان له ساق . انتهى .
ومنهم من قال : بين الشجر والنجم عموم وخصوص ، فكل نجم
شجر من غير عكس ، كالشجر والنخل ، فكل شجر نخل ، من غير
عکس . انتھی. فتح جـ ٢ ص٣٩٦ .
(قال أوَّلَ يوم : الثوم ، ثم قال: الثوم ، والبصل ، والكراث)
وفاعل ((قال) ضمير عطاء ، كما بينه أبو نعيم في مستخرجه من طريق
رَوْح بن عبادة ، عن ابن جريج ، ولفظه: قال ابن جريج : وقال عطاء
في وقت آخر: ((الثوم، والبصل ، والكراث)) . أفاده في الفتح.
وحاصل المعنى أن عطاء قال في أول يوم تحديثه بهذا الحديث :
((من أكل من هذه الشجرة ، الثوم))، ثم قال حين حدث بعد ذلك:
((من أكل من هذه الشجرة: الثوم والبصل والكراث)) ، فزاد البصل
والكراث.
فقوله: ((أول)) منصوب على الظرفية متعلق بقال ، وقوله :
((الثوم)) مقول القول ، ولفظه مجرور على الحكاية ، فإنه في الأصل بدل
من الشجرة .
والثّومُ - بضم المثلثة، واحدته : ثُومَة . والبَصَلُ - بفتح الباء
الموحدة، والصاد المهملة ، واحدته بَصَلَة . والكُرَّاث ، بضم الكاف

- ٦٥٨
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
وفتحها وتشديد الراء ، وزان رُمَّان ، وكُتَّان. كما في ((ق)).
(فلا يقربنا) بفتح الراء وضمها، يقال : قَربْتُ الأمرَ ، أقرَبُهُ،
من باب تعب ، وفي لغة من باب قتل ، قرباناً ، بالكسر : فَعَلْتُهُ ، أو
دانيته ، ومن الأول قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء: ٣٢]،
ومن الثاني قولك : لا تَقْرَب الحمَى، أي لا تَدْنُ منه . ومنه هذا
الحديث ، أي لا يَدْنُ منا .
فالفعل على هذا متعد ، فَنَا في قوله: (( يقربنا)) في محل نصب
مفعوله.
وأما قَرُبَ - بضم الراء ، فلازم ، ويتعدى بمن ، يقال : قَرُب الشيء
منا . كما تفيده عبارة المصباح .
(في مساجدنا) متعلق بيقرب ، وهو بصيغة الجمع عند المصنف
هنا ، وفي الكبرى ، وفي رواية لمسلم ((فلا يأتين المساجد)) ، ووقع في
بعض روایات الشیخین ( مسجدنا» بالإفراد.
قال العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى : تعلق به بعضهم في
أن هذا النهي مخصوص بمسجد الرسول مي ، وربما يتأكد ذلك بأنه
كان مهبط الملك بالوحي ، والصحيح المشهور خلاف ذلك ، وأنه عام،
لما جاء في بعض الروايات ((مساجدنا))، ويكون (( مسجدنا)» للجنس ،
أو لضرب المثال ، فإن هذا النهي معلل : إما بتأذي الآدميين ، أو بتأذي

٦٥٩ _
١٦ - من يمنع من المسجد - حديث رقم ٧٠٧
الملائكة الحاضرين ، وذلك يوجد في المساجد كلها . انظر العمدة
بنسخة الحاشية جـ٢ ص٥١٤ .
ثم بين علة النهي ، فقال : (فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه
الإِنس) الفاء للتعليل ، أي لأن الملائكة ... إلخ، أي إن سبب النهي
عن الدُّنْوِّ من المسجد تأذي الملائكة برائحة تلك الشجرة . وفي رواية
لمسلم ((فلا يقربَنَّ مسجدنا، ولا يؤذيّنًّا بريح الثوم)) . فدل أن تأذي
الآدميين سبب للنهي أيضاً . والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث جابر رضي الله عنه هذا متفق عليه .
المسألة الثانية : في بيان مواضعه عند المصنف :
أخرجه هنا (٧٠٧/١٦)، وفي ((الكبرى)) (١٦ / ٧٨٦) عن إسحاق
ابن منصور ، عن يحيى القطان ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عنه .
وفي الوليمة من ((الكبرى)) عن إسحاق بن منصور به . وعن محمد بن
عبد الأعلى ، عن خالد بن الحارث ، عن ابن جريج ، به . وأخرجه من
طريق ابن شهاب، عن عطاء، في الوليمة أيضاً: عن يونس بن عبد الأعلى،
عن ابن وهب ، عن يونس بن يزيد ، عنه ، به . والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :

- ٦٦٠
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.
فأخرجه البخاري في ((الصلاة)) (٢١١/ ٢) عن عبد الله بن محمد،
عن أبي عاصم ، عن ابن جريج به . وأخرجه البخاري أيضاً من رواية
ابن شهاب ، عن عطاء في ((الأطعمة)) (٢/٤٩) عن علي بن عبد الله ،
عن أبي صفوان عبد الله بن سعيد ، عن يونس ، عنه به ، وفي ((الصلاة))
(٣/٣١١) عن سعيد بن عفير، وفي ((الاعتصام)) (٥/٢٥) عن أحمد بن
صالح ، كلاهما عن ابن وهب عن يونس، به .
ولفظه في الصلاة : عن ابن شهاب ، زعم عطاء ، أن جابر بن
عبد الله زعم أن النبي ◌َّيُ قال: ((من أكل ثوماً أوبصلاً ، فليعتزلنا ،
أو قال: فليعتزل مساجدنا، وليقعد في بيته))، وأن النبي ◌َّله أتي بقدْر
فيه خَضرَات من بقول ، فوجد لها ريحاً ، فسأل ؟ فأخبر بما فيها من
البقول، فقال : (قربوها ۔إلی بعض أصحابه ، كان معه ، فلما رآه كره
أكلها ، قال: ((كل ، فإني أناجي من لا تناجي)).
قال الجامع : هذا فيه تصريح في كونها حلالاً . والله أعلم .
وأخرج له مسلم فيه عن محمد بن حاتم ، عن يحيى القطان ،
وعن إسحاق بن إبراهيم ، عن محمد بن بكر ، وعن محمد بن رافع ،
عن عبد الرزاق ، ثلاثتهم عن ابن جريج به ، ومن رواية ابن شهاب
عن عطاء عن أبي الطاهر ، وحرملة بن يحيى ، كلاهما عن ابن وهب،
به .