Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١ _ ١٣ - النهي عن اتخاذ القبور مساجد - حديث رقم ٧٠٣ (فطَفِقَ) هكذا نسخ المجتبى التي بين يدي بالفاء ، ونسخة الكبرى ((طفق)) بدونها، وهو الذي في الصحيحين، وهو ظاهر، لأن ((طفق)) عليه جواب ((لَمَّا))، والأول أيضاً له وجه صحيح، لأن ((طفق)) عطف على ((نزل))، وجواب ((لما)) قوله: ((قال)) من قوله: ((قال - وهو كذلك -: لعنة الله على اليهود)) إلخ. و((طفق) من أفعال الشروع التي تعمل عمل ((كان))، كما أشار إليها في الخلاصة حيث قال : كَذَا جَعَلْتُ ، وَأَخذْتُ ، وَعَلِقْ كَأَنْشَأ السَّائِقُ يَحْدُو ، وَطَفِقْ حكى الأخفش طَفَقَ ، يَطْفَقُ ، مثل ضرب يضرب ، وطَفقَ يَطْفَقُ، مثل عَلَمَ یعلَمُ ، ولم يستعمل له اسم فاعل ، واستعمل له مصدر ، حكى الأخفش طُفُوقاً، عمن قال : طفَقَ - بالفتح، وطَفَقًا عمن قال: طَفقَ - بالكسر . ومعناه هنا : جعل. أفاده العيني . (يطرح) جملة في محل نصب خبر ((طفق)) (خميصة) بالنصب مفعول ((يطرح)) . وهي - بفتح المعجمة، وكسر الميم ، بعدها ياء ساكنة، ثم صاد مهملة -: كساء أسود مربع ، له علمان ، فإن لم يكن معْلَماً ، فليس بخميصة ، وهي ثوب خَزّ ، أو صوف مُعلَم . وقيل : لا تسمى خَميصَة ، إلا أن تكون سوداء معلمة ، وكانت من لباس الناس قديماً ، وجمعها الخمائص. وقيل : الخمائص : ثياب من خَزَّ ثخَانٌ سُودٌ، وحُمْرٌ ، ولها - ٦٢٢ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد أعلام ثخَان أيضاً . أفاده في اللسان. (له) متعلق بمحذوف صفة لخميصة أي كائنة له (على وجهه) متعلق بيطرح (فإذا اغتم) بالغين المعجمة - أي احتبس نفسه عن الخروج، وقيل : سخن بالخميصة، وأخذ بنفسه من شدة الحر . قاله السندي ( كشفها عن وجهه) أي أزال تلك الخميصة عن وجهه ليزول اغتمامه. (قال) وللبخاري ((فقال)» بالفاء (- وهو كذلك -) جملة في محل نصب على الحال ، وهي معترضة بين القول ومقوله، أي والحال أنه في تلك الحال، من الطرح والكشف (لعنة الله على اليهود والنصارى) مقول القول ، واللعنة : الطرد والإبعاد عن الرحمة ، أي أبعدهم الله عن رحمته . وكأنه ◌َُّ علم أنه لا يقوم من مرضه ذلك ، فخاف أن يعظم قبره كما فعل من مضى ، فلعن اليهود والنصارى ، إشارة إلى ذم من فعل مثل فعلهم . ( اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) جملة مستأنفة ، استئنافاً بيانياً ، وهو ما وقع جواباً عن سؤال مقدر ، فكأن سائلاً سأله ، فقال : (( ما سبب لعنهم؟)) فأجابه بقوله: ((اتخذوا)) ... وزاد في الكبرى ، في الوفاة: (( يُحذِّرُ مثل ما صنعوا)). ونحوه عند الشيخين ، وهو مستأنف من كلام الراوي ، كأنه سئل عن حكمة ذكر ذلك في ذلك الوقت ، فأجاب بذلك . ٦٢٣ - ١٣ - النهي عن اتخاذ القبور مساجد - حديث رقم ٧٠٣ وقد استشكل ذكر النصارى فيه ، لأن اليهود لهم أنبياء بخلاف النصارى، فليس بين عيسى، وبين نبينا ◌َّ نبي غيره ، وهو في السماء لم يمت ، فليس له قبر : والجواب: أنه كان فيهم أنبياء أيضاً ، لكنهم غير مرسلين ، كالحواريين، ومريم في قول، أو الجمع في قوله: ((أنبيائهم)) بإزاء المجموع من اليهود والنصارى ، والمراد الأنبياء ، وكبار أتباعهم ، فاكتفى بذكر الأنبياء ، ويؤيده - كما قال الحافظ رحمه الله - : قوله في رواية مسلم من طريق جندب (( كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد))، ولهذا لما أفرد النصارى في حديث عائشة الآتي (٧٠٤) قال: ((إذا مات فيهم الرجل الصالح)) ، ولما أفرد اليهود في حديث أبي هريرة المتفق عليه، قال: (( قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) ، أو المراد بالاتخاذ أعم من أن يكون ابتداعاً ، أو اتباعاً ، فاليهود ابتدعت، والنصارى اتبعت ، ولا ريب أن النصارى تعظم قبور كثير من الأنبياء الذين تعظمهم اليهود . قاله في ((الفتح)). جـ١ ص٦٣٤ . تنبيه : نقل السيوطي عن البيضاوي أنه قال : لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم ، تعظيماً لشأنهم ، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها ، واتخذوها أوثاناً ؛ لعنهم ، ومنع المسلمين من مثل ذلك ، فأما من اتخذ مسجداً في جوار صالح ، وقصد التبرك بالقرب - ٦٢٤ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد منه ، لا التعظيم له ، ولا التوجه نحوه ، فلا يدخل في ذلك الوعيد . انتهى . وذكر في الفتح نحوه ، وذكر نحوه أيضاً السندي . قال الجامع عفا الله عنه : هذا عجيب من هؤلاء الأكابر ، كيف جاز لهم مثل هذا الكلام المنابذ للسنة ، والمناقض للنص الصريح ، وهل دخل على اليهود والنصارى هذا الضلال إلا من هذا الباب ، فأول بداية ضلالهم هذا هو التبرك بقبور أنبيائهم وصالحيهم ، فآل بهم الأمر إلى أن عبدوهم ، ومن يرى حال أكثر الناس اليوم ، فيما يفعلونه عند قبور الصالحين من أنواع الشرك والضلال ، يتبين له أن ما فعله اليهود والنصارى بأنبيائهم وصالحيهم هو عين ما فعله هؤلاء . ومن الداهية العظمى سكوت أهل العلم عن بيان ذلك ، بل بعضهم يشاركهم ، ويزين لهم ذلك ، فإلى الله المشتكى ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حديث عائشة ، وابن عباس رضي الله عنهما هذا متفق عليه . المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له . أخرجه هنا (٧٠٣/١٣)، و((الكبرى)) (٧٨٢/١٣)، وفي ((الوفاة)) منه (٧٠٨٩/٧) ، عن سويد بن نصر عن ابن المبارك ، عن معمر ، ويونس، كلاهما عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، ٦٢٥ _ ١٣ - النهي عن اتخاذ القبور مساجد - حديث رقم ٧٠٣ عنهما ، و(٧٠٩٠) عن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم ، عن عمه يعقوب ابن إبراهيم ، عن أبيه إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب به . قال : وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن سعد ، عن محمد بن إسحاق ، عن صالح بن كيسان ، عن الزهري . أنبأنا عبيد الله بن سعد ، قال : حدثنا عمر ، قال : حدثنا أبي ، عن أبي إسحاق ، قال : حدثني صالح بن كيسان ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، أن عائشة ، وابن عباس ، حدثاه أنه: لما نزل برسول الله عَ طفق يطرح خميصة على وجهه ، فإذا اغتم كشفها عن وجهه ، فقال - وهو يفعل ذلك -: ((لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ، حَذَراً على أمته ما صنعوا. وقد روى هذا الحديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. أنبأنا عمرو بن سَوَّاد بن الأسود بن عمرو ، عن ابن وهب ، قال : أنبيائهم مالك عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة : أن رسول الله ◌َ﴾ قال: ((قاتل الله اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) . قال أبو عبد الرحمن: خالفه قتادة ، فرواه عن سعيد بن المسيب ، عن عائشة . أنبأنا عمرو بن علي، قال : حدثنا خالد بن الحارث، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة عن النبي ◌َ له، - ٦٢٦ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد قال: ((لعن الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). انظر الكبرى جـ٤ ص٢٥٦ - ٢٥٧ . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه البخاري ومسلم . فأخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن أبي اليمان ، عن شعيب ، وفي اللباس عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن عقيل ، وفي ذكر بني إسرائيل ، عن بشر بن محمد ، عن ابن المبارك، عن معمر ، ويونس ، أربعتهم عن الزهري ، به . ومسلم في ((الصلاة)) عن هارون بن سعيد الأيلي ، وحرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب ، عن يونس، به . والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة : في فوائده : منها : ما ترجم له المصنف ، وهو النهي عن اتخاذ القبور مساجد، لما يترتب عليه من الفساد بتعظيمها المؤدي إلى عبادتها . ومنها : بيان ما كان عليه النبي ◌َّه من شدة العناية في تحذير أمته من الوقوع في الشرك ، حتى في آخر لحظة من حياته . ومنها: بيان اشتداد مرضه تميّ ، وذلك لتضعيف درجاته ، فعن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: ((ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله ◌َّهُ))، أخرجه الشيخان . ومنها : مشروعية لعن اليهود والنصارى، لانحرافهم عن دینھم، وما أنزل الله على أنبيائهم، حتى عبدوا الأنبياء، والصالحین من دون الله، ٦٢٧ - ١٣ - النهي عن اتخاذ القبور مساجد - حديث رقم ٧٠٤ كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّه وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّ لَيَعْبُدُوا إِلَهَا وَاحِدًا﴾ [التوبة: ٣١] الآية. ومنها : أن من فعل مثل ما فعله اليهود والنصارى يستحق اللعن . والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٧٠٤ - أخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهيمَ ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أنَّ أمَّ حَبِيبَةَ ، وأمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنيسَةٌ رَآتَاهَا بالحَبَشَة ، فيهَا تَصَاوِيرُ، فَقَالَ رَسُول اللَّهِلَّهِ: ((إنَّ أولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهُمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْره مَسْجداً ، وصَوَّرُوا تيكَ الصَّوَرَ ، أولَئِكَ شرَارُ الخَلْقِ عنْدَ اللَّه يَوْمَ القِيَامَةِ)). رجال هذا الإسناد : خمسة ١ - (يعقوب بن إِبراهيم) الدورقي البغدادي ، ثقة حافظ ، من [١٠]، تقدم في ٢٢/٢١. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري ، ثقة حجة ، من [٩]، تقدم في ٤ / ٤. ٣ - (هشام بن عروة) أبو المنذر المدني ، ثقة فقيه ، من [٥]، شرح سنن النسائي - كتاب المساجد - ٦٢٨ تقدم في ٤٩ / ٦١ . ٤ - (عروة) بن الزبير بن العوام المدني ، الفقيه ، ثقة ، من [٣]، تقدم في ٤٠/ ٤٤. ٥ - (عائشة) رضي الله عنها ، تقدمت في ٥/٥ . ولطائف الإسناد تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عائشة ) أم المؤمنين رضي الله عنها ( أن أم حبيبة) رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموية، زوج النبي عمّ ، أسلمت قديماً ، وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية ، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش، ومات هناك ، فتزوجها رسول اللـه عَمّد، وهي هناك سنة ست ، وقيل : سنة سبع . روت عن النبي عمّ ، وعن زينب بنت جحش ، وعنها ابنتها حبيبة، وأخواها معاوية وعنبسة ، وابن أخيها عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان ، وابن أختها أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن الأخنس بن شَريق، ومولاها سالم بن سوَّار، ومولاها الآخر أبو الجراح ، وأبوصالح السمان ، وعروة بن الزبير ، وزينب بنت أم سلمة ، وصفية بنت شيبة، وشهر بن حوشب ، وآخرون . قال أبو عبيد : توفيت سنة (٤٤)، وقال ابن أبي خيثمة : توفيت ٦٢٩ - ١٣ - النهي عن اتخاذ القبور مساجد - حديث رقم ٧٠٤ قبل معاوية بسنة ، يعني سنة ٥٩ ، وقال ابن حبان ، وابن قانع : ماتت سنة (٤٢)، وقال ابن عبد البر: قيل : إن اسمها هبيرة . أخرج لها الجماعة . انتهى . تت جـ١٢ ص٤١٩. (وأم سلمة) هند بنت أبي أمية ، حذيفة ، ويقال : سهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن المغيرة بن مخزوم المخزومية ، أم المؤمنين رضي الله عنها، تقدمت ترجمتها في ١٢٣ / ١٨٣ . (ذكرتا) بلفظ التثنية للمؤنث من الماضي ، والضمير فيه يرجع إلى أم حبيبة ، وأم سلمة . (كنيسة) - بفتح الكاف ، وكسر النون : مُتَعَبِّدُ اليهود ، وتطلق على متعبد النصارى، وهو المراد هنا، وهو مُعَرَّب، كما قال الفيومي. وفي رواية للبخاري، في ((بابُ الصلاة في البيعَة)) من طريق عبدة، عن هشام : أن تلك الكنيسة ، كان تسمى مارية بكسر الراء ، وتخفيف الياء التحتانية ، وله في الجنائز من طريق مالك ، عن هشام نحوه، وزاد في أوله ((لَمَّ اشتكى النبي ◌َ﴾))، ومن طريق هلال، عن عروة ، بلفظ ((قال في مرضه الذي مات فيه)) . ولمسلم من حديث جندب أنه ټ﴾ قال نحو ذلك قبل موته بخمس ليال، وزاد فيه: (( فلا تتخذوا القبور مساجد ، فإني أنهاكم عن ذلك». قال الحافظ رحمه الله : وفائدة التنصيص على زمن النهي الإشارة إلى أنه الُحكَم الذي لم ينسخ، لكونه صدر في آخر حياته ◌َّىه . انتهى. شرح سنن النسائي - كتاب المساجد - ٦٣٠ فتح ج١ ص٦٢٥ . (رأتاها) - بضمير التثنية للمؤنث - على الأصل ، وهكذا عند البخاري في رواية الأصيلي ، والكشميهني ، ووقع في رواية غيرهما، وهي رواية المصنف في الكبرى (( رأينها)) بصيغة جمع المؤنث الماضي ، ووجه الجمع فيها باعتبار من كان مع أم حبيبة ، وأم سلمة رضي الله عنهما . (فيها تصاوير) جملة اسمية ، في محل نصب على الحال من كنيسة ، لكونها موصوفة بجملة (( رأتاها)» ، أو في محل نصب صفة بعد صفة لها ، والتصاويرُ : التماثيلُ . (فقال رسول الله ◌َمة: إِن أولئك) - بكسر الكاف ، ويجوز فتحها . قاله في الفتح ، والعمدة . وقال السندي : قيل بكسر الكاف، لأن الخطاب لمؤنث ، وقد تفتح . قلت : كأن الفتح لتوجيه الخطاب إلى كل ما يصلح له، لا لتوجيهه إليهما ، وأنت خبير بأن مقتضى توجيه الخطاب إليهما أن يقال: أولئكما ، لا أولئك - بالكسر - وعند الإفراد ينبغي الفتح بتوجيه الخطاب إلی کل ما يصلح له . فليتأمل . انتهى. (إِذَا كان فيهم الرجل الصالح ، فمات) عطف على قوله : ((كان)) (بنوا) جواب ((إذا)) (على قبره مسجداً) أي محل عبادة ٦٣١ - ١٣ - النهي عن اتخاذ القبور مساجد - حديث رقم ٧٠٤ (وصوروا تيك الصور) - بكسر التاء المثناة ، وسكون الياء بدل اللام ، من ((تلك))، وهي لغة فيه ، وهي نسخة الكبرى. (أولئك) - بكسر الكاف ، وفتحها - كما مر آنفاً (شرَارُ الخلق) بكسر الشين المعجمة ، جمع شَرٌّ ، كالخيار ، جمع خَيْر ، والبحار ، جمع بحر، وأما الأشرار ، فقال يونس : واحدها شَرّ أيضاً . وقال الأخفش : شَريرٌ ، مثل يَتيم ، وأيتام . أفاده العيني. وإنما كانوا شرار الخلق لأنهم ضموا إلى كفرهم الأعمال القبيحة ، فهم أقبح الناس عقيدة وعملاً . قاله السندي . (عند الله يوم القيامة) متعلقان بشرار . وإنما خص يوم القيامة، لأن الأمور تشتد فیه ، بخلاف الدنیا ، فمن کان أشر الناس فیه كان أشدهم عذاباً ، ولأن من كان في الدنيا ربما يوفق للتوبة ، وأما الآخرة فليست إلا دار الجزاء . والله أعلم . تنبيه : قال القرطبي رحمه الله تعالى: إنما صَوَّر أوائلُهم الصورَ ، ليتأنسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا أفعالهم الصالحة ، فيجتهدوا کاجتهادهم، ویعبدوا الله عند قبورهم، ثم خلف من بعدهم خُلُوف جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ، ويعظمونها ، فعبدوها، فحذر النبي ◌َّ﴾ عن مثل ذلك سداً للذريعة المؤدية إلى ذلك ، وسداً للذرائع في قبره ټ﴾، وكان ذلك في مرض - ٦٣٢ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد موته ؛ إشارة إلى أنه من الأمر المحكم الذي لا ينسخ بعده . ولما احتاجت الصحابة رضي الله عنهم، والتابعون إلى زيادة في مسجده مية بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله ، لئلا تَصلَ إليه العوام ، فيؤدي إلى ذلك المحذور ، ثم بنوا جدارين بين ركني القبر الشمالي ، حرَّفُوهما حتى التقيا ، حتى لا يمكن أحدا أن يستقبل القبر . أفاده في عمدة القاري جـ٤ ص١٧٤ . والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حديث عائشة رضي الله عنها هذا متفق عليه . المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا (٧٠٤/١٣)، والكبرى (٧٨٣/١٣) عن يعقوب بن إبراهيم عن يحيى القطان ، عن هشام بن عروة ، عن عروة ، عنها. والله أعلم. المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه البخاري ومسلم . فأخرجه البخاري في ((الصلاة))، وفي هجرة الحبشة ، من المناقب عن محمد بن المثنى. ومسلم في ((الصلاة)) عن زهير بن حرب، كلاهما عن یحیی بن سعيد القطان، به . وأخرجه أحمد جـ ٦٣/٦، وابن خزيمة رقم ٧٩٠. ٦٣٣ - ١٣ - النهي عن اتخاذ القبور مساجد - حديث رقم ٧٠٤ المسألة الرابعة : في فوائده : منها : منع بناء المساجد على القبور ، ومنع الصلاة في المقابر ، سواء كانت بجنب القبر ، أو عليه ، أو إليه ، كما قال في الفتح جـ١ ص٦٢٦ . وقال العيني رحمه الله : ومقتضاه التحريم ، كيف ، وقد ثبت اللعن عليه ، وأما الشافعي ، وأصحابه فصرحوا بالكراهة . وقال البندنيجي : والمراد أن يسوى القبر مسجداً ، فيصلى فيه فوقه ، وقال : إنه يكره أن يبنى عنده مسجد، فيصلى فيه إلى القبر ، وأما المقبرة الدائرة إذا بني فيها مسجد ليصلى فيه ، فلم أر فيه بأساً ، لأن المقابر وقف ، وكذا المسجد ، فمعناهما واحد . انتهى. عمدة جـ٤ ص١٧٤ . قال الجامع : ما نقله عن البندنيجي أخيراً من قوله : فلم أر به بأساً ... إلخ؛ نظر، إذ النص يشمله ، فكيف يجوز . فتبصر . والله أعلم . ومنها : أن فيه تحريم تصوير الحيوان ، ولا سيما الرجل الصالح ، وحمل بعضهم الوعيد على من كان في ذلك الزمان ، لقرب العهد بعبادة الأوثان ، وأما الآن فلا ، وقد أطنب ابن دقيق العيد رحمه الله في رد ذلك . كما قال في الفتح . قال الجامع : هو حقيق بالرد لمنابذته النص الصريح المطلق . والله أعلم . - ٦٣٤ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد ومنها : جواز حكاية ما يشاهده المرء من العجائب ، ووجوبُ بیان حكم ذلك على العالم به . ومنها : أن فيه ذَمَّ فاعل المحرمات . ومنها : أن فيه أن الاعتبار في الأحكام بالشرع لا بالعقل . انظر الفتح جـ١ ص ٦٢٦. والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت ، وإليه أنيب . ٦٣٥ - ١٤ - الفضل في إتيان المساجد - حديث رقم ٧٠٥ ١٤ - الفَصْلُ فِي إِثْيَانِ المَسَاجِدِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان الفضل الموعود في إتيان المساجد للصلاة . ثم إن استدلال المصنف على ما ترجم له ظاهر على نسخة المجتبى في قوله: ((مسجده)) بضمير الغائب ، وأما على نسخة الكبرى : (مسجدي)) بضمير المتكلم فغير واضح ؛ لأن المراد المسجد النبوي ، لا جميع المساجد. اللهم إلا أن يريد إلحاق سائر المساجد بمسجده عملاقة ، ويؤيد هذا ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله عَليه : (( من تطهر في بيته ، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ، ليقضي فريضة من فرائض الله ، كانت خطوتاه ، إحداهما تحط خطيئة ، والأخرى ترفع درجة)) . والله أعلم . ٧٠٥ - أخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ : حَدَّثَنَايَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ العَلَاءِ بْنِ جَارِيَّةَ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَّنَ عَنَّأْبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَُّ، قَالَ: ((حِينَ يَخْرَجُ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى مَسْجِدِهِ، فَرِجْلٌ، تُكْتَبُ حَسَنَةً ، وَرَجْلٌ تَمْحُوْ سَيْئَةً». ٦٣٦ = شرح سنن النسائي - كتاب المساجد رجال هذا الإسناد : ستة ١ - (عمرو بن علي) الفلاس، ثقة، ثبت ، من [١٠]، تقدم في ٤/ ٤ . ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري ، ثقة ثبت حجة ، من [٩]، تقدم في ٤/ ٤. ٣ - (ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث ابن أبي ذئب القرشي العامري ، أبو الحارث المدني ، ثقة فقيه فاضل ، توفي سنة ١٨٥، من [٧]، تقدم في ٦٨١ . ٤ - (الأسود بن العلاء بن جارية الثقفي) ويقال له : سوید ، ثقة ، من [٦]. قال أبو زرعة : شيخ ليس بالمشهور . وقال النسائي في التمييز : ثقة . وكذا قال العجلي . وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال : من قال: العلاء بن الأسود بن جارية ، فقد وهم ، يشير إلى أن بعضهم قلبه، وأشار البخاري في التاريخ إلى أنه يقال له أيضاً : سويد. أخرج له مسلم ، والمصنف. ٥ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني ، ثقة فقيه ، من [٣]، تقدم في ١/ ١ . ٦ - (أبو هريرة) الصحابي الشهير رضي الله عنه، تقدم في ١/ ١ . والله تعالى أعلم. ٦٣٧ _ ١٤ - الفضل في إتيان المساجد - حديث رقم ٧٠٥ لطائف هذا الإسناد منها : أنه من سداسيات المصنف رحمه الله . ومنها : أن رجاله كلهم ثقات ، اتفقوا عليهم ، إلا الأسود ، فانفرد به هو ومسلم . ومنها : أنه مسلسل بالمدنيين ، إلا شيخه ، ويحيى، فبصريان . ومنها : أن شيخه أحد التسعة الذين اتفق عليهم أصحاب الأصول بالرواية عنهم بلا واسطة . ومنها : أن فيه أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال . ومنها : أن أبا هريرة أكثر الصحابة رواية، روى (٥٣٧٤) حديثاً. والله تعالى أعلم. شرح الحديث ( عن أبي هريرة) رضي الله عنه (عن النبي ◌َّهِ) أنه (قال: حين يخرج الرجل من بيته إِلى مسجده) هكذا نسخ المجتبى ((مسجده)) بضمير الغائب، وكذا في مسند أحمد جـ٢ ص٣١٩، والاستدلال عليها للترجمة واضح . ووقع في ((الكبرى)) ((إلى مسجدي)) بضمير المتكلم ، وهو الذي في (تحفة الأشراف)) جـ١٠ ص٤٥٨ ، وكذا في ((مسند أحمد)) جـ٢ ص٤٣٢، وص٤٧٨ . وعلى هذا فيكون المراد المسجد النبوي ، وهو - ٦٣٨ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد لا يناسب ترجمة المصنف ، لأنها أعم ، وهو أخص . إلا أن يريد إلحاق سائر المساجد به ، كما تقدم البحث عنه في أول الباب . والله أعلم . والظرف متعلق بمحذوف ، تقديره : يثاب ، وفي رواية أحمد (( من حين يخرج الرجل)) بزيادة ((من))، ثم فصل ذلك الثواب بقوله (فرجل) - بكسر الراء ، وسكون الجيم - أي قدم ، والمراد الخطوة، وهو مبتدأ سوغه التفصيل ، كقول الشاعر [من المتقارب] : فَتَوْبٌ لَبِسْتُ وَثَوْبٌ أَجُرُّ فَأَقْبَلْتُ زَحْفاً عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ والخبر جملة قوله (تكتب حسنة) ببناء الفعل للفاعل ، والفاعل ضمير الرجل، و((حسنة)) بالنصب مفعوله، وإسناد الكتابة للرجل مجاز ، لكونها سبباً ، وإلا فالكاتب حقيقة هو الله تعالى . ويحتمل - كما قال السندي - كونه مبنياً للمفعول ، والضمير للرجل أيضاً ، و((حسنة)) بالنصب مفعول ثان لتكتب ، على تضمينه ، معنى ((تجعل)). والأول أولى ليوافق ما بعده . والله أعلم. (ورجل تمحو سيئة) أي إن كانت له سيئة ، وإلا فكل الخطوات تكتب حسنات . والله أعلم . تنبيه : حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا صحيح . وهو من أفراد المصنف ، أخرجه هنا (٧٠٥/١٤)، وفي ((الكبرى)) (١٤ / ٧٨٥) عن عمرو بن علي ، عن يحيى القطان ، عن ابن أبي ذئب ، عن الأسود ابن العلاء الثقفي ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عنه . ٦٣٩ - ١٤ - الفضل في إتيان المساجد - حديث رقم ٧٠٥ وأخرجه أحمد في مسنده جـ٢ ص٣١٩ و٤٣١ و٤٧٨ ، وعبد بن حميد في مسنده رقم (١٤٥٩) . والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت ، وإليه أنيب . ٦٤٠ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد ١٥ - النَّفْيُ عَنْ مَنْعِ النِّسَاءِ مِنْ إِثْيَانِ المَسَاجِدِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على نهي الرجال عن منع نسائهم من إتيان المساجد للصلاة ، ونحوها ، إذا طلبن منهم ذلك . ثم إن المصنف رحمه الله تعالی یری إطلاق النهي ، سواء كان ذلك ليلاً أو نهاراً ، لإطلاق الحديث الذي أورده في الباب ، وهذا مخالف لرأي البخاري رحمه الله تعالى حيث قال: (باب خروج النساء إلى المساجد بالليل ، والغلس) فإنه يرى تقييد ذلك بالليل ، لورود التقييد في بعض الروايات بالليل . وسيأتي تحقيق ذلك قريباً، إن شاء الله تعالی. ٧٠٦ - أخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ◌َّ : ((إِذَا استأذَنَتِ امْرَأَةُ أحدكُمْ إِلَى الْمَسَاجِدِ، فَلا يَمْنَعْهَا)). رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي بن راهويه ، ثقة حافظ حجة، من [١٠]، تقدم في ٢/٢ . ٢ - (سفيان) بن عيينة المكي، ثقة إمام حجة، من [٨]، تقدم في ١/ ١ .