Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ _ ٧ - باب فضل مسجد النبي ﴾ ، والصلاة فيه - حديث رقم ٦٩٥ ٢ - (مالك) بن أنس ، الإمام المدني ، أبو عبد الله ، ثقة ثبت حجة ، من [٧]، تقدم في ٧ / ٧. ٣ - (عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي ، ثقة ، توفي سنة ١٣٥، عن ٧٠ سنة ، أخرج له الجماعة ، تقدم في ١١٨/ ١٦٣ . ٤ - (عباد بن تميم) بن غزية الأنصاري المازني المدني ، ثقة ، من [٣]، وقيل: له رؤية، تقدم في ٧٤/٥٩. ٥ - (عبد الله بن زيد) بن عاصم بن كعب الأنصاري المازني ، أبو محمد الصحابي المشهور رضي الله عنه ، استشهد بالحرة سنة ٦٣ ، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٠/ ٩٧. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من خماسيات المصنف . ومنها : أن رجاله كلهم ثقات ، اتفقوا عليهم . ومنها : أنه مسلسل بالمدنيين ، إلا شيخه ، فبغلاني. ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي. والله أعلم. شرح الحديث (عن عبد الله بن زيد) رضي الله عنه، أنه (قال: قال - ٥٤٢ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد رسول الله ◌َّه: ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة))) ((ما)) اسم موصول مبتدأ، والظرف صلتها، و((روضة)) خبرها، و(( من ریاض الجنة)) بیان لما . فقوله : «ما بين بيتي ومنبري)» کذا وقع عند البخاري في فضائل المدينة ، في رواية الأكثرين ، قال الحافظ : ووقع في رواية ابن عساكر وحده ((قبري)) بدل (( بيتي))، وهو خطأ ، فقد تقدم هذا الحديث في كتاب الصلاة قبيل الجنائز بهذا الإسناد بلفظ ((بيتي))، وكذلك هو في مسند مسدد شیخ البخاري فیه . وقال القرطبي: الرواية الصحيحة ((بيتي)) ويروى (( قبري)) وكأنه بالمعنی ، لأنه دفن في بیت سكناه. نعم وقع في حديث سعد بن أبي وقاص عند البزار بسند رجاله ثقات ، وعند الطبراني من حديث ابن عمر بلفظ القبر ، فعلى هذا المراد بالبيت في قوله: ((بيتي)) أحد بيوته ، لا كلها ، وهو بيت عائشة الذي صار فيه قبره ، وقد ورد الحديث بلفظ (( ما بين المنبر وبيت عائشة روضة من رياض الجنة)) ، أخرجه الطبراني في الأوسط . انتهى. فتح جـ٤ ص ١٢٠، بزيادة من جـ٣ ص ٨٤ . وقد أخرج النسائي في ((الكبرى)) في ((المناسك)) (٤٢٨٩/٣١٣)، قال: أنبأنا قتيبة بن سعيد، والحارث بن مسكين قراءة عليه ، وأنا ٥٤٣ - ٧ - باب فضل مسجد النبي مى، والصلاة فيه - حديث رقم ٦٩٥ أسمع، عن سفيان عن عمار الدهني ، عن أبي سلمة ، عن أم سلمة : أن النبي ◌َّه قال: ((إن ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)) قال النسائي في حديث الحارث: ((ما بين قبري ومنبري)) . قال الجامع عفا الله عنه : رجاله رجال الصحيح ، فما قاله في الفتح من أن رواية ((قبري)) خطأ غير صحيح ، اللهم إلا إذا أراد بالنسبة لرواية البخاري. فالصواب أن رواية ((قبري)) صحيحة ، ويكون ذلك علماً من أعلام النبوة ، بأن أشار ◌َّه أنه سيدفن في ذلك المحل ، أو يكون من الرواية بالمعنى ، والأول أولى . والله أعلم . ثم قيل : هو على ظاهره ، وأنه روضة حقيقة ، بأن ينقل ذلك الموضع بعينه في الآخرة إلى الجنة . وقال في ((الفتح)): قوله: ((روضة من رياض الجنة)): أي كروضة من رياض الجنة في نزول الرحمة ، وحصول السعادة بما يحصل من ملازمة حلق الذكر، لا سيما في عهده ◌َّي ، فيكون تشبيهاً بغير أداة ، أو المعنى : أن العبادة فيها تؤدي إلى الجنة ، فيكون مجازاً ، أو هو على ظاهره ، وأن المراد أنه روضة حقيقة ، بأن ينتقل ذلك الموضع بعينه في الآخرة إلى الجنة . هذا محصل ما أوله العلماء في هذا الحديث ، وهي على ترتيبها هذا في القوة. انتهى. ((فتح)) جـ٣ ص ١٢٠ . - ٥٤٤ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد قال الجامع عفا الله عنه : عندي الأولى كون الحديث على ظاهره ، لأن حمل النص على ظاهر ما يتبادر إلى الذهن إذا أمكن هو المتعيّن ، ثم هو مع ذلك لا ينافي المعاني الأُخَر ، بأن يقال : هو روضة من رياض الجنة ، وهو محل نزول الرحمة ، وأن العبادة فيه توصل إلى الجنة . والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حدیث عبد الله بن زيد رضي الله عنه هذا متفق عليه . المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا (٦٩٥/٧)، و((الكبرى)) هنا (٧٧٤/٧)، وفي المناسك (٤٢٨٩/٣١٣) عن قتيبة ، عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو ابن حزم ، عن عباد بن تميم، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه البخاري ومسلم . فأخرجه البخاري في آخر ((الصلاة)) عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، به . ومسلم في ((المناسك)) عن قتيبة ، عن مالك ، به . وعن يحيى بن ٥٤٥ _ ٧ - باب فضل مسجد النبي ◌َ﴾، والصلاة فيه - حديث رقم ٦٩٦ يحيى ، عن عبدالعزيز بن محمد الدراوردي ، عن يزيد بن الهاد ، عن أبي بكر بن حزم به. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٩٦ - أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمَّارِ الدُّهْنِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أمِّسَلَمَةَ: أنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴾ قَالَ: ((إِنَّ قَوَائِمَ مِنْبَرِي هَذَا رَوَاتِبُ فِي الْجَنَّةِ )) . رجال هذا الإسناد : خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قبله . ٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الكوفي ، ثم المكي الإمام الحجة الثبت، من [٨]، تقدم في ١/ ١. ٣ - (عمار الدَّهنِيَّ) بن معاوية ، ويقال : ابن أبي معاوية، ويقال: ابن صالح ، ويقال : ابن حبان ، أبو معاوية البجلي الكوفي ، صدوق يتشيع ، من [٥] . قال أحمد ، وابن معين ، وأبو حاتم ، والنسائي : ثقة . وقال ابن المديني ، عن سفيان : قطع بشر بن مروان عرقوبيه في التشيع . وقال القواريري ، عن أبي بكر بن عياش : قال لي عمار : إنه لم يسمع من سعيد بن جبير . وذكره ابن حبان في الثقات . قال مطين : مات سنة ١٣٣، أخرج له مسلم ، والأربعة . - ٥٤٦ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد فائدة : الدُّهْني - بضم الدال المهملة، وسكون الهاء ، وفي آخره نون : نسبة إلى دُهْن بن معاوية بن أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار؛ وهو بطن من بَجيلة . قاله في اللباب جـ١ ص ٥٢٠ . ٤ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني ثقة فقيه، من [٣]، تقدم في ١ / ١ . ٥ - (أم سلمة) هند بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية ، أم المؤمنين رضي الله عنها، توفيت سنة ٦٢ على الأصح، أخرج لها الجماعة، تقدمت في ١٨٣/١٢٣ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من خماسيات المصنف رحمه الله . ومنها : أن رجاله كلهم ثقات ، اتفقوا عليهم ، إلا عمارًا ، فلم يخرج له البخاري . ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي ؛ فإن عمارًا الدهني من الطبقة الخامسة ، يروي عن أبي الطفيل . ومنها : أن فيه أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أم سلمة) رضي الله عنها (أن النبي ◌َّه قال: إِن قوائم ٥٤٧ - * ، والصلاة فيه - حديث رقم ٦٩٦ ٧ - باب فضل مسجد النبي منبري) جمع قائمة ، وهي ما يقوم عليها المنبر ، كقوائم الدابة ، وفي اللسان : وقوائم الخوان ، ونحوها : ما قامت عليه . قال الجوهري : قائم السيف ، وقائمته : مَقْبضُهُ ، والقائمة : واحدة قوائم الدواب . وقوائم الدواب : أرْبَعَتُهَا ، وقد يستعار ذلك في الإنسان . انتهى . (رواتب في الجنة) جمع راتبة ، من رتب : إذا انتصب قائماً ، أي إن الأرض التي هو فيها من الجنة ، فصارت القوائم مقرها الجنة، أو أنه سينقل إلى الجنة . والله أعلم . قاله السندي . وقال في ((الفتح)) في شرح حديث (( ومنبري على حوضي))؛ ما نصه: أي ينقل يوم القيامة ، فينصب على الحوض . وقال الأكثر : المراد منبره بعينه الذي قال هذه المقالة ، وهو فوقه . وقيل : المراد المنبر الذي يوضع له يوم القيامة ، والأول أظهر . ويؤيده حديث أبي سعيد المتقدم. ورواه الطبراني في الكبير من حديث أبي واقد الليثي ، رفعه : ((إن قوائم منبري رواتب في الجنة)). وقيل معناه : أن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد صاحبه إلى الحوض ، ويقتضي شربه منه . والله أعلم . ونقل ابن زبالة أن ذراع ما بين المنبر والبيت الذي فيه القبر الآن ثلاث وخمسون ذراعاً ، وقيل : أربع وخمسون وسدس، وقيل : خمسون إلا ثلثي ذراع ، وهو الآن كذلك ، فكأنه نقص لما أدخل من شرح سنن النسائي - كتاب المساجد - ٥٤٨ الحجرة في الجدار . واستدل به على أن المدينة أفضل من مكة ، لأنه أثبت التي بين البيت والمنبر من الجنة ، وقد قال في الحديث الآخر : (( لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها )). وتعقبه ابن حزم بأن قوله : إنها من الجنة مجاز ، إذ لو كانت حقيقة لكانت كما وصف الله الجنة ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨]، وإنما المراد أن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة ، كما يقال في اليوم الطيب: هذا من أيام الجنة، وكما قال رسول الله عملية: ((الجنة تحت ظلال السيوف)) قال : ثم لو ثبت أنه على الحقيقة لما كان الفضل إلا لتلك البقعة خاصة ، فإن قيل: إن ما قرب منها أفضل مما بعد ؛ لزمهم أن يقولوا: إن الجحفة أفضل من مكة، ولا قائل به. انتهى. ((فتح)) ج٤ص١٢٠. تنبيه : حديث أم سلمة رضي الله عنها هذا صحيح ، وهو من أفراد المصنف رحمه الله، كما أشار إليه في ((تحفة الأشراف)) جـ ١٣ ص٤١. أخرجه هنا (٦٩٦/٧)، و((الكبرى)) (٧٧٥/٧)، وفي ((المناسك)) منه (٣١٢/ ٤٢٨٧) عن قتيبة ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمار بن معاوية الدهني ، عن أبي سلمة ، عنها . وعن عمرو بن علي ، عن يحيى ، عن سفيان الثوري ، عن عمار، به . ٥٤٩ _ ٧ - باب فضل مسجد النبي ﴾ ، والصلاة فيه - حديث رقم ٦٩٦ تنبيه : أسقط في نسخة ((الكبرى)) ذكر سفيان الثوري بعد يحيى ، فجعله عن يحيى ، عن عمار، والإصلاح من ((تحفة الأشراف)) جـ ١٣ ص٤١. فتنبه . وأخرجه ابن حبان ، وابن سعد في الطبقات ، وأبو نعيم في (الحلية))، وأحمد . والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت ، وإليه أنيب . ٥٥٠ - شرح سنن النسائي - كتاب المساجد ٨ - ذكْرُ المَسْجِدِ الذِى أَسَِّ عَلَى التَّغْوَى أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان المسجد الذي بنيت قواعده على تقوى الله تعالى . ٦٩٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْتُ، عَنْ عِمْرَان بْنِ أَبِي أَنَسٍ عَنْ ابْنِ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أبيه، قَالَ: تَمَارَى رَجُلانِ فِي المَسْجِدِ الَّذِي أَسِّسَ عَلَى التَّقْوَى منْ أوَّل يَوْمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ : هُوَ مَسْجِدُ قُبَاءِ ، وَقَالَ الآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ رَسُول اللَّهِ تٍَّ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَهِ: ((هُوَ مَسْجدي هَذَا)). ٠٠ رجال هذا الإسناد : خمسة ١ - (قتيبة) المتقدم في الذي قبله . ٢ - (الليث) بن سعد، أبو الحارث الإمام الفقيه الحجة الثبت المصري ، من [٧]، تقدم في ٣٥/٣١ . ٣ - (عمران بن أبي أنس) القرشي العامري المدني ، نزيل الإسكندرية ، ثقة من [٥]. قال أحمد ، وابن معين ، وأبو حاتم ، والنسائي : ثقة . وقال ابن ٥٥١ _ ٨ - باب ذكر المسجد الذي أسس على التقوى - حديث رقم ٦٩٧ يونس : قدم الإسكندرية سنة ١٠٠ ، وكان سماع الليث منه بالمدينة ، وتوفي بالمدينة سنة ١١٧ ، وكذا أرخه ابن حبان في الثقات ، وزعم أن اسم أبيه عبد العزيز بن شُرَحْبيل بن حسنة . وقال العجلي : مدني ثقة . وقال ابن سعد : كانوا يزعمون أنهم من بني عامر بن لؤي ، والناس يقولون : إنهم موالي ، ثم انتموا بعد ذلك إلى اليمن ، ومات عمران قديماً ، وله أحاديث . وقال ابن إسحاق : حدثني عمران بن أبي أنس ، وكان ثقة . وحكي عن ابن أبي شيبة أن أبا أنس كان مولى لعبد الله بن سعد بن أبي السرح ، واسمه نوفل . أخرج له مسلم ، وأبوداود، والترمذي ، والنسائي ، وأخرج له البخاري في ((الأدب المفرد)). ٤ - (ابن أبي سعيد الخدري) عبد الرحمن بن سعد بن مالك الأنصاري الخزرجي ، ثقة ، توفي سنة ١١٢ عن ٧٧ سنة، من [٣]، أخرج له البخاري تعليقاً ، ومسلم، والأربعة. تقدم في ٣٢٦/١. ٥ - (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك الصحابي رضي الله عنه، تقدم في ٢٦٢/١٦٩ . والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من خماسيات المصنف رحمه الله . ومنها : أن رجاله كلهم ثقات ، أخرجوا لهم، إلا عمران، فأخرج - ٥٥٢ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد له البخاري في الأدب المفرد ، ولم يخرج له ابن ماجه ، وابن أبي سعيد، فعلق عنه البخاري . ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي ؛ فعمران بن أبي أنس روی عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وهو صحابي . ومنها : أن فیه روایة الابن عن أبيه . ومنها : أن فيه أبا سعيد الخدري أحد المكثرين السبعة من الصحابة، روى (١١٧٠) حديثاً . والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي سعيد) الخدري رضي الله عنه ، أنه (قال: تمارى رجلان) أي تخاصما ، وتجادلا ، وفي رواية أحمد والترمذي ( امتری رجل من بني خُدْرَة ، ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال الخدري: هو مسجد رسول الله عَمطي ، وقال الآخر: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله ملي في ذلك؟، فقال: ((هو هذا» يعني مسجده ، وفي ذلك خیر کثیر)). (في المسجد الذي أسس على التقوى) أي في المراد بقوله تعالى: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسَسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ الآية [التوبة: ١٠٨]. فقوله : ((أسس على التقوى: أي بنيت جُدُرُه، ورُفعت قواعده . ٥٥٣ - ٨ - باب ذكر المسجد الذي أسس على التقوى - حديث رقم ٦٩٧ ءِ والأَس : أصل البناء ؛ وكذلك الأسَاسُ ، والأسَسُ مقصور منه . وجمع الأُس: إِسَاس، مثل عُسِّ، وعسَاسَ ، وجمع الأساس: أسُس، مثل قَذَل، وقُدُل، وجمع الأسَس : آسَاس ، مثل سَبَب ، وأسباب . انتهى. تفسير القرطبي ج٨ص٢٥٩ . وتأسيس البناء : تثبيته ، ورفعه. ومعنى تأسيسه على التقوى : تأسيسه على الخصال التي تتقى بها العقوبة . انتهى. فتح القدير جـ٢ ص٤٠٣ . (من أول يوم) متعلق بأسس ، أي أسس على التقوى من أول يوم من أيام تأسيسه. فمن لابتداء الغاية في الزمان ، كما في قول الشاعر [من الطويل]: تُخْيِّرْنَ مِنْ أَزْمَانِ يَوْمٍ حَلِيمَةٍ إِلَى الَيَوْمِ قَدْ جُرِّبْنَ كُلَّ التَّجَارِبِ وقيل : من بمعنى ((في)). (فقال رجل) تقدم في رواية أحمد ، والترمذي : أنه من بني عمرو ابن عوف (هو) أي المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم (مسجد قباء) موقع بقرب مدينة النبي مي من جهة الجنوب ، نحو ميلين ، وهو - بضم القاف ، يقصر ، ويمد ، ويصرف ، ولا يصرف . قاله الفيومي . (وقال الآخر) هو الرجل الخدري (هو مسجد رسول الله } ، - ٥٥٤ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد فقال رسول الله عَّه) وعند أحمد والترمذي: ((فأتيا رسول الله عَ ليه في ذلك ، فقال)): (هو مسجدي هذا) أي المسجد الذي ذكره الله تعالى بقوله: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]، هو مسجدي هذا. وزاد أحمد والترمذي: (( وفي ذلك خیر کثیر)» . قال النووي رحمه الله : هذا نص بأنه المسجد الذي أسس على التقوى المذكور في القرآن ، ورَدِّ لما يقوله بعض المفسرين : إنه مسجد قباء . وقال العراقي رحمه الله في شرح الترمذي : قد وردت أحاديث تدل على أنه مسجد قباء ، وهذا الحديث أرجح وأصح وأصرح. وقال ابن عطية رحمه الله في تفسيره : الذي يليق بالقصة أنه مسجد قباء ، قال : إلا أنه لا نظر مع الحديث . انتهى. ((زهر)). قال الجامع : سأحقق اختلاف أهل العلم في هذا الموضوع في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، ونعم الوكيل. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه هذا أخرجه مسلم . المسألة الثانية : في بيان المواضع التي ذكره المصنف فيها : أخرجه هنا (٦٩٧/٨)، والكبرى (٧٧٦/٨)، وفي التفسير فيه ٥٥٥ - ٨ - باب ذكر المسجد الذي أسس على التقوى - حديث رقم ٦٩٧ (١١٢٢٨) عن قتيبة ، عن الليث، عن عمران بن أبي أنس ، عن عبدالرحمن بن أبي سعيد ، عنه . والله أعلم. المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه مسلم والترمذي . فأخرجه مسلم في ((الحج)) عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وسعيد بن عمرو الأشعثي ، كلاهما عن حاتم بن إسماعيل ، عن حميد الخراط ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عنه. وعن محمد ابن حاتم، عن يحيى القطان، عن حميد، عن أبي سلمة : أنه سأل عبد الرحمن بن أبي سعيد ، كيف سمعت أباك في المسجد الذي أسس على التقوى ؟ فذكره ، فقال : هكذا سمعت أباك . وأخرجه الترمذي في ((التفسير)) بسند المصنف. وقال: حسن صحیح . وأخرجه أحمد في مسنده (٢٣/٣، ٩١، ٢٤، ٨٩،٨). والله أعلم. المسألة الرابعة : اختلف أهل العلم في المعنى المراد بقوله تعالى: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلَى الَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]. فقالت طائفة : إنه مسجد رسول الله ﴾ ، وهو مروي عن عمر بن الخطاب ، وابنه عبد الله بن عمر ، وزيد بن ثابت ، وسعيد بن المسيب، واختاره ابن جرير الطبري . - ٥٥٦ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد وقالت طائفة : إنه مسجد قباء ، رواه علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، ورواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري عن عروة بن الزبير ، وبه قال عطية العوفي ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، والشعبي ، والحسن البصري ، ونقله البغوي عن سعيد بن جبير ، وقتادة . انظر تفسير ابن کثیر جـ٢ ص٤٠٤ - ٤٠٥ . وقال في الفتح: وقد اختلف في المراد بقوله تعالى: ﴿لَّمَسْجُدُ أُسّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨]، فالجمهور على أن المراد به مسجد قباء، وهو ظاهر الآية ، ثم ذكر حديث أبي سعيد المذكور، وغيره ، ثم قال : قال القرطبي: هذا السؤال صدر ممن ظهرت له المساواة بين المسجدين في اشتراكهما في أن كلاً منهما بناه النبي ◌َّه، فلذلك سئل النبي ◌َّ عنه، فأجاب بأن المراد مسجده ، وكأن المزية التي اقتضت تعيينه دون مسجد قباء ، لکون مسجد قباء لم يكن بناؤه بأمر جزم من الله لنبيه مي ، أو كان رأياً رآه بخلاف مسجده، أو كان حصل له أو لأصحابه فيه من الأحوال القلبية ما لم يحصل لغيره . انتهى . ويحتمل أن تكون المزية لما اتفق من طول إقامته لعمله بمسجد المدينة، بخلاف مسجد قباء ، فما أقام به إلا أياماً قلائل ، وكفى بهذا مزية ، من غير حاجة إلى ما تكلفه القرطبي. والحق أن كلاً منهما أسس على التقوى ، وقوله تعالى في بقية الآية: ٥٥٧ - ٨ - باب ذكر المسجد الذي أسس على التقوى - حديث رقم ٦٩٧ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]، يؤيد كون المراد مسجد قباء، وعند أبي داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة، عن النبي (عَ ل﴾. قال: «نزلت ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا﴾ في أهل قباء)). وعلى هذا فالسر في جوابه تمي بأن المسجد الذي أسس على التقوى مسجده رفع توهم أن ذلك خاص بمسجد قباء . والله أعلم . قال الداودي وغيره: ليس هذا اختلافاً ، لأن كلا منهما أسس على التقوى ، وكذا قال السهيلي ، وزاد غيره أن قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّل يومٍ﴾ يقتضي أنه مسجد قباء، لأن تأسيسه کان في أول يوم حل النبي بدار الهجرة . والله أعلم . انتھی. ((فتح)) جـ ٧ ص٢٨٨ -٢٨٩. وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في تفسيره : وأخرج ابن أبي شيبة ، وأحمد، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وأبو يعلى ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، وأبو الشيخ، والحاكم ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل عن أبي سعيد الخدري ، قال : اختلف رجلان ، رجل من بني خدرة ، وفي لفظ : تماريت أنا ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى ، فقال الخدري: هو مسجد رسول الله عَّة ، وقال : العَمْري: هو مسجد قباء ، فأتيا رسول اللـه ◌َميّة ، فسألاه عن ذلك ؟ فقال: ((هو هذا المسجد))، لمَسْجد رسول الله عَ ليه، قال: ((وفي ذلك خیر کثیر )) ، يعني مسجد قباء. - ٥٥٨ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد وأخرج ابن أبي شيبة ، وأحمد ، وعبد بن حميد ، والزبير بن بكار في أخبار المدينة ، وأبو يعلى ، وابن حبان ، والطبراني ، والحاكم في الکنی ، وابن مردويه عن سهل بن سعد الساعدي نحوه . وأخرج ابن أبي شيبة ، وأحمد ، وابن المنذر ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، والخطيب ، والضياء في المختارة ، عن أبي بن كعب ، قال : سألت النبي ◌ّى عن المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: ((هو مسجدي هذا ». وأخرج الطبراني ، والضياء المقدسي في المختارة ، عن زيد بن ثابت مرفوعاً ، مثله . وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن مردويه ، والطبراني من طريق عروة ابن الزبير ، عن زيد بن ثابت ، قال: المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم مسجد رسول الله عَ ليه . قال عروة: مسجد النبي خير منه، إنما نزلت في مسجد قباء . وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن مردويه عن ابن عمر ، قال : المسجد الذي أسس على التقوى: مسجد النبي ◌َّ . وأخرج المذكوران عن أبي سعيد الخدري مثله . وقد روي عن جماعة غير هؤلاء مثل قولهم. وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في ٥٥٩ - ٨ - باب ذكر المسجد الذي أسس على التقوى - حديث رقم ٦٩٧ الدلائل عن ابن عباس أنه مسجد قباء ، وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك مثله . قال العلامة الشوكاني رحمه الله : ما خلاصته : أنه لا يخفى أن النبي ◌َّه قد عين هذا المسجد الذي أسس على التقوى ، وجزم بأنه مسجده تمى ، كما قدمنا من الأحاديث الصحيحة ، فلا يقاوم ذلك قول فرد من الصحابة ، ولا جماعة منهم ، ولا غيرهم، ولا يصح إيراده في مقابلة ما قد صح عن النبي تَّه، ولا فائدة من إيراد ما ورد في فضل الصلاة في مسجد قباء ، فإن ذلك لا يستلزم كونه المسجد الذي أسس على التقوى ، على أن ما ورد في فضائل مسجده ◌َ﴾ أكثر مما ورد في فضل مسجد قباء بلاشك . قال الجامع عفا الله عنه : هذا الذي قاله الشوكاني رحمه الله ، واختاره قبله ابن جرير ، وابن عطية ، والقرطبي في تفسيرهم ، من ترجيح قول من قال بظاهر حديث الباب ، من أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي ◌َّ لا مسجد قباء، تحقيق حقيق بالقبول، لموافقته الصريح الصحيح من النقول. والله أعلم . إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت ، وإليه أنيب . ٥٦٠ شرح سنن النسائي - كتاب المساجد 13 ٩ - فَضْلُ مَسْجِدْ قُبَاءِ، والصَّلاة فيه أي هذا باب ذكر الحدیث الدال على فضل مسجد قباء ، وفضل الصلاة فيه . وقباء - بضم القاف ، وتخفيف الباء الموحدة - : فيه أربع لغات : المد، والقصر ، والصرف ، وعدمه . كما تقدم قريباً . ومثله في هذا الضبط حراء . وقال في الفتح : وقباء - بضم القاف ، ثم موحدة ممدودة عند أکثر أهل اللغة ، وأنكر السكري قصره ، لكن حكاه صاحب العين . قال البكري : من العرب من يذكره ، فيصرفه ، ومنهم من يؤنثه ، فلا يصرفه . وفي المطالع : هو على ثلاثة أميال من المدينة . وقال ياقوت: على ميلين، على يسار قاصد مكة ، وهو من عوالي المدينة. وسمي باسم بئر هناك ، والمسجد المذكور هو مسجد بني عمرو بن عوف، وهو أو مسجد أسسه رسول الله لم﴾. انتهى. ((فتح)) جـ ٣ ص ٨٢ . ٦٩٨ - أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِلَّهِ يَأْتِي قُبَاءَ رَاكِباً وَمَاشياً.