Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١ -
١ - الفضل في بناء المساجد - حديث رقم ٦٨٨
أبو خالد الحمصي ، ثقة ثبت ، من [٦] .
قال أبوطالب، عن أحمد : ليس بالشام أثبت من حَريز، إلا أن
يكون بحير . وقال الأثرم : قلت لأبي عبد الله: أيما أصح حديثًا عن
خالد بن معدان، ثور، أو بحير ؟ فقال : بحير ، فقدم بحيراً عليه .
وقال دحيم ، وابن سعد ، والنسائي : ثقة . وقال العجلي : شامي
ثقة. وقال أبو حاتم : صالح الحديث . وذكره ابن حبان في الثقات .
أخرج ه البخاري في الأدب المفرد والأربعة .
٤ - (خالد بن معدان) بن أبي كريب الكَلاعي ، أبو عبد الله
الشامي الحمصي ، ثقة عابد يرسل كثيراً ، من [٣].
قال يعقوب بن شيبة : لم يلق أبا عبيدة ، وهو كلاعي ، يُعَدُّ من
الطبقة الثالثة ، من فقهاء الشام بعد الصحابة . وقال العجلي : شامي
تابعي ثقة . ووثقه يعقوب بن شيبة ، وابن سعد ، وابن خراش ،
والنسائي . وقال أبو مسهر ، عن إسماعيل بن عياش : حدثتنا عبدة
بنت خالد بن معدان ، وأم الضحاك بنت راشد : أن خالد بن معدان
قال: أدركت سبعين من أصحاب النبي مطل﴾ . وقال بقية ، عن بحير :
ما رأيت أحداً ألزم للعلم منه ، كان علمه في مصحف له أزرار ،
وعرى. قال بقية : كان الأوزاعي يعظم خالداً ، فقال لنا : أله عقب ؟
فقلنا : له ابنة ، فقال : ائتوها ، فسلوها عن هدي أبيها ، قال : فكان

- ٤٢٢
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
ذلك سبب إتياننا عبدة . وقال إسماعيل بن عياش عن صفوان بن
عمرو : رأيت خالد بن معدان إذا كبرت حلقته ، قام مخافة الشهرة .
وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: خالد عن أبي ثعلبة الخشني
مرسل . وقال ابن أبي حاتم في المراسيل ، عن أبيه : لم يصح سماعه من
عبادة بن الصامت ، وحديثه عن معاذ مرسل ، ربما كان بينهما اثنان،
وأدرك أبا هريرة ، ولم يذكر سماعاً . وقال أحمد : لم يسمع من أبي
الدرداء. وقال أبو زرعة لم يلق عائشة . وقال أبو نعيم في الحلية: لم
يلق أبا عبيدة. وقال الإسماعيلي : بينه وبين المقدام بن معدي کرب جبير
بن نفير. قال الحافظ : وحديثه عن المقدام في صحيح البخاري .
وقال يزيد بن هارون : مات وهو صائم . وقال ابن سعد :
أجمعوا على أنه مات سنة ١٠٣ ، وقال دحيم وغيره : مات سنة ١٠٤،
وقال يحيى بن صالح ، عن إسماعيل بن عياش : سنة ١٠٥ ، وقيل
عن إسماعيل : سنة ١٠٦، وقال أبو عبيد وخليفة: سنة ١٠٨.
وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال : كان من خيار عباد الله ،
مات سنة ١٠٤، وقيل سنة ١٠٨، وقيل سنة ١٠٣، أخرج له الجماعة.
٥ - (كَثِيرُ بن مُرَّةَ) الحضرمي الرَّهَاوي ، أبو شجرة ، ويقال :
أبو القاسم الحمصي ، ثقة، من [٢]، ووهم من عده في الصحابة.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام ، وقال : كان
ثقة . وقال العجلي : شامي تابعي ثقة . وقال النسائي : لا بأس به .

-٤٢٣ -
١ - الفضل في بناء المساجد - حديث رقم ٦٨٨
وقال ابن خراش : صدوق ، وذكره ابن حبان في الثقات .
وقال عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب : أن
عبد العزيز بن مروان كتب إلى كثير بن مرة الحضرمي ، وكان قد أدرك
سبعين بدرياً . وقال أبو الزاهرية ، عن كثير بن مرة الحضرمي : مررت
بعوف بن مالك ، فقال : أرجو أن تكون رجلاً صالحاً .
وقال أبو زرعة الدمشقي : قلت لدحيم : فمن يكون معهم في
طبقتهم ، يعني جبير بن نفير ، وأبا إدريس ؟ فقال : كثير بن مرة . قال
البخاري : أدرك عبد الملك ، يعني خلافته ، وذكره في الأسط في
((فصل من مات من السبعين إلى الثمانين)) .
وقال العسكري : أخرجه ابن أبي خيثمة في الصحابة الذين يُعرفون
بكناهم ، وهو وهم. وقال أبو موسى في ذيل الصحابة : أورده عبدان،
وحديثه مرسل ، ولم يذكره في الصحابة غيره . أخرج ه البخاري في
جزء القراءة ، والأربعة .
٦ - (عمرو بن عَبَسَةَ) بن عامر بن خالد السلمي ، أبو نجيح،
صحابي مشهور ، أسلم قديماً ، وهاجر بعد أحد ، ثم نزل الشام ،
ومات بحمص ، تقدم في ١٤٧ . والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سداسيات المصنف .
ومنها : أن رجاله ثقات ، غير عمرو ، وبقية ، فصدوقان ، إلا أن

- ٤٢٤
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
بقية مطعون بالتدليس عن الضعفاء ، وتدليس التسوية ، ولذا قال
أبو مسهر الغساني : بَقيَّة ، ليست أحاديثه نَقيَّة، فكن منها على تَقَّة .
ومنها : أنه مسلسل بالحمصيين .
ومنها : أن فیه روایة تابعي عن تابعي ؛ خالد بن معدان عن کثیر بن
مرة . والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عمرو بن عبسة) السلمي رضي الله عنه (أن رسول الله ﴾.
قال : من) شرطية مبتدأ ، جوابها (( بنى الله)) (بنى مسجداً) قال في
الفتح : التنكير فيه للشيوع ، فيدخل فيه الكبير والصغير ، ووقع في
رواية أنس عند الترمذي (( صغيراً، أو كبيراً) ، وزاد ابن أبي شيبة في
حديث الباب من وجه آخر عن عثمان: (( ولو كمَفْحَص قَطاة)) ، وهذه
الزيادة أيضاً عند ابن حبان ، والبزار من حديث أبي ذر . وعند أبي
مسلم الكجي من حديث ابن عباس . وعند الطبراني في الأوسط من
حديث أنس وابن عمر . وعند أبي نعيم في الحلية من حديث أبي بكر
الصديق ، ورواه ابن خزيمة من حديث جابر ، بلفظ ((كمفحص قطاة،
أو أصغر)).
وحمل أكثر العلماء ذلك على المبالغة ، لأن المكان الذي تفحص
القطاة عنه ، لتضع فيه بيضها ، وترقد عليه ، لا يكفي مقداره للصلاة

٤٢٥ -
١ - الفضل في بناء المساجد - حديث رقم ٦٨٨
فيه ، ويؤيده رواية جابر هذه.
وقيل: بل هو على ظاهره ، والمعنى أن يزيد في مسجد قدراً
يحتاج إليه تكون تلك الزيادة هذا القدر، أو يشترك جماعة في بناء
مسجد ، فتقع حصة كل واحد منهم ذلك القدر .
وهذا كله بناء على أن المراد بالمسجد ما يتبادر إلى الذهن ، وهو
المكان الذي يتخذ للصلاة فيه ، فإن كان المراد بالمسجد موضع
السجود، وهو ما يسع الجبهة ، فلا يحتاج إلى شيء مما ذكر ، لكن
قوله : ((بنى)) يشعر بوجود بناء على الحقيقة ، ويؤيده قوله في رواية أم
حبيبة (( من بنى لله بيتاً)) ، أخرجه سمويه في فوائده بإسناد حسن .
وقوله في رواية عمر (( من بنى مسجداً يذكر فيه اسم الله)) أخرجه
ابن ماجه ، وابن حبان. وأخرج النسائي نحوه من حديث عمرو بن
عبسة - يعني حديث الباب - فكل ذلك مشعر بأن المراد بالمسجد المكان
المتخذ ، لا موضع السجود فقط ، لكن لا يمتنع إرادة الآخر مجازاً ، إذ
بناء كل شيء بحسبه ، وقد شاهدنا كثيراً من المساجد في طرق المسافرين
يحوطونها إلى جهة القبلة ، وهي في غاية الصغر ، وبعضها لا تكون
أکثر من قدر موضع السجود .
وروى البيهقي في الشعب من حديث عائشة نحو حديث عثمان ،
وزاد : قلت : وهذه المساجد التي في الطرق ؟ قال : نعم . وللطبراني
نحوه من حديث أبي قرْصَافَة ، وإسنادهما حسن . انتهى. فتح

شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
- ٤٢٦
ج١ ص٦٤٩.
(يذكر الله فيه) بالبناء للمفعول ، والجملة في موضع التعليل ،
كأنه قيل: بنى ليذكر الله تعالى فيه ، فهذا في معنى ما جاء (( يبتغي به
وجه الله)) ولفظ المصنف في الكبرى (( ليذكر الله فيه )) بلام التعليل.
والمراد به الإخلاص ، يعني أنه بناه لذكر الله تعالى لا لغرض آخر.
والله أعلم.
فائدة :
قال ابن الجوزي رحمه الله : من كتب اسمه على المسجد الذي
یینیه کان بعیداً من الإخلاص . انتھی.
وقال الحافظ رحمه الله : ومن بناه بالأجرة لا یحصل له هذا الوعد
المخصوص ، لعدم الإخلاص ، وإن كان يؤجر في الجملة . وروى
أصحاب السنن ، وابن خزيمة ، والحاکم من حديث عقبة بن عامر ،
مرفوعاً (( إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة : صانعه المحتسب في
صنعته، والرامي به ، والممد به)). فقوله ((المحتسب في صنعته)) أي
من يقصد بذلك إعانة المجاهد ، وهو أعم من أن يكون متطوعاً بذلك،
أو بأجرة ، لكن الإخلاص لا يحصل إلا من المتطوع .
وهل يحصل الثواب المذكور لمن جعل بقعة من الأرض مسجداً بأن
يكتفي بتحويطها من غير بناء ، وكذا من عمد إلى بناء كان يملكه ،
فوقفه مسجداً ؟
إن وقفنا مع ظاهر اللفظ فلا ، وإن نظرنا إلى المعنى فنعم ، وهو

٤٢٧ -
١ - الفضل في بناء المساجد - حديث رقم ٦٨٨
المنطبق على استدلال عثمان رضي الله عنه ؛ لأنه استدل بهذا الحديث
على ما وقع منه، من بنائه مسجد رسول الله ◌َّه، ومن المعلوم أنه لم
یباشر ذلك بنفسه . انتهى. فتح جـ ١ ص٦٤٩ - ٦٥٠.
قال الجامع : التعميم الذي فهمه عثمان رضي الله عنه هو الذي
يظهر لي ، لأنه من أهل اللسان ، ففهمه مقدم ، ما لم يعارضه نص .
والله أعلم .
(بنى الله عز وجل له بيتاً) إنما أظهر الفاعل تعظيماً لذكر اسمه
عز وجل ، وتلذذاً به .
تنبيه :
وقع في حديث عثمان رضي الله عنه ، وغيره (( بنى الله له مثله)) .
وقد اختلفوا في المراد بالمثل هنا : فقال قوم منهم ابن العربي : يعني
مثله في المقدار والمساحة . ويرده (( بيتاً أوسع منه))، عند أحمد
والطبراني من حديث ابن عمر . وروى أحمد أيضاً من طريق واثلة بن
الأسقع ، بلفظ «أفضل منه )) .
وقال قوم : مثله في الجودة، والحصانة ، وطول البقاء . وهذا يرده
أن بناء الجنة لا يخرب ، بخلاف بناء المساجد ، فلا مماثلة .
وقال صاحب المفهم : هذه المثلية ليست على ظاهرها ، وإنما يعني
أنه يبني له بثوابه بيتاً أشرف وأعظم وأرفع.
وقال النووي : يحتمل أن يكون قوله : ((مثله)) أمرين :

- ٤٢٨
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
أحدهما : أن يكون معناه : بنى الله له مثله في مسمى البيت ،
وأما صفته في السعة وغيرها فمعلوم فضلها ، فإنها ما لا عين رأت ، ولا
أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
والثاني : أن يكون معناه أن فضله على بيوت الجنة ، كفضل
المسجد على بيوت الدنيا . انتهى .
وقال الحافظ : لفظ المثل له استعمالان :
و
أحدهما: الإفراد مطلقاً، كقوله تعالى: ﴿أَنَوْمِنَ لِبَشَرِيْنِ مِثْلُنَا
[المؤمنون: ٤٧].
والآخر: المطابقة، كقوله تعالى: ﴿أُمَمَّ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] .
فعلى الأول لا يمتنع أن يكون الجزاء أبنية متعددة ، فيحصل جواب
من استشكل تقييده بقوله : مثله ، مع أن الحسنة بعشر أمثالها،
لاحتمال أن يكون المراد : بنى الله له عشرة أبنية مثله. وأما من أجاب
باحتمال أن يكون ◌َّ قال ذلك قبل نزول قوله تعالى: ﴿مَن جَاءَ
بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا .. الآية﴾ [الأنعام: ١٦٠]، ففيه بعد، وكذا
من أجاب بأن التقييد بالواحد لا ينفي الزيادة .
قال : ومن الأجوبة المرضية أن المثلية هنا بحسب الكمية ، والزيادة
حاصلة بحسب الكيفية ، فكم من بيت خير من عشرة ، بل من مائة .
قال الشوكاني: وهذا الذي ارتضاه هو الاحتمال الأول الذي ذكره
النووي .

٤٢٩ -
١ - الفضل في بناء المساجد - حديث رقم ٦٨٨
وقيل : إن المثلية هي أن جزاء هذه الحسنة من جنس البناء ، لا من
غيره ، مع قطع النظر عن غير ذلك ، مع أن التفاوت حاصل قطعاً
بالنسبة إلى ضيق الدنيا ، وسعة الجنة .
قال الجامع : هذا القول قريب مما قبله .
وقال في المفهم : هذا البيت - والله أعلم - مثل بيت خديجة الذي
قال فيه : ((إنه من قصب )) يرد أنه من قصب الزمرد والياقوت . أفاده
في النیل جـ٢ ص٢٥٧ -٢٥٨ .
قال الجامع عفا الله عنه : أقرب الاحتمالات عندي الأول مما قاله
النووي رحمه الله ، فهو بيت مثله تسمية ؛ لأن الجزاء من جنس
العمل، وأما وصفه فلا يعلمه إلا الله تعالى. والله أعلم.
(في الجنة ) متعلق ببنى ، أو صفة لبيتاً ، وفيه إشارة إلى أن فاعل
ذلك يدخل الجنة ، إذ المقصود بالبناء له أن یسکنه ، وهو لا يسكنه إلا
بعد الدخول. قاله في ((الفتح)). والله أعلم، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث
الأولى : في درجته :
حديث عمرو بن عبسة السلمي رضي الله عنه هذا في سنده بقية ،
مدلس تدليس التسوية ، وقد عنعنه ، لكنه صحیح بشواهده ، فقد
أخرج الشيخان وغيرهما حديث عثمان رضي الله تعالى عنه وغيره ،

شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
وسأذكر ما تيسير من ذلك في المسألة التالية ، إن شاء الله تعالى.
وهذا الحديث من أفراد المصنف رحمه الله تعالى ، لم يخرجه أحد
من أصحاب الأصول غيره ، وأخرجه أحمد جـ٣٨٦/٤ ، قال : حدثنا
حَيْوَة بن شُرَيْح ، ثنابقية ، ثنا بحير بن سعيد ، عن خالد بن معدان ،
عن كثير بن مرة ، عن عمرو بن عبسة أنه حدثهم أن رسول الله عَئ﴾
قال: (( من بنى لله مسجداً ، ليذكر الله عز وجل فيه ، بنى الله له بيتاً في
الجنة ، ومن أعتق نفساً مسلمة كانت فديته من جهنم ، ومن شاب شيبة
في سبيل الله عز وجل كانت له نوراً يوم القيامة)).
قال الجامع عفا الله عنه : إن تصريح بقية بالتحديث في رواية
أحمد رحمه الله هذه لا يصحح حديثه ؛ لأنه مطعون بتدليس التسوية ،
ومن يدلس التسوية لابد أن يصرح من فوقه كلهم بالسماع ، وهنا لم
يصرحوا .
وتدليس التسوية : هو أن يسقط ضعيفاً بين ثقتين ، وذلك بأن یذکر
شيخه وهو ثقة ، ويسقط من فوقه لكونه ضعيفاً ، وهو يروي عن ثقة ،
ثم يأتي بلفظ محتمل لسماع شيخه عن الثقة الثاني ، وسمي تدليس
تسوية لكون المدلس سَوَّى السند كله بذكر الثقات دون غيرهم ،
ويسمى أيضاً تجويداً ، لذكر الأجواد فيه دون غيرهم ، وهو أشر أنواع
التدليس؛ لأن الثقة الأول قد لا يكون معروفاً بالتدليس ، ويجده
الواقف على السند كذلك بعد التسوية قد رواه عن ثقة آخر ، فيحكم له
بالصحة ، ففیه غرر شدید.
وممن اشتهر بفعل ذلك بقية المذكور ، فقد قال ابن أبي حاتم في

٤٣١ -
١ - الفضل في بناء المساجد - حديث رقم ٦٨٨
العلل: سمعت أبي ، وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه عن
بقية : حدثني أبو وهب الأسدي ، عن نافع ، عن ابن عمر ، حديث :
((لاتحمدوا إسلام المرء، حتى تعرفوا عقدة رأيه)) فقال أبي: هذا
الحدیث له أمر ، قلَّ من یفهمه ، روی هذا الحدیث عبيد الله بن عمرو،
عن إسحاق بن أبي فروة ، عن نافع ، عن ابن عمر ... وعبيد الله
کنیته أبو وهب ، وهو أسدي ، فكناه بقية ، ونسبه إلى بني أسد ، كي لا
يفطن له، حتى إذا ترك إسحاق لا يُهْتَدَى له . قال : وكان بقية من أفعل
الناس لهذا . انظر التدريب جـ١ ص٢٢٤، ٢٢٥.
قال الحافظ السيوطي رحمه الله في ((ألفية الحديث)) :
إِسْقَاطُ غَيْرِ شَيْخِهِ وَيُثْبِتُ
وَشَرُّهُ التَّجْوِيدُ والتَّسْوِيَةُ
كَمِثْلٍ عَنْ وَذَاكَ قَطْعاً يَجْرَحُ
٠٠
والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية : في هذا الحديث بيان فضل بناء المسجد ابتغاء وجه
الله تعالى .
وقد وردت أحاديث في الترغيب في بناء المساجد ، أورد الحافظ
المنذري رحمه الله تعالى منها في الترغيب والترهيب أحاديث :
منها : حدیث عثمان بن عفان رضي الله عنه ، أنه قال-عند قول
الناس فيه ، حين بنى مسجد رسول الله عَمّه: إنكم أكثرتم علي، وإني
سمعت رسول الله تمد، يقول: (( من بنى مسجداً- قال بكير : حسبت
أنه قال - يبتغي به وجه الله ، بنى الله له بيتاً في الجنة))، وفي رواية:

- ٤٣٢
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
((بنى الله له مثله في الجنة)). رواه الشيخان، وغيرهما.
ومنها : حديث أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله څ﴾ :
((من بنى لله مسجداً، قدرَ مَفْحَص قَطاة ، بنى الله له بيتاً في الجنة)).
رواه البزار ، واللفظ له في الصغير ، وابن حبان في صحيحه .
ومَفْحَص القَطَاة - بفتح الميم ، والحاء المهملة ، بينهما فاء ساكنة ـ:
موضع تحفره القطاة لتبيض فيه .
ومنها : حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : سمعت
رسول اللـه ◌َ﴾ يقول: ((من بنى لله مسجداً يُذْكَرُ فيه ، بنى الله له بيتاً
في الجنة )) . رواه ابن ماجه ، وابن حبان في صحيحه .
ومنها : حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن
رسول الله ◌َّ، قال: ((من حفر بئر ماء، لم يَشْرَب منه كَبَدٌ حَرَّى ،
من جن ، ولا إنس ، ولا طائر ، إلا آجره الله يوم القيامة ، ومن بنى
مسجداً كمفحص قطاة، أو أصغر بنى الله له بيتاً في الجنة)). رواه ابن
خزيمة في صحيحه، وروى ابن ماجه منه ذكر المسجد فقط بإسناد صحيح.
ورواه أحمد، والبزار عن ابن عباس، عن النبي ◌َّ، إلا أنهما قالا:
«کمفحص قطاة لبيضها)).
وقوله : حرَّى : فَعْلِى، من الحَرِّ : أي عَطْشَى.
ومنها: حديث أنس رضي الله عنه، أن رسول الله عَ ﴾ قال: ((من
بنى لله مسجداً صغيراً أو كبيراً ، بنى الله له بيتاً في الجنة )) رواه

٤٣٣ -
١ - الفضل في بناء المساجد - حديث رقم ٦٨٨
الترمذي، حديث حسن .
ومنها : حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، قال : قال
رسول الله ◌َي: (( من بنى لله مسجداً ، بنى الله له بيتاً في الجنة أوسع
منه » . رواه أحمد بإسناد لین ، وهو حديث حسن .
ومنها : ما روي عن بشر بن حيان، قال: ((جاء واثلة بن الأسقع
رضي الله عنه ، ونحن نبني مسجداً ، قال : فوقف علينا ، فسلم ، ثم
قال: سمعت رسول الله ◌َ﴾، يقول: ((من بنى مسجداً يُصَلَّى فيه ،
بنى الله له في الجنة أفضل منه)) رواه أحمد والطبراني . حديث حسن.
ومنها : ما روي عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي تَ﴾ ، قال:
من بنى مسجداً ، لا يريد رياء ، ولا سمعة، بنى الله له بيتاً في الجنة)).
رواه الطبراني في الأوسط . حديث حسن .
ومنها : ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال
رسول الله عَمَ: ((إن مما يلحق المؤمن من عمله ، وحسناته بعد موته ،
علماً علمه ونشره ، أو ولداً صالحاً تركه ، أو مصحفاً ورثه ، أو مسجدًا
بناه ، أو بيتاً لابن السبيل بناه ، أو نهراً أجراه ، أو صدقة أخرجها من
ماله ، في صحته وحياته ، تلحقه من بعد موته )) . رواه ابن ماجه ،
واللفظ له ، وابن خزيمة في صحيحه ، والبيهقي ، وإسناد ابن ماجه
حسن . والله أعلم . انظر صحيح الترغيب والترهيب للشيخ الألباني
حفظه الله تعالى. ص ١٠٩ - ١١١ .

- ٤٣٤
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
وذكر العلامة العيني رحمه الله في ((عمدة القاري)) جـ٤ ص٢١٢ :
أن حديث الباب روي عن ثلاثة وعشرين صحابياً ، فأورد أحاديثهم ،
وأكثرها ضعاف ، فلا حاجة لذكرها هاهنا ، لأن الصحاح كافية وافية.
وبالله التوفيق .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .

٤٣٥ __
٢ - باب العباهاة في المساجد - حديث رقم ٦٨٩
٢ - المُبَاهَاةُ فِي الْمَسَاجِدِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على ذم المباهاة في بناء المساجد .
المباهاة : مصدر باهى ، يباهي ، مباهاة ، كما قال في الخلاصة :
وَغَيْرُ مَا مَرَّ السَّمَاعُ عَادَلَهْ
لِفَاعَلِ الْفِعَالُ وَالمُفَاَعَلَهْ
يقال : باهاه : إذا فاخره ، وتباهوا : إذا تفاخروا ، والمباهاة :
المفاخرة . أفاده في ((اللسان)). والله أعلم.
٦٨٩ - أخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْر، قَالَ: أنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ الْمُبَارَك
عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنَ
أَنَسِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َُّ قَالَ: ((مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أنْ يَتَبَاهَى
النَّاسُ فِي الْمَسَاجِد)).
٠٠
رجال هذا الإسناد : ستة
١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي ، لقبه الشاه ، ثقة ،
من [١٠]، تقدم في ٤٥/ ٥٥ .
٢ - (عبد الله بن المبارك) الإمام الحجة الثبت، من [٨]، تقدم
في ٣٦/٣٢.
٣ - (حماد بن سلمة) أبو سلمة البصري، ثقة عابد، من [٨]،

شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
- ٤٣٦
تقدم في ٢٨٨/١٨١ .
٤ - (أيوب) بن أبي تميمة السختياني ، أبو بكر البصري ، ثقة ثبت
فقيه ، من [٥]، تقدم في ٤٨/٤٢ .
٥ - (أبو قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي البصري ، ثقة فاضل كثير
الإرسال ، من [٣]، تقدم في ٣٢٢.
٦ - (أنس) بن مالك ، أبو حمزة الصحابي الجليل رضي الله
عنه، تقدم في ٦/٦ . والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سداسيات المصنف .
ومنها : أن رجاله كلهم ثقات ، اتفقوا علیهم إلا شيخه ، فمن
أفراده هو والترمذي، وحماد علق له البخاري .
ومنها : أنهم بصريون ، إلا شيخه وابن المبارك فمروزيان .
ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي ؛ أيوب عن أبي قلابة .
ومنها : أن أنساً رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة ، روى
[٢٢٨٦] حديثاً، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة ، مات سنة
٩٢ أو ٩٣، وقد جاوز ١٠٠ سنة. والله تعالى أعلم.

٤٣٧ -
٢ - باب المباهاة في المساجد - حديث رقم ٦٨٩
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك رضي الله عنه (أن النبي ◌َّهِ قال : من
أشراط الساعة ) جار ومجرور خبر مقدم ، عن المصدر المؤول مما
بعده .
والأشراط - بفتح الهمزة - جمع شَرَط - بفتحتين مثل سبب ،
وأسباب : هي العلامة.
والساعة : القيامة ، قال ابن منظور : وقال الزجاج : الساعة اسم
للوقت الذي تَصْعَق فيه العباد ، والوقت الذي يبعثون فيه ، وتقوم فيه
القيامة ، سميت ساعة لأنها تَفْجَأ الناس في ساعة ، فيموت الخلق كلهم
عند الصيحة الأولى التي ذكرها الله عز وجل، فقال: ﴿إِن كَانَتْ إِلاَّ
صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ﴾ [يس: ٢٩].
والساعة في الأصل تطلق بمعنيين :
أحدهما : أن تكون عبارة عن جزء من أربعة وعشرين جزءاً ، هي
مجموع اليوم والليلة .
والثاني : أن تكون عبارة عن جزء قليل من النهار أو الليل ، يقال
جلست عندك ساعة من النهار ، أي وقتاً قليلاً منه ، ثم استعير لاسم
يوم القيامة .
قال الزجاج : معنى الساعة في كل القرآن الوقت الذي تقوم فيه

- ٤٣٨
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
القيامة ، يريد أنها ساعة خفيفة ، يحدث فيها أمر عظيم ، فلقلة الوقت
الذي تقوم فيه سماها ساعة . انتهى لسان.
أي من علامات القيامة (أن يتباهى الناس) أي يتفاخروا (في
المساجد) أي في بنائها ، وذلك كأن يقول أحدهم للآخر : مسجدي
أرفع من مسجدك ، أو أزين ، أو أوسع ، أو أحسن ، رياء وسمعة
وطلباً للمدحة ، وفيه ذم من فعل ذلك . والله تعالى أعلم، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث أنس رضي الله عنه هذا صحيح .
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا (٦٨٩/٢)، و((الكبرى)) (٧٦٨/٢) عن سويد بن
نصر، عن ابن المبارك، عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة
عنه . والله أعلم.
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في ((الصلاة)) (١٢/٢) عن محمد بن عبدالله
الخزاعي ، عن حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن أبي قلابة وعن قتادة،
كلاهما عن أنس .
وأخرجه ابن ماجه فيه (١/ ٢٢) عن عبد الله بن معاوية الجمحي ،
عن حماد بن سلمة به .

٤٣٩ -
٢ - باب المباهاة في المساجد - حديث رقم ٦٨٩
وأخرجه أحمد (١٣٤/٣، و١٤٥، و٢٨٣)، والدارمي رقم
(١٤١٥) وابن خزيمة رقم (١٣٢٢)، و(١٣٢٣). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة : في فوائده :
منها : أن فيه عَلَماً من أعلام النبوة حيث أخبر النبي ◌َ ◌ّه بأنه
سيقع تباهي الناس ببناء المساجد ، وقد وقع كما أخبر به .
ومنها : أن زخرفة المساجد ، والمباهاة بها من علامات القيامة ،
فلا ينبغي للمسلم أن يفعل ذلك .
ومنها : ذم المباهاة بالمساجد.
وقد وردت أحاديث في هذا المعنى :
منها : ما رواه ابن خزيمة في صحيحه ، من طريق أبي قلابة : أن
أنساً قال: سمعته مطلي يقول: (( يأتي على أمتي زمان يتباهون
بالمساجد، ثم لا یعمرونها إلا قليلاً)».
ومنها : ما رواه ابن خزيمة في صحيحه أيضاً : أن عمر رضي الله
عنه أمر ببناء المسجد ، فقال : أكنَّ الناس ، وإياك أن تحمر ، أو تصفر ،
فتفتن الناس».
ومنها : ما رواه أبو داود بإسناد صحیح ، عن ابن عباس رضي الله
عنهما، قال: قال رسول اللـه مَله: ((ما أمرت بتشييد المساجد)).
قال ابن عباس : لتزخرفنها ، كما زخرفت اليهود والنصارى.
قال ابن رسلان : المشهور في الحديث أن المراد بتشييد المساجد رفع

- ٤٤٠
شرح سنن النسائي - كتاب المساجد
البناء وتطويله ، كما قال البغوي . وفيه رد على من حمل قوله تعالى :
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] على رفع بنائها، وهو
الحقيقة ، بل المراد أن تعظم ؛ فلا يذكر فيها الخَنَا من الأقوال ، وتطييبها
من الأدناس والأنجاس ، ولا ترفع فيها الأصوات . انتهى.
وقول ابن عباس رضي الله عنه: لتزخرفنها ... إلخ موقوف ،
کما رواه ابن حبان ، لكنه في حكم المرفوع ؛ لأن مثل هذا لا یکون من
قبل الرأي .
وقوله : كما زخرفت اليهود والنصارى . يريد أن اليهود
والنصارى زخرفوا معابدهم عندما حرفوا وبدلوا وتركوا العمل بما في
كتبهم ، فكأنه يقول : أنتم تصيرون إلى مثل حالهم ، إذا طلبتم الدنيا
بالدين ، وتركتم الإخلاص في العمل ، وصار أمركم إلى المراءاة
بالمساجد ، والمباهاة بتشييدها ، وتزيينها. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة : في أقوال أهل العلم في حكم تشييد المساجد
وزخرفتها :
أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنه: (( أن
المسجد كان على عهد رسول الله عم﴾. مبنياً باللبن ، وسقفه الجرید ،
وعَمَده خشب النخل ، فلم يزد فيه أبو بكر شيئاً ، وزاد فيه عمر ، وبناه
على بنيانه في عهد رسول الله ◌َّه باللبن والجريد، وأعاد عَمَدَه خشباً،
ثم غَيِّره عثمان ، فزاد فيه زيادة كثيرة ، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة