Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١ -
١٣ - باب كيف يصنع المؤذن في أذانه - حديث رقم ٦٤٣
أخرجه أبو الشيخ من طريق سعد القرظ عن بلال .
ثانيهما : أنه علامة للمؤذن ، لیعرف من رآه على بعد ، أو كان به
صمم أنه يؤذن ، ومن ثم قال بعضهم : يجعل يده فوق أذنه حسب .
قال الترمذي: استحب أهل العلم أن يدخل المؤذن أصبعه في
الأذان ، قال : واستحبه الأوزاعي في الإقامة أيضاً. والله أعلم.
تنبيه :
لم يرد تعيين الأصبع التي يستحب وضعها ، وجزم النووي أنها
المسبحة، وإطلاق الأصبع مجاز عن الأنملة. والله تعالى أعلم.
تنبيه آخر :
وقع في ((المغني)) للموفق نسبة حديث أبي جحيفة بلفظ (( أن بلالاً
أذن، ووضع أصبعيه في أذنيه)) إلى تخريج البخاري ومسلم ، وهو
وهم ، وساق أبو نعيم في المستخرج حديث الباب من طريق عبد
الرحمن بن مهدي ، وعبد الرزاق ، عن سفيان بلفظ عبد الرزاق من غير
بيان ، فما أجاد ، لإيهامه أنهما متوافقتان ، وقد عرفت ما في رواية عبد
الرزاق من الإدراج ، وسلامة رواية عبد الرحمن من ذلك . والله
المستعان. انتهى ((فتح الباري)) جـ٢ ص١٣٦، ١٣٧.
قال الجامع : رواية عبد الرحمن بن مهدي التي أشار إليها آنفاً
أخرجها أبو عوانة في ((صحيحه))، كما أشار إليه في ((الفتح)) جـ٢ ص ١٣٥،

شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
- ١٠٢
والله تعالى أعلم .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت وإليه أنيب .

١٤ - باب رفع الصوت بالأذان - حديث رقم ٦٤٤
١٠٣ -
١٤ - وَفْعُ الصَّوْتِ بِالأذانِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على الترغيب في رفع الصوت
بالأذان.
٦٤٤ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ : أَنْبَأْنَا ابْنُ الْقَاسم ،
عَنْ مَالِك ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الأنْصَارِيُّالْمَازِنِيُّ،َ عَنَّ
أبيه ، أنَّهُ أَخْبَرَهُ أنَّ أَبَا سَعِيدِ الْخُدْرِيَّ، قَالَ لَهُ: ((إِنِّي
أرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ ،
أوْبَادِيَتَكَ ، فَأَذَّنْتَ بِالصَّلاة ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ ، فَإِنَّهُ لا
يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٍّ ، وَلا إِنْسٌ ، وَلَا شَيْءٌ
إِلَا شَهِد لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) .
قَالَ أَبُو سَعيد: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُول اللَّه ◌َّه.
رجال الإسناد : ستة
١- (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المرادي الجملي ، أبو الحارث
المصري ، ثقة، ثبت، توفي سنة ٢٤٨، من [١١] ، تقدم في
٢٠/١٩.

١٠٤
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
٢ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جُنَادة
العُتَقي ، أبو عبد اللَّه المصري الفقيه صاحب مالك ، ثقة ، توفي سنة
١٩١، من كبار [١٠]، تقدم في ١٩/ ٢٠.
٣ - ( مالك) بن أنس الإمام المدني ، ثقة ، ثبت ، حجة ، فقيه ،
توفي سنة ١٧٩، من [٧]، تقدم في ٧ / ٧.
٤ - (عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي
صعصعة الأنصاري المازني) ، ومنهم من يسقط عبد الرحمن من
نسبه، ومنهم من ينسبه هو إلى جده ، فيقول : عبد الرحمن بن أبي
صعصعة ، ثقة ، من [٦].
قال أبو حاتم ، والنسائي : ثقة ، وذكره ابن حبان في الثقات . قال
الهيثم بن عدي : مات في خلافة أبي جعفر ، قال ابن المديني : وَهمَ
ابن عيينة في نسبه ؛ حيث قال : عبد الله بن عبد الرحمن . وقال
الشافعي : يشبه أن يكون مالك حفظه . وقال الدار قطني : لم يختلف
على مالك في تسمية عبد الرحمن بن عبد الله . وقال ابن عبد البر في
التمهيد : ثقة .
أخرج له البخاري ، وأبو داود ، والنسائي، وابن ماجه.
٥ - (عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة) الأنصاري
المدني ، ثقة ، من [٣]، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي وابن
ماجه .

١٠٥ -
١٤ - باب رفع الصوت بالأذان - حديث رقم ٦٤٤
٦ - ( أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان الأنصاري
الصحابي ابن الصحابي رضي الله عنهما استصغر بأحد ، ثم شهد ما
بعدها ، توفي بالمدينة سنة ٦٣ أو ٦٤ أو ٦٥، وقيل : سنة ٧٤ ، تقدم
في ١٦٩/ ٢٦٢ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سداسيات المصنف .
ومنها : أنهم مدنيون ، إلا شيخه ، وشيخ شيخه ، فمصريان .
ومنها : أن فيه رواية الراوي عن أبيه .
ومنها: أن فيه أبا سعيد الخدري من المكثرين السبعة من الصحابة ،
روى (١١٧٠) حديثاً. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن مالك) بن أنس، أنه قال: (حدثني عبد الرحمن بن عبدالله
ابن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري المازني، عن أبيه)
عبدالله بن عبد الرحمن .
قال في الفتح : زاد ابن عيينة: ((وكان يتيماً في حجر أبي سعيد ،
وكانت أمه عند أبي سعيد)) ، أخرجه ابن خزيمة من طريقه ، لكن قلبه
ابن عيينة ، فقال : عن عبد الله بن عبد الرحمن، والصحيح قول
مالك، ووافقه عبد العزيز الماجشُون . وزعم أبو مسعود في الأطراف

- ١٠٦
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
أن البخاري أخرج روايته ، لكن لم نجد ذلك ، ولا ذكرها خلف ، قاله
ابن عساكر .
واسم أبي صعصعة : عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو
ابن غنم بن مازن بن النجار . مات أبو صعصعة في الجاهلية ، وابنه
عبدالرحمن صحابي ، رَوَى ابنُ شاهين في الصحابة من طريق قيس بن
عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن أبيه ، عن جده حديثاً
سمعه من النبي ◌َّ ، وفي سياقه أن جده كان بدرياً، وفيه نظر ، لأن
أصحاب المغازي لم يذكروه فيهم ، وإنما ذكروا أخاه قيس بن أبي
صعصعة انتھی. فتح جـ٢ ص١٠٥ .
(أنه أخبره) الضمير الأول لأبيه ، والثاني لعبد الرحمن ، أي أن
أبا عبد الرحمن - وهو عبد الله - أخبر ابنه عبد الرحمن (أن أبا سعيد
الخدري قال له:) أي لعبد الله بن عبد الرحمن (إِني أراك تحب الغنم)
قال في المخصص : الغَنَمُ جمع ، لا واحد له من لفظه . وقال أبو حاتم:
وهي أنثى . وعن صاحب العين : الجمع: أغْنَام ، وأغَانمُ ، وغُنُوم ،
وفي المحكم : ثَّوْه ، فقالوا : غنمان ، وفي الجامع : هو اسم لجمع
الضأن، والمَعْز . وفي الصحاح: موضوع للجنس ، يقع على الذكر ،
والإناث ، وعليهما جميعاً . قاله في عمدة القاري جـ٥ ص١١٤ .
(والبادية) أي وتحب البادية أيضاً لأجل الغنم ، لأن محب الغنم
يحتاج إلى إصلاحها بالمرعى ، وهو في الغالب يكون في البادية، وهي

١٠٧ -
١٤ - باب رفع الصوت بالأذان - حديث رقم ٦٤٤
الصحراء التي لا عمارة فيها . أفاده في الفتح .
(فإِذا كنت في غنمك) كلمة ((في)) تأتي بمعنى ((بین))، كما في
قوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩] . قاله العيني.
(أو باديتك) كلمة ((أو)) هنا يحتمل أن تكون للشك من الراوي ،
أو تكون للتنويع ، لأنه قد يكون في غنم بلا بادية ، وقد يكون في بادية
بلا غنم ، وقد لا يكون فيهما معاً ، وعلى كل حال لا يترك الأذان .
أفاده في الفتح ، وعمدة القاري.
(فأذنت بالصلاة) أي أعلمت بدخول وقت الصلاة ، وللبخاري
في الأذان ((فأذنت للصلاة)) باللام بدل الباء ، والمعنى متقارب.
(فارفع صوتك) زاد في رواية البخاري (( بالنداء)) ، أي الأذان .
قال في الفتح : وفيه إشعار بأن أذان من أراد الصلاة كان مقرراً
عندهم ، لاقتصاره على الأمر بالرفع ، دون أصل التأذين . قال :
واستَدَلَّ به الرافعيُّ للقول الصائر إلى استحباب أذان المنفرد ، وهو
الراجح عند الشافعية ، بناءً على أن الأذان حق الوقت . وقيل : لا
يستحب ، بناء على أن الأذان لاستدعاء الجماعة للصلاة ، ومنهم من
فصَّل بين من يرجو جماعة ، أو لا. انتهى فتح جـ٢ ص ١٠٥ .
(فإِنه) الفاء للتعليل ، أي لأنه (لا يسمع مدى صوت المؤذن) أي
غايته ، و((مدى)) - بفتح الميم ، وتخفيف الدال المهملة ، بعدها ألف.

- ١٠٨
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
الغاية. وقال السندي : وفي نسخة ((مَدَّ صوت المؤذن)) - بفتح میم ،
وتشديد دال - أي تطويله ، والمراد أن من سمع منتهى الصوت ، أو مده
يشهد له ، فكيف من سمع الأذان سماعاً بيناً ، وهذه الشهادة لإظهار
شرفه ، وعلو درجته ، وإلا فكفى بالله شهيداً . انتهى كلام السندي
جـ ٢ ص ١٢ .
قال الجامع : ما ذكره من وجود نسخة ((مَدّ) - بفتح ميم ، فتشديد
دال - بدل ((مَدَى)) بالقصر يحتاج إلى تثبت ، فإني لم أرها لغيره .
والله أعلم .
وقال التوريشتي رحمه الله : إنما ورد البيان على الغاية مع حصول
الكفاية بقوله: (( لا يسمع صوت المؤذن)) تنبيهاً على أن آخر ما ينتهي
إليه صوته يشهد له ، كما يشهد له الأولون .
وقال القاضي البيضاوي رحمه الله : غاية الصوت تكون أخفى ،
لا محالة، فإذا شهد له مَنْ بَعُدَ عنه، ووصل إليه هَمْسُ صوته ، فلأنْ
يشهد له من هو أدنى منه ، وسمع مبادئ صوته أولى . انتهى ذكره
العيني .
(جن) بالرفع فاعل ((يسمع)) (ولا إِنس، ولا شيء ) ظاهره
يشمل الحيوانات والجمادات ، فهو من عطف العام على الخاص ، لأن
الجن ، والإنس داخلان في شيء ، ويؤيده - كما قال الحافظ - ما في
رواية ابن خزيمة (( لا يسمع صوته شجر، ولا مدر، ولا حجر ، ولا

١٠٩ -
١٤ - باب رفع الصوت بالأذان - حديث رقم ٦٤٤
جن ، ولا إنس)) ، ولأبي داود ، والنسائي من طريق أبي يحيى، عن أبي
هريرة رضي الله عنه بلفظ « المؤذن یغفر له مدی صوته، ویشهد له کل
رطب ، و یابس)) ، ونحوه للنسائي وغيره من حديث البراء ، وصححه
ابن السكن .
قال الحافظ رحمه الله : فهذه الأحاديث تبين المراد من قوله في
حديث الباب (( ولا شيء))، وقد تكلم بعض من لم يطلع عليها في
تأويله على غير ما يقتضيه ظاهره ، قال القرطبي: قوله ((ولا شيء)):
المراد به الملائكة. وتعقب بأنهم دخلوا في قوله ((جن))، لأنهم
يستخفون عن الأبصار . وقال غيره : المراد كل ما يسمع المؤذن من
الحيوان حتى ما لا يعقل، دون الجمادات ، ومنهم من حمله على
ظاهره ، وذلك غير ممتنع عقلاً ، ولا شرعاً .
قال ابن بزيزة : تقرر في العادة أن السماع ، والشهادة ، والتسبيح
لا يكون إلا من حي ، فهل ذلك حكاية عن لسان الحال ، لأن
الموجودات ناطقة بلسان حالها بجلال باريها ، أو هو على ظاهره ،
وغير ممتنع عقلاً أن الله يخلق فيها الحياة ، والكلام . وقد تقدم البحث
في ذلك في قول النار ((أكل بعضي بعضاً))، وسيأتي في الحديث الذي
فيه: ((إن البقرة قالت: إنما خلقت للحرث)) . انتهى.
قال الجامع: قد ذكر في ((الفتح)) في حدیث (( اشتكت النار إلى ربها،
فقالت : يارب أكل بعضي بعضاً) ما نصه : وقد اختلف في هذه

شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
- ١١٠ -
الشكوى ، هل هي بلسان المقال ، أو بلسان الحال؟ واختار كُلاًّ طائفةٌ .
وقال ابن عبد البر: لكلا القولين وجه ونظائر ، والأول أرجح . وقال
عياض : إنه الأظهر . وقال القرطبي : لا إحالة في حمل اللفظ على
حقيقته ، قال : وإذا أخبر الصادق بأمر جائز لم يُحْتَجْ إلى تأويله ،
فحمله على حقيقته . وقال النووي : نحو ذلك ، ثم قال: حملُهُ على
حقيقته هو الصواب . وقال نحو ذلك التوربشتي . إلى آخر ما كتبه
الحافظ هناك. جـ٢ ص٢٤.
وفي ((صحيح مسلم)) من حدث جابر بن سمرة مرفوعاً ((إني
لأعرف حجراً كان يسلم عليّ) . ونقل ابن التين عن أبي عبد الملك: إن
قوله هنا: ((ولا شيء)) نظير قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ
بحمده﴾ [الإسراء: ٤٤]. وتعقبه بأن الآية مختلف فيها .
قال الحافظ : وما عرفت وجه هذا التعقب ، فإنها سواء في
الاحتمال ، ونقل الاختلاف ، إلا أن يقول : إن الآية لم يختلف في
كونها على عمومها ، وإنما اختلف في تسبيح بعض الأشياء ، هل هو
على الحقيقة ، أو المجاز، بخلاف الحديث. والله أعلم. انتهى ((فتح))
ج٢ ص ١٠.
قال الجامع: الحاصل أن الصواب في هذه الشهادة ، ومثلُها
التسبيحُ المذكورُ، أنه على ظاهر النص، وأن التأويل غير صحيح ؛ لما
ثبت من النصوص في هذا المعنى ، كحديث مسلم المذكور آنفاً ،

١١١ _
١٤ - باب رفع الصوت بالأذان - حديث رقم ٦٤٤
وحديث حنين الجذع لَمَّا تركه النبي تمّه وخطب على المنبر ، وحديث
تسبيح الحصى ، وحديث تسبيح الطعام ، إلى غير ذلك من النصوص
الصريحة الصحيحة في كون الله تعالى يفعل ما يشاء ، فلا يختص
الإدراكُ والنطقُ ونحوُهما بالعقلاء . ولا ينكر ذلك إلا من أعمى الله
بصيرته ، فلا يصدق إلا ما يدركه عقله السخيف . نسأل الله تعالى أن
يهدينا الصراط المستقيم ويجنبنا الزيغ المؤدي إلى العذاب الأليم ، إنه
بعباده رؤوف رحيم .
(إلا شهد له يوم القيامة) وللبخاري في رواية الكشميهني ((إلا
یشهد له )) .
قيل: السرفي هذه الشهادة، مع أنها تقع عند عالم الغيب
والشهادة، أن أحكام الآخرة جرت على نعت أحكام الخلق في الدنيا من
توجيه الدعوى ، والجواب ، والشهادة . قاله الزين بن المُنَيِّر.
وقال التوربشتي: المراد من هذه الشهادة اشتهار المشهود له يوم
القيامة بالفضل، وعلو الدرجة ، وكما أن الله يفضح بالشهادة قوماً ،
فكذلك يكرم بالشهادة آخرين . أفاده في الفتح جـ ٢ ص ١٠٦ .
(قال أبو سعيد ) الخدري رضي الله عنه (سمعته)؛ قال
الكرماني: أي سمعت هذا الكلام الأخير ، وهو قوله: (( فإنه لا يسمع))
إلى آخره. وأشار بذلك إلى أنه من قوله ((إني أراك تحب)) إلى قوله :
((فإنه لا يسمع)) موقوف ، ويؤيد ذلك ما رواه ابن خزيمة من رواية ابن

- ١١٢ -
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
عيينة ، ولفظه: ((قال أبو سعيد : إذا كنت في البوادي ، فارفع
صوتك بالنداء، فإني سمعت رسول الله لي يقول: ((لا يسمع مدى
صوت المؤذن)) فذكره. ورواه يحيى القطان أيضاً عن مالك بلفظ: أن
النبي ◌َّى قال: ((إذا أذنت فارفع صوتك، فإنه لا يسمع )) فذكره .
وقد أورد الغزالي ، والرافعي ، والقاضي حسين هذا الحديث ،
وجعلوه كله مرفوعاً، ولفظه: (( أن النبي ◌َ﴾ قال لأبي سعيد: إنك
رجل تحب الغنم )) وساقوه إلى آخره . ورده النووي ، وتصدی ابن
الرفعة للجواب عنهم بأنهم فهمُوا أن قول أبي سعيد سمعته من
رسول الله ګ يرجع إلى كل ما ذکر ، والصواب مع النووي ، لما
تقدم. أفاده في عمدة القاري جـ٥ص١١٥ ، ونحوه في الفتح جـ٢
ص١٠٦ . والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى : في درجته :
حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه هذا أخرجه البخاري .
الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا (٦٤٤)، وفي الكبرى (١٦٠٨) عن محمد بن سلمة،
عن ابن القاسم، عن مالك ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن،
عن أبيه، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه. والله أعلم.

١١٣ _
١٤ - باب رفع الصوت بالأذان - حديث رقم ٦٤٤
الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه البخاري وابن ماجه ؛ فأخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن
عبد الله بن يوسف - وفي ذكر الجن عن قتيبة - وفي التوحيد عن
إسماعيل - ثلاثتهم عن مالك به . وفي المناقب عن أبي نعيم ، عن عبد
العزيز بن أبي سلمة الماجشون ، عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن
أبيه به .
وأخرجه ابن ماجه في ((الصلاة)) عن محمد بن الصباح ، عن سفيان
ابن عيينة ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن أبيه ،
عن أبي سعيد . كذا يقول سفيان : عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبيه.
قال الحافظ في نكته : قد أخرجه البزار في مسنده عن عمرو بن
علي، وأحمد بن عبدة ، كلاهما عن سفيان بن عيينة ، فقال :
عبدالرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة .
قال الجامع : قد تقدم أن هذا الذي عند البزار هو الصواب. والله
تعالى أعلم
الرابعة : في فوائده :
منها: ما بوب له المصنف ، وهو استحباب رفع الصوت بالأذان،
ليكثر من يشهد له ، ولو كان أذانه على مكان مرتفع ، وكان بلال
رضي الله عنه يؤذن على بيت امرأة من بني النَّجَّار بيتُهَا أطول بيت

شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
- ١١٤
حول المسجد .
ومنها: استحباب العُزْلَة عن الناس خصوصاً في أيام الفتَن ، وأن
حب الغنم ، والبادية ، ولا سيما عند وقوع الفتن ، من عمل السلف
الصالح .
ومنها: أن فيه جواز التَّبَدِّي، ومُسَاكَنَةُ الأعراب ، ومشاركتهم في
الأسباب، لكن بشرط أن يكون معه حَظّ من العلم ، وأمْن من غلبة
الجَفَاء .
ومنها: أن أذان المنفرد مندوب إلیه، ولو کان في برّیة ، لأنه إن لم
يحضر من يصلي معه ، يحصل له شهادة من سمعه، من الحيوانات ،
والجمادات .
وللشافعي في أذان المنفرد ثلاثة أقوال : أصحها : نعم ، لحديث
أبي سعيد الخدري هذا ، والثاني : وهو القديم ، لا يندب له ، لأن
المقصود من الأذان الإعلام ، وهذا لا ينتظم في المنفرد ، والثالث : إن
رَجَى حضور جماعة أذن ، لإعلامهم ، وإلا فلا ، وحمل حديث أبي
سعید علی أنه كان يرجو حضور غلمانه .
ومنها: أن الجن يسمعون أصوات بني آدم .
ومنها: أن بعض الخلق يشهد لبعض . انظر فتح جـ ٢ ص ١٠٦ - ١٠٧،
وعمدة القاري جـ ص٥١١ . والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل.

١١٥ _
١٤ - باب رفع الصوت بالأذان - حديث رقم ٦٤٤
٠ورة و٥ وره
٦٤٥ - أخْبَرَنَا إسْمَاعيلُ بْنُ مَسْعُود، وَمُحَمِّدُ بْنُ عَبْد الأعْلَى،
قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي يَحْبَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
سَمِعَهُ مِنْ فَمٍ رَسُولِ اللّهِعَثُ يَقُولُ: ((الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُلَهُ
بِمَدَّصَوْتَّهِ، وَيَشْهَدُلَهُ ثُلُّ رَطْبٍ ، وَيَأْبِسٍ».
رجال هذا الإسناد : سبعة
١- (إِسماعيل بن مسعود) الجَحْدري ، أبو مسعود البصري ،
ثقة ، توفي سنة ٢٤٨ هـ، من [١٠]، أخرج له النسائي، تقدم في
٤٢/ ٤٧ .
٢ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري ، توفي سنة
٢٤٥، من [١٠]، أخرج له مسلم وأبو داود في القدر والترمذي
والنسائي وابن ماجه، تقدم في ٥/٥ .
٣ - ( يزيد بن زريع) أبو معاوية البصري ، ثقة ، ثبت ، توفي
سنة ١٨٢ ، من [٨]، تقدم في ٥/٥.
٤ - (شعبة ) بن الحجاج أبو بسطام الواسطي البصري ، ثقة ،
ثبت ، حجة، من [٧]، تقدم في ٢٦/٢٤.
٥ - (موسى بن أبي عثمان) الكوفي ، مقبول ، من [٦] .

١١٦
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
وفي (تت) موسى بن أبي عثمان التَّبَّانُ المدني ، وقيل : الكوفي ،
مولى المغيرة . رَوَى عن أبيه ، وأبي يحيى المكي ، والأعرج ، وسعيد
ابن جبير ، وإبراهيم النخعي ، وأم ظبيان . وعنه أبو الزناد ، ومالك
ابن مغْوَل ، وشعبة ، والثوري . قال سفيان : كان مؤدباً ، ونعم الشیخ
كان ، وذكره ابن حبان في الثقات .
قال الحافظ : فرق ابن أبي حاتم بين موسى بن أبي عثمان التّبَّان ،
روى عن أبيه ، وعنه أبو الزناد ، وبين موسى بن أبي عثمان الكوفي ،
روى عن أبي يحيى ، عن أبي هريرة ، وعن النخعي ، وسعيد . وعنه
شعبة ، والثوري ، وغيرهما ، ولم يذكر في التبان شيئاً ، وقال في
الآخر عن أبيه : شيخ . انتهى .
علق له البخاري ، وأخرج له أبو داود ، والمصنف ، وابن ماجه.
٦ - (أبو يحيى) المكي، يقال: اسمه سمعان الأسلمي ، مقبول،
من [٤] .
وفي (تت) أبو يحيى المكي، روى عن أبي هريرة حديث ((المؤذنُ
یغفر له مدی صوته )» ، وعنه موسى بن أبي عثمان . ذكره ابن حبان في
الثقات ، وزعم أنه سمعان الأسلمي .
قال ابن عبد البر : أبو يحيى المكي اسمه سمعان سمع من أبي
هريرة ، روى عنه بعض المدنيين في الأذان . وقال ابن القطان : لا
يعرف أصلاً ، وقد ذكره ابن الجارود ، فلم يزد على ما أخذ من هذا

١١٧-
١٤ - باب رفع الصوت بالأذان - حديث رقم ٦٤٥
الإسناد ، ولم يسمه ، وقال المنذري ، والثوري : إنه مجهول . أخرج
له البخاري في خلق أفعال العباد ، وأبو داود، والنسائي ، وابن ماجه .
٧ - (أبو هريرة) الصحابي الجليل رضي الله عنه ، تقدم في
١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سداسيات المصنف ، وفيه أن شيخه إسماعيل من
أفراده ، وفيه أبو هريرة أكثر الصحابة رواية للحديث ، روى (٥٣٧٤)
حديثاً. والله تعالى أعلم.
شرع الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه، أنه (سمعه) أي سمع الحديث
الآتي (من فم رسول الله عَّه) يعني أنه أخذه مشافهة ، لا بواسطة.
(يقول) جملة حالية في محل نصب من ((رسول الله))، وإن كان
مضافاً إليه ، لكون المضاف جزءاً للمضاف إليه ، كما قال ابن مالك:
وَلَا تُجِزْ حَالاً مِنَ الْمُضَافِ لَهْ إِلا إِذَا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَهْ
أَوْ كَانَ جُزْءَ مَالَهُ أَضِيفَا أَوْ مِثْلَ جُزْتِهِ فَلا تَحِيفَا
(المؤذن) مبتدأ ، خبره جملة قوله : (يغفر له بمد صوته) -بفتح
الميم، وتشديد الدال المهملة ، والباء سببية۔أي يغفر له بسبب مد

- ١١٨
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
صوته. أو معنی ( مع )) ، أي يغفر له مع مد صوته .
وفي نسخة السندي (( بمَدَی صوته))، ونص عبارته: قوله: ((مَدَی
صَوْته)) وفي نسخة ((بمَدِّ صوته))، قيل : معناه بقدر صوته وحَدِه، فإن
بلغ الغاية من الصوت بلغ الغاية من المغفرة ، وإن كان صوته دون
ذلك، فمغفرته على قدره ، أو المعنى: لو كان له ذنوب ، تملأ ما بين
محله الذي يؤذن فيه إلى ما ينتهي إليه صوته لغفر له . وقيل : يغفر له
من الذنوب ما فعله في زمان مُقَدَّر بهذه المسافة . انتهت عبارته.
وفي ((الزهر)): قال أبو البقاء: الجَيِّدُ عند أهل اللغة ((مَدَى صوته))
وهو ظرف مكان.
قال الجامع : قوله : ((ظرف مكان)) هذا على رواية أبي داود ، فإن
روايته « يغفر له مَدَى صوته))، وأما على رواية المصنف فهو مجرور
بالباء ، وليس منصوباً على الظرفية . إلا إذا وجدت نسخة موافقة
لرواية أبي داود . فتنبه .
وأما « مَدُّ صوته» فله وجه ، وهو یحتمل شیئین:
أحدهما : أن يكون تقديره مسافة صوته .
والثاني : أن يكون المصدر بمعنى المكان ، أي ممتد صوته ، وفي
المعنى على هذا وجهان : أحدهما : معناه لو كانت ذنوبه ، تملأ هذا
المکان لغفرت له ، وهو نظير قوله ثمّه إخباراً عن الله تعالى (( لو جئتني

١١٩ _
١٤ - باب رفع الصوت بالأذان - حديث رقم ٦٤٥
بقُراب الأرض خَطَايَا)) ، أي بملئها من الذنوب . والثاني : يغفر له من
الذنوب ما فعله في زمان مقدر بهذه المسافة . انتهى .
وفي المنهل: قوله: ((المؤذن يغفر له مدى صوته)) أي غاية
صوته ومنتهاه ، وهو منصوب على الظرفية ، أي أن المؤذن يستكمل
مغفرة الله تعالى إذا بذل جهده في رفع الصوت بالأذان ، وقيل : إن
الكلام على وجه التمثيل والتشبيه ، يريد أن المكان الذي ينتهي إليه
صوت المؤذن لو قدر ، وكان ما بين أقصاه ، وبين مقامه الذي فيه،
ذنوب تملأ تلك المسافة لغفرها الله تعالی له .
وقيل : معناه يغفر لأجله ذنوب كل من سمع صوته ، فحضر
الصلاة المسببة عن ندائه. وقيل : معناه تغفر ذنوبه التي باشرها في تلك
النواحي إلى حيث يبلغ صوته ، وقيل : معناه : يغفر بشفاعته ذنوب
من كان ساكناً ، أو مقيماً إلى حيث يبلغ صوته . انتهى ما في المنهل
جـ٤ ص١٧٣ .
قال الجامع : أوضح المعاني ، وأقربها من هذه المعاني التي ذكرها
في المنهل أوَّلُها .
(ويشهد له كل رطب ، ويابس) أي كل نَام ، وجَمَاد ، مما يبلغه
ء
صوته ، وهذا بمعنى حديث أبي سعيد الخدري الماضي ((جن ، ولا
إنس، ولا شيء إلا شهد له))، وتقدم البحث هناك أن الصواب في
تلك الشهادة أنها بلسان المقال .

- ١٢٠
شرح سنن النسائي - كتاب الأذان
وقال في المنهل في شرح هذا الحديث : والصحيح أن للجمادات
والنباتات والحيوانات علماً وإدراكاً وتسبيحاً، كما يُعلَمُ من قوله
تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، وقوله :
﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] قال البغوي: وهذا
مذهب أهل السنة، ويدل عليه قضية كلام الذئب والبقرة، وغيرهما. انتهى.
زاد في رواية أبي داود في هذا الحديث (( وشاهد الصلاة تكتب له
خمس وعشرون صلاة ، ويكفر عنه ما بينهما)). والله تعالى أعلم، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا صحيح .
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه هنا (٦٤٥)، وفي الكبرى (١٦٠٩) عن إسماعيل بن
مسعود ، ومحمد بن عبد الأعلى ، كلاهما عن يزيد بن زريع ، عن
شعبة عن موسى بن أبي عثمان ، عن أبي يحيى المكي ، عن أبي هريرة
رضي الله عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه أبو داود وابن ماجه ؛ فأخرجه أبو داود في ((الصلاة)) عن