Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١ _
٣٠ - باب من أدرك ركعة من الصلاة - حديث رقم ٥٥٧
فقد أدركها، وليضف إليها أخرى)). وهذا لفظ عبد العزيز، وقال ابن
نمير: ((من أدرك من الجمعة ركعة، فليصل إليها أخرى)).
وأخرجه الطبراني في الصغير، والأوسط من طريق إبراهيم بن
سليمان الدباس، ثنا عبد العزيز بن مسلم القَسْمَليّ، عن يحيى بن
سعيد به. وقال: لم يروه عن يحيى إلا عبد العزيز، تفرد به إبراهيم.
قال الحافظ رحمه الله: وَوَهمَ في الأمرين معًا، أي لأنه كما مر
آنفًا، قد تابعه عيسى بن إبراهيم - وهو الشَّعيري، عن عبد العزيز بن
مسلم، وتابع هذا عبدُ الله بن نمير، وهما ثقتان حجتان.
قال الشيخ الألباني: فالحديث عندي صحيح مرفوعًا، وإن ذكر
الدارقطني في ((العلل)) الاختلاف فيه، وصوب وقفه، كما في
((التلخيص))، فإن زيادة الثقة مقبولة، فكيف، وهي من ثقتين، ومجيئه
موقوفًا، كما رواه البيهقي وغيره، لا ينافي الرفع، لأن الراوي قد
يوقف الحديث أحيانًا، ويرفعه أحيانًا، والكل صحيح. ويؤيد الرفع(١)
أنه ورد من طريق سالم عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: ((من أدرك ركعة من
صلاة الجمعة، أو غيرها، فقد أدرك الصلاة)).
أخرجه النسائي، وابن ماجه، والدارقطني من طريق بقية بن
الوليد، ثنا يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، عن سالم به. وقال
(١) قال الجامع: في دعوى تأييده هذا نظر، إذ الحديث من طريق بقية غير صحيح،
لتدليسه، ومخالفته لسليمان بن بلال وهو ثقة، فروايته منكرة. والله أعلم.

- ٢٨٢
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
الدار قطني: قال لنا ابن أبي داود: لم يروه عن يونس إلا بقية.
وفي ((التلخيص)): وقال ابن أبي حاتم في ((العلل)) عن أبيه: هذا خطأ
في المتن والإسناد، وإنما هو عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة
مرفوعًا: ((من أدرك من صلاة ركعةً، فقد أدركها))، وأما قوله: ((من
صلاة الجمعة))، فَوَهَم.
قال الحافظ: إن سلم من وَهَم بقيةَ ففيه تدليسه تدليس التسوية،
لأنه عنعنه لشيخه، وله طريق أخرى أخرجها ابن حبان في ((الضعفاء))
من حديث إبراهيم بن عطية الثقفي، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري
به. قال: إبراهيم منكر الحديث جدًا، وكان هشيم يدلس عنه أخباراً لا
أصل لها، وهو خطأ.
قال الشيخ الألباني: قد خالف بقيةً سليمانُ بنُ بلال، فقال: عن
يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، أن رسول الله عَّه قال: ((من أدرك
ركعة من صلاة من الصلوات، فقد أدركها، إلا أنه يقضي ما فاته)). وهو
الحديث الآتي للمصنف بعدُ.
قال الشيخ الألباني: وهو صحيح مرسل، وهو يدلنا على أمور:
الأول: خطأ بَقيَّةَ في وصله، وفي ذکر الجمعة فيه.
الثاني: أن له أصلاً من رواية الزهري، عن سالم، خلافًا لما يُشعرُ به
كلام أبي حاتم .

٢٨٣ _
٣٠ - باب من أدرك ركعة من الصلاة - حديث رقم ٥٥٨
الثالث: أنه شاهد جَيِّدٌ لرواية نافع عن ابن عمر المتقدمة، فإن قوله :
((صلاة من الصلوات)) يعم الجمعة أيضًا، والله أعلم.
وجملة القول أن الحديث بذكر الجمعة صحيح من حديث ابن عمر
مرفوعًا، وموقوفًا، لا من حديث أبي هريرة. والله تعالى ولي
التوفيق. اهـ ((الإرواء)) جـ٣ ص ٨٨ - ٩٠.
قال الجامع: في قوله: خطأ بقية الخ ما يرد قوله الأول من أن رواية
بقية تؤید حديث ابن عمر من طريق نافع، فإن رواية بقية غير صحيحة، .
لما سبق من تدليسه، ومخالفته للثقة، وهو سليمان بن بلال، فلا تصلح
شاهدًا. فتصحيحه له في صحيح النسائي من هذا الوجه ليس كما
ينبغي. فتبصر. والحاصل أن حديث ابن عمر رضي الله عنه صحيح
من رواية نافع، لا من رواية سالم عنه والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم
الوكيل .
٥٥٨ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ
ابْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ
بلال، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، أنَّ
رَسُولَ اللَّهِلَيْ قَالَ: ((مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مَنْ صَلاةٍ مِنَ
الصََّوَاتِ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا، إلا أنَّهُ يَقْضِي مَا فَاتَهُ)).

٢٨٤
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
رجال هذا الإسناد : سبعة
١ - (محمد بن إسماعيل) بن يوسف السلمي، أبو إسماعيل
الترمذي، نزيل بغداد، ثقة حافظ، من [١١].
قال النسائي: ثقة، وقال أبو بكر الخلال: رجل معروف ثقة كثير
العلم، متفقه. وقال ابن عقدة: سمعت عمر بن إبراهيم يقول: أبو
إسماعيل الترمذي صدوق مشهور بالطلب. وذكره ابن حبان في
الثقات. وقال الخطيب: كان فَهما متقنًا مشهورًا بمذهب السنة. وقال
أحمد بن كامل القاضي: مات في رمضان سنة ٢٨٠، وقال الحاكم عن
الدار قطني: ثقة صدوق، وتكلم فيه أبو حاتم. وقال الحاكم: ثقة
مأمون. وقال مسلمة: قاض ثقة. وقال القراب: أنا أبو علي الخفاف
ثنا أبو الفضل بن إسحاق بن محمود، قال: كان أبو إسماعيل ثقة.
وقال ابن أبي حاتم: تكلموا فيه. أخرج عنه الترمذي، والمصنف.
٢ - (أيوب بن سليمان) بن بلال القرشي المدني، أبو يحيى،
ثقة، لينه الأزدي، والساجي بلا دليل، توفي سنة ٢٢٤، من [٩].
قال الآجري عن أبي داود: ثقة. وقال الحاكم عن الدار قطني : ليس
به بأس. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: سمع مالكًا، مات سنة
٢٢٤.
وقال زكرياء الساجي، وأبو الفتح: يحدث بأحاديث لا يتابع

٢٨٥ _
٣٠ - باب من أدرك ركعة من الصلاة - حديث رقم ٥٥٨
عليها، ثم ساق الأزدي له أحاديث غرائب صحيحة. ونسب الدار قطني
في غرائب مالك أيوب بن سليمان الراوي عن مالك خزاعيًا، فكأنه غير
هذا، واشتبه على ابن حبان، أو يكونان جميعًا رويا عن مالك.
والله أعلم.
وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)): أيوب بن سليمان بن بلال
ضعيف، وَوَهمَ في ذلك، ولم يسبقه من الأئمة إلى تضعيفه إلا ما
أشرنا إليه عن الساجي، ثم الأزدي. والله أعلم. اهـ ((تت)).
أخرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والمصنف.
٣ - (أبو بكر) بن أبي أويس عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله
ابن أويس الأصبحي المدني الأعشى مشهور بكنيته كأبيه، ثقة توفي سنة
٢٠٢، من [٩].
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال آخر عن یحیی: ليس
به بأس. وقال الآجري: قدمه أبو داود على إسماعيل تقديمًا شديدًا.
وذكره ابن حبان في الثقات. وقال النسائي: ضعيف. وقال الحاكم عن
الدار قطني : حجة أخرج له الجماعة، إلا ابن ماجه.
٤ - (سليمان بن بلال) التيمي مولاهم، أبو محمد، أو أبو
أيوب المدني، ثقة، من [٨].
قال أبو طالب عن أحمد: لا بأس به ثقة. وقال الدوري عن ابن

- ٢٨٦
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
معين: ثقة صالح. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: سليمان
أحب إليك، أو الدراوردي؟ فقال: سليمان، وكلاهما ثقة.
وقال ابن سعد: كان بَرْبَريًا جميلاً عاقلاً حسن الهيئة، وكان يفتي
بالبلد، وولي خراج المدينة، وكان كثير الحديث. مات بالمدينة سنة
١٧٢، وقال الذهلي: ما ظننت أن عند سليمان بن بلال من الحديث ما
عنده حتى نظرت في كتاب ابن أبي أويس، فإذا هو قد تبحر حديث
المدنيين. وقال أبو زرعة: سليمان بن بلال أحب إلي من هشام بن سعد .
وقال البخاري عن هارون بن محمد المزني: مات سنة ١٧٧ ،
وذكره ابن حبان في الثقات، وحكى القولين في وفاته. وقال الخليلي :
ثقة، ليس بمکثر، لقي الزهري، ولکنه یروي کثیر حديثه عن قدماء
أصحابه، وأثنى عليه مالك، وآخر من حدث عنه لُوَيْن.
وقال ابن الجنيد عن ابن معين: إنما وضعه عند أهل المدينة أنه كان
على السوق. وكان أروى الناس عن يحيى بن سعيد. وقال عبد الرحمن
ابن مهدي: ندمت أن لا أكون أكثرت عنه. وقال ابن شاهين في كتاب
الثقات: قال عثمان بن أبي شيبة: لا بأس به، وليس ممن يعتمد على
حديثه. وقال ابن عدي: ثقة. قال الحافظ: ورأيت رواية مالك عنه في
كتاب مكة للفاكهي. أخرج له الجماعة.
وأما الباقون فقد تقدموا في السند السابق، وكذا شرح الحديث

٢٨٧ _
٣٠ - باب من أدرك ركعة من الصلاة - حديث رقم ٥٥٨
وسائر متعلقاته يعلم مما سبق فلا حاجة إلى إعادتها، فراجع ما سبق
تستفد. وبالله تعالى التوفيق.
تنبيه :
هذا الحديث من هذا الوجه مرسل، وهو صحيح، لما تقدم له من
الشواهد والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت، وإليه أنيب.
٠٠

٢٨٨
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
٣١ - السَّاعَاتُ التَّي نُهِيَ عَنِ الصّلاة فيهَا
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على بيان الأوقات التي نهي عن
الصلاة فيها .
٥٥٩ - أخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالك، عَنْ زَيْد بْنِ أسْلَمَ، عَنْ عَطَاء
ابْنِ يَسَارِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُنَابِحِيِّ: أنَّ رَسُولَ اللَّه ◌َُّ
قَالَ: ((الشَّمْسُ تَطْلُحُ، وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا
ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا، فَإِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا، فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا،
فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا، فَإذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا))، وَنَهَى
رَسُولُ اللَّه ◌َيُ عَنِ الصَّلاةِ فِي تِلْكَ السََّعَاتِ.
رجال الإسناد : خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد الثَّقفي أبو رجاء الْبَغْلاني، ثقة ثبت، من
[١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس الإمام المدني، ثقة حجة فقيه، من [٧]، تقدم
في ٧/ ٧.
٣ - (زيد بن أسلم) العدوي مولى عمر، أبو عبد الله المدني ثقة
عالم، توفي سنة ١٠٦، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في

١
٣١ - باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها - حديث رقم ٥٥٩
٢٨٩ -
٨٠/٦٤.
٤ - (عطاء بن يسار) الهلالي، أبو محمد المدني، مولى ميمونة،
ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، توفي سنة ٩٤، وقيل بعد ذلك،
من صغار [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٤/ ٨٠ .
٥ - (عبد الله الصُّنَابِحِيِّ) مختلف في وجوده، فقيل: صحابي
مدني، وقيل: هو أبو عبد الله الصنابحي: عبد الرحمن بن عُسَيلَة، أخرج
له أبو داود والنسائي وابن ماجه، تقدم في ١٠٣/٨٥ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، اتفقوا
عليهم إلا الصنابحي، فأخرج له أبو داود، والترمذي، والمصنف، وأنه
مختلف في صحبته، وأنهم مدنيون إلا قتيبة، فبغلاني. وفيه رواية
تابعي، عن تابعي، أو ثلاثة إن كان الصنابحي تابعيًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله الصنابحي) بضم الصاد المهملة، وفتح النون،
وكسر الموحدة: نسبة إلى صنابح بطن من مراد. اهـ لب جـ٢ ص٧٤ .
(أن رسول الله ◌َّ قال: الشمس) مبتدأ، خبره جملة (تطلع)
من باب قَعَد، يقال: طَلَعت الشمسُ طُلُوعًا، ومَطلَعًا - بفتح اللام،
وكسرها، وكل ما بدا لك من علو، فقد طلع عليك. قاله في المصباح.
--------- ----------- - -

-
٢٩٠
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
(ومعها قرن الشيطان) ((معها)) منصوب على الظرفية متعلق
بمحذوف، خبر مقدم لقرن، والجملة في محل نصب على الحال من
ضمير الشمس .
وقد اختلف في معنى هذه الجملة على نحو خمسة أقوال، تقدم
تفاصيلها في شرح الحديث رقم: ٥١١، وأن الراجح من تلك الأقوال
قول من قال: إن الشيطان يقارنها عند هذه الأوقات حقيقة، حيث إن
الكفار يسجدون للشمس فيها، فينقلب سجود الكفار عبادة له. وإنما
رجح هذا القول لحديث عبد الله الصنابحي هذا، فإنه ظاهر في هذا
المعنى، وفي حديث عمرو بن عَبَسَةَ ((فإنها تطلع حين تطلع بين قرني
شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار)).
(فإِذا ارتفعت) الشمس عن مطلعها (فارقها) أي ابتعد عنها،
لانتهاء مهمته، وهي طلب سجود الكفار له.
(فإِذا استوت) في بطن السماء (قارنها، فإِذا زالت) عن بطن
السماء (فارقها، فإِذا دنت) أي اقتربت (للغروب قارنها، فإِذا
غربت فارقها، ونَهَى رسولُ الله عَّهِ عن الصلاة في تلك
الساعات) أي الساعات الثلاث المذكورة.
وقد علل النهي في الحديث حيث قال: ((فإنها تطلع بين قرني
شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار))، فبين أن سبب النهي هو أنها تكون
في هذه الساعات مقارنة للشيطان فكأن من يصلي حينئذ يصلي له،

-
٢٩١
٣١ - باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها - حديث رقم ٥٥٩
ولذا قال في حديث عمرو بن عَبَسَة: ((وحينئذ يسجد لها الكفار)). والله
أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته :
حديث عبد الله الصنابحي هذا حديث صحيح، وقد اختلف في
كونه موصولاً، أو مرسلاً، فمن أثبت الصحبة له جعله متصلاً
صحیحًا، ومن نفاها عنه، جعله مرسلاً ولكنه صحيح لشواهده.
ودونك عبارة الحافظ في ((تت)): قال رحمه الله: عبد الله
الصنابحي مختلف في صحبته. رَوَى عن النبي ◌َّه، وعن عبادة بن
الصامت. وعنه عطاء بن يسار، وقال الدوري عن ابن معين: عبد الله
الصنابحي روی عنه المدنیون یشبه أن یکون له صحبة .
وقال ابن السكن: عبد الله الصنابحي، يقال: له صحبة، معدود
في المدنيين، رَوَى عنه عطاء بن يسار، قال: وأبو عبد الله الصنابحي -
يعني عبد الرحمن بن عُسَيلَة - أيضًا مشهور، رَوَى عن أبي بكر، وعبادة
ابن الصامت، ليست له صحبة. انتهى.
وقال مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله
الصنابحي، عن النبي عمّ: ((إذا توضأ العبد المسلم ... )) الحديث،
قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عنه؟ فقال: وَهمَ فيه مالك،
٠
:

٢٩٢
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
-
وهو أبو عبد الله، واسمه عبد الرحمن بن عُسَيلَة، ولم يسمع من
النبي ێ .
وقال سويد بن سعيد، عن حفص بن مَيْسَرَة، عن زيد بن أسلم، عن
عطاء، عن عبد الله الصنابحي، سمعت رسول الله عَّه، يقول: ((إن
الشمس تطلع مع قرني شيطان ... )) الحديث. وقال أبو غَسَّان محمد
ابن مُطَرِّف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن عبد الله الصنابحي، عن
عبادة في الوتر، وهكذا رواه زهير بن محمد، عن زيد بن أسلم، فاتفق
حفص بن ميسرة، وأبو غسان، وزهير على قولهم: عبد الله، فنسبة
الوهم في ذلك إلی مالك وحده فيه نظر .
قال الحافظ رحمه الله: وقد رُويَ عن مالك الحديث المسند، فقيل
فيه: عن أبي عبد الله على الصواب، هكذا رواه مطرف، وإسحاق بن
عيس بن الطباع عن مالك، ولكن المشهور عن مالك: عبد الله.
وقال الدارقطني في غرائب مالك: حدثنا أحمد بن محمد بن يزيد
الزعفراني، ثنا إسماعيل بن أبي الحارث، ثنا روح بن عبادة، ثنا زهير
ابن محمد، ومالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار :
سمعت عبد الله الصنابحي، سمعت النبي ثمّه، فذكر حديث النهي عن
الصلاة عند طلوع الشمس، هكذا رواه إسماعيل، عن روح، وهو ثقة،
وخالفه الحارث بن أبي أسامة، فرواه في مسنده، عن روح بإسناده هذا،
وقال: عن أبي عبد الله. فالله أعلم. اهـ ما في (تت)) ج٦ ص ٩٠ - ٩٢.

٢٩٣ _
٣١ - باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها - حديث رقم ٥٥٩
وقال أبو حاتم: عبد الله الصنابحي لم تصح صحبته اهـ المراسيل
ص ١٠٥ .
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن عبد الله الصنابحي مختلف
فيه، هل هو صحابي، أم تابعي، أم هو أبو عبد الله الصنابحي:
عبد الرحمن بن عسيلة؟ على أقوال، لكن حديثه هذا صحيح، وإن قلنا
بكونه تابعيًا، لشواهده، إلا أن قوله: ((فإذا استوت قارنها)) لم أرَ له
شاهدًا من روايات غيره، ففي روايات الآخرين التعليل بأن جهنم
تُسْجَرُ فيه، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثانية: في فوائده:
منها: أن الشيطان له تسلط في هذه الأوقات الثلاثة، فيقارن
الشمس فيها لیکون سجود عباد الشمس له .
ومنها: النهي عن الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة، وسيأتي
تفصيل أقوال العلماء فيه في المسألة التالية إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن سبب النهي عن الصلاة في هذه الأوقات هو التشبه
بالكفار، حيث إنهم يعبدون الشمس بالسجود لها، ويطيعون الشيطان
بذلك، حيث إنه يقارنها فيها، فلا ينبغي لمسلم أن يشابههم في عملهم.
والله أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة في هذه
الأوقات :

- ٩٤
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
قال النووي رحمه الله تعالى: أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا
سبب لها في هذه الأوقات، واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها،
واختلفوا في النوافل التي لها سبب، كصلاة تحية المسجد، وسجود
التلاوة، والشكر، وصلاة العيد، والكسوف، وفي صلاة الجنازة،
وقضاء الفوائت، ومذهب الشافعي وطائفة، جواز ذلك كله بلا كراهة،
ومذهب أبي حنيفة وآخرين أنه داخل في النهي لعموم الأحاديث، واحتج
الشافعي وموافقوه بأنه ثبت أن النبي تَّ قضى سنة الظهر بعد العصر،
وهذا صريح في قضاء السنة الفائتة، فالحاضرة أولى، والفريضة المقضية
أولى، وكذا الجنازة. اهـ ((شرح مسلم)) ج٦ ص١١٠.
وما ادعاه من الإجماع والاتفاق متعقب، فقد حَكَى غيره عن طائفة
من السلف الإباحة مطلقًا، وقالوا بالنسخ لأحاديث النهي، وهو مذهب
داود، وعن طائفة المنع مطلقًا، وحكى آخرون الإجماع على جواز
صلاة الجنازة في هذه الأوقات، ولكنه متعقب بما سيأتي في بابه. أفاده
في (الفتح)) جـ٢ ص٧١ .
وقال في ((طرح التثريب)): صح النهي عن الصلاة في حالتين
أخريين، وهما بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة
العصر حتى تغرب الشمس، ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي
الله عنهما، قال: ((شَهدَ عندي رجال مرضيون، وأرضاهم
عندي عمر: أن رسول الله عَّهُ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى
تشرق الشمس))، وفي رواية ((حتى تطلع، وبعد العصر حتى تغرب))،

٢٩٥ _
٣١ - باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها - حديث رقم ٥٥٩
وهو في الصحيحين أيضًا من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد بلفظ:
((حتى تطلع الشمس)).
قال الجامع: حديث ابن عباس يأتي للمصنف برقم ٥٦٢ بنحوه،
وحديث أبي هريرة يأتي برقم ٥٦١ .
وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد، والجمهور، وهو مذهب،
الحنفية أيضًا، إلا أنهم رأوا النهي في هاتين الحالتين أخف منه في الصَّوَر
المتقدمة - يعني الطلوع، والاستواء، والغروب - كما سنحكيه عنهم.
ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عمر، وابن مسعود، وخالد بن
الوليد، وأبي العالية، وسالم بن عبد الله بن عمر، ومحمد بن سیرین،
وغيرهم، وقال الترمذي: وهو قول أكثر الفقهاء، من الصحابة، فمن
بعدهم، وحكاه ابن عبد البر عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة،
وسعد، ومعاذ بن عفراء، وابن عباس، قال: وحسبك بضرب عمر على
ذلك بالدِّرَّة، لأنه لا يستجيز ذلك من أصحابه إلا لصحة ذلك عنده.
وذهب آخرون، إلى أنه لا تكره الصلاة في هاتين الصورتين - يعني
بعد صلاتي الصبح، والعصر - ومال إليه ابن المنذر بعد ذكره ثبوت
النهي عن الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر، فدل قوله عليه الصلاة
والسلام: ((لا تصلوا بعد العصر، إلا والشمس مرتفعة))، وقوله: ((لا
تحروا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني
شيطان))، مع قول عقبة بن عامر: ((ثلاث ساعات كان رسول الله عم ليه

- ٢٩٦
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
ينهي أن يُصَلَّى فيهن ... ) الحديث، مع سائر الأخبار المذكورة في غير
هذا الكتاب على أن الوقت المنهي عن الصلاة فيه هذه الأوقات الثلاثة.
قال: وفيمن روينا عنه الرخصة في التطوع بعد العصر علي بن أبي
طالب، وروينا معنى ذلك عن الزبير، وابن الزبير، وتميم الداري،
والنعمان بن بشير، وأبي أيوب الأنصاري، وعائشة أم المؤمنين،
وفَعَلَ ذلك الأسودُ بنُ یزید، وعمرو بن ميمون، ومسروق، وشريح،
وعبد الله بن أبي الهُذَيل، وأبو بردة، وعبد الرحمن بن الأسود،
وعبد الرحمن بن البيلماني، والأحنف بن قيس. وقال أحمد: لا
نفعله، ولا نعيب فاعله، وبه قال أبو خيثمة، وأبو أيوب. وحكى ابن
بطال إباحةَ الصلاة بعد الصبح، والعصر عن ابن مسعود، وأصحابه،
وبلال، وأبي الدرداء، وابن عمر، وابن عباس .
قال العراقي: الذي في مصنف ابن أبي شيبة عن أكثر هؤلاء
المذكورين فعلُ الركعتين بعد العصر، ولا يلزم من إباحتهم الركعتين
بورود النص فيهما إباحة التطوع بعد العصر مطلقًا، فيكون هذا مذهبًا
ثالثًا مفصلاً بين الركعتين، وما زاد عليهما.
وقال ابن عبد البر: قال قائلون: لا بأس بالتطوع بعد الصبح والعصر،
لأن النهي إنما قصد به ترك الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها.
واحتجوا بقوله عَّ: ((لا تصلوا بعد العصر، إلا أن تصلوا، والشمس
مرتفعة))، وبقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تحروا بصلاتكم طلوع

٢٩٧ _
٣١ - باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها - حديث رقم ٥٥٩
الشمس، ولا غروبها)).
وبإجماع المسلمين على الصلاة على الجنازة بعد الصبح، والعصر،
إذا لم يكن عند الطلوع، والغروب، قالوا: فالنهي عن الصلاة بعد
الصبح، والعصر هذا معناه، وحقيقته، قالوا: ومخرجه على قطع
الذريعة، لأنه لو أبيحت الصلاة بعد الصبح، والعصر، لم يُؤْمَنْ
التمادي فيها إلى الأوقات المنهي عنها، وهي حين طلوع الشمس،
وحين غروبها، هذا مذهب ابن عمر، قال: أما أنا فلا أنهى أحدًا يصلي
من ليل، أو نهار، غير أن لا يتحرى طلوع الشمس ولا غروبها، فإن
رسول الله عَّ نهى عن ذلك، ذكره عبد الرزاق. قال العراقي: وهو في
((صحيح البخاري)) .
قال ابن عبد البر رحمه الله: وهو قول عطاء، وطاوس، وعمرو بن
دينار، وابن جريج، ورُويَ عن ابن مسعود مثله، وهو مذهب عائشة،
قالت: أوهم عمر، إنما نهى رسول الله ثمّ عن الصلاة أن يتحرى بها
طلوع الشمس، أو غروبها. وقال محمد بن سيرين: تكره الصلاة في
ثلاث ساعات: بعد صلاة العصر، وبعد الصبح، ونصف النهار في شدة
الحر، وتحرم في ساعتين حين يطلع قرن الشمس حتى يستوي طلوعها،
وحين تصفر حتى يستوي غروبها، انتهى.
وهو مذهب رابع، لأن المذكورين قبله لم يكرهوا الصلاة بعد
الصبح، والعصر، وهذا کرهها.

- ٢٩٨
-
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
قال في الطرح: فإن قلت: هذا مذهب الحنفية، لأنهم اقتصروا في
كتبهم على الكراهة في هاتين الصورتين، وعَبَّرُوا في الصور الأخرى
بعدم الجواز. قلت: هو كذلك، ومع ذلك، فيخالفهم، لأنه ضم حالة
الاستواء إلى هاتين الصورتين في الكراهة، وهم ضموها إلى طلوع
الشمس وغروبها في عدم الجواز.
وذهب محمد بن جرير الطبري إلى التحريم في حالتي الطلوع،
والغروب، والكراهة فيما بعد العصر، والصبح.
ثم قال ابن عبد البر: وقال آخرون: لا يجوز بعد الصبح، أي
ويجوز بعد العصر، وممن ذهب إليه ابن عمر، ثم روى بإسناده عن
قدامة بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، قال: ماتت عمتي، وقد أوصت
أن يصلي عليها عبد الله بن عمر، فجئته حين صلينا الصبح، فأعلمته،
فقال: اجلس، فجلست حتى طلعت الشمس، وصفت، ثم قام،
فصلى عليها. قالوا: فهذا ابن عمر، وهو يبيح الصلاة بعد العصر، قد
كرهها بعد الصبح.
فهذا مذهب خامس في المسألة، وبه قال ابن حزم الظاهري : مَنَعَ
الصلاةَ بعد صلاة الصبح، وجوزها بعد صلاة العصر إلى الإصفرار،
لحديث الركعتين، ولحديث علي: ((أن النبي ◌ُُّ نهى عن الصلاة بعد
العصر، إلا والشمس مرتفعة))، وهو في سنن أبي داود، وإسناده
صحيح. وزاد عليه داود الظاهري، فجوزها إلى غروب الشمس،

٣١ - باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها - حديث رقم ٥٥٩
٢٩٩ _
,
ورأى النهي عن ذلك منسوخًا. اهـ ((طرح التثريب)) جـ٢ ص ١٨٥ - ١٨٧ .
ء
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي قول من
قال: إن الصلاة في هذه الأوقات ممنوعة، مطلقًا، إلا ذوات الأسباب،
وهذا مذهب الشافعي وطائفة من الصحابة والتابعين، وهو اختيار شيخ
الإسلام ابن تيمية رحمه الله. انظر ((مجموع الفتاوى)) جـ ٢٣ ص١٩ .
والمراد بذوات الأسباب: هي التي لها سبب متقدم عليها:
مثل الفائتة، فريضةً كانت أو نافلةً، وصلاة الجنازة، وسجود
التلاوة، والشكر، وصلاة الكسوف، وصلاة الاستسقاء، وصلاة
الطواف، وركعتي الوضوء، وتحية المسجد، ونحو ذلك.
وكذا يستثنى من النهي الصلاةُ بعد العصر، والشمسُ بيضاءُ نَفيَّةٌ.
أما استثناء ذوات الأسباب، فللأدلة الآتية:
منها: حديث أنس رضي الله عنه: أن النبي ◌ُُّ قال: ((من نَسيَ
صلاة، أو نام عنها، فكفارتها أن يُصَليها إذا ذكرها)). متفق عليه.
واللفظ لمسلم. ففيه دلالةُ أن من تذكر، أو استيقظ في هذه الأوقات،
فعليه أن يصلي الصلاة.
وعن أم سلمة رضي الله عنها: أن النبي تَّهُ: ((صلى ركعتين بعد
العصر، فلما انصرف، قال: يا بنت أبي أمَّةً سألت عن الركعتين بعد
العصر، إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم، فشغلوني

شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
- ٣٠٠
عن اللتين بعد الظهر، فهما هاتان الركعتان، بعد العصر)). رواه
الشيخان .
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: ((صلاتان لم يكن النبي ◌َّ
صَلى الله
يدعهما سرًا، ولا علانية، ركعتان قبل صلاة الصبح، وركعتان بعد
صلاة العصر)). رواه الشيخان.
وعن یزید بن الأسود رضي الله عنه: «شهدت مع رسول الله څ﴾
حجته، وصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى
صلاته، وانحرف، إذا هو برجلين في آخر القوم، لم يصليا معه، قال:
((عَلَيَّ بهما))، فجيء بهما، تَرْعَدُ فرائصهما، قال: ((ما منعكما أن تصليا
معنا))؟ فقالا: يا رسول الله إنا قد كنا صلينا في رحالنا، قال: ((فلا
تفعلا، فإذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا
معهم، فإنهما لكما نافلة)). رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي،
وغيرهم، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. انتھی ((المجموع)) جـ٤
ص١٧١ - ١٧٢ .
قال الجامع: ففي هذا الحديث إباحة النافلة بعد الصبح لما ذكرنا.
قال الإمام ابن حبان في ((صحيحه)): أخبرنا محمد بن إسحاق بن
خزيمة، ووصيف بن عبد الله الحافظ بأنطاكية، قالا: حدثنا الربيع بن
سلیمان، قال: حدثنا أسد بن موسی، قال: حدثنا الليث بن سعد،