Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
٦ - كتاب المواقيت -حديث رقم ٤٩٤
-
وقال الكرماني: اعلم أن هذا الحديث بهذا الطريق ليس متصل
الإسناد، إذ لم يقل أبو مسعود: شاهدت رسول الله عَمّه، ولا قال:
قال رسول الله څ﴾ . اهـ.
قال الحافظ رحمه الله: قلت: هذا لا یسمی منقطعًا اصطلاحًا،
وإنما هو مرسل صحابي، لأنه لم يدرك القصة، فاحتمل أن يكون سمع
ذلك من النبي ◌َّة، أو بلغه عنه بتبليغ من شاهده، أو سمعه،
كصحابي آخر. على أن رواية الليث عند المصنف - يعني البخاري - تزيل
الإشكال كله، ولفظه ((فقال عروة: سمعت بشير بن أبي مسعود،
يقول: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله مُ﴾ يقول)) فذكر
الحدیث .
و کذا سیاق ابن شهاب، وليس فيه التصريح بسماعه له من عروة،
وابنُ شهاب قد جُرِّبَ عليه التدليس، لكن وقع في رواية عبد الرزاق،
عن معمر، عن ابن شهاب، قال: ((كنا مع عمر بن عبد العزيز ... ))
فذكره. وفي رواية شعيب، عن الزهري ((سمعت عروة يحدث عمر
ابن عبد العزيز ... )) الحديث.
قال الجامع عفا الله عنه: في رد الحافظ لكلام الكرماني بأنه
مرسل صحابي، يحتمل أن يكون سمعه من النبي ◌َّه أو بلغه ، أو
سمعه من صحابي آخر مع كون أبي مسعود صرح بسماعه من النبي عَّه
نظر لا يخفى ، بل الأولى في الرد عليه أن يقال: إن الإسناد متصل
1

- ٤٦٢
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
لتصريح أبي مسعود بسماعه من النبي تعمّه ، فلا حاجة إلى ترديد
الاحتمال، ومثله يقال في الرد على من ادعى الانقطاع بین ابن شهاب
وبين عروة ، وبين عروة وبشير بن أبي مسعود، حيث صرح كل منهما
بالسماع. والله أعلم.
(يقول: نزل جبريل) عليه السلام، وقد بيَّن ابنُ إسحاق في
المغازي أن ذلك كان صَبِيحَةَ الليلة التي فرضت فيها الصلاة، وهي ليلة
الإسراء، قال ابنُ إسحاق: حدثني عتبة بن مسلم، عن نافع بن جبير،
وقال عبد الرزاق ، عن ابن جريج، قال نافع بن جبير، وغيره: لما
أصبح النبي ◌َّهِ من الليلة التي أسري به لم يَرُعْهُ إلا جبريل نزل حين
زاغت الشمس، ولذلك سميت الأولى، أي صلاة الظهر، فأمَرَ،
فَصيحَ بأصحابه ((الصلاةُ جامعة)) فاجتمعوا، فصلى به جبريل ،
وصلى النبي ◌َ ◌ّه بالناس. فذكر الحديث.
وإنما دعاهم إلى الصلاة بقوله: ((الصلاة جامعة)) لأن الأذان لم يكن
شرع حینٹذ.
قال الحافظ رحمه الله: وفيه ردًّ على من زعم أن بيان الأوقات إنما
وقع بعد الهجرة، والحق أن ذلك وقع قبلها ببيان جبريل، وبعدها ببيان
النبي تُ﴾ .اهـ. (فتح)) جـ٢ ص٧.
(فأمني) أي صار إمامي، يقال: أمَّهُ ، وأمَّ به: صلى به إِمَاماً ،
قاله في ((المصباح)) .

1
٤٦٣ -
٦ - كتاب المواقيت - حديث رقم ٤٩٤ .
(فصليت معه) فيه أن صلاة النبي ◌َِّ كان مع صلاة جبريل عليه
السلام وفي رواية البخاري ((نزل، فصلى، فصلى رسول الله تَّه ... ))
الحديث .
قال في الفتح: قال عياض: ظاهره أن صلاته كانت بعد فراغ صلاة
جبريل، لكن المنصوص في غيره أن جبريل أمَّ النبي ◌َّهُ ، فيحمل
قوله: ((صلى، فصلى)) على أن جبريل كان كلما فعل جزءًا من الصلاة
تابعه النبي ◌َّه بفعله اهـ. وبهذا جزم النووي. وقال غيره: الفاء بمعني
الواو، واعترض بأنه يلزم أن يكون النبي تم﴾ كان يتقدم في بعض
الأركان على جبريل على ما يقتضيه مطلق الجمع. وأجيب بمراعاة
الحيثية، وهي التبيين، فكان لأجل ذلك يتراخى عنه. وقيل: الفاء
للسببية، كقوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَىْ عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥].
وفي رواية الليث عند المصنف وغيره ((نزل جبريل ، فأمني ،
فصليت معه)) ، وفي رواية عبد الرزاق عن معمر ((نزل، فصلى ، فصلى
رسول الله عَ﴾. ، فصلى الناس معه)»، وهذا يؤيد رواية نافع بن جبير
المتقدمة. اهـ. (فتح)) جـ٢ ص٧.
(فصليت معه) أي الظهر (ثم صليت معه) أي العصر (ثم
صليت معه) أي المغرب (ثم صليت معه) أي العشاء (ثم صليت
معه) أي الصبح (يَحْسُبُ) أي يَعُدُّ وهو بضم السين، يقال: حسبت
المال حَسْبًا من باب قتل ، وحسْبَةً بالكسر وحُسْبَاناً بالضم إذا أحصيته.

· شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
- ٤
٤٦٤
أفاده في المصباح.
والظاهر أن الفاعل ضمير النبي ◌َّ﴾ (بأصابعه ، خمس صلوات)
بالنصب مفعولاً ليحسب، أو لصليت مقدرًا، ويأتي قريبًا ما يدل على
أنه صلى الخمس كل واحدة منها مرتين.
تنبيه:
قال القرطبي رحمه الله: قول عروة: إن جبريل نزل ليس فيه حجة
واضحة على عمر بن عبد العزيز، إذ لم يعين له الأوقات، قال: وغاية
ما يتوهم عليه أنه نبهه، وذَكَّره بما كان يعرفه من تفاصيل الأوقات،
قال: وفيه بعد؛ لإنكار عمر على عروة حيث قال له: ((اعلم ما تحدث
یا عروة»
قال: وظاهر هذا الإنكار أنه لم يكن عنده علم من إمامة جبريل.
قال الحافظ رحمه الله: لا يلزم من كونه لم يكن عنده علم منها أن
لا يكون عنده علم بتفاصيل الأوقات المذكورة من جهة العمل المُسْتَمرّ،
لكن لم يكن يعرف أن أصله بتبيين جبريل بالفعل، فلهذا استثبت فيه،
وكأنه يَرَى أن لا مفاضلة بين أجزاء الوقت الواحد، وكذا يُحمَلُ عمل
المغيرة وغيره من الصحابة .
قال الحافظ رحمه الله : ولم أقف في شيء من الروايات على
جواب المغيرة لأبي مسعود، والظاهر أنه رجع إليه. والله أعلم.

٤٦٥ _
٦ - كتاب المواقيت - حديث رقم ٤٩٤
وأما ما زاده عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري في هذه
القصة، قال: فلم يزل عمر يعلم الصلاة بعلامة حتى فارق الدنيا .
ورواه أبو الشيخ في كتاب المواقيت له من طريق الوليد ، عن
الأوزاعي، عن الزهري، قال: ((مازال عمر بن عبد العزيز يتعلم
مواقيت الصلاة حتى مات)). ومن طريق إسماعيل بن أبي حكيم (( أن
عمر بن عبد العزيز جعل ساعات يَنقَضينَ مع غروب الشمس))، زاد من
طريق ابن إسحاق ، عن الزهري ((فما أخرها حتى مات))، فكله يدل
على أن عمر لم يكن يحتاط في الأوقات كثير احتياط إلا بعد أن حدثه
عروة بالحديث المذكور.
تنبيه آخر:
قال الحافظ رحمه الله تعالى: ورد في هذه القصة من وجه آخر عن
الزهري بيان أبي مسعود للأوقات، وفي ذلك ما يرفع الإشكال،
ويُوضّح توجیه احتجاج عروة به، فَروی أبو داود وغيره، وصححه ابن
خزيمة وغيره من طريق ابن وهب، والطبرانيُّ من طريق يزيد بن أبي
حبيب كلاهما عن أسامة بن زيد، عن الزهري هذا الحديث بإسناده،
وزاد في آخره ((قال أبو مسعود: فرأيت رسول الله تَّه يصلي الظهر
حين تزول الشمس)) فذكر الحديث. وذكر أبو داود أن أسامة بن زيد تفرد
بتفسير الأوقات فيه ، وأن أصحاب الزهري لم يذكروا ذلك ، قال:
وكذا رواه هشام بن عروة ، وحبيب بن أبي مرزوق عن عروة لم يذكرا

- ٤٦٦
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
تفسيراً اهـ. ورواية هشام أخرجها سعيد بن منصور في سننه، ورواية
حبيب أخرجها الحارث بن أبي أسامة في مسنده، قال الحافظ: وقد
وجدت ما يَعْضِدُ رواية أسامة ويزيد عليها أن البيان من فعل جبريل،
وذلك فيما رواه الباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز، والبيهقي في
السنن الكبرى من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن أبي بكر بن
حزم أنه بلغه عن أبي مسعود، فذكره منقطعًا، لكن رواه الطبراني من
وجه آخر عن أبي بكر، عن عروة، فرجع الحديث إلى عروة ، وَوَضَحَ
أن له أصلاً، وأن في رواية مالك ومَنْ تابعه اختصارًا، وبذلك جزم ابن
عبد البر، وليس في رواية مالك ومن تابعه ما ينفي الزيادة المذكورة فلا
توصف - والحالة هذه - بالشذوذ. اهـ. ((فتح)) جـ٢ ص٨-٩. والله ولي
التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته :
حديث أبي مسعود رضي الله عنه هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان موضع ذكر المصنف له :
لم يذكره إلا في هذا الموضع.
المسألة الثالثة: فیمن أخرجه معه :
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه ؛ فأخرجه

٤٦٧ -
٦ - كتاب المواقيت - حديث رقم ٤٩٤
البخاري في ((الصلاة)) عن القعنبي، عن مالك - وفي ((بدء الخلق)) عن
قتيبة، عن ليث - وفي المغازي عن أبي اليمان ، عن شعيب - ثلاثتهم عن
الزهري، عن عروة ، عن بشير بن أبي مسعود، عن أبيه رضي الله عنه.
وأخرجه مسلم في ((الصلاة)) أيضًا عن قتيبة، ومحمد بن رمح،
كلاهما عن لیث به . وعن یحیی بن یحیی عن مالك به.
وأخرجه أبو داود في ((الصلاة)) أيضًا عن محمد بن سلمة المرادي،
عن ابن وهب ، عن أسامة بن زيد، عن الزهري به. وقال : رواه عن
الزهري معمر، ومالك ، وابن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة، والليث،
وغيرهم - لم يذكروا الوقت الذي صلى فيه، ولم يفسروه، وكذلك
رَوَى هشام بن عروة، وحبيب بن أبي مرزوق، عن عروة إلا أن حبيبًا
لم یذکر بشيراً .
وأخرجه ابن ماجه في ((الصلاة)) أيضًا عن محمد بن رمح، عن ليث به.
وأخرجه مالك في ((الموطأ))، وهو أول حديث وقع فيه. وأحمد،
والبيهقي، والطحاوي، والدارقطني، مع اختلاف في بعض الألفاظ.
والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة : في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو أن الصلوات الخمس لها أوقات
محددة .

- ٤٦٨
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
ومنها : أن تحديد تلك الأوقات كان ببيان جبريل عليه السلام.
ومنها: أنه يدل على أن أوقات الصلاة من فرائضها ، وأنها لا تجزئ
قبل وقتها، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، إلا شيء رُوي عن أبي
موسى الأشعري، وعن بعض التابعين، قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر
رحمه الله: وقد انعقد الإجماع على خلافه، فلم نَرَ لذكره وجهًا، لأنه لا
يصح عندي عنهم، وقد صح عن أبي موسى خلافه بما يوافق الجماعة،
فصار اتفاقًا صحيحًا. اهـ. ((الاستذكار)) ج١ ص٣٦.
ومنها : المبادرة بالصلاة في أول وقتها، ولا ینافي ذلك ما ورد من
الإبراد بالظهر في شدة الحر، لأن المبادرة تكون بما يناسب ذلك الإبراد،
فيبادر أول ما يحصل الإبراد المطلوب.
ومنها: أن فيه دخولَ العلماء على الأمراء، وإنكارَهم عليهم إذا
خالفوا السنة .
ومنها: جواز مراجعة العالم لطلب البيان، والرجوع عند التنازع
إلى السنة .
ومنها: أنه استدل به من يرى جواز الائتمام بمن يأتم بغيره، قال في
الفتح: ويجاب عنه بما يجاب به عن قصة أبي بكر في صلاته خلف
النبي ◌َّ ، وصلاة الناس خلفه، فإنه محمول على أنه كان مبلغا فقط،
كما سيأتي تقريره في أبواب الإمامة اهـ. جـ٢ ص ٧.
:
:

٤٦٩ _
٦ - كتاب المواقيت - حديث رقم ٤٩٤
ومنها : أنه استدل به بعضهم على جواز صلاة المفترض خلف
المتنفل من جهة أن الملائكة ليسوا مكلفين بمثل ما كلف به الإنس، قاله
ابن العربي، وغيره، وأجاب عياض باحتمال أن لا تكون تلك الصلاة
كانت واجبة على النبي ◌َّه حينئذ. وتعقبه بما تقدم من أنها كانت
صبيحة ليلة فرض الصلاة، وأجاب باحتمال أن الوجوب عليه كان
معلقًا بالبيان، فلم يتحقق الوجوب إلا بعد تلك الصلاة، قال : وأيضًا
لا نسلم أن جبريل كان متنفلاً، بل كانت تلك الصلاة واجبة عليه، لأنه
مکلف بتبليغها، فھي صلاة مفترض خلف مفترض اهـ. ((فتح)) جـ٢
ص٧ .
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن اقتداء المفترض
بالمتنفل يجوز لحديث إمامة معاذ رضي الله عنه لقومه بعد الصلاة
معه عَّله ، كما يأتي تحقيقه في محله إن شاء الله، وأما الاستدلال بهذا
الحدیث فغير واضح، والله أعلم.
ومنها: ما قاله ابن المُنَيِّر رحمه الله: قد یتعلق به من يجوز صلاة
مفترض بفرض خلف مفترض بفرض آخر، كذا قال. قال الحافظ
رحمه الله: وهو مسلم له في صورة المؤداة مَثَلاً خلف المقضية ، لا في
الظهر خلف العصر مثلاً. اهـ. (فتح)) جـ٢ ص٧.
ومنها : أن فيه فضيلة عمر بن عبد العزيز رحمه الله.

٤٧٠
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
ومنها : قبول خبر الواحد الثبت.
ومنها : أنه استدل به ابن بطال وغيره على أن الحجة بالمتصل دون
المنقطع، لأن عروة أجاب عن استفهام عمر له، لَمَّا أن أرسل الحديث
بذكر من حدثه به، فرجع إليه، فكأنَّ عمر قال له: تأمل ما تقول، فلعله
بلغك عن غير ثبت، فكأن عروة قال له: بل قد سمعته ممن قد سمع
صاحب رسول الله عَّة، والصاحب قد سمعه من النبي ◌َّه. اهـ.
((فتح) جـ٢ ص٩.
ومنها : أنه استدل به عياض على جواز الاحتجاج بمرسل الثقة،
كصنيع عروة حين احتج على عمر ، قال: وإنما راجعه عمر ، لتثبته
فیه، لا لكونه لم يرض به مرسلاً، كذا قال. قال الحافظ: وظاهر
السیاق یشهد لما قال ابن بطال.
ومنها: أن ابن بطال قال: في هذا الحديث دليل على ضعف
الحديث الوارد في أن جبريل أمَّ النبيَّ ◌َ﴿4﴾ في يومين لوقتين مختلفين
لكل صلاة، قال: لأنه لو كان صحيحًا لم ينكر عروة على عمر صلاته
في آخر الوقت محتجًا بصلاة جبريل، مع أن جبريل قد صلى في اليوم
الثاني في آخر الوقت، وقال: ((الوقت ما بین هذین)).
وأجيب باحتمال أن تكون صلاة عمر كانت خرجت عن وقت
الاختيار، وهو مصير ظل الشيء مثليه، لا عن وقت الجواز، وهو
مغيب الشمس، فيتجه إنكار عروة ، ولا يلزم منه ضعف الحديث، أو

٤٧١ -
٦ - كتاب المواقيت - حديث رقم ٤٩٤
يكون عروة أنكر مخالفة ما واظب عليه النبي تمّه ، وهو الصلاة في
أول الوقت، ورأى أن الصلاة بعد ذلك إنما هي لبيان الجواز، فلا يلزم
منه ضعف الحديث أيضًا.
وقد رَوَى سعيدُ بنُ منصور من طريق طلق بن حبيب مرسلاً، قال:
«إن الرجل ليصلي الصلاة، وما فاتته ، ولما فاتته من وقتها خير له من
أهله وماله)). ورواه أيضًا عن ابن عمر من قوله.
ويؤيد ذلك احتجاج عروة بحديث عائشة رضي الله عنها، حيث
قال: ولقد حدثتني عائشة ((أن النبي ◌َّه كان يصلي العصر، والشمس
في حجرتها قبل أن تظهر)).
وهي الصلاة التي وقع الإنكار بسببها، وبذلك تظهر مناسبة ذكره
لحديث عائشة بعد حديث أبي مسعود، لأن حديث عائشة يشعر
بمواظبته عَّ على صلاة العصر في أول الوقت، وحديث أبي مسعود
يشعر بأن أصل بيان الأوقات كان بتعليم جبريل عليه السلام. قاله في
((الفتح)) جـ٢ ص٩. والله تعالى أعلم.
تنبيه:
الحديث الذي أشار ابن بطال إلى تضعيفه سيأتي للمصنف برقم
(٥٠٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو حديث حسن ،
وبرقم (٥٠٤) من حديث جابر رضي الله عنه، وهو حديث صحيح،

٤٧٢
-
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
وهو مروي من حديث ابن عباس، وابن عمر ، وأبي موسى الأشعري،
وأنس بن مالك، وأبي سعيد الخدري، وأبي مسعود البدري رضي الله
عنهم ، وسيأتي الكلام عليها في مواضعها إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .
:
:

:
٤٧٣ _
٦ - كتاب المواقيت - حديث رقم ٤٩٤
وَلَمَّا ذكر المصنف رحمه الله تعالى الحديثَ الدالَّ على أن للصلاة
أوقاتًا محددة، لا يجوز أن تُفْعَل إلا فيها، وتلك الأوقات بَيَّنْهَا جبريلُ
عليه السلام للنبي ثَّم بالفعل: أراد أن يذكر الأحاديث الدالة على أن
لهذه الأوقات الخمس أولاً وآخراً، وأن الصلاة فيها أحيانًا يطلب
تعجيلها، وأحيانًا يطلب تأخيرها، فذكر تلك الأحاديث بأبواب متتالية
متناسقة ، فقال :

٤٧٤
-
1
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
٢ - أوَّلُ وَقْتِ الظُّهرِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على أول وقت صلاة الظهر.
وتقدم معنى الوقت في الباب السابق.
وأما الظُّهر - بضم فسكون - فهو الوقت بين الزوال والإبراد، مأخوذ
من الظهور، وهو الارتفاع، وسمي الظهيرة أيضاً، قال الله
تعالى: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِّنَ الظَّهِيرَةِ﴾ [النور: ٥٨]. اهـ. النظم
المستعذب جـ١ ص٥٤، وقال ابن منظور رحمه الله: والظُّهْرُ ساعةُ
الزوال، ولذا قيل: صلاة الظهر، وقد يَحْذفُون على السَّعَة، فيقولون:
هذه الظُّهْرُ ، يريدون صلاة الظهر، وقال الجوهري: الظهر بالضم بَعْدَ
الزوال، ومنه صلاة الظهر. والظَّهيرةُ: الهاجرة، يقال: أتيته حَدَّ
الظَّهيرة، وحين قام قائم الظهيرة، وفي الحديث ذكْرُ صَلاة الظُّهر، قال
ابن الأثير: هو اسم لنصف النهار، سمي به من ظَهيرة الشمس، وهو
شدة حَرِّها، وقيل: أضيفت إليه لأنه أظهر أوقات الصلوات للأبصار،
وقيل : أظهرها حَرًا، وقيل: لأنها أول صلاة أظهرت، وصليت، وقد
تكرر في الحديث ذكر الظهيرة، وهو شدة الحر نصف النهار، قال: ولا
يقال في الشتاء ظهيرة. وقال ابن سيدَه: الظَّهيرَة حَدُّ انتصاف النهار.
وقال الأزهري: هما واحد. اهـ. ((لسان)) ج٤ ص٢٧٦٩.
قال الجامع عفا الله عنه: إنما قدم المصنف وقت الظهر لكونها أول
1

٤٧٥
٢ - أول وقت الظهر - حديث رقم ٤٩٥
صلاة صلاها جبريل إمامًا للنبي ◌َّهِ على الراجح، ولذا تسمى الصلاة
الأولى، كما تقدم في الباب السابق . والله أعلم.
٤٩٥ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الأعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَال: حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ سَلامَةَ، قَالَ :
سَمِعْتُ أبي يَسْألُ أَبَا بَرْزَةَ الأَسْلَمِيَّ عَنْ صَلاة
رَسُول اللّه ◌َهُ، قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: كَمَا
أسْمَعُكَ السَّاعَةَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ أبي يَسْألُ عَنْ صلاة
رَسُول اللَّهِعَّهِ؟ قالَ: ((كَانَ لا يُبَالِي بَعْضَ تأخيرها.
يَعْنِي الْعِشَاءَ إِلَى نَصْفِ اللَّيْلِ، وَلا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا،
وَلَا الْحَديثَ بَعْدَهَا))، قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّلَقِيْتُهُ بَعْدُ،
فَسَأَلْتُهُ؟ قَالَ: ((كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ،
وَالعَصْرَ، يَذْهَبُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَالشَّمْسُ
حَيَّةٌ))، وَالْمَغْرِبَ لا أدْرِي أَيَّ حِينٍ ذَكَرَ، ثُمَّ لَقَيْتُهُ بَعْدُ،
فَسَألْتُهُ؟ فَقَالَ: ((وَكَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ،
فَيَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ جَلِيسِهِ الَّذِي يَعْرِفُهُ، فَيَعْرِفُهُ)، قَالَ:
وكَانَ يَقْرَأ فيهَا بِالسَّتِّينَ إِلَى الْمائَة)).

- ٤٧٦
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
رجال الإسناد: خمسة
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني، ثم البصري، ثقة ،
توفي سنة ٢٤٥، من [١٠]، تقدم في ٥/٥.
٢ - (خالد) بن الحارث الهُجَيمي أبو عثمان، البصري، ثقة
ثبت، من [٨]، تقدم في ٤٢ / ٤٧ .
٣ - (شعبة) بن الحجاج أبو بسْطام البصري الإمام الحجة، من
[٧]، تقدم في ٢٦/٢٤ .
٤ - (سَيَّارُ بن سَلامَةَ) بفتح السين وتشديد الياء من سيار، وفتح
السين، وتخفيف اللام من سلامة، أبو المنْهَال الرِّياحي البصري، ثقة ،
توفي سنة ١٢٩، من [٤] روَى عن أبي بَرْزة الأسلمي، والبراء
السليطي، وأبيه سَلامة، وأبي العالية الرياحي، وأبي مسلم الجَرْميِّ،
وغيرهم. وعنه سليمان التيمي، وخالد الحَذَّاء، وعَوْفُ الأعْرَابي،
وغيرهم.
وثقه ابن معين، والنسائي ، والعجلي، وابن سعد، وابن حبان،
وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحدیث. اهـ. تت جـ٤ ص ٢٩٠، ٢٩١
بتصرف. أخرج له الجماعة.
٥ - (أبو برزة الأسلمي) نَضْلَةُ بن عُبَيد، صاحب النبي ◌َِّله.
رَوَى عن النبي ◌َّهِ، وعن أبي بكر الصديق، وعنه ابنه المغيرة، وبنت
..-- -----

٤٧٧ -
٢ - أول وقت الظهر - حديث رقم ٤٩٥
ابنه منية بنت عبيد بن أبي برزة، وأبو المنهال الرِّياحي، والأزرق بن
قيس، وأبو عثمان النَّهْديّ، وأبو العالية الرِّيَاحيُّ، وكنَانَةُ بن نعيم،
وغيرهم.
قال البخاري: نزل البصرة ، وذكَرَ له حديث ((غزوت مع
النبي ◌َّه سبع غزوات)). وقال أبو نضرة عن عبد الله بن مولة
القشيري، قال: كنت بالأهواز إذ مر بي شيخ ضخم ، فإذا أبو برزة،
وقال ابن سعد: كان من ساكني المدينة، ثم البصرة، وغزا خراسان،
وقال الخطيب: شَهدَ مع علي، فقاتل الخوارج بالنهروان، وغزا بعد
ذلك خراسان، فمات بها، وقال أبو علي محمد بن علي بن حمزة
المروزي: قيل: إنه مات بنيسابور، وقيل: بالبصرة ، وقيل : بمفازة بين
سجستان وهَرَاة، وقال خليفة: مات بخراسان بعد سنة ٦٤، بعدما
أخرج ابن زياد من البصرة، وقال غيره: مات في آخر خلافة معاوية.
وجزم الحاكم أبو أحمد بسنة ٦٤، وقال ابن حبان: وقد قيل: إنه بقي
إلى ولاية عبد الملك . اهـ. وبه جزم البخاري في التاريخ الأوسط في
فصل من مات بين الستين إلى السبعين، قال الحافظ: ومما يؤيد ذلك أن
في صحيح البخاري أنه شهد قتال الخوارج بالأهواز، زاد الإسماعيلي:
مع الْمُهَلَّب بن أبي صُفْرَةَ، وكان ذلك في سنة ٦٥ كما جزم به محمد بن
قُدَامَةَ وغيره، وكان عبد الملك قد ولي الخلافة بالشام. أخرج له
الجماعة. اهـ. تت جـ١٠ ص ٤٤٦ -٤٤٧.

1
- ٤٧٨
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
(الأسلمي) نسبة إلى أسْلَم بن أقْصَى بن حارثة بن عمرو بن عامر.
کما في اللباب ج١ ص ٥٨ .
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات نُبَلاء، أخرج لهم الجماعة، إلا
شيخه، فلم يخرج له البخاري وأخرج له أبو داود في ((القدر)).
ومنها : أنه مسلسل بالبصريين.
ومنها: أنَّ سيارًا، وأبا برزة هذا الباب أول محل ذكرهم.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ، والتحديثَ ، والسماعَ.
شرح الحديث
قال سيار رحمه الله (سمعت أبي ) سلامة. قال الحافظ رحمه الله
تعالی: وسلامة والد سيار حَكَى عنه ولده هنا، ولم أجد من ترجمه ،
وقد وقعت لابنه عنه رواية في الطبراني الكبير في ذكر الخوض. وفي
الرواية الآتية (٥٢٥) من طريق عوف، عن سيار، قال: دخلت على
أبي برزة، وفي (٥٣٠) دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي. وهي
رواية البخاري، وزاد الإسماعيلي ((زمن أخرج ابن زياد من البصرة))،
قال الحافظ رحمه الله: وكان ذلك سنة ٦٤ . اهـ. ((فتح)) جـ٢ ص٣٣.

٤٧٩ -
٢ - اول وقت الظهر - حديث رقم ٤٩٥
وقال البدر العيني رحمه الله: وقال الإسماعيلي: لما كان زمن
أخرج ابن زياد، ووثب مروان بالشام، قال أبو المنهال: انطَلَقَ أبي إلى
أبي بَرْزَةَ، وانطلقت معه، فَإِذَا هو قاعد في ظل عُلو له من قَصَب في يوم
شديد الحر ... )) فذكر الحديث. اهـ. ((عمدة)) جـہ ص٣٤.
(يسأل أبا برزة) الأسلمي بالبناء للفاعل، ((وأبا)) مفعول به،
والجملة في محل نصب على الحال من ((أبي))، على رأي الجمهور، أو
مفعول ثان على رأي من يقول إن ((سمع)) من أخوات ((ظن))، على ما هو
مقرر في محله.
(عن صلاة رسول الله ◌َّ ) أي المكتوبة لما في الرواية الآتية
((فسأله أبي، كيف كان رسول الله تَّه يصلي المكتوبة)).
والمراد عن الأوقات التي كان يصلي فيها المكتوبة، ويداوم عليها.
قال شعبة (قلت) لسيار (أنت سمعته) بتقدير الاستفهام، أي أأنت
سمعت أباك يسأل أبا برزة (قال) سيار (كما أسمعك الساعةَ) أي
سمعته يسأله كسماعي لكلامك في هذه الساعة. فما مصدرية ، والفعل
في تأويل المصدر مجرور بالكاف، والساعة منصوب على الظرفية
متعلق بالفعل. هذا على جعل ((سمع)) ثلاثيًا من السماع، وقال
السندي: من الإسماع، وعليه يكون المعنى كما أسْمعُك كلامي.
قال الجامع: الأول أظهر. والله أعلم.

٤٨٠
شرح سنن النسائي - كتاب المواقيت
(فقال) سيار (سمعت أبي يسأل) أبا برزة (عن صلاة
رسول الله تَّه) الظاهر أن هذه الجملة تأكيد للأولى (قال) أبو برزة
رضي الله عنه (كان) رسول الله ◌َّه (لا يبالي) أي لا يَهْتَمُّ ، ولا
يَكْتَرثُ، يقال: لا أباليه، ولا أبالي به: أي لا أهْتَمُّ به، ولا أكْتَرِثُ له،
ولم أبَال، ولم أبَلْ للتخفيف، كما حذفوا الياء من المصدر، فقالوا: ((لا
أَبَاليه بَالَةً))، والأصل بَاليَةً ، مثل عَاَفَاهُ مُعَافَةً ، وعَافِيَةً، قالوا: ولا
تستعمل إلا مع الجَحْد، والأصل فيه قولهم: تَبَالَى القوم: إذا تَبَادَرُوا
إلى الماء القليل، فاستَقَوْا، فمعنى ((لا أبالي)): لا أبَادرُ، إهْمَالاً لَهُ.
وقال أبو زيد: ما بَالَيْتُ مُبَالاةً، والاسم البَلاءُ، وزَانَ كتَاب، وهو
الهَمُّ الذي تُحَدِّثُ به نَفْسَكَ. قاله في ((المصباح)). جـ١ ص٦٢ .
(بعض تأخيرها) بالنصب، مفعولاً ليبالي (يعني العشاء) أي
يقصد أبو برزة بالضمير في ((تأخيرها)) العشاء والعناية من بعض الرُّواة؛
سَيَّار، أو غيره (إِلى نصف الليل) وعند البخاري ((ولا يبالي بتأخير
العشاء إلى ثلث الليل)) ثم قال ((إلى شطر الليل))، ولمسلم من طريق
معاذ عن شعبة قال: ((ثم لَقِيتُهُ مَرَّة، فقال: ((أو ثلث الليل)). قال الحافظ
رحمه الله: وجزم حماد بن سلمة، عن أبي المنْهَال عند مسلم بقوله ((إلى
ثلث الليل))، وكذا لأحمد عن حجاج، عن شعبة اهـ.
(ولا يحب النوم قبلها) أي لما فيه من التعرض لتفويتها. وهذا
لمن لا يَجدُ مُوقظاً، أو يستغرقه النوم حتى يفوت العشاء، وإلا فلا