Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ _ ٢١- باب فضل صلاة الجماعة - حديث رقم ٤٨٥ و أيضاً: تَرَسَّلَ، واسم الرِّسَالة مَأْلُكُ بضم اللام، وَمَأْلَكَةٌ أيضاً بالهاء، ولامُها تضم وتفتح، والملائكةُ مشتقة من لفظ الألُوك، وقيل: من المألُك، الواحد: ملك، وأصله مَلأك، ووزنه مَعْفَل، فنقلت حركة الهمزة إلى اللام، وسقطت، فوزنه مَعَلٌ، فإنَّ الفاء هي الهمزة، وقد سقطت، وقيل: مأخوذ من لأكَ: إذا أرسل، فَمَلَأك مَفْعَل، فنقلت الحركة، وسقطت الهمزة، وهي عين، فوزنه مَفَلٌ، وقيل : غير ذلك. اهـ. جـ١ ص١٨، ١٩. فملائكة بالرفع فاعلُ ((يتعاقبون)) على كون الواو علامة، أو بدلٌ من الضمير على جعل الواو ضميرًا، أو بيانٌ، كأنه قيل: من هم؟ فقيل: ملائكة، أو مبتدأ خبره قبله . ثم قيل: المراد بهم الحفظة، نقله عياض ، وغيره عن الجمهور. وتردد ابن بزيزة. وقال القرطبي: الأظهر عندي أنهم غيرهم. قال الحافظ: ويقويه أنه لم ينقل أن الحفظة يفارقون العبد، ولا أن حفظة الليل غيرُ حَفَظَة النهار، وبأنهم لو كانوا هم الحفظة لم يقع الاكتفاء في السؤال منهم عن حالة الترك دون غيرها في قوله ((كيف تركتم عبادي)) . اهـ. ((فتح)) جـ٢ ص ٤٣ . (ويجتمعون في صلاة الفجر، وصلاة العصر) قال الزين ابن المُغَيِّر: التعاقب مغاير للاجتماع، لكن ذلك مُنَزَّل على حالين. قال الحافظ : وهو ظاهر. ٣٦٢ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة وقال ابن عبد البر: الأظهر أنهم يشهدون معهم الصلاة في الجماعة، واللفظ محتمل للجماعة وغيرها، كما يحتمل أن التعاقب يقع بين طائفتين دون غيرهم، وأن يقع التعاقب بينهم في النوع، لا في الشخص . وقال القاضي عياض رحمه الله: والحكمة في اجتماعهم في هاتين الصلاتين من لطف الله تعالى بعباده، وإكرامه لهم بأنْ جَعَل اجتماعَ ملائكته في حال طاعة عباده، لتكون شهادتهم لهم بأحسن الشهادة . قال الحافظ رحمه الله: وفيه شيء، لأنه رجَّحَ أنهم الحفظة، ولا شك أن الذين يصعدون كانوا مقيمين عندهم مشاهدين لأعمالهم في جميع الأوقات، فالأولى أن يقال: الحكمة في كونه تعالى لا يسألهم إلا عن الحالة التي تركوهم عليها ما ذكر ، ويحتمل أن يقال: إن الله تعالى يستر عنهم ما يعملونه فيما بين الوقتين، لكنه بناء على أنهم غير الحفظة . وفيه إشارة إلى الحديث الآخر ((إن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما))، فمن ثَمَّ وقع السؤال من كل طائفة عن آخرشيء فارقوهم عليه . (ثم يعرج) من باب قتل ، أي يصعد الملائكة (الذين باتوا فيكم) يقال: بَاتَ يَبِتُ بَيْتُوتَة، ومَبيتاً، وَمَبَاتاً، فهو بَائتُ: إذا فَعَلَ فعْلاً بالليل، كما اختص الفعل في ((ظَلّ)) بالنهار، وقد تأتي بمعنى ((صار))، يقال: بات بموضع كذا، أي صَارَ به، سواء كان في ليل ، أو نهار ، وبَاتَ يَبَاتُ من باب تَعبَ لغة. اهـ. المصباح باختصار. ٣٦٣ _ ٢١ - باب فضل صلاة الجماعة - حديث رقم ٤٨٥ قال الجامع: المناسب هنا معنى ((صار))، فيشمل الحديثُ الذين كانوا معهم ليلاً، والذين كانوا معهم نهاراً، ولا داعي إلى التكلفات الآتية . وقال في الفتح: اختُلفَ في سبب الاقتصار على سؤال الذين باتوا دون الذين ظَلُّوا، فقيل: هو من باب الاكتفاء بذكر أحد المثلين عن الآخر، كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩] أي وإن لم تنفع، وقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرِ﴾ [النحل: ٨١]، أي والبرد، وإلى هذا أشار ابن التين وغيره. ثم قيل: الحكمة في الاقتصار على ذلك أن حكم طرفي النهار يعلم من حكم طرفي الليل، فلو ذكره لكان تكرارًاً. ثم قيل: الحكمة في الاقتصار على هذا الشِّقِّ دون الآخر أن الليل مظنة المعصية، فلما لم يقع منهم عصيان مع إمكان دواعي الفعل من إمكان الإخفاء ونحوه، واشتغلوا بالطاعة كان النهار أولى بذلك، فكان السؤال عن الليل أبلغ من السؤال عن النهار، لكون النهار محل الاشتهار. وقيل: الحكمة في ذلك أن ملائكة الليل إذا صَلَّوُا الفجرَ عَرَجُوا في الحال، وملائكة النهار إذا صلوا العصر لَبِثُوا إلى آخر النهار لضبط بقية عمل النهار، قال الحافظ: وهذا ضعيف، لأنه يقتضي أن ملائكة النهار : شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة - ٣٦٤ لا يسألون عن وقت العصر، وهو خلاف ظاهر الحديث، كما سيأتي ، ثم هو مبني على أنهم الحفظة، وفيه نظر ، لما سنبينه، وقيل: بناه أيضًا على أنهم الحفظة أنهم ملائكة النهار فقط، وهم لا يبرحون عن ملازمة بني آدم، وملائكة الليل هم الذين يعرجون، ويتعاقبون ، ويؤيده ما رواه أبو نعيم في كتاب الصلاة له من طريق الأسود بن يزيد النخعي، قال: ((يلتقي الحارسان - أي ملائكة الليل، وملائكة النهار - عند صلاة الصبح، فيسلم بعضهم على بعض، فتصعد ملائكة الليل ، وتلبث ملائکة النهار)) . وقيل: يحتمل أن يكون العروج إنما يقع عند صلاة الفجر خاصة، وأما النزول فيقع في الصلاتين معًا، وفيه التعاقب، وصورته أن تنزل طائفة عند العصر، وتبيت ، ثم تنزل طائفة ثانية عند الفجر، فيجتمع الطائفتان في صلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فقط، ويستمر الذين نزلوا وقت الفجر إلى العصر، فتنزل الطائفة الأخرى، فيحصل اجتماعهم عند العصر أيضًا، ولا يصعد منهم أحد، بل تبيت الطائفتان أيضًا ، ثم تعرج إحدى الطائفتين، ويستمر ذلك، فتصح صورة التعاقب مع اختصاص النزول بالعصر، والعروج بالفجر، فلهذا خُصَّ السؤال بالذين باتوا. والله أعلم. وقيل: إن قوله في هذا الحديث ((ويجتمعون في صلاة الفجر، وصلاة العصر)) وَهَمٌّ، لأنه ثَبَتَ في طرق كثيرة أن الاجتماع في صلاة ٠ ٣٦٥ ٢١ - باب فضل صلاة الجماعة - حديث رقم ٤٨٥ الفجر من غير ذكر صلاة العصر، كما في الصحيحين من طريق سعيد ابن المسيب، عن أبي هريرة في أثناء حديث قال فيه (( وتجتمع ملائكة الليل، وملائكة النهار في صلاة الفجر))، وقال أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم ﴿ وَقَرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْأَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. وفي الترمذي والنسائي من وجه آخر بإسناد صحيح عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْأَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال: تشهده ملائكة الليل والنهار. ورَوَى ابنُ مَرْدويه من حديث أبي الدرداء نحوه. قال ابن عبد البر رحمه الله: ليس في هذا دَفْعٌ للرواية التي فيها ذكر العصر، إذ لا يلزم من عدم ذكر العصر في الآية، والحديث الآخر عدمُ اجتماعهم في العصر، لأن المسكوت عنه قد يكون في حكم المذكور بدليل آخر، قال: ويحتمل أن يكون الاقتصار وقع في الفجر لكونها جهرية . قال الحافظ رحمه الله: وبحثه الأول مُتَّجهٌ ، لأنه لا سبيل إلى ادعاء توهيم الراوي الثقة مع إمكان التوفيق بين الروايات، ولا سيما أن الزيادة من العدل الضابط مقبولة، وَلمَ لا يُقالُ: إن رواية مَن لم يذكر سؤال الذين أقاموا في النهار واقعٌ من تقصير بعض الرواة، أو يُحْمَلُ قوله: ((ثم يعرج الذين باتوا)) على ما هوأعم من المبيت بالليل، والإقامة بالنهار، فلا يختص ذلك بليل دون نهار، ولا عكسه، بل كل طائفة ٠ - ٣٦٦ - شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة منهم إذا صَعَدَت سُئِلَت ، وغاية ما فيه أنه استعمل لفظ ((بات)) في ((أقام)) مجازًا، ويكون قوله: ((فيسألهم)) أي كُلّ من الطائفتين في الوقت الذي يصعد فيه، ويَدُلُّ على هذا الحمل رواية موسى بن عقبة، عن أبي الزناد عند النسائي، ولفظه ((ثم يعرج الذين كانوا فيكم)) فعلى هذا لم يقع في المتن اختصار، ولا اقتصار، وهذا أقرب الأجوبة. قال: وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق أخرى واضحًا، وفيه التصريح بسؤال كل من الطائفتين . وذلك فيما رواه ابن خزيمة في ((صحيحه))، وأبو العباس السَّرَّاج جميعًا عن يوسف بن موسى، عن جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَ له: ((تجتمع ملائكة الليل، وملائكة النهار في صلاة الفجر، وصلاة العصر، فيجتمعون في صلاة الفجر، فتصعد ملائكة الليل، وتبيت ملائكة النهار، ويجتمعون. في صلاة العصر، فتصعد ملائكة النهار، وتبيت ملائكة الليل، فیسألهم ربهم : کیف تركتم عبادي؟ )) الحديث. وهذه الرواية تزيل الإشكال ، وتُغْني عن كثير من الاحتمالات المتقدمة ، فهي المعتمدة، ويحمل ما نقص منها على تقصير بعض الرواة. اهـ. ((فتح)) جـ٢ ص ٤٤ . قال الجامع عفا الله عنه: بل الأولى والأرجح عندي ما رجحه ٣٦٧ - ٢١ - باب فضل صلاة الجماعة - حديث رقم ٤٨٥ الحافظ قبل هذا، وهو عدم دعوى الاختصار، والاقتصار في رواية الباب، لأن معنی ((باتوا فیکم)): صاروا معكم، وقد تقدم ما نقلته من عبارة المصباح في ذلك، ويؤيد ذلك رواية النسائي المتقدمة ؛ ((ثم يعرج الذين كانوا فيكم)). وهذه الرواية رواية ابن خزيمة والسَّرَّاج مُوَضِّحَة لهذا المعنى، فلا داعي لدعوى التقصير من بعض الرواة. والحاصل أن معنى ((ثم يعرج الذين باتوا فيكم)) ثم يصعدون الذين كانوا معكم ، سواء الذين كانوا معهم ليلاً، والذين كانوا معهم نهاراً، فيشمل السؤال الطائفتين بنص هذا الحديث ، فلا إشكال. والله أعلم. تنبيه: استدل بعض الحنفية بهذا الحديث على استحباب تأخير صلاة العصر ليقع عروج الملائكة إذا فرغ آخر النهار، وتعقب بأن ذلك غير لازم، إذ ليس في الحديث ما يقتضي أنهم لا يصعدون إلا ساعة الفراغ من الصلاة، بل جائز أن تفرغ الصلاة، ويتأخروا بعد ذلك إلى آخر النهار ، ولا مانع أيضًا من أن تصعد ملائكة النهار، وبعضُ النهار باق، وتقیم ملائکة اللیل. قاله في (الفتح)) جـ ٢ ص٤٣ . قال الجامع: هذا التوجيه الثاني هو الواضح ، وأما الأول فلا يصح، لأن دعوى تأخرهم بعد الصلاة ينافيه قوله في الحديث: ((تركناهم وهم يصلون))، وأيضا الاستدلال المذكور تعارضه النصوص * ٣٦٨ - شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة التي تدل على استحباب تعجيل صلاة العصر، وهي صريحة تقدم على المفهوم، وسيأتي تحقيق ذلك في باب تعجيل العصر من كتاب المواقيت، إن شاء الله تعالى. وأما اعتراض العيني على الحافظ في هذا التوجيه فهو مجرد اعتراض لم يستند إلى دليل، فلا يلتفت إليه، فتبصر . (فيسألهم) هكذا النسخ بدون ذكر الفاعل، وفي الصحيحين ((فيسألهم ربهم))، ففي رواية المصنف يقدر ضمير يعود إلى المعلوم من المقام، يدل عليه قوله ((عبادي))، أي هو، أي ربهم على رأي جمهور النحاة، أو هو من باب حذف الفاعل لدليل على رأي الكسائي، أي ربهم . قيل: الحكمة فيه استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخير، واستنطاقهم بما يقتضي التعطف عليهم، وذلك لإظهار الحكمة في خلق نوع الإنسان في مقابلة مَنْ قَالَ من الملائكة ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدَّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: ٣٠]، أي وقد وجد فيهم من يسبح، ويقدس مثلكم بنص شهادتكم. وقال عياض: هذا السؤال على سبيل التعبد للملائكة ، كما أمروا أن يكتبوا أعمال بني آدم، وهو سبحانه وتعالى أعلم من الجميع بالجميع . ٣ - ٢١ - باب فضل صلاة الجماعة - حديث رقم ٤٨٥ (وهو أعلم بهم) أي بالمصلين من الملائكة ، فحذف صلة أفعل التفضيل. (كيف تركتم عبادي؟) قال ابن أبي جمرة: وقع السؤال عن آخر الأعمال ، لأن الأعمال بخواتيمها، قال: والعباد المسئول عنهم هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ [الحجر: ٤٢]، (فيقولون) أي الملائكة المسئولون (تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون) لم يراعوا الترتيب الوجودي، لأنهم بدؤوا بالترك قبل الإتيان، والحكمة فيه أنهم طابقوا السؤال، لأنه قال: ((كيف تركتم))، ولأن المخبر به صلاة العبادة، والأعمال بخواتيمها، فناسب ذلك إخبارهم عن آخر عملهم قبل أوله. وقوله ((تركناهم وهم يصلون)) ظاهره أنهم فارقوهم عند شروعهم في العصر سواء تمت أم منع مانع من إتمامها، وسواء شرع الجميع فيها، أم لا، لأن المنتظر في حكم المصلي، ويحتمل أن يكون المراد بقولهم: ((وهم يصلون)) أي ينتظرون صلاة المغرب. قال الجامع: الاحتمال الأول أولى لأنه الذي يقتضيه ظاهر الحديث. والله أعلم. وقال ابن التين: الواو في قوله ((وهم يصلون)» واو الحال، أي تركناهم على هذه الحال، ولا يقال: يلزم منه أنهم فارقوهم قبل انقضاء شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة - ٣٧٠ الصلاة، فلم يشهدوها معهم، والخبر ناطق بأنهم يشهدونها لأنا نقول: هو محمول على أنهم شهدوا الصلاة مع من صلاها في أول وقتها وشهدوا من دخل فيها بعد ذلك ، ومن شرع في أسباب ذلك. قال الجامع: الظاهر أنهم فارقوهم، وهم يصلون ، ولا يلزم من ذلك معارضة النصوص التي تدل على شهودهم، لأن الشهود لا يستلزم انقضاء الصلاة، على أن هؤلاء الذين فارقوا قد اجتمعوا مع الذين بَقُوا معهم، فالصلاة لم تخل من شهود الملائكة من أولها إلى آخرها ، والله أعلم. وقال ابن أبي جمرة: أجابت الملائكة بأكثر مما سُئِلُوا عنه، لأنهم عَلَمُوا أنه سؤال يَسْتَدْعي التَّعَطُّفَ على بني آدم، فزادوا في موجب ذلك. ووقع في صحيح ابن خزيمة من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في آخر هذا الحديث ((فاغفر لهم يوم الدين)) . اهـ. فتح جـ٢ ص ٤٥. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: ٣٧١ - ٢١ - باب فضل صلاة الجماعة - حديث رقم ٤٨٥ أخرجه هنا (٤٨٥)، وفي ((النعوت)) في ((الكبرى))، عن قتيبة ، عن مالك، وعن الحارث بن مسكين، عن القاسم، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عنه. المسألة الثالثة: فیمن أخرجه معه : أخرجه البخاري ومسلم؛ فأخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن عبد الله ابن يوسف ، وفي ((التوحيد)) عن إسماعيل وعن قتيبة، كلهم عن مالك به. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو فضل صلاة الجماعة في الفجر والعصر . ومنها: أن الصلاة أعلى العبادات بعد الشهادتين ؛ لأنه وقع عنها السؤال والجواب. ومنها: أن فيه الإشارة إلى عظم هاتين الصلاتين، لكونهما تجتمع فيهما الطائفتان، وفي غيرهما طائفة واحدة. ومنها : الإشارة إلى شرف الوقتين المذكورين، قال الحافظ: وقد ورد أن الرزق يقسم بعد صلاة الصبح، وأن الأعمال ترفع آخر النهار، فمن كان حينئذ في طاعة بورك في رزقه، وفي عمله، ويترتب عليه حكمة الأمر بالمحافظة عليهما، والاهتمام بهما . - ٣٧٢ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة ومنها: أن فيه تشريف هذه الأمة على غيرها، ويستلزم تشريف نبيها على غيره. ومنها: أن فيه الإخبار بالغيوب، ويترتب عليه زيادة الإيمان . ومنها: الإخبار بما نحن فيه من ضبط أحوالنا حتى نتيقظ، ونتحفظ في الأوامر والنواهي، ونفرح في هذه الأوقات بقدوم رُسُل ربنا، وسؤال ربنا عنا. ومنها: إعلامنا بحب الملائكة لنا لنزداد فيهم حبًا، ونتقرب إلى الله بذلك. ومنها: كلام الله تعالى مع ملائكته. ومنها : ما استنبطه منه بعض الصوفية من أنه يستحب أن لا يفارق الشخص شيئًا من أموره إلا وهو على طهارة، كشعره إذا حلقه، وظفره إِذا قَلَمَهُ، وثوبه إذا أبدله، ونحو ذلك(١) . قال الجامع: وفي هذا الاستنباط بعد. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٦ - أخْبَرَنَا كَثيرُ بْنُ عُبَيْد ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُبْنُ حَرْب، عَن ور،وهو,٥ الزَُّيْدِيَّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسِّبِ، عَّنْ أَبِيَ هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِلَّهُ قَالَ: ((تَفْضُلُ صَلَاةُ الْجَمْعِ (١) انظر فتح جـ٢ ص٤٥. *******- -- ** ٣٧٣ _ ٢١ - باب فضل صلاة الجماعة - حديث رقم ٤٨٦ عَلى صَلاة أحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسَةٍ وَعَشْرِينَ جُزْءاً، ويَجْتَمِعُ مَلاَئِكَةُ اللَّيْلِ وَالَنَّهَارَ فِيَ صَلَاةَ الْفَجْر ، وَاقْرَؤُوا إِنْ شَئْتُمْ ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ [الإسراء: ٧٨] رجال الإسناد: ستة ١ - (كَثِيرُ بن عُبَيد) بن نُمَير المذْحجيُّ، أبو الحسن الحمصي الحَذَّاء المقرئ، ثقة، من [١٠]. قال أبو حاتم: ثقة، وقال النسائي : لا بأس به، وقال ابن أبي داود: كان يقال: إنه أمَّ بأهل حمص ستين سنة، فما سَهَا في صلاته قط، قال عبد الغني بن سعيد: فذاكرت بذلك أبا الحسين أحمد بن محمد بن عمر بن عامر الفرضي الحمصي، فقال: قيل لكثير بن عبيد في ذلك؟ فقال: ما دخلت من باب المسجد قط، وفي نفسي غيرُ الله. ووثقه مسلمة بن قاسم، وأبو بكر بن أبي داود، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات سنة ٢٥٠ أو قبلها بقليل، أو بعدها، وكان من خيار الناس. وقيل: مات سنة ٢٤٧، والأول أصح. روی له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. اهـ. ((تت)) جـ ٨ ص٤٢٣، ٤٢٤ بتصرف. ٢ - (محمد بن حرب) الخَوْلاني الحمْصي الأبْرَش - بالمعجمة . ثقة، توفي سنة ١٩٤، من [٩]، أخرج له الجماعة. تقدم في شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة - ٣٧٤ ١٢٢/ ١٧٢. ٣ - (الزبيدي) محمد بن الوليد، أبو الهُذَيل الحمصي القاضي، ثقة ثبت، من أكابر أصحاب الزهري، توفي سنة ١٤٦ أو ١٤٧ أو ١٤٩، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٥/ ٥٦ . والزبيدي - مصغراً -نسبة إلى قبيلة من مذحج، كما في ((اللب)) جـ١ ص٣٧٣ . ٤ - (الزهري) محمد بن مسلم، الإمام الحجة الفقيه الثبت، توفي سنة ١٢٥، من رؤوس [٤]، أخرج له الجماعة، وتقدم في ١/١. ٥ - (سعيد بن المُسَيِّب) بن حَزْن بن أبي وَهْب القرشي المخزومي المدني، أحد الفقهاء الكبار، توفي بعد سنة ٩٠ وقد ناهز ٨٠ سنة، من كبار [٢]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩/ ٩. ٦ - ( أبو هريرة) الدوسي الصحابي الجليل رضي الله عنه، تقدم في ١/١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات أجلاء ، أخرج لهم الجماعة، إلا شیخه، فانفرد به هو، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. 1 ١ : ٣٧٥ _ ٢١ - باب فضل صلاة الجماعة - حديث رقم ٤٨٦ ومنها: أنهم ما بين حمصيين، وهم مَنْ قبل الزهري، ومدنيين، وهم الباقون. ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي. ومنها: أن سعيداً هو أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة ، الذین یعتد مالك بإجماعھم کإجماع سائر الناس. ومنها: أن فيه أبا هريرة أحد المكثرين السبعة ، رَوَى ٥٣٧٤ حديثًا . ومنها: أن فيه من صيغ الأداء؛ الإخبار والتحديث والعنعنة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله عَّ قال: ((تفضل صلاة الجمع) وفي النسخ((صلاة الجميع)) وهي رواية البخاري، أي تزيد صلاة الجميع، والإضافة بمعنى ((في))، لا بمعنى اللام، قاله العيني. وقال السندي: الإضافة لأدنى ملابسة، أي صلاة أحدكم مع الجمع، أي الجماعة، أو بحذف المضاف، أي صلاة آحاد الجميع، وإلا فليس المطلوب تفضيل صلاة المجموع على صلاة الواحد، بل تفضيل صلاة الواحد على صلاته باعتبار الحالين. اهـ. (على صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءاً) وفي رواية ابن عمر رضي الله عنهما ((بسبع وعشرين درجة))، فيحمل على أنه - ٣٧٦ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة أوحي إليه أولاً بخمس وعشرين، ثم بسبع وعشرين، تفضلاً من الله تعالى، حيث زاد درجتين، أو يحمل على أن المراد بالعدد التكثير لا التحدید . وسيأتي تمام البحث في ((كتاب الإمامة)) (٨٣٧/٤٢) إن شاء الله تعالى. (ويجتمع ملائكة الليل، و) ملائكة (النهار في صلاة الفجر) فيه بيان مَزيَّة صلاة الفجر جماعة، حيث إن الملائكة تجتمع في وقتها ، ومثلها صلاة العصر، كما تقدم في الحديث السابق، فلذلك حَثَّ الشارعُ على المحافظة عليهما، ليكون من حضرهما تَرْفَعُ الملائكة عمله، وتشفع له. (واقرؤوا إِن شئتم) أي إن أردتم أن تعرفوا مصداق ذلك من كتاب الله تعالى، فاقرؤوا هذه الآية ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْر﴾ بالنصب عطفاً على الصلاة، من قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدَّلُوكِ الشَّمْسِ﴾، أي وأقم قرآن الفجر، أو منصوب على الإغراء، أي وعليك قرآن الفجر ، على رأي من يقول: إن أسماء الأفعال تعمل مقدرة ، ويقدر على رأي غيرهم ((الْزَمْ قرآن الفجر ) ﴿إِنَّ قُرْأَنَ الْفَجْر﴾ أي صلاة الصبح، سميت قرآناً، وهو القراءة، لأنها رکن منها، لا تجوز الصلاة إلا بها، كما سميت ركوعاً، وسجوداً، وقنوتاً؛ أي قياماً، وإنما خص القراءة بالتسمية هنا للحث على تطويل القراءة فيها . كَانَ مَشْهُودًا ﴾ أي محضورًا ؛ تحضره الملائكة. ٣٧٧ - ٢١ - باب فضل صلاة الجماعة - حديث رقم ٤٨٦ قال السندي: ولا يخفى أن طائفة من الملائكة على البدلية تشهد الصلوات كلها، وكلتا الطائفتين لا يحضرون صلاة الفجر أو العصر بتمامهما أيضاً؛ لقولهم: ((تركناهم وهم يصلون))، فكأنهم يشهدون القرآن جميعًا، ثم تذهب طائفة عند تمام الركعة الثانية من الفجر، أو الرابعة من العصر قبل الفراغ من الصلاة . فليتأمل. والله تعالى أعلم . اهـ. قال الجامع: وهذا الذي قاله توجيه وجيه. والله أعلم. تنبيه: الظاهر أن قوله: ((واقرؤوا إن شئتم)) من قول النبي ◌َّه، لكن عند الشيخين، قال أبو هريرة: ((اقرؤوا إن شئتم)) الحديث، وهذا يدل على أنه من قول أبي هريرة، وللترمذي في التفسير من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ◌َُّ في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، قال: ((تشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار)) وصححه، وهذا يشهد للأول ، ولا تنافي بينهما ، لإمكان كون أبي هريرة تارة يرفعه ، وتارة يذكره هو من عند نفسه. والله أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث الأولى : في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق عليه. الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له : - ٣٧٨ شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة أخرجه المصنف هنا (٤٨٦) وفي الكبرى (٤٦١) عن كثير بن عُبَيَد، عن محمد بن حرب ، عن الزّبيدي، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وفي ٤٢ / ٨٣٨ وفي ((الكبرى)) ٤٢/ ٩١٢ عن قتيبة عن مالك، عن ابن شهاب به . وفي الملائكة من ((الكبرى)) عن عمرو بن عثمان بن سعيد، عن أبيه، وَبَقِيَّةَ بن الوليد، كلاهما عن شعيب، به. والله تعالى أعلم. الثالثة: فیمن أخر جه معه : أخرجه البخاري ومسلم؛ فأخرجه البخاري في ((الصلاة)) عن أبي اليمان، عن شعيب ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، كلاهما، عنه . وأخرجه مسلم في ((الصلاة)) أيضاً عن أبي بكر بن محمد بن إسحاق، عن أبي الیمان، به. وبقية مباحث الحديث تأتي في ((كتاب الإمامة)) إن شاء الله تعالى. ومناسبة الحديث للباب واضحة مما ذكرناه أول الباب ، فتنبه. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٨٧ - أخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالا: - ٣٧٩ ٢١ - باب فضل صلاة الجماعة - حديث رقم ٤٨٧ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعيد، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَني أبُو بَكْرِ بْنِ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِمَّ يَقُولُ: ((لا يَلِجُ النَّارَ أحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعٍ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)). رجال الإسناد: ستة ١ - (عمرو بن علي) الفَلاس الصَّيْرَفيَّ البصري، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٤٩، من [١٠]، تقدم في ٤ / ٤. ٢ - (يعقوب بن إِبراهيم) أبو يوسف الدَّوْرَقيّ البغدادي ، ثقة، توفي سنة ٢٥٢، من [١٠]، تقدم في ٢٢/٢١. ٣ - (يحيى بن سعيد) القَطَّان البصري، ثقة متقن إمام حجة، توفي سنة ١٩٨، من كبار [٩]، تقدم في ٤ / ٤ . ٤ - (إِسماعيل) بن أبي خالد البجلي أبو عبد الله الكوفي، ثقة ثبت، من [٤]، تقدم في ٤٧١ . ٥ - (أبو بكربن عُمَارَة بن رُوَيبة) الثقفي الكوفي ، مقبول، من [٣]، تقدم في ٤٧١ . ٦ - (عمارة بن رويبة) الثقفي صحابي نزل الكوفة، توفي بعد سنة ٧٠، تقدم في ٤٧١ . ٣٨٠ - شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة وأما الحديث فقد مضى برقم (١٢/ ٤٧١) في ((باب فضل صلاة العصر» ، أخرجه هناك عن محمود بن غیلان، عن و کیع ، عن مسعر، وإسماعيل بن أبي خالد، والبَخْتَري بن أبي البَخْتَري، الثلاثة عن أبي بكر بن عُمَارة، عن أبيه، وتقدم هناك ذكر ما يتعلق به من المسائل، فلا نطيل الكتاب بإعادته ، فارجع إليه تزدد علماً. وأورده المصنف هنا في ((فضل الجماعة))، وإن كان غير صريح فيه ، لأنه إذا كان هاتان الصلاتان مانعتين من دخول النار لمن صلاهما، فأداؤهما مع الجماعة يكون أكمل وأفضل، فيستفاد منه فضل صلاة الجماعة في الفجر والعصر، والله أعلم. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت وإليه أنيب)).