Indexed OCR Text

Pages 1-20

شرح
سُبْرِالنَّائي
المسَمىّ
ذخيرة العقبى في شرح الجبنى
الجامعة الفقير إلى مولاه الفني القدير
محمد بن الشيخ العلامة علي بن أدم بن موسىالإتربي الوَلَِّي
المدرش بُدار الحديث الخيرية بمكة المكرهة
عفا الله عنه وعن والمدير آمين
الجُزْءُ السَّادسُ
دَارٌآكْ بُرُوم
للنشْر وَالتّوزيع

بسمالله الرحمن الرحيم

كِتَابُ الصَّلاةِ

i

٥
٥ - كِتَابُ الصَّلاة
أي هذا كتاب في ذكر الأحاديث الدالة على أحكام الصلاة.
وارتفاع ((كتاب)) على أنه خبر مبتدإ محذوف كما قدرناه، ويجوز
أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، أي كتاب الصلاة هذا، ويجوز أن
ينتصب على تقدير: خُذْ كتابَ الصلاة.
والكتابُ: يجوز أن يكون بمعنى المكتوب كالحساب بمعنى
المحسوب، وهو في الأصل مصدر تقول: كَتَبَ يَكْتُبُ كَتْبًا وكتَابَةً
وكتاباً، ولفظ (ك ت ب) في جميع تصرفاته راجع إلى معنى الجمع
والضم، ومنه الكتيبة، وهي الجيش، لاجتماع الفُرْسَان فيها، وكتبت
القرْبَةَ إذا خَرَزْتَهَا، وكتبتُ البَغْلَةَ: إذا جمعت بين شَفْرَيْهَا بِحَلْقَة أوْ
سَيْر، وكَتَّبْتُ الناقةَ تكتيباً: إذا صورتها .
ولما فرغ من بيان الطهارة التي هي من شروط الصلاة شرع في بيان
الصلاة التي هي المشروطة، فلذا أخرها عن الطهارات، لأن شرط
الشيء یَسْبقُهُ، وحکمه یعقبه.
والصلاة في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ
[التوبة: ١٠٣] أي ادع لهم، وفي الحديث في إجابة الدعوة: ((وإن كان
صائماً فليصل» أي فليدع لهم بالبركة .

٦
-
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
وقيل: هي مشتقة من صليتُ العودَ على النار إذا قَوَّمْتَهُ. قال
النووي: هذا باطل، لأن لام الكلمة في الصلاة واو بدليل الصلوات،
وفي صليت ياء، فكيف يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف الأصلية .
ورد العيني على كلام النووي هذا بأن اشتراط اتفاق الحروف
الأصلية إنما هو في الاشتقاق الصغير دون الكبير والأكبر، قال: ولا
ينافي قولهم: صَلَّيْت بالياء دون صلوت بالواو أن تكون واوية، لأنهم
يقلبون الواو ياءً إذا وقعت رابعة.
وقيل: الصلاة مشتقة من الصَّلَوَيْن تثنية الصَّلا، وهو ما عن يمين
الذَّنَب وشماله، قاله الجوهري. قال العيني: وهما العظمان الناتئان
عند العَجيزة، وذلك لأن المُصَلّيَ يُحَرّك صَلَوَيْه في الركوع والسجود.
وقيل: مشتقة من المُصَلّي، وهو الفرس الثاني من خيل السّباق لأن
رأسه تلي صَلَوَي السابق.
وقيل: أصلها من التعظيم، وسميت العبادة المخصوصة صلاة لما
فيها من تعظيم الرب. وقيل: من الرحمة، وقيل من التقرب؛ من
قولهم: شاة مَصْلِيَّةٍ، وهي التي قُرِّبت إلى النار. وقيل: من اللزوم،
قال الزجاج: يقال: صَلِيَ واصْطَلَى إذا لَزِمَ، وقيل: هي الإقبال على
الشيء، وأنكر بعضهم بعض هذه الاشتقاقات لاختلاف لام الكلمة في
بعض هذه الأقوال فلا يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف، وأجاب
عنه البدر العيني بما تقدم .

٧ -
وأما معناها الشرعي فهي عبارة عن الأركان المعهودة والأفعال
المخصوصة. انتهى «عمدة القاري)) جـ ٥ ص ٣٩.
وقال العلامة ابن منظور رحمه الله: الصلاة: الَّركوعُ والسجود،
والجمع صَلَوَات، والصلاة: الدعاء والاستغفار.
قال الأعشى ( من المتقارب):
وَأَبْرَزَهَا وَعَلَيْهَا خَتَمْ
وَصَهْبَاءِ طَافَ يَهُودِيُّهَا
وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وارْتَسَمْ
وَقَابَلَهَا الرَّيْحُ فِي دَنِّهَا
قال: دَعَا لها أن لا تَحْمَضَ، ولا تَفْسُدَ.
والصلاة من الله تعالى: الرحمة، قال عدي بن الرقاع (من
الكامل):
وَأَتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ وَزَادَهَا
صَلَّى الإِلَهُ على امرىءٍ وَدَّعته
وقال الراعي (من البسيط):
لَيْلَى وَصَلَّى عَلَى جَارَاتِهَا الأُخَرِ
صَلَّى عَلَى عَزَّةَ الْرَحْمَنُ وابْنَتِها
وصلاة الله على رسوله ◌َّة : رحمته له ، وحسن ثنائه عليه ، وفي
حديث ابن أبي أوفى أنه قال: أعطاني أبي صدقة ماله، فأتيت بها
رسول الله عٍَّ، فقال: ((اللهم صل على آل أبي أوفى))، قال الأزهري:
هذه الصلاة عندي: الرحمة، ومنه قوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ

شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
- ٨
يُصَلُّونَ عَلَى النَِّيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
[الأحزاب: ٥٦]؛ فالصلاة من الملائكة دعاء واستغفار، ومن الله
رحمة، وبه سميت الصلاة، لما فيها من الدعاء والاستغفار، وفي
الحديث (( التحيات لله، والصلوات)) قال أبو بكر: الصلوات: معناها
الترحم، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِي﴾ أي
يترحمون، وقوله: ((اللهم صل على آل أبي أوفى)) أي ترحم عليهم.
وتكون الصلاة بمعنى الدعاء، وفي الحديث قوله عَّه: ((إذا دُعيَ
أحدكم إلى طعام فليُجبْ، فإن كان مُفْطراً فليَطْعَم، وإن كان صائمًا
فلْيُصَلِّ، قوله: ((فليصل)) يعني فليدع لأرباب الطعام بالبركة والخير،
وكل داع فهو مُصَل، ومنه قوله تَّه: ((من صلى عليّ صلاة صلت عليه
الملائكة عشرًا)) ، ومنه قول الأعشى (من البسيط):
عَلَيْكِ مِثْلَ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي نَومًا فَإِنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعَا
معناه أنه يأمرها بأن تدعو له مثل دعائها، أي تُعيدَ الدعاء له،
ويُروى ((عَلَيَك مثْلُ الذي صَلَّيْت)) - يعني برفع مثل - فهو رد عليها، أي
عليك مثلُ دعائك، ينالك من الخير مثل الذي أردت بي، ودعوت به
لي.
وقال أبو العباس في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِي عَلَيْكُمْ
وَمَلائِكَتْهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، فيصلي: يَرْحَمُ، وملائكتهُ يدعون
للمسلمين والمسلمات.

٩ -
ومن الصلاة بمعنى الاستغفار حديث سَوْدَةَ: أنها قالت: يا رسول
الله إذا متْنَا صَلَّى لنا عثمان بن مظعون حتى تأتيناً، فقال لها: ((إن
الموت أشدُّ مما تقَدِّرين)). قال شَمرٌ: قولها: صلى لنا: أي استغفر لنا
عند ربه، وكان عثمان مات حين قالت سودة ذلك. وأما قوله
تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٍ﴾ [البقرة: ١٥٧]
فمعنى الصلوات هاهنا الثناء عليهم من الله تعالى، وقال الشاعر (من
الكامل) :
رَبِّ كَرِيمٌ وَشَفِيعٌ مُطَاعُ
صَلَى عَلَى يَحْيَى وأشْيَاعِهِ
معناه تَرَحَّمَ الله عليه، على الدعاء، لا على الخبر.
وقال ابن الأعرابي: الصلاة من الله رحمة، ومن المخلوقين؛
الملائكة والإنس والجنِّ: القيامُ والركوعُ والسجودُ والدعاء والتسبيح،
والصلاة من الطير والهوام التسبيحُ.
وقال الزجاج: الأصل في الصلاة اللزوم، يقال: قد صَلَّى ،
واصطلى إذا لَزْمَ، ومن هذا من يُصْلَى في النار، أي يُلْزَمُ النَّارَ.
وقال أهل اللغة في الصلاة: أنها من الصَّلَويْن، وهما مُكْتَنَفًا
الذَّنَب من الناقة وغيرها، وأول مَوصل الفخذين من الإنسان، فكأنَها
في الحقيقة مُكْتَنفا العُصْعُص.
قال الأزهري: والقول عندي هو الأول، إنما الصلاة لزوم ما
فرض الله تعالى، والصلاة من أعظم الفرض الذي أمرَ بلزومه،

١٠
-
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
والصلاة: واحدة الصلوات المفروضة، وهو اسم يُوضَعُ موضع
المصدر، تقول: صَلَّيتُ صلاةً، ولا تقل: تَصْلِيَةً.
وقال ابن الأثير: وقد تكرر في الحديث ذكر الصلاة، وهي العبادة
المخصوصة، وأصلها في اللغة: الدعاء، فسميت ببعض أجزائها،
وقيل: أصلها في اللغة التعظيم، وسميت الصلاة المخصوصة صلاة لما
فيها من تعظيم الرب تعالى وَتَقَدَّسَ، وقوله في التشهد:
((الصلوات لله)) أي الأدعية التي يراد بها تعظيم الله هو مستحقها، لا
تلیق بأحد سواه.
وأما قولنا: اللهم صل على محمد، فمعناه: عَظِّمْهُ في الدنيا
بإعلاء ذكره وإظهار دعوته، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في
أمته، وتضعيف أجره ومثوبته.
وقيل: المعنى لَّا أمرنا الله سبحانه بالصلاة عليه، ولم نبلغ قدر
الواجب من ذلك، أحَلْنَاه على الله، وقلنا: اللهم صل أنت على
محمد، لأنك أعلم بما يليق به، وهذا الدعاء قد اختلف فيه؛ هل يجوز
إطلاقه على غير النبي ◌َّة ، أو لا؟ والصحيح أنه خاص له، ولا يقال
لغيره.
وقال الخطابي: الصلاة التي بمعنى التعظيم والتكريم لا تقال لغيره،
والتي بمعنى الدعاء والتبريك تقال لغيره، ومنه ((اللهم صل على آل أبي
أوفى))، أي تَرَحَّم، وَبَرِّكْ، وقيل فيه: إن هذا خاص له، ولكنه آثَرَبَه

١١ -
غيره، وأما سواه فلا يجوز له أن يَخُصَّ به أحداً.
انتھی «لسان العرب» ج٤ص٢٤٩.
:
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قالوه من عدم جواز الصلاة
على غير الأنبياء قول لا دليل عليه، بل الدليل بعكسه، كهذا الحديث
((اللهم صل على آل أبي أوفى))، وحديث ((صلى الله على زوجك))، وآية
﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] ودعوى الخصوصية مما لا دليل عليها،
فالمختار عندي جوازها. فتأمل بإنصاف. والله أعلم
وقال العلامة الراغب الأصفهاني في ((مفردات ألفاظ القرآن)):
والصلاة: قال كثير من أهل اللغة: هي الدعاء، والتبريكُ والتمجيدُ،
يقال: صلَّيت عليه، أي دعوت له وزكيت، وقال عليه السلام: ((إذا
دعي أحدكم إلى طعام فليجب، وإن كان صائمًا فليصل)) أي ليدع
لأهله.
وصلاة الله للمسلمين هو في التحقيق: تزكيته إياهم، ومن
الملائكة هي الدعاء والاستغفار، كما هي من الناس.
والصلاة التي هي العبادة المخصوصة : أصلها: الدعاء، وسميت
هذه العبادة بها كتسمية الشيء باسم بعض ما يتضمنه، والصلاة من
العبادات التي لم تَنْفَكَّ شريعة منها، وإن اختلفت صُورُها بحسب شرع
فشرع، ولذلك قال: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا ﴾
[النساء: ١٠٣]

- ١٢
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
وقال بعضهم: أصل الصلاة من الصَّلَى، قال: ومعنى صَلَّى
الرجلُ: أي أنه ذَادَ، وأزَالَ عن نفسه بهذه العبادة الصَّلَى الذي هو
نار الله الموقدة، وبنَاءُ صلَّى كبناء مَرَّضَ لإزالة الْمَرَض، ويسمى
موضع العبادة الصلاة، ولذا سميت الكنائس صلوات، كقوله:
لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتِ﴾ [الحج: ٤٠].
وكل موضع مدح الله تعالى بفعل الصلاة، أوحَثَّ عليه ذُكر بلفظ
الإقامة، نحو ﴿وَالْمَقِيمِينَ الصَّلاة﴾ [النساء: ١٦٢]، ﴿وَأَقِيمُوا
الصَّلاةَ﴾ [النور: ٥٦]، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾، ولم يقل: المصلين إلا في
المنافقين، نحو ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنِ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾
[الماعون: ٤، ٥]، ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤].
وإنما خص لفظ الإقامة تنبيهًا أن المقصود من فعلها توفية حقوقها
وشرائطها، لا الإتيان بهيئتها فقط، ولهذا رُويَ أن المصلین کثیر،
والمقيمين لها قليل.
انتهى ما قاله الراغب في كتابه ((مفردات ألفاظ القرآن» ص٤٩٢ .
وقال العلامة ابن قُدَامَةَ رحمه الله: وهي - أي الصلاة - في الشرع
عبارة عن الأفعال المعلومة، فإذا ورد في الشرع أمر بصلاة، أو حكم
معلق عليها، انصرف بظاهره إلى الصلاة الشرعية، وهي واجبة

١٣ -
بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ
لَيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ
دِينَ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، وأما السنة فما رَوَى ابنُ عمر، عن
النبي ◌َّ أنه قال: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله
إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام
رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً)) متفق عليه. مع آي
وأخبار كثيرة. انتهى ((المغني)) جـ٢ ص ٥ - ٦، والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت، وإليه أنيب.

- ١٤
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
١ - فَرْضُ الصَّلاةِ، وَذِكْرُ اخْتِلافِ النَّاقِلِينِ فِي إِسْنَاد
حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ - رَضِي اللهُ عنهُ.
واخْتلاف الْفاظهمْ فيه
أي هَذَا بَابُ ذكر الحدیث الدال على كون الصلاة فرضًا، وبابُ ذکر
اختلاف الرواة الذين نَقَلُوا حديث أنس بن مالك عنه في إسناده،
واختلاف ألفاظهم في أدائه .
قال في ((المصباح)): وفَرَضَ اللهُ الأحكام فرضًا: أوجبها،
فالفرض: المفروض، جمعه فروض، مثل فَلْس وفلوس . اهـ.
قال الجامع: وعلى هذا يكون قول المصنف ((فرض الصلاة)) من
إضافة الصفة للموصوف، أي الصلاة المفروضة. ويحتمل أن تكون
الإضافة بمعنى ((من)) أي الفرض من الصلاة.
وأما اختلاف الناقلين في إسناده: ففي السند الأول روی قتادة عن
أنس، عن مالك بن صعصعة، وفي السند الثاني رَوَی ابنُ شهاب ويزيد
ابن أبي مالك عن أنس ولم يذكرا مالك بن صعصعة، وسيأتي تمام
الكلام علیه .
وأما اختلاف ألفاظهم فسیتبین من خلال شرح الحديثين إن شاء الله
تعالى.
:

١٥ _
١ - باب فرض الصلاة - حديث رقم ٤٤٨
٤٤٨ - أخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
سَعيد، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا
فَتَادَةُ، عَنْ أنْسِ بْنِ مَالِكِ، عن مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةً: أنَّ
النَّبِيَّ ◌َه قال: ((بَيْنَا أَنَا عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ واليَفْظَانِ إِذْ
أَقَبَلَ أحَدُ الثَّلاثَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَأَتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ
ذَهَب ملاَنَ حِكْمَةً ، وإيمَانًا، فَشَقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلى
مَرَاقِ الْبَطْنِ، فَغَسَلَ القَلْبَ بِمَاءِ زَهْزَمَ، ثُمَّ مُلِىءَ حِكْمَةً
وإيمانًا، ثُمَّأَتِيتُ بِدَبَِّ دُونَ الْبَغْلِ وَوَقَ الحِمَارِ، ثُمَّ
انْطَلَقْتُ مَعَ جَبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأَيْنَا السَّمَاءِ الدًَّا ،
فَقيلَ : مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ ، قيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟
قال: مُحَمَّدٌ، قَيلَ : وَقَدْ أَرْسِلَ إليْهِ؟ مَرْحَبًا بِهِ ، ولَنِعْمَ
المَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ- فَسَلَّمْتُ
عَلَيْه، قال: مَرْحبًا بِكَ مِنِ ابْنٍ وَنِيٍّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّماءَ
الثَانيَّةَ، قيلَ : مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟
قال: مُحَمَّدٌ، فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى يَحْيِى

١٦
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
٠٠٫
وَعَيسَى، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمَا، فَقَالاَ: مَرْحَبًا بِكَ مَنْ أخٍ
وَنَبِيٍ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّالثَةَ، قيلَ: مَنْ هَذَا؟ قال:
جِبرِيلُ، قيلَ: ومَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، فَمِثْلُ ذَلِكَ،
فَأَتَيْتُ عَلَى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْه، قال:
مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أخٍ وَنَِّيٍ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءِ الَّرَابَعَةَ،
فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَسَلَّمْتُ
عَلَيْهِ، فَقَال: مَرْحَبًا بِكَ مَنْ أَخٍ وَنِيٌّ، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّماءَ
الخَامسَةَ، فمثْلُ ذَلِكَ، فَأَتَّيْتُ عَلَى هَارُونَ عَلَيْه
السَّلام، فَسَلَّمْتُ عَلَيْه، قَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أخٍ
وَبِي ، ثُمَّ أَيْنَا السَّمَاءَ السَادِسَةَ، فَمِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَيْتُ
عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبً
بكَ مِنْ أخٍ وَنَبِي، فَلَمَّا جاوَزْتُهُ بَكَى، قيلَ: ما يُبْكِيكَ؟
قال: يَارَبِّ هَذَا الْغُلامُ الذِي بَعَنْتُهُ بَعْدِي يَدْخُلُ مِنْ أَمَّتِهِ
الجَنَّةَ أكْثَرُ وأفْضَلُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أمَّتِي، ثُمَّ أَتَيْنَا السَّمَاءَ
السَّبعَةَ، فَمِثْلُ ذَلَكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ،

١٧ _
١ - باب فرض الصلاة - حديث رقم ٤٤٨
فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنِ ابْنِ وَنَبِيٍ، ثُمَّ رُفِعَ
لِيَ البَيْتُ المَعْمُورُ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ؟ فَقَالَ: هَذَا الْبَيْتُ
المَعْمُورُ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكِ، فَإذا
خَرَجُوا مِنْه لَمْ يَعُودُوا فِيهِ ، آخِرَ مَا عَلَيْهم، ثُمَّرُفِعَتْ لِيَ
سَدْرَةُ الْتَهَى، فَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلالِ هَجَرٍ، وَإِذَا وَرَقُها مِثْلُ
آذَان الفيَلَة، وَإِذَا في أصْلها أرْبَعَةُ أَنْهَارِ، نَهْرَان بَاطِنَان ،
ونَهْرَان ظَاهِرَانِ، فَسألْتُ جِبْرِيلَ؟ فَقَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَان
فَفي الجنَّةِ، وَآمَّا الظَاهِرَانِ فَالْفُرَاتُ والنِّيلُ، ثُمَّ فُرِضَتْ
عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلاةً ، فأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: ما
صَنَعْتَ؟ قَلْتُ: فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلاةً، قال:
إِنّي أعْلَمُ بِالنَّاسِ مِنْك؛ إنِّي عَالِجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ
الْعَالَجَة، وإِنَّ أُمَّتَكَ لَنْ يُطِيقُوا ذَلِكَ، فَارْجِعْ إلى رَبِكَ،
فاسألهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِي، فَسَألْتُهُ أنْ
يُخَفِّفَ عَنِّي، فَجَعَلَهَا أرْبَعِينَ، ثُمَّ رَجَعْتُ إلى مُوسَى
عَلَيْهِ السَّلامِ، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قَلْتُ: جَعَلَهَا أَرْبَعِينَ ،

١٨
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
فَقَالَ لِي: مِثْلَ مَقَالته الأولى، فَرَجَعْتُ إِلى رَبِي-عَزَّ
٠
٠
وَجَلَّ - فَجَعَلَهَا ثَلاثِينَ، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسى عَلَيْهِ السَّلام،
فَأَخْبَتُهُ فَقَالَلِي مِثْلَ مَقَالتِهِ الأولَى، فَرَجَعْتُ إلى رَبِي،
فَجَعَلَهَا عِشْرِينَ، ثُمَّ عَشَرَةً، ثُمَّ خَمْسَةٌ، فَأَتَيْتُ عَلى
مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامِ، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَقَالتِهِ الأولَى،
فَقُلْتُ: إِنِّي أسْتَحِي مِنْ رَبِّي عزَّ وجلَّ أنْ أَرْجِعَ إِلَيْهِ،
فَنُودِيَ أنْ قَدْ أمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّتُ عَنْ عِبَادي،
وأجْزِي بالحَسَنَة عَشْرِ أمْثَالِهَا».
رجال الإسناد : ستة
١ - (يعقوب بن إِبراهيم) بن كثير بن أفْلَحَ العبدي مولاهم
أبو يوسف الدَّوْرَقي ثقة، توفي سنة ٢٥٢، وله ٩٦ سنة، من [١٠]،
تقدم في ٢١/ ٢٢ .
٢ - (يحيى بن سعيد) بن فَرُّوخ القَطَّان البصري ثقة متقن حافظ
إمام قُدْوَةٌ توفي سنة ٢٩٨ ، وله ٧٨ سنة، من كبار [٩]، تقدم في
٤/ ٤.
٣ - (هشام الدَّستُوَائي) ابن أبي عبد الله - سَنْبَر - أبوبكر البصري
!

١٩ -
١ - باب فرض الصلاة - حديث رقم ٤٤٨
ثقة ثبت وقد رمي بالقدر، توفي سنة ١٥٤، وله ٧٨ سنة، من كبار
[٧]، تقدم في ٤٢ / ٤٧ .
والدَسْتُوائي: بفتح الدال، وسكون السين، وضم التاء، وفتحها .
نسبة إلى بيع الثياب الدستوائية، وهي الثياب المجلوبة من دَسْتُوا: بلد
بالأهواز.
٤ - (قتادة) بن دعامة بن قَتَادة السَّدُوسيُّ أبو الخطاب البصري
ثقة ثبت، يقال: وُلُدَ أكْمَهَ، توفي سنة بضع عشرة ومائة، رأس
الطبقة [٤]، تقدم في ٣٠/ ٣٤.
٥ - (أنس بن مالك) بن النَّضْر الأنصاري الخَزْرَجيِّ خادم
رسول الله ◌َي خدمه ١٠ سنين، صحابي مشهور، توفي سنة ٩٢،
وقيل: سنة ٩٣، وقد جاوز ١٠٠ سنة، تقدم في ٦/ ٦ .
٦ - (مالك بن صَعْصَعة) بن وهب بن عدي بن مالك بن عدي
بن عامر بن غنم بن عدي بن النَّجَّار، الأنصاري المازني. روى عن
النبي عَ ◌ّه حديث المعراج بطوله. تت جـ١ ص ١٧ . أخرج له الشيخان
والترمذي والمصنف. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، ومنها: أن رواته كلهم ثقات، ومنها :
أنهم ممن اتفق الأئمة بالتخريج لهم، إلا مالك بن صَعْصَعَةَ، فأخرج له
الشيخان، والترمذي والمصنف فقط، ومنها: أن مالكًا، هذا أول محل

- ٢٠
شرح سنن النسائي - كتاب الصلاة
ذكره، ومنها: أنه مسلسل بالبصريين إلا شيخه فبغدادي، ومالكًا
فمدني، ومنها: أن فيه رواية صحابي عن صحابي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أنس بن مالك) رضي الله عنه وقد صرح قتادة بالتحديث
في رواية للبخاري في بدء الخلق.
قال الحافظ رحمه الله: قد رَوَی هذا الحديث عن النبي ◌َ﴾ جماعة
من الصحابة، لكن طرقه في الصحيحين تدور على أنس، مع اختلاف
أصحابه عنه، فرواه الزهري عنه، عن أبي ذر، ورواه قتاده عنه، عن
مالك بن صعصعة، ورواه شريك بن أبي نَمر، وثابت البناني عنه، عن
النبي عمله بلا واسطة، وفي سياق كل منهم ماليس عند الآخر. اهـ
((فتح)) ج١ ص٥٤٨ .
(عن مالك بن صعصعة) الأنصاري المازني من بني النجار،
ليس له في كتب الحديث غير هذا الحديث، ولا يعرف له راو إلا أنس بن
مالك (أن النبي ◌َّ﴾. قال: بينا) هي ((بَيْنَ)) أشْبعَت فتحتها فتولدت
منها الألف، ويقال: ((بينما))، وقد تقدم البحث عنها في ١٧٣/ ٢٧٠
(أنا) مبتدأ (عند البيت) متعلق بخبر محذوف ، أيْ كائن، أو هو
حالٌ، والخبر الظرف الثاني، والبيت هو الكعبة ـ زادها الله شرفاً - لأنها
المرادة عند الإطلاق، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)):
وَقَدْ يَكُونُ عَلَمَّا بِالغَلَبَهِ مِضَافٌ أَوْ مَصْحُوبُ أَلْ كَالْعَقَبَهْ