Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ - ٢٠٠ - نوع آخر - حديث رقم ٣١٩ (يقول: الكفين، والوجه والذراعين) أي مَسَحَ الكفين والوجه والذراعين ، أي إلى المرفقين (فقال له منصور) بن المعتمر (ما تقول ؟) أي أيّ شيء تقول ، فما استفهامية للإنكار (فإنه ) أي الأمرَ ، فالضمير للشأن ( لا يذكر الذراعين غيرك ) أي أن كل مَن رَوَى حديث عمار هذا لا يذكر الذراعين ، بل يقتصر على ذكر الكفين فقط (فـ) ـعند ذلك ( شك سلمة فقال: لا أدري أُذَكَرَ) يعني شيخه ذرًا ( الذراعين ، أم لا) ذكرهما؟ . والحاصل أن سلمة بن كهيل ، شاك في ذكر الذراعين ، ولا تَخالُفَ بينه وبين قوله: ((المرفقين)) لأن المراد بالذراعين الذراعان مع المرفقين . وقد تقدم أن غیر سلمة ذکر الکفین بدون شك ، فیکون الواجب هو المسح إلى نهاية الكفين فقط ، ولا يزاد عليهما ، لعدم صحة الروايات في ذلك ، فتبصر والله أعلم . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت ، وإليه أنيب )) . -٢٦٢ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة ٢٠١ - بابُ تَيَمَّمِ الجُنُبِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية التيمم للجنب . والجُنُبُ : - بضمتين - يطلق على الذكر والأنثى والمفرد ، والتثنية ، والجمع ، وربما طابق على قلة، فيقال: أجْنَابٌ ، وجُنُوب ، ونساء جُنُبات . قاله في المصباح . وقال العلامة ابن منظور رحمه الله : والجنابة : المنيّ، وفي التنزيل العزيز: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: آية ٦] وقد أجنبَ الرجل، وجَنُبَ أيضا - بالضم - وجَنبَ - يعني بالكسر - وتَجَنَّبَ ، وقال ابن بَرِّيّ : المعروف عند أهل اللغة: أجْنَبَ، وجَنِبَ - بكسر النون - وأجْنَبَ أكثر من جَنِبَ. وقال الأزهري : إنما قيل له : جُنُب لأنه نُهي أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر ، فَتَجَنَبها ، وأجْنَبَ عنها ، أي تَنَّحى عنها ، وقيل : لُجانبته الناسَ ما لم يَغْتَسل . والرجل جُنُب من الجنابة ، وكذلك الاثنان ، والجمع ، والمؤنث ، كما يقال : رجل رضًا، وقوم رضًا ، وإنما هو على تأويل ذوي جُنُب ، فالمصدر يقوم مقام ما أضيف إليه . ومن العرب من يُثَنِّي ، ويجمع ، ويجعل المصدر بمنزلة اسم الفاعل . وحكى الجوهري : أجْنَبَ ، وجَنُب - بالضم - وقالوا : جُنُبان ، وأجناب ، وجُنُبُون ، وجُنُبَات ، قال سيبويه : كُسرَ على أفعال ، كما كُسِرَ بَطَل عليه ، حين قالوا : أبْطَال ، كما اتفقا في الاسم عليه - يعني نحو جَبَل، وأجْبَال، وطُنُب وأطناب، ولم يقولوا: جُنُبَةٍ(١). (١) لسان جـ١ ص ٦٩٣ . ٢٦٣ - ٢٠١ - باب تيمم الجنب - حديث رقم ٣٢٠ ٣٢٠ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ العَلاَءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقِ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِاللّه، وأبي مُوسَى ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى : أوَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ عَّهُ فِي حَاجَةٍ ، فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجْدِ الماءَ، فَتَمَرَغْتُ بِالصَّعِيدِ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبَِّهُ فَذَكَرْتُ ذَلَكَ لَّهُ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ)) وَضَرَبَ بَيَدَيْهِ عَلَى الأَرْضِ ضَرْبَةً ، فَمَسَحَ كَفَّيْهِ ، ثُمَّ نَفَضَهُمَا ، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ ، وبَيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِه عَلَى كَفَّهِ وَوَجْهِهِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّه : أوَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ ٠٠ ٠٠ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ؟. رجال هذا الإسناد : ستة ١- ( محمد بن العلاء) أبو كريب الهمداني الكوفي ثقة حافظ من [١٠] تقدم في ٩٥/ ١١٧. ٢- ( أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفي ثقة من كبار [٩] تقدم في ٢٦/ ٣٠. شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة ٢٦٤ ٣- ( الأعمش) سليمان بن مهران أبو محمد الكاهلي الكوفي ثقة حافظ مدلّس -٥ - تقدم في ١٨/١٧ . ٤ - (شقيق) بن سلمة أبو وائل الكوفي ثقة مخضرم - ٢ - تقدم في ٢/ ٢. ٥- (عبد الله) بن مسعود الهذلي أبو عبد الرحمن الصحابي رضي الله عنه تقدم في ٣٩/٣٥ . ٦ - (أبو موسى) عبد الله بن قيس الأشعري الصحابي رضي الله عنه تقدم في ٣/٣ . لطائف هذا الإسناد منها : أنه من خماسياته ، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء ، وأنهم كوفيون ، وفيه الإخبار ، والتحديث والعنعنة . شرح الحديث (عن شقيق) بن سلمة ، أبي وائل أنه (قال : كنت جالسا مع عبد الله) ابن مسعود رضي الله عنه (وأبي موسى) الأشعري رضي الله عنه (فقال أبو موسى) لعبد الله (أولم تسمع قولَ عمار لعمر) هكذا للمصنف مختصراً ، وقد ساقه البخاري ومسلم في صحيحيهما بتمامه ، ولفظ البخاري : حدثنا عمر بن حفص ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا الأعمش ، قال : سمعت شقيق بن سلمة ، قال : كنت عند عبد الله وأبي موسى ، فقال أبو موسى : أرأيت يا أبا عبد الرحمن إذا أجنب فلم يجد ماء كيف يصنع ؟ ، فقال عبد الله : لا يصلي حتى يجد الماء ، فقال أبو موسى: فكيف تصنع بقول عمار حين قال له النبي عَّ: ((كان يكفيك؟)) قال: ٢٦٥ - ٢٠١ - باب تيمم الجنب - حديث رقم ٣٢٠ ألم تَرَ عمر لم يقنع بذلك ؟ فقال أبو موسى : فَدَعْنَا من قول عمار ، كيف تصنعون بهذا الآية؟ فما دَرَى عبد الله ما يقول: فقال : إنا لو رَخَّصْنا لهم في هذا لأوشك إذا بَرُدَ على أحدهم الماء أن يَدَعَه ويتيمم ، فقلت لشقيق : فإنما كره عبد الله لهذا؟ قال : نعم . حدثنا محمد بن سلام ، قال : أخبرنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن شقيق ، قال : كنت جالسا مع عبد الله ، وأبي موسى الأشعري ، فقال أبو موسى : لو أن رجلا أجنب ، فلم يجد الماء شهرا أما كان يتيمم ويصلي ؟ فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾ ؟ فقال عبد الله : لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا الصعيد ، قلت : وإنما كرهتم هذا لهذا ؟ قال : نعم . فقال أبو موسى : ألم تسمع قول عمار لعمر : بعثني رسول الله عَّه في حاجة، فأجنبت ، فلم أجد الماء ، فتمرغت في الصعيد ، كما تمرغ الدابة ، فذكرت ذلك للنبي عليه، فقال : إنما يكفيك أن تصنع هكذا - فضرب بكفه ضربة على الأرض ، ثم نفضها ، ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه ، ثم مسح بهما وجهه . فقال عبد الله : أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟ وزاد يعلى عن الأعمش ، عن شقيق : كنت مع عبد الله وأبي موسى ، فقال أبو موسى : ألم تسمع قول عمار لعمر ! إن رسول الله عَّه بعثني أنا وأنت ، فأجنبت ، فتمعكت بالصعيد ، فأتينا رسول الله عَّ فأخبرناه، فقال: ((إنما كان يكفيك هكذا)» ومسح وجهه وکفیه واحدة؟ (١). ( بعثني) أي أرسلني ( رسول الله } في حاجة) وقد تقدم أن الحاجة هي رعاية الإبل (فأجنبت) أي أصابتني جنابة ( فلم أجد الماء فتمرغت بالصعيد ، فأتيت النبي + فذكرت ذلك له) يعني تمر غه بالصعيد (فقال) (١) صحيح البخاري نسخة الفتح جـ١ ص٥٤٢ - ٥٤٣ . شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - ٢٦٦ النبي عَّ ( إنما كان يكفيك أن تقول) أي تفعل ، وفي رواية البخاري : ((أن تصنع)) واستعمال القول بمعنى الفعل شائع في اللغة ، قال ابن الأنباري: ((قال)) يجيء بمعنى ((تكلم))، و((ضرب))، و((غلب))، و((مات))، و((مالَ)) و((استراحَ))، و((أقبل))، ويُعبَّرُ بها عن التهيؤ للأفعال، والاستعداد لها، يقال: قال: فأكل، وقال، فضرب، وقال، فتكلم، ونحوه (١). قال الجامع : قد نظمت ذلك بقولي : تَكَلَّمَ اسْتَرَاحَ مَاتَ أَقْبَلَا يجيء ((قال)) معَان تُجْتُلَی وَللَّهُيُِّ لِفِعْلٍ يُجْتَبَى ومَالَ مَعْ ضَرَبَ ثُمَّ غَلِبًا فَاحْفَظْ فإنَّهَا مَعَانٍ سَامِيَهْ فُجُمْلَةُ المَعَانِ قُلْ ثَمَانِيَهْ ( هكذا) إشارة إلى الكيفية المبيَّنة بقوله ( وضرب الأرض بيديه ضربة) أي واحدة ، فيه أن الضربة الواحدة هي التي تكفي للوجه واليدين (فمسح کفیه) فیه أن مسح الکف هو المتعین ، ومازاد علیه لم يثبت له دليل ( ثم نفضهما) هذا بيان لما أجمله من مسح الكف ، فقوله ((فمسح کفیه » مجمل، وقوله ((ثم نفضهما)) الخ بيان لهذا المجمل والنفض : التحريك، يقال : نفضه نفضًا، من باب قتل : حرّكه ليزول عنه الغُبار، ونحوه ، وإنما نفضهما تخفیفا للتراب لئلا يتلوث به وجهه وكفاه (ثم ضرب بشماله على يمينه ، وبيمينه على شماله ، على كفيه) بدل من ((على يمينه، وعلى شماله)) (ووجهَه) بالنصب عطفا على كفيه ، وعند البخاري وأبي داود: «ثم مسح بهما وجهه)) وروايتهما فيها الدلالة على أن الترتيب في التيمم غير مشروط . قال ابن دقيق العيد رحمه الله : اختلف في لفظ هذا الحديث فوقع عند البخاري بلفظ (( ثم)) وفي سياقه اختصار ، ولمسلم بالواو ، ولفظه (١) ((ق)) في مادة ((قال)). ١ ٢٦٧ _ ٢٠١ - باب تيمم الجنب - حديث رقم ٣٢٠ ((ثم مسح الشمال على اليمين ، وظاهر كفيه ووجهه ))، وللإسماعيلي ما هو أصرح من ذلك . ولفظه كما قال الحافظ ، من طريق هارون الحَمَّال ، عن أبي معاوية : (( إنما يكفيك أن تضرب بيدك على الأرض ، ثم تنفضهما ، ثم تمسح بيمينك على شمالك، وشمالك على يمينك، ثم تمسح على وجهك)) (١). قال الجامع عفا الله عنه : الأظهر أن الترتيب غير واجب في التيمم بخلاف الوضوء ، عملا بهذه الروايات المصرحة بتأخير الوجه عن الكفين، وأما تأويل ((ثم)) بمعنى الواو فخروج عن الظاهر بلا داع إليه ، وأما الوضوء فقد تقدم ترجيح وجوب الترتيب عملا بملازمة النبي ◌َّ له ، فقد روى وضوءَه ◌َّ جماعة على كيفيات ، فما نَقَلَ أحد أنه خالف الترتيب . والله أعلم . (فقال عبد الله) بن مسعود لعمار (أو لم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟) وإنما لم يقنع عمر بقول عمار لكونه أخبره أنه كان معه في تلك الحال ، وحضر معه تلك القصة حيث قال له كما في الرواية السابقة ٣١٩: ((أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنت وأنا في سرية، فأجنبنا ، فلم نجد الماء)) الحديث، ومع ذلك لم يتذكر ذلك أصلا، ولهذا قال لعمار: ((اتق الله يا عمار)) كما في الرواية ٣١٦، فقال: ((يا أمير المؤمنين إن شئت لم أذكره ، قال : لا ، ولكن نُوليك من ذلك ما توليت)) . قال النووي رحمه الله : معنى قول عمر: (( اتق الله يا عمار)) أي فيما ترويه ، وتثبت فيه ، فلعلك نسيتَ ، أو اشتبه عليك ، فإني كنت معك، ولا أذكر شيئا من هذا، ومعنى قول عمار: (( إن شئت لا أحدث به)) أي إن رأيت المصلحة في الإمساك عن التحديث به راجحة على (١) فتح جـ١ ص ٥٤٤ . ٢٦٨ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة التحديث به وافقتك ، وأمسكت ، فإني قد بلغته ، فلم يبق عَلَيَّ فيه حرج، فقال عمر: ((نوليك ما توليت )) أي لا يلزم من كوني لا أذكره أن لا يكون حقا في نفس الأمر ، فليس لي منعك من التحديث به . وبهذا يتضح عذر عمر في عدم قبوله لقول عمار ، وأما ابن مسعود فلا عذر له في التوقف عن قبول حديث عمار ، فلهذا جاء عنه أنه رجع عن الفُتيا بذلك ، كما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد فيه انقطاع عنه(١). وبالله التوفيق ، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه هذا متفق عليه . المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه المصنف هنا -٣٢٠/٢٠١ - والكبرى - ٣٠٨/١٨١- بالسند المذكور . المسألة الثالثة : فیمن أخر جه معه : أخرجه (خ مد) . فأخرجه (خ) مطولا في الطهارة عن عمر بن حفص بن غياث ، عن أبيه ، وعن محمد بن سلام ، عن أبي معاوية ، وعن بشر بن خالد ، عن غندر ، عن شعبة ، وزاد يعلى بن عبيد . وأخرجه (م) فيه عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة ، ومحمد ابن عبد الله بن نمير ، ثلاثتهم عن أبي معاوية ، وعن أبي كامل فضيل بن حسین ، عن عبد الواحد بن زياد . وأخرجه (د) فيه عن محمد بن سليمان الأنباري ، عن أبي معاوية خمستهم عن الأعمش ، عن شقيق ، عن أبي موسى رضي الله عنه . (١) فتح جـ١ ص ٥٤٤ - ٥٤٥ ببعض تصرف. ٢٦٩ - ٢٠١ - باب تيمم الجنب - حديث رقم ٣٢٠ المسألة الرابعة : في فوائده : منها : مشروعية التيمم للجنب ، وهو ما ترجم له المصنف ، وهو مذهب جمهور أهل العلم ، ويأتي في المسألة التالية تحقيق الخلاف فيه إن شاء الله تعالى . ومنها : جواز المناظرة لأهل العلم تَوَصُّلا إلى الحق ، لاللمراء والجدال . ومنها : الانتقال من دليل إلى دليل آخر أوضح منه إقناعا للخصم ، فإن أبا موسى قال لعبد الله لما قال له: أو لم تر عمر لم يقنع بقول عمار : ((دعنا من قول عمار، فكيف تصنعون بهذه الآية ؟)) . المسألة الخامسة : في بيان مذاهب أهل العلم في التيمم للجنب . أجمع أهل العلم على مشروعية التيمم للجنب عند عدم الماء ، ولم يخالف في ذلك أحد من السلف ، ولا من الخلف ، إلا ما جاء عن عمر ابن الخطاب ، وعبد الله بن مسعود ، وحكي مثله عن إبراهيم النخعي ، وقيل : إن عمر ، وعبد الله رجعا عن ذلك، وقد جاءت بجوازه الأحاديث الصحيحة . ثم إذا صلى الجنب بالتيمم ، ثم وجد الماء وجب عليه الاغتسال بالإجماع ، إلا ما حكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن التابعي ، أنه قال: لا يلزمه ، وهو مذهب متروك بإجماع من قبله ومن بعده ، وبالأحاديث الصحيحة المشهورة في أمره منّه للجنب بغسل بدنه إذا وجد الماء ، أفاده الشوكاني (١) . ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت ، وإليه أنيب )) . (١) نيل جـ١ ص ٣٨٥. - ٢٧٠ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة ٢٠٢ - بابُ التَّيَمْمِ بِالصَّعِيدِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية التيمم بالصعيد . والصَّعيد : وجه الأرض ترابا كان أو غيره ، قال الزجاج : ولا أعلم اختلافا بين أهل اللغة في ذلك ، ويقال : الصعيد في كلام العرب يطلق على وجوه : على التراب الذي على وجه الأرض ، وعلى وجه الأرض، وعلى الطريق ، وتجمع على صُعُد بضمتين ، وصُعُدات ، مثل طريق ، وطُرُق وطُرُقَات . قال الأزهري : ومذهب أكثر العلماء أن الصعيد في قوله تعالى : ﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾ [المائدة: آية ٦] أنه التراب الطاهر الذي على وجه الأرض ، أو خرج من باطنها (١) . وقال العلامة ابن منظور : والصَّعيد : المرتفع من الأرض ، وقيل : الأرض المرتفعة من الأرض المنخفضة ، وقيل : ما لم يخالطه رَمْل ، ولا سَبَخَة ، وقيل : وجه الأرض ، لقوله تعالى : ﴿فتصبح صعيدا زلقا ﴾ [الكهف: آية ٤٠] وقال جرير (من الوافر): إِذَاتَيْمُ ثَوَتْ بِصَعِيدٍ أَرْضِ بَكَتْ مِنْ خُبْتِ لُؤْمِهِمُ الصَّعِيدُ وقال في آخرين (من الكامل) : وَالأَطْيَبينَ منَ التُّرَاب صَعِيدًاً وقيل : الصعيد : الأرض ، وقيل : الأرض الطيبة ، وقيل : هو كل تراب طيب ، وفي التنزيل : ﴿فتيمموا صعيدا طيبا﴾. وقال الفراء في قوله تعالى: ﴿صعيدا جُرُّزًا﴾ [الكهف: آية ٨] الصعيد التراب ، وقال غيره : هي الأرض المستوية (٢) . (١) المصباح المنير جـ١ ص ٣٤٠. (٢) لسان جـ٤ ص٢٤٤٦ . ٢٧١ - ٢٠٢ - باب التيمم بالصعيد - حديث رقم ٣٢١ ٣٢١- أخْبَرَنَا سُوَيَدُ بْنُ نَصْر، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُالله ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَّهُ رَأى رَجُلاً مُعْتَزِلاً لَمْ يُصَلِّ مَعَ القَوْمِ ، فَقَال : ((يَا فَلَانُ مَا مَنَعَكَ أنْ تُصَلِّيَ مَعَ القَوْمِ؟ )) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه أصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، ولاَ مَاءَ، قَالَ: ((عَلَيْكَ بالصَّعيد ، فَإِنَّهُ يَكْفيكَ)) . رجال هذا الإسناد : خمسة ١٠- (سويد بن نصر) بن سويد المروزي أبو الفضل لقبه شاه راوية ابن المبارك ، ثقة من [١٠] مات سنة ٢٤٠، وله ٩٠ سنة تقدم في ٤٥/ ٥٥ . ٢- (عبد الله) بن المبارك المروزي الإمام ثقة ثبت فقيه عالم جَوَاد مجاهد، اجتمعت فيه خصال الخير، من [٨] مات سنة ١٨١ ، وله ٦٣ ، تقدم في ٣٦/٣٢ . ٣- (عوف) بن أبي جَميلة الأعرابي العبدي البصري، ثقة رمي بالقدر ، والتشيع ، من [٦] مات سنة ٦ أو ١٤٧، وله ٨٦ سنة ، تقدم في ٤٦ / ٥٧ . ٤- ( أبو رجاء) عمران بن ملْحَان - بكسر الميم وسكون اللام بعدها حاء مهملة - ويقال : ابن تيم العطاردي مشهور بكنيته ، وقيل غير ذلك في اسم أبيه ، مخضرم ثقة مُعَمَّر . شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة ٢٧٢ - أدرك زمن النبي ءَّه ولم يَرَه ، ورَوَى عن عمر ، وعلي ، وعمران بن حصين ، وابن عباس ، وسَمُرَة بن جُندب ، وعائشة . وعنه أيوب ، وجرير بن حازم ، وعوف الأعرابي ، وعمران القصير، ومهدي بن ميمون ، وأبو الأشهب ، وحماد بن نجيح ، وسَلَّم ابن زَرير ، وسعيد بن أبي عروبة ، والجَعْد أبو عثمان ، والحسن بن ذكوان وآخرون. وثقه ابن معين ، وأبو زرعة وابن سعد ، وقال : وله رواية، وعلم بالقرآن ، وأمَّ قومه أربعين سنة ، وتُوفي في خلافة عمر بن عبد العزيز ، قال : وقال الواقدي : توفي سنة ١١٧ ، قال : وهذا عندي وَهَم ، وقال الذهلي : مات قبل الحسن ، لا أدري في أي سنة ، غير أني أتوهمه سنة ١٠٧ ، وقال أبو حاتم: جاهلي فَرَّ من النبي ◌َّ ثم أسلم بعد الفتح، وأتى عليه ١٢٠ سنة ، وقال البخاري : قال أشعث بن سوّار: بلغ ١٢٧ سنة ، وقال البخاري : يقال : مات قبل الفرزدق والحسن ، ومات الحسن سنة ١١٠ ، وقال ابن عبد البر: كان ثقة ، وكانت فيه غفلة ، وكانت له عبادة ، وعُمِّر طويلا أزيد من مائة سنة وعشرين سنة. مات سنة ١٠٩ ، في أول خلافة هشام . قال الحافظ رحمه الله : حكى ابن سعد أن اسمه عُطارد بن برز ، وتبعه ابن حبَّان ، فذكره كذلك في الثقات فيمن اسمه عطارد ، وقال ابن أبي حاتم : عمران بن ملحان ، ويقال : عمران بن تَيم ، وهو أصح ، وقال البخاري في الأوسط : ملحان ما أراه يصح ، وقال في الكبير : قال أحمد : هو عمران بن عبد الله (١) . أخرج له الجماعة. ٥- ( عمران بن حصين) بن عُبید بن خلف بن عبد نهم بن سالم بن (١) تت ج٨ ص ١٤٠- ١٤١. ٢٧٣ - ٢٠٢ - باب التيمم بالصعيد - حديث رقم ٣٢١ غاضرة بن سلُول بن كعب بن عمرو الخزاعي ، أبو نُجيد أسلم هو وأبو هريرة عام خيبر . روى عن النبي ◌ّ﴾، وعن معقل بن يسار . وعنه ابنه نُجيد ، وأبو الأسود الديلي ، وأبو رجاء العطاردي ، وربعي بن حراش ، ومطرف ويزيد ابنا عبد الله بن الشّخير ، والحكم بن الأعرج ، وزَهْدَمَ الجَرْمي ، وصفوان بن مُحْرز ، وعبد الله بن رَبَاح الأنصاري ، وآخرون . له ١٣٠ حديثًا ، اتفقا على ٨ وخ ٤، وم ٩. استقضاه عبد الله بن عامر على البصرة ، ثم استعفاه ، ومات بها سنة ٥٢، وکان الحسن البصري یحلف بالله ما قدمها راکب خیر من عمران ابن حصين ، وكذا قال ابن سيرين ، وسياق النسب هنا من عند ابن عبد البر ، وكذا ذكره ابن الكلبي ومن تبعه أن عبد بن نهم بن حذيفة بن جهم بن غاضرة ، وقال ابن سعد : استقضاه زياد ، ثم استعفاه ، وكانت الملائكة تصافحه قبل أن يكتوي ، وقال ابن البرقي : كان صاحب راية خزاعة يوم الفتح ، وحكى ابن منده قولا أنه مات سنة ٥٣ (١). أخرج له الجماعة . لطائف هذا الإسناد منها : أنه من خماسياته ، وأن رواته كلهم ثقات ، وأنهم ما بين مروزيين ، وهما شيخه وشيخ شيخه، وبصريين ، وهم الباقون . شرح الحديث (عن أبي رجاء) عمران بن ملحان العُطاردي (قال : سمعت عمران ابن حصین ) الصحابي الجليل رضي الله عنه( أن رسول الله ###) يحتمل (١) تت ج٨ ص ١٢٥- ١٢٦ . شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة - ٢٧٤ كون ((أنّ)) بفتح الهمزة ، وهي في تأويل المصدر مفعول لمحذوف حال من مفعول سمعت ، أي سمعت عمران ذاكرا رؤية رسول الله عَبه ، ويحتمل كونها بكسر الهمزة ، والجملة محکې بقول محذوف حال أيضا أي سمعته قائلا: ((إن رسول الله عَّه رأى رجلا .. الخ)) (رأى رجلا) قال الحافظ رحمه الله : لم أقف على تسميته ، ووقع في شرح العمدة للشيخ سراج الدين بن المُلقِّن ما نصه : هذا الرجل هو خَلاد بن رافع بن مالك الأنصاري ، أخو رفاعة شهد بدرا ، قال ابن الكلبي : وقتل يومئذ، وقال غيره : له رواية، وهذا يدل على أنه عاش بعد النبي ◌َّ، قال الحافظ : أما على قول ابن الكلبي فيستحيل أن يكون هو صاحب هذه القصة لتقدم وقعة بدر على هذه القصة بمدة طويلة بلا خلاف ، فكيف يحضر هذه القصة بعد قتله؟ وأما على قول غير ابن الكلبي فيحتمل أن يكون هو ، لكن لا يلزم من كونه له رواية أن يكون عاش بعد النبي عليه لاحتمال أن تكون الرواية عنه منقطعة ، أو متصلة لكن نقلها عنه صحابي آخر ونحوه . وعلى هذا فلا منافاة بين هذا وبين من قال : إنه قتل ببدر ، إلا أن تجيء رواية عن تابعي مخضرم وصرح فيها بسماعه منه فحينئذ يلزم أن يكون عاش بعد النبي ◌ّ لكن لا يلزم أن يكون هو صاحب هذه القصة، إلا أن وردت رواية مخصوصة بذلك ، ولم أقف عليها إلى الآن. انتهى كلام الحافظ (١). (معتزلا) أي منفردا عن الناس (لم يُصَلُ مع القوم) جملة في محل نصب صفة ثانیة لرجل ، أو على الحال (فقال) رسول اللهټ﴾( يا فلان ما منعك أن تصلي مع القوم ؟ فقال : يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء) بالبناء على الفتح على أنه اسم ((لا)) التي لنفي الجنس ، وخبرها محذوف لدلالة المقام عليه ، كما قال ابن مالك : (١) فتح جـ١ ص٣٧٥ . ٢٧٥ _ ٢٠٢ - باب التيمم بالصعيد - حديث رقم ٣٢١ وشَاعَ فِي ذَا الْبَابِ إِسْقَاطُ الخَبَرْ إِذَا الْمُرَادُ مَعْ سُقُوطه ظَهَرْ تقديره معي ، أو موجود ، ويحتمل أن تكون ((لا)) عاملة عمل ((ليس))، و((ماء)) اسمها مرفرع، والخبر مقدر أيضا، والجملة في محل نصب على الحال (قال) ﴾ (عليك بالصعيد) ((عليك)) اسم فعل منقول من الجار والمجرور ، كما قال ابن مالك : وَهَكَذَا دُونَكَ مَعْ إِلَيْكا والفعلُ من أسمائه عَلَیکا ومعنى (( عليك)) الزم ، وهو يتعدى بنفسه ، فيقال : عليك زيدا ، وقد يتعدى بالباء ، كهذا الحديث ، وکحدیث (( علیك بذات الدين )) ، فيكون بمعنى استمسك مثلا ، وقد صرح العلامة الرضي بأنها زائدة ، لأنها تزاد كثيرًا في مفعول اسم الفعل لضعف عمله (١) . و ((الْ)) في الصعيد للعهد المذكور في الآية الكريمة ويؤخذ منه الاكتفاء في البيان بما يحصل به المقصود من الإفهام ، لأنه أحاله على الكيفية المعلومة من الآية ولم يصرح له بها ، قاله في الفتح جـ ١ ص٥٣٨. أي عليك باستعمال الصعيد ( فإنه يكفيك ) أي يُجزئك في إسقاط الفرض ، وفيه دلالة على أن المتيمم في مثل هذه الحالة لا يلزمه القضاء ، وقال الحافظ: يحتمل أن يكون المراد بقوله: ((يكفيك)) أي للأداء ، فلا يدل على ترك القضاء . اهـ . قال الجامع : ولكن الظاهر هو الأول . والله أعلم . مسائل تتعلق بهذا الحديث الأولى : في درجته : حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما هذا متفق عليه . (١) انظر حاشية الخضري على ابن عقيل جـ٢ ص ٩٠ . - ٢٧٦ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : ذكره المصنف هنا -٣٢١/٢٠٢ - والكبرى - ٣١٠/١٨٢ - بهذا السند فقط . المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه (خ) في الطهارة عن عبدان، عن ابن المبارك بسند المصنف مختصرا ، وأخرجه (خ م) مطولا . المسألة الرابعة : في فوائده : منها : أن فيه مشروعية التيمم للجنب . ومنها : جواز الاجتهاد بحضرة النبي ۶﴾﴾، لأن سياق القصة يدل على أن التيمم كان معلوما عندهم ، لكنه صريح في الآية عن الحدث الأصغر بناء على أن المراد بالملامسة ما دون الجماع ، وأما الحدث الأكبر ليست صريحة فيه ، فكأنه كان يعتقد أن الجنب لا يتيمم ، فعمل بذلك مع قدرته على أن يسأل النبي # عن هذا الحكم ، ويحتمل أنه كان لا يعلم مشروعية التیمم أصلا فکان حُكمُهُ حكم فاقد الطهورين . ومنها : أنه ينبغي للعالم إذا رأی فعلا محتملا أن يسأل فاعله عن الحال فيه ليوضح له وجه الصواب . ومنها : التحريض على الصلاة في الجماعة ، وأن ترك الشخص لها بحضرة المصلين معيب على فاعله بغير عذر . ومنها : الملاطفة والرفق في الإنكار لمن رأى منكرا . ومنها : أن الصعيد كاف في إسقاط الفرض ، فلا قضاء على من صلى بالتيمم، لصريح قوله: (( فإنه يكفيك )). المسألة الخامسة : في اختلاف العلماء في معنى ((الصعيد))، وهل -٢٧٧ - ٢٠٢ - باب التيمم بالصعيد - حديث رقم ٣٢١ يجوز التيمم بغير التراب ؟ قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في الاستذكار : وأما الصعيد فقيل : وجه الأرض ، وقيل : بل التراب خاصة ، والطيب الطاهر لا خلاف في ذلك . وأما اختلاف العلماء في الصعيد ، فقال مالك وأصحابه : الصعيد : وجه الأرض ، ويجوز التيمم عندهم على الحصباء ، والجبل ، والرمل والتراب ، وكل ما كان وجه الأرض . وقال أبو حنيفة وزفر : يجوز التيمم بالنَّوْرة، والحجر ، والزِّرنيخ، والجص ، والطين ، والرّخام، وكل ما كان من الأرض. وقال الأوزاعي: يجوز التيمم على الرمل . وقال الثوري ، وأحمد بن حنبل : يجوز التيمم بغبار الثوب واللبد . ولا يجوز عند مالك ، وقال ابن خویز منداد : يجوز التيمم عندنا على الحشيش إذا كان ذلك على وجه الأرض، واختلفت الرواية عن مالك في التيمم على الثلج فأجازه مرة ، وكرهه أخرى ، ومنع منه . ومن الحجة لمذهب مالك في هذا الباب قوله تعالى : ﴿ صعيدا زلقا﴾ [الكهف: آية ٤٠] و ﴿صعيدا جرزا﴾ [الكهف: آية ٨]، والجرز: الأرض الغليظة التي لا تنبت شيئا، وقوله تعثّ: ((جُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)) فكل موضع جازت الصلاة فيه من الأرض جاز التيمم به ، وقال عَلّ: (( يحشر الناس يوم القيامة على صعيد واحد)) أي أرض واحدة ، وقال الشافعي ، وأبو يوسف : الصعيد التراب ، ولا يجوز عندهم التيمم بغير التراب ، وقال الشافعي: لا يقع الصعيد إلا على تراب ذي غبار ، أونحوه ، فأما الصخرة الغليظة والرقيقة ، والكثيب الغليظ فلا يقع اسم الصعيد عليه . وقال أبو ثور : لا يتيمم إلا على تراب ، أو رمل . - ٢٧٨ - شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة قال أبو عمر رحمه الله : أجمع العلماء على أن التيمم بالتراب جائز واختلفوا فيما عداه، وقد قال عَّ: (( جعلت لي الأرض مسجدا ، وجعلت تربتها طهورا)) وروى هذا جماعة من حفاظ العلماء عن الصحابة، عن النبي ## وهو يقضي على رواية من روى: ((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)) ويفسرها . والله أعلم (١). وقال العلامة ابن رشد رحمه الله بعد ذكر الخلاف السابق ما نصه : والسبب في اختلافهم شيئان : أحدهما : اشتراك اسم الصعيد في لسان العرب ، فإنه مرة يطلق على التراب الخالص ، ومرة يطلق على جميع أجزاء الأرض الظاهرة ، حتى أن مالكا وأصحابه حملهم على دلالة اشتقاق هذا الاسم أعني الصعيد ، أن يجيزوا التيمم في إحدى الروايات عنهم على الحشيش والثلج ، قالوا : لأنه يسمى صعيدا في أصل التسمية أعني من جهة صعوده على الأرض ، وهذا ضعيف . والسبب الثاني : اطلاق اسم الأرض في جواز التيمم بها في بعض روايات الحديث المشهور ، وتقييدها بالتراب في بعضها ، وهو قوله : عَّة: ((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)) فإن في بعض رواياته : ((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)) وفي بعضها: ((جعلت لي الأرض مسجدا ، وجعلت لي تربتها طهورا)) . وقد اختلف أهل الكلام الفقهي هل يُقضَى بالمطلق على المقيد ، أو بالمقيد على المطلق ؟ والمشهور عندهم أن يقضى بالمقيد على المطلق ، وفيه نظر ، ومذهب أبي محمد بن حزم أن يقضى بالمطلق على المقيد ، لأن المطلق فيه زيادة معنى ، فمن كان رأيه القضاء بالمقيد على المطلق ، وحمل (١) الاستذكار جـ٢ ص٩ - ١٠ . ٢٧٩ - ٢٠٢ - باب التيمم بالصعيد - حديث رقم ٣٢١ اسم الصعيد الطيب على التراب لم يجز عنده التيمم إلا بالتراب ، ومن قضى بالمطلق على المقيد ، وحمل اسم الصعيد على كل ما على وجه الأرض من أجزائها أجاز التيمم بالرمل والحصى . وأما إجازة التيمم بما يتولد منها فضعيف ، إذ كان لا يتناوله اسم الصعيد ، فإن أعم دلالة اسم الصعيد أن يدل على ما تدل عليه الأرض ، لا أن يدل على الزرنيخ والنورة ، ولا على الثلج والحشيش والله الموفق للصواب (١). قال الجامع عفا الله عنه : الذي يترجح عندي في هذه المسألة ما ذهب إليه ابن حزم لأمرين : الأول : المعنى الذي ذكره هو ، وهو أن في تقديم المطلق على المقيد عملا بالزائد . وقال العلامة القرطبي رحمه الله : إنه ليس من باب المطلق والمقيد بل من باب النص على بعض أشخاص العموم ، كما في قوله تعالى : ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ [الرحمن: آية ٦٨] . والثاني : أن فيه موافقة لأصل مشروعية التيمم ، وهو الترخيص والتوسيع ، فلوكلف الناس طلب التراب فقط لكان فيه إحراج ﴿ ما جعل الله في الدين من حرج﴾ فإذا حمل معنى الصعيد على أعم من التراب كان معنى الترخيص والتوسيع أظهر وأوضح . والحاصل أن التيمم بكل ما كان من جنس الأرض جائز ترابا كان أو حجرا أو غيرهما . انظر فيما كتبه الناقد الجهبذ أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى في كتابه الحافل المُحَلَّى جـ٢ص١٥٨-١٦١. ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب )) . (١) بداية المجتهد جـ ١ ص ٧١ - ٧٢ . - ٢٨٠ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة ٢٠٣ - بابُ الصَّوَاتِ بِتَيَمَّمٍ وَاحِدٍ $ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز الصلوات الكثيرة بتيمم واحد . ٣٢٢ - أخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَخْلَدٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أِبِي قِلابَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَّهِ: ((الصَّعيدُ الطَّيْبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ ، وإنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سنينَ )) . رجال هذا الإسناد : سبعة ١ - (عمرو بن هشام) بن يزيد الجزري أبو أمية الحرَّاني ، ثقة - ١٠ - روى عن جده لأمه عَتَّاب بن بشير ، ومحمد بن سلمة الحرّاني، وعبد الملك الماجشون ، وسليمان بن أبي كريمة ، وابن عيينة ، وأبي بكر ابن عياش ، ومَخْلَد بن يزيد ، وغيرهم . وعنه النسائي، ومحمد بن عوف الطائي، وبَقيّ بن مَخْلَد، وآخرون. قال النسائي : ثقة ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال : مات بسواد الكوفة ، وهو ذاهب إلى الحج سنة ٢٤٥، أخرج له المصنف فقط. ٢- (مخلد) بن يزيد القرشي الحَرَّاني ، صدوق له أوهام ، من کبار [٩] تقدم في ١٤١ / ٢٢٢.