Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١ _
١٩٥ - باب التيمم في الحضر -حديث رقم ٣١١
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته : حديث أبي جهيم رضي الله عنه هذا
متفق عليه .
المسألة الثانية : في بيان مواضعه عند المصنف : أخرجه هنا - ١٩٥ /
٣١١ - والكبرى - ١٨٠ / ٣٠٧ - بالسند المذكور فقط.
المسألة الثالثة : فیمن أخر جه معه : أخرجه (خ م د) فأخرجه (خ) في
الصلاة عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن جعفر بن ربيعة ، عن
الأعرج ، عن عمير ، به .
وأخرجه (م) في الطهارة تعليقا قال: وقال الليث .. فذكره .
وأخرجه (د) فیه عن عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد ، عن
أبيه ، به .
وأخرجه الشافعي ، والبغوي في شرح السنة عن طريقه ، والدار قطني
وابن خزيمة ، وابن الجارود .
المسألة الرابعة : في بيان فوائده :
من فوائد هذا الحديث : جواز التيمم في الحضر لمن لم يجد الماء ،
وهو مذهب المصنف رحمه الله ، ومثله البخاري فقد ترجم في الصحيح
[باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء ، وخاف فوت الصلاة]، وسيأتي
تحقيق الخلاف فيه في المسألة التالية إن شاء الله تعالى.
ومنها : أن بعضهم استدل به على جواز التيمم على الحجر ، وهو
مذهب الحنفية ، ووجَّهَه بأن حيطان المدينة مبنية بالحجارة السود ،
وسيأتي تحقيق البحث في ذلك في باب ٢٠٢ حديث ٣٢١ إن شاء الله
تعالى .

- ٢٠٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
ومنها : أنه استدل به الطحاوي على جواز التيمم للجنازة عند خوف
فواتها ، وهو قول الكوفيين ، والليث ، والأوزاعي ، لأنه 4# تيمم لرد
السلام في الحضر لأجل فوت الردّ ، وإن كان ليس شرطا ، ومنع من
ذلك مالك ، والشافعي ، وأحمد .
ومنها : أن فيه دلالة على جواز التيمم للنوافل كالفرائض ، وأبْعَدَ
بعضهم فَخَصَّه بالفرائض .
ومنها : أن التيمم : مسح الوجه واليدين ، واختلف في المراد باليدين
فقيل : الكفان ، وقيل : إلى المرفقين ، والراجح الأول ، وسيأتي تحقيق
ذلك في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى .
ومنها : كراهة ذكر الله تعالى على غير طهارة ، وهو للتنزيه بدلیل
حديث عائشة رضي الله عنها: (( أنه ◌ّکان یذکر الله على كل أحيانه)»
رواه مسلم .
أما دعوى النسخ - كما قاله بعضهم - فغير صحيحة لعدم معرفة
التاريخ ، ولإمكان الجمع بحمل الكراهة على التنزيه .
المسألة الخامسة : اختلف أهل العلم في جواز التيمم في الحضر :
قال العلامة ابن قدامة في المغني :
فصل : فإن عدم الماء في الحضر بأن انقطع الماء عنهم ، أو حُبس في
مصر فعليه التيمم والصلاة . وهذا قول مالك ، والثوري ، والأوزاعي ،
والشافعي ، وقال أبو حنيفة في رواية عنه : لا يصلي ، لأن الله تعالى
شرط السفر لجواز التيمم فلا يجوز لغيره ، وقد روي عن أحمد : أنه
سئل عن رجل حُبسَ في دار ، وأغلق عليه الباب بمنزلة الضيف ،
أيتيمم؟ قال : لا .

٢٠٣ -
١٩٥ - باب التيمم في الحضر-حديث رقم ٣١١
ولنا ما روى أبو ذر رضي الله عنه أن رسول الله عَ﴾ قال: ((إن
الصعيد الطيب طهور المسلم ، وإن لم يجد الماء عشر سنين ، فإن وجد
الماء فليمسه بشرته ، فإن ذلك خير)) أخرجه الترمذي ، وقال : هذا
حديث حسن صحيح(١) ، فيدخل تحت عمومه محل النزاع .
وقال ابن المنذر في الأوسط : اختلف أهل العلم في التيمم في الحضر
الغير المريض ، وللمريض لا ماء بحضرته ، ولو وصل إلى الماء لَتَوَضَّأ ،
فقالت طائفة : إذا خاف فوات الصلاة تيمم وصلى ، حكى ابن القاسم
عن مالك أنه سئل عمن في القبائل من أطراف الفسطاط ، فخشي إن
توضأ أن تطلع عليه الشمس قبل أن يبلغ الماء ؟ قال : يتيمم ، ويصلي ،
قال : وقد كان مرة من قوله في الحضر : يعيد إذا توضأ .
وسئل الأوزاعي عمن انتبه من نومته وغفلته ، وهو جنب فأشفق إن
اغتسل وتوضأ طلعت الشمس أو غابت ، قال : يتيمم ، ويصلي الصلاة
قبل فوات وقتها ، قال الوليد : فذكرت ذلك لإبراهيم بن محمد
الفزاري، فأخبرني عن سفيان أنه قال : يتيمم ويصلي ، قال الوليد :
فذكرت ذلك لمالك ، وابن أبي ذئب ، وسعيد بن عبد العزيز ، وغيرهم
فقالوا : بل يغتسل ، وإن طلعت عليه الشمس ، لقوله تعالى : ﴿ فلم
تجدوا ماء فتيمموا﴾ [النساء الآية ٤٣] الآية ، فهذا واجد للماء ، وكان
في عذر من نومه ، وغفلته ، ونسيانه معذور بها ، وحكى الوليد ذلك
عن الليث .
وكان الحسن يقول في مريض بحضرته ماء ، وحضرت الصلاة ،
وليس عنده من يناوله ، وخشي فوت الوقت، قال : يتيمم ويصلي ،
وقال الوليد : ولا أعلم إلا أني سمعت أبا عمرو يقول: إذا لم يجد المقيم
(١) انظر صحيح الترمذي للشيخ الألباني ج١ ص ٣٩.

- ٢٠٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
ماء تيمم وصلى ، ولا إعادة عليه ، إلا في الوقت ، واحتج بحديث ابن
عمر : أنه أقبل من الجُرُّف ، فلما كان بالمِرْبَد حضرته صلاة العصر ، فنزل
فتيمم ، وصلى العصر .
قال الجامع : لكن قوله : ولا إعادة عليه إلا في الوقت ، لا دليل عليه
لأنه احتج بفعل ابن عمر ، وابن عمر دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم
يُعِد كما ذكره البخاري في الصحيح ، وسيأتي قريباً . قال ابن المنذر :
وقالت طائفة : لا يجوز للحاضر غير المريض التيمم بحال ، فإن فعل
كانت عليه الإعادة ، هذا قول الشافعي ، وأبي ثور . وقال ابن جريج :
قلت لعطاء : قضيتُ الحاجة في بعض هذه الشعاب ، أتمسح بالتراب
وأصلي؟ قال : لا (١).
وقال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه: ((باب التيمم في
الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوات الوقت )» وبه قال عطاء ، وقال
الحسن : في المريض عنده الماء ، ولا يجد من يُناوله : يتيمم . وأقبل ابن
عمر من أرضه بالجُرُف ، فحضرت العصر بمربَد النَّعَم فصلى ، ثم دخل
المدينة ، والشمس مرتفعة فلم يُعدْ . ثم أورد حديث الباب .
وقال أبو محمد بن حزم رحمه الله في المُحَلَّى: ويتيمم من كان في
الحضر صحيحا إذا كان لا يقدر على الماء إلا بعد خروج وقت الصلاة ،
ولو أنه على شفير البئر والدلو في يده ، أو على شفير النهر والساقية
والعين ، إلا أنه يوقن أنه لا يتم وضوءه أو غسله حتى يطلع أول قرن
الشمس ، وكذلك المسجون والخائف .
قال بُرهانُ ذلك ما حدثنا عبد الله بن یوسف ، ثنا أحمد بن فتح ، ثنا
(١) الأوسط جـ٢ ص ٣٠-٣١.

٢٠٥ -
١٩٥ - باب التيمم في الحضر -حديث رقم ٣١١
عبد الوهاب بن عيسى ، ثنا أحمد بن محمد ، ثنا أحمد بن علي ، ثنا
مسلم بن الحجاج ، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا محمد بن فضيل ، عن
أبي مالك الأشجعي ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة ، قال : قال
رسول الله عَة: ((فُضِّلنا على الناس بثلاث - فذكر فيها - : وجُعلت لنا
الأرض مسجدا، وجعلت تُربتها لنا طَهورا إذا لم نجد الماء)).
ثم ذكر ما أخرجه مسلم بسنده عن أبي هريرة : أن النبي عَّه قال :
((فُضِّلْتُ على الأنبياء بست: أُعطيتُ جَوَامع الكلم ، ونُصرتُ بالرُّعب،
وأُحلَّت لي الغنائمُ، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا ، وأُرسلتُ
إلى الناس كافة، وخُتم بي النبيون)) فهذا عموم دخل فيه الحاضر
والبادي.
فإن قيل : فإن الله تعالى قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة
وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ، ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى
تغتسلوا .. ﴾ [النساء الآية ٤٣] وقال رسول الله على: (( لا تقبل صلاة
من أحدث حتى يتوضأ)» فلم يُبح عز وجل للجنب أن يقرب الصلاة حتى
يغتسل ، أو يتوضأ إلا مسافراً .
قلنا : نعم ، قال الله تعالى، وقال رسول الله عنه ما ذكرتم ، وقال
تعالى : ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء
أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا
فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ﴾ [المائدة: آية ٦] فكانت هذه الآية
زائدة حكما ، واردة بشرع ليس في الآية التي ذكرتم بل فيها إباحة أن
يقرب الصلاة الجنب دون أن يغتسل ، وهو غير عابر سبيل ، لكن إذا كان
مريضا لا يجد الماء ، أو عليه فيه حرج ، وكانت هذه الآية أيضا زائدة

- ٢٠٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
حكما على الخبر الذي لَفْظُهُ: (( لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ )» ثم
جاء الخبران اللذان ذكرنا بزيادة، وعموم على الآيتين والخبر المذكور،
فدخل في هذين الخبرين: الصحيح المقيم إذا لم يجد الماء، وكلام الله
تعالى وكلام رسوله ◌َّ فرض جمع بعضه إلى بعض، وكله من عند الله
تعالى . وقولنا هذا هو قول مالك ، وسفيان ، والليث .
وقال أبو حنيفة والشافعي : لا یتیمم الحاضر ، لكن إن لم يقدر على
الماء إلا حتى يفوت الوقت تيمم ، صلى ، ثم أعاد ، ولابد إذا وجد الماء ،
وقال زفر : لا يتيمم الصحيح في الحضر البَّة ، وإن خرج الوقت ، لكن
يصبر حتى يخرج الوقت ويجد الماء ، فيصلي حينئذ . قال أبو محمد بن
حزم رحمه الله : أما قول أبي حنيفة والشافعي فظاهر الفساد ، لأنه لا
يخلو أمْرُهُمَا له بالتيمم من أن يكونا أمراه بصلاة هي فرض الله تعالى
عليه ، أو بصلاة لم يفرضها عليه ، ولا سبيل إلى قسم ثالث ، فإن قال
مقلدهما : أمراه بصلاة هي فرض عليه ، قلنا : فَلمَ يُعيدُها بعد الوقت
إن كان قد أدَّى فرضه ؟ وإن قالوا : بل أمراه بصلاة ليست فرضا عليه ،
أقرَّا بأنهما ألزماه ما لا يلزمه ، وهذا خطأ .
وأما قول زفر فخطأ ، لأنه أسقط فرض الله تعالى في الصلاة في
الوقت الذي أمر الله تعالى بأدائها فيه ، وألزمه إيّها في الوقت الذي حرم
الله تعالى تأخيرها إليه .
قال أبو محمد : والصلاة فرض معلق محدود ، والتأكيد فيها أعظم
من أن يجهله مسلم، وقد قال رسول الله عنه: ((إذا أمرتكم بشيء فأتوا
منه ما استطعتم )) فوجدنا هذا الذي حضرته الصلاة هو مأمور بالوضوء
وبالغسل إن كان جنبا ، وبالصلاة ، فإذا عجز عن الغسل والوضوء سقطا
عنه ، وقد نصّ عليه السلام على أن الأرض طهورٌ إذا لم يجد الماء وهو
غير قادر عليه ، فهو باق عليه ، وهو قادر على الصلاة ، فهي باقية عليه،
وهذا بَيِّنٌ والحمد لله رب العالمين .

٢٠٧ -
١٩٥ - باب التيمم في الحضر -حديث رقم ٣١٢
قال الجامع عفا الله عنه : خلاصة القول في هذه المسألة : أن المذهب
الراجح هو مذهب من قال بجواز التيمم لمن كان في الحضر إذا فقد الماء ،
وخاف فوت الوقت ، أو تعذر عليه الاستعمال لمرض أو غيره ، وأنه لا
قضاء عليه لتلك الصلاة التي صلاها بذلك التيمم والله أعلم .
٣١٢- أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ ذَرِّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْرَى، عَنْ
أبيه : أنَّ رَجُلاً أتَى عُمَرَ ، فَقَالَ : إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أجِدٍ
٠
الماءَ؟ قَالَ عُمَرُ: لاَ تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرِ: يَا أمِيرَ
المُؤْمِنِينَ ، أمَا تَذْكُرُ إِذْ أْنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيةٍ ، فَأَجْنَبْنَا ، فَلَمْ
نَجِد المَاءَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وأمَا أَنَا فَتَمَعَكْتُ فِي
ے
التُّرَابِ، فَصَلَّيْتُ، فَأَتَيْنَا النَّبِّ ◌َّهِ، فَذَكَرِنْا ذَلكَ لَهُ،
فَقَالَ: ((إنَّمَا كَانَ يَكْفيكَ)) فَضَرَبَ النَّبِيَُّّهُ يَدَيْهِ إِلىَ
الْأَرْضِ، ثُمَّ نَفَعَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
وسَلَمَةُ شَكَّ، لاَ يَدْرِي فِيهِ إِلَى المِرْفَقْينِ، أَوْ إِلىَ الكَفَّيْن.
فَقَالَ عُمَرُ : نُوَلَيْكَ مَا تَوَلَّيْتَ .

٢٠٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
رجال هذا الإسناد : ثمانية
١- ( محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري أبو بكر بندار أحد
مشايخ الستة ، ثقة من [١٠] تقدم في ٢٤/ ٢٧ .
٢- (محمد) بن جعفر الھُذلي البصري المعروف بغُندر ثقة صحيح
الكتاب إلا أن فيه غَفْلَةً من [٩] مات سنة ٣ أو ١٩٤ تقدم في ٢٢/٢١ .
٣- ( شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام
الواسطي ثم البصري ، ثقة حافظ متقن عابد من [٧] مات سنة ١٦٠
وتقدم في ٢٤/ ٢٦ .
٤- (سلمة) بن كُهيل بن حُصين الحضرمي التُّنْعيّ (١) أبو يحيى
الكوفي ، دخل على ابن عمر ، وزيد بن أرقم ، وروى عن أبي جُحيفة ،
وجُندب بن عبد الله ، وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، وغيرهم .
وعنه سعيد بن مسروق الثوري ، وابنه سفيان ، والأعمش ، وشعبة
وغيرهم .
قال أحمد : سلمة بن کھیل متقن للحديث ، وقیس بن مسلم متقن
للحديث ، ما نُبالي إذا أخذت عنهما حديثهما ، ووثقه ابن معين ، وقال
العجلي : کوفي تابعي ثقة ثبت في الحديث ، وکان فيه تشیع قليل ، وهو
من ثقات الكوفيين ، وقال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث ، وقال أبو
زرعة : ثقة مأمون ذكي ، وقال أبو حاتم : ثقة متقن ، وقال يعقوب بن
شيبة : ثقة ثَبْتٌ على تشيعه ، وقال النسائي : ثقة ثبت ، وقال ابن المبارك
عن سفيان : ثنا سلمة بن كهيل ، وكان ركنا من الأركان ، وشد قبضته ،
وقال ابن مهدي : لم يكن بالكوفة أثبت من أربعة : منصور ، وسلمة ،
وعمرو بن مرة ، وأبي حَصين ، وقال أيضا: أربعة في الكوفة لا يُختَلَف
(١) نسبة إلى بني تنع بطن من هَمْدان، وهو بكسر التاء ، وسكون النون اهـ لباب.

٢٠٩ _
١٩٥ - باب التيمم في الحضر -حديث رقم ٣١٢
في حديثهم ، فمن اختلف عليهم فهو مخطئ ، فذكره منهم . وقال
جرير : لِمَاَ قدمَ شعبةُ البصرةَ، قالوا له : حدثنا عن ثقات أصحابك ،
فقال : إن حدثتكم عن ثقات أصحابي فإنما أحدثكم عن نفر يسير من
هذه الشِّيعة: الحكَم، وسَلَمَة بن كُهَيل ، وحبيب بن أبي ثابت ،
ومنصور، وقال يحيى بن سلمة بن كهيل : ولد أبي سنة ٤٧ ، ومات يوم
عاشوراء سنة ١٢١ ، وكذا قال غير واحد، وقيل : ١٢٢ ، وقيل :
١٢٣، قال ابن المديني في العلل(١): لم يلق سلمةُ أحدا من الصحابة إلا
جُنْدبَا ، وأبا جُحَيفة .
وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال أبو داود : هو أحب إليَّ من
حبيب بن أبي ثابت ، وقال : كان يتشيع ، وقال النسائي : هو أثبت من
الشيباني والأجلح أخرج له الجماعة (٢).
٥- (ذَرّ) - بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء - بن عبد الله بن زرارة
المرْهِبي الهمداني أبو عمر الكوفي .
روی عن عبد الله بن شداد بن الهاد ، وسعيد بن عبد الرحمن ،
وسعيد بن جبير، والمسيب بن نَجَبَة، ووائل بن مَهَانَةَ ، ويُسَيع
الحضرمي ، وغيرهم .
وعنه ابنه عمر ، والأعمش ، ومنصور ، والحكم بن عتيبة ، وزُبيد
اليامي ، وسلمة بن كُهيل ، وحبيب بن أبي ثابت وغيرهم .
(١) قال بعضهم : قول ابن المديني هذا غلط ، فقد أخرج ابن ماجه في سننه في باب التيمم بإسناد
صحيح عن الحكم، وسلمة بن كهيل ، أنهما سألا عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه عن
التيمم .. الحديث . اهـ .
قلت : قوله : « بإسناد صحيح )) فیه نظر ، لأن في سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى
سيء الحفظ .
(٢) تت ج٤ ص١٥٧ .

- ٢١٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قال أحمد : ما بحديثه بأس ، ووثقه ابن معين ، والنسائي ، وابن
خراش، وقال أبو حاتم : صدوق ، وقال أبو داود : كان مرجئا وهَجَرَهُ
إبراهيم النخعي ، وسعيد بن جبير للإرجاء ، وقال ابن حبان : كان من
عباد أهل الكوفة ، وكان يقص ، وقال البخاري : صدوق في الحديث ،
وكذا قال الساجي ، وزاد : كان يرى الإرجاء ، وثقه ابن نمير ، وقال
أحمد : لم يسمع من عبد الرحمن بن أبزى (١) أخرج له الجماعة .
٦ - (ابن عبد الرحمن) هو سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي
مولاهم الكوفي .
روى عن أبيه ، وابن عباس ، وواثلة .
وعنه جعفر بن أبي المغيرة ، وطلحة بن مصرف ، وغيرهم .
قال النسائي : ثقة ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال أحمد بن
حنبل : هو حسن الحديث (٢) أخرج له الجماعة .
٧- (عبد الرحمن بن أبْزَى) - بفتح الهمزة وسكون الباء - الخُزاعي
مولى نافع بن عبد الحارث مختلف في صحبته ، استخلفهُ نافع بن
عبد الحارث على أهل مكة أيام عمر ، وقال لعمر : إنه قارئ لكتاب
الله، عالم بالفرائض ، ثم سكن الكوفة .
روى عن النبي ◌َّه، وعن أبي بكر ، وعلي ، وعمر ، وعمار ، وأبي
بن كعب ، وغيرهم .
وعنه ابنه سعيد ، وعبد الله بن أبي المُجالد ، والشعبي ، وغيرهم.
ذكره ابن حبان في ثقات التابعين ، وقال ابن أبي داود : لم يُحَدّث
عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من التابعين إلا ابن أبزى .
(١) تت جـ ص٢١٨ .
(٢) تت جـ٤ ص٥٤ .

٢١١ _
١٩٥ - باب التيمم في الحضر -حديث رقم ٣١٢
وقال البخاري : له صحبة ، وذكره غير واحد في الصحابة ، وقال
أبو حاتم : أدرك النبي ##، وصلى خلفه ، وقال ابن عبد البر: استعمله
عليّ علَى خراسان. وذكره ابن سعد فيمن مات رسول الله عليه وهم
أحداث الأسنان ، وممن جزم بأن له صحبة خليفة بن خياط ، والترمذي،
ويعقوب بن سفيان ، وأبو عروبة ، والدار قطني ، والبرقي ، وبَقيّ بن
مَخْلَد ، وغيرهم ، وفي صحيح البخاري من حديث ابن أبي المجالد أنه
سأل عبد الرحمن بن أبزى وابن أبي أوفى عن السلف ، فقالا : كنا
نصيب المغانم مع النبي عليه .. الحديث . وقال ابن سعد : أنا أبو عاصم ،
أنا شعبة ، عن الحسن بن عمران ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن
أبزى، عن أبيه : أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فكان إذا
خفض لا يكبر)) (١) أخرج له الجماعة .
٨- (عمار بن ياسر) بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين
ابن الوَديم بن ثَعلَبَة بن عوف بن حارثة بن عامر بن ثامر بن عنس ، كذا
قال ابن سعد ، العنسي أبو اليَقْظان مولى بني مخزوم ، وأمه سُمَيَّة من
لَخْم ، وكان ياسر قدم من اليمن إلى مكة فحالف أبا حذيفة بن المغيرة ،
فزوجه مولاته سُمَيَّة ، فولدت له عمارا ، فأعتقه أبو حذيفة ، وأسلم
عمار وأبوه قديما ، وكانوا ممن يعذب في الله ، وقَتَلَ أبو جهل سمية ،
فهي أول شهيدة في الإسلام ، وعن مسدد قال : لم يكن في المهاجرين
مَن أبواه مسلمان غير عمار بن ياسر .
قال الجامع عفا الله عنه : في كلام مسدد هذا نظر ، وكذا في قول أبي
بكر السيوطي في ألفية المصطلح :
وَمَا سِوىَ الصِّدِّيقِمِمَّنْ هَاجَرَا مَنْ وَالدَاهُ أَسْلَمَا قَدْ أَثَرَا
(١) تت ج٦ ص ١٣٢ - ١٣٣.

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
٢١٢
-
لأن كلا من القولين يعارض الآخر ، وقد ثبت أن كثيرا من المهاجرين
أسلم آباؤهم وأمهاتهم ، مثل أولاد العباس ، وأولاد أبي بكر ، وأولاد
أم سلمة، وغيرهم ممن حوتهم كتب السير ، فتفطن .
روى عمار رضي الله عنه عن النبي عليه، وعن حذيفة بن اليمان.
وعنه ابنه محمد ، وابن ابنه سلمة بن محمد على خلاف فيه ، وابن
عباس ، وأبو موسى الأشعري ، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب
وغيرهم .
شهد بدرا والمشاهد كلها، وآخى النبي ◌َّ بينه وبين حذيفة ، وعن
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : أول من أظهر إسلامه سبعة ،
فذكر فيهم عمارا ، وأمه سُمَيَّة .
وهو أول من بَنَى مسجدا يصلى فيه ، ولما استأذن على النبي عَيقال:
((ائذنوا له مرحبا بالطيّب الْمُطَيِّب)» وفي رواية استأذن على علي فقال:
ائذنوا له مرحبا بالطيب المطيب، سمعت رسول الله عَلَه يقول: ((إن
عمارا مُلئ إيمانا إلى مشاشه)) (١)، وعن ربعي (٢) بن حذيفة قال: قال
رسول الله : ((اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ، واهتدوا
بهدي عمار )) وقال الحسن : قال عمرو بن العاص ، وفي رواية عثمان
ابن أبي العاص قال : رجلان مات رسول الله عَّه وهو يحبهما : ابن
مسعود ، وعمار . وتواترت الروايات عن النبي عمّ أنه قال لعمار :
((تقتلك الفئة الباغية)) ، روي ذلك عن عمار ، وعثمان ، وابن مسعود ،
وحذيفة ، وابن عباس ، في آخرين .
(١) المشاش : رؤوس العظام كالمرفقين ، والكتفين ، والركبتين ، وقيل : رؤوس عظام لينة يمكن
مضغها . اهـ مجمع البحار .
(٢) هكذا في ((تت)) ولعل الصواب: وعن ربعي ، عن حذيفة.

٢١٣ -
١٩٥ - باب التيمم في الحضر -حديث رقم ٣١٢
وقال الواقدي : والذي أُجْمعَ عليه في قتل عمار أنه قتل معٍ علي
بصفّين سنة ٣٧ ، وهو ابن ٩٣ ، ودفن هناك بصفين ، وروى العَوّام بن
حوشب ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن السُّكْسكيّ، عن أبي وائل، قال:
رأى أبو ميسرة عمرُو بنُ شرحبيل ، وكان من أفاضل أصحاب عبد الله
في المنام أنه أدخل الجنة ، فإذا هو بقباب مضروبة ، قال : فقلت : لمن
هذه؟ قالوا : لذي الكلاع ، وحوشب ، وكان قتل مع معاوية ، قال :
فأين عمار وأصحابه ؟ قالوا : أمامك ، قال : وقد قتل بعضهم بعضا ؟
قالوا: نعم ، إنهم لقوا الله ، فوجدوه واسع المغفرة ، قال : فما فعل أهل
النَّهْروان؟ قال: لقوا مرحا . ومناقبه كثيرة جدًا (١) أخرج له الجماعة.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من ثمانياته ، وأن رواته كلهم ثقات ، وأنهم ما بين
بصريين، وهم الثلاثة الأولون ، وكوفيين وهم الباقون ، وفيه رواية
صحابي ، عن صحابي ، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم ، عن
بعض ، وهم سلمة ، وذَرّ ، وابن عبد الرحمن بن أبزى ، وفيه الإخبار ،
والتحديث ، والعنعنة .
شرع الحديث
(عن) سعيد (ابن عبد الرحمن بن أبزى) الخُزاعي الكوفي (عن
أبيه) عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولاهم الصحابي رضي الله عنه ،
وهو صحابي صغير ، وكان في زمان عمر رجلا ، وولي على خراسان
لعلي رضي الله عنه ( أن رجلا) قال الحافظ رحمه الله: لم أقف على
تسميته ، وفي رواية الطبراني : أنه من أهل البادية ، وعند البخاري من
رواية سليمان بن حرب ، عن شعبة: (( أن عبد الرحمن بن أبزی شهد
ذلك)) .
(١) تت جـ ٧ ص ٤٠٨ - ٤١٠ .

- ٢١٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
(أتى عمر) بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته (فقال: إني
أجْتَبْتُ) بفتح الهمزة أي : صرت ذا جنابة ، من أجنب الرباعي ،
ويقال: جَنُب - بضم النون والكسر كما في اللسان - ثلاثيا أيضا ( فلم
أجد الماء) إما مطلقا ، أو يريد الكافي للغسل ( فقال عمر) رضي الله عنه
مجيبا لسؤاله (لا تُصَلّ) زاد في رواية ((حتى تَجدَ الماءَ)) وهذا مذهب
مشهور عن عمر رضي الله عنه : أنه لا يتيمم الجنب ، ووافقه على ذلك
ابن مسعود رضي الله عنه ، وقيل : إن ابن مسعود رجع عنه ، وسنحقق
الخلاف بين العلماء في المسألة السادسة إن شاء الله تعالى (فقال له عمار
ابن یاسر) رضي الله عنه مُذكِّرًا له، حيث خالف فتواه السنةَ ( يا أمير
المؤمنين أما تَذْكُرُ) الهمزة للاستفهام، و(( ما)) للنفي (إذ أنا وأنت) ((إذ))
ظرف متعلق بتذكر ، وهو مضاف إلى الجملة الاسمية ، أي : ألاّ تذكر
وقت كوننا ( في سرية) فَعيلة بمعنى فاعلة ، وهي القطعة من الجیش،
سميت بذلك لأنها تَسْري في خُفية ، والجمع سرايا ، وسَريَّاتٌ مثل
عَطَيَّة وعطيَّات (١) .
وقال ابن منظور : والسَّريَّة : ما بين خمسة أنفس إلى ثلاثمائة ،
وقيل : هي من الخيل نحو أربعمائة .
وفي التهذيب : وأما السرية : من سَرَايَا الجيوش ، فإنها فعيلة بمعنى
فاعلة ، سميت سرية لأنها تَسري ليلا في خُفية ، لئلاَ ينذَرَ بهم العدو ،
فيَحذَّرُوا أو يمتنعوا ، يقال: سَرَّى قائد الجيش سرية إلى العدو ، إذا
جَرّدَها وبعثها إليهم، وهو التَّسْريَة، وفي الحديث: ((يَرُدَّ مُتَسَرِّيهم على
قاعدهم)). المُتَسَرِّي : الذي يخرج في السَّريّة، وهي طائفة من الجيش
يبلغ أقصاها أربعمائة ، وجمعها السرايا ، سُمَّوا بذلك لأنهم يكونون
(١) المصباح جـ ١ ص٢٧٥ .

٢١٥ _
١٩٥ - باب التيمم في الحضر -حديث رقم ٣١٢
خلاصةَ العسكر ، وخيارَهم ، من الشيء السّريّ : النفيس ، وقيل :
سُمُّوا بذلك لأنهم يُنَفَّذُون سرّاً ، وخُفْية ، وليس بالوجه لأن لام
السِّرِّرَاءٌ، وهذه ياء (١).
(فأجنبنا) أي أصابتنا جنابة ( فلم نجد الماء) للغسل (فأما أنت فلم
تُصَلُّ) لعدم وجدانك الماء ، مع اعتقاد عدم صحة التيمم للجنب ( وأما
أنا فتمعكت في التراب) أي تَحَكَّكْتُ في التراب ، من قولهم : معَك
الأديمَ: إذا حكّه ، وفي المصباح : مَعَكْتُهُ في التراب مَعْكًا ، من باب
نفع: دلكته به ، ومعكته تمعيكًا ، فتمعك: أي مرَّغته ، فتمرغ (٢).
وفي الرواية الآتية: ((فتمرغت )) أي تقلبت .
وهذا من عمار رضي الله عنه استعمال للقياس ، واجتهاد منه ،
حيث قاس الطهارة الترابية على المائية في التفرقة فيها بين الحدث الأكبر
الذي يعمم فيه البدن بالماء ، والحدث الأصغر الذي يجزئ فيه بعض
الأعضاء ، ولهذا قال ابن دقيق العيد رحمه الله : إن الحدیث فيه دلیل
على القياس ، لأنه لم ينكر عليه قياسه، وإنما بَيِّنَ له أن الرخصة
خصصت هذه الأعضاء في الحدث الأكبر ، كما هو الحال في الحدث
الأصغر .
وفي الفتح : ويستفاد من هذا الحديث وقوع اجتهاد الصحابة في زمن
النبي ◌َِّ، وأن المجتهد لا لوم عليه إذا بذل وسعه ، وإن لم يصب الحق ،
وأنه إذا عمل بالاجتهاد لا تجب عليه الإعادة ، وفي تركه أمر عمر أيضا
بقضائها مُتَمَسّك لمن قال : إن فاقد الطهورين لا يصلي ، ولا قضاء عليه
اهـ (٣).
(١) لسان جـ ٢ ص ٢٠٠٤.
(٢) المصباح جـ٢ ص٥٧٦. (٣) جـ ١ ص٥٢٩ .

- ٢١٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قال الجامع عفا الله عنه : هذا الأخير خلاف الصواب ، بل الصواب
أنه يصلي، ولا قضاء عليه، كما يأتي تحقيقه في ٢٠٤/ ٣٢٣ إن شاء الله
تعالى .
( فصليت فأتينا النبي &) أي بعد الرجوع (فذكرنا ذلك له) أي بيَّنَّا
عَمَلِ كُلّ منّا للنبي ◌َّه (فقال) عَدُ (إنما كان يكفيك) أي لاستباحة الصلاة
بالتيمم ، وفي الرواية الآتية: (( إنما كان يكفيك هكذا)).
قال الحافظ رحمه الله : فيه دليل على أن الواجب في التيمم هي
الصفة المشروحة في هذا الحديث ، والزيادة على ذلك لو ثبت بالأمر دلت
على النسخ ، ولزم قبولها ، لكن إنما وردت بالفعل فتحملُ على
الأكمل، وهذا هو الأظهر من حيث الدليل (١).
( فضرب النبي ۋەیدیہ إلی الأرض) المراد من اليدين : الكفان بدلیل
الرواية الآتية (( وضرب بكفيه الأرض )» ( ثم نفخ فيهما) وفي رواية (( ثم
أدناهما من فيه )) وهو كناية عن النفخ ، وفيهما إشارة إلى أنه كان نفخا
خفيفا، وفي رواية ((تفل فيهما))، والتَّفْلُ: قال أهل اللغة: هو دون
الْبَزْق ، والنَّفْتُ دونه .
قال الحافظ رحمه الله : وسياق هؤلاء يدل على أن التعليم وقع
بالفعل ، ولمسلم من طريق يحيى بن سعيد ، وللإسماعيلي من طريق
يزيد بن هارون وغيره ، كلهم عن شعبة أن التعليم وقع بالقول ،
ولفظهم: (( إنما کان یکفیك أن تضرب الأرض بيدك )) زاد یحیی ( ثم
تنفخ ، ثم تمسح بهما وجهك و کفیك )) .
واستُدلَّ بالنفخ على استحباب التخفيف للتراب ، وعلى سقوط
استحباب التكرار في التيمم ، لأن التكرار يستلزم عدم التخفيف . قاله
(١) فتح جـ١ ص٥٢٩ .

٢١٧ -
١٩٥ - باب التيمم في الحضر -حديث رقم ٣١٢
في الفتح ( ثم مسح بهما وجهه وكفيه) فيه أن الذي يجزئ في التيمم
مسح الوجه والكفين فقط ، وهذا هو المذهب الراجح ، وسيأتي تمام
البحث فيه في المسألة السادسة إن شاء الله تعالى .
(وسلمة ) بن کھیل مبتدأ خبره قوله ( شك لا يدري فيه) أي في
الحديث ( إلى المرفقين ، أو إلى الكفين) يعني أن سلمة شك في روايته
عن ذَرّ ، هل قال : ثم مسح بهما وجهه ، ويديه إلى المرفقين ، أو قال :
وجهه ويديه إلى الكفين. ومعنى ((إلى الكفين)): إلى نهاية الكفين.
وسيأتي ٣١٩/٢٠٠ أن شعبة قال: كان يقول- يعني سلمة - الكفين
والوجه والذراعين ، فقال له منصور : ما تقول ؟ فإنه لا يذكر الذراعين
غيرك ، فشك سلمة ، فقال : لا أدري ذكر الذراعين أم لا ؟ .
قال الجامع : فدل هذا على أن ذكر الذراعين غير صحيح لعدم تيقنه ،
ومخالفة غيره من الثقات في ذلك . وأما ما قاله في المنهل العذب : من
أنها زيادة ثقة مقبولة فغير صحيح . فتفطن .
(فقال عمر: نُوَلْيك ما تَوَلَيتَ) هذا مختصر من الرواية الآتية ،
((فقال: اتق الله يا عمار، فقال: يا أمير المؤمنين إن شئت لم أذكره ،
قال: لا، ولكن نوليك من ذلك ما توليت)) ومعنى ((نوليك)) .. الخ :
من التولية أي نجعلك واليًا على ما تصديت له من تبليغ هذا الحكم ،
ورضيته لنفسك ، وذلك لأنه لم يجزم بخطئه ولم يتذكر القصة ، فجوّز
النسيان على نفسه ، كما جوّز الوَهَمَ على عمار ، فليس له أن يفتي به
بخلاف عمار حيث جزم به ، فله التبليغ ، والفتوى به. والله أعلم .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته : حدیث عمار رضي الله عنه هذا متفق
عليه .

- ٢١٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
المسألة الثانية : في بيان مواضعه عند المصنف : أخرجه هنا
-٣١٢/١٩٥- عن محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر غندر ، عن
شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، عن ذَرّ ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن
أبزى عن أبيه ، عن عمار رضي الله عنه، وفي ٣١٦/١٩٨ والكبرى -
١٧٧/ ٣٠٢ - عن محمد بن بشار ، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن
سفيان ، عن سلمة ، عن أبي مالك ، وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن
أبزى كلاهما عن عبد الرحمن ، وفي ١٩٩/ ٣١٧ والكبرى ٣٠٤/١٧٨
-عن عمرو بن يزيد ، عن بهز ، عن شعبة ، عن الحكَم قال: سمعت
ذرا يحدث عن ابن أبزى، عن أبيه، وقد سمعه - يعني الحكم - من ابن
أبزى، عن أبيه ، عنهَ. وفي ٣١٩/٢٠٠ والكبرى -٣٠٥/١٧٩ -عن
عبد الله بن محمد بن تميم، عن حجاج بن محمد ، عن شعبة ، عن
الحكم ، وسلمة كلاهما عن ذر ، به ، وفي الكبرى : عن عمرو بن علي،
عن يزيد بن زريع ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن عَزْرَةَ ،
عن سعيد بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، به . وهو في رواية ابن الأحمر .
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه مع المصنف :
أخرجه (خ م ت ق) فأخرجه (خ) في الطهارة عن آدم ، وحجاج بن
منهال، ومحمد بن كثير ، وسليمان بن حرب ، ومسلم بن إبراهيم -
فَرَّقَهم - وعن بندار ، عن غندر ، ستتهم عن شعبة ، عن الحكم ، عن
ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، وقال تعليقا : وقال
النضر - يعني ابن شُمَيل - عن شعبة ، عن الحكم ، عن ذرّ ، عن ابن
عبد الرحمن بن أبزى ، قال الحكم : وقد سمعته من ابن عبد الرحمن بن
أبزى عن أبيه .
وأخرجه (م) في الطهارة عن إسحاق بن منصور ، عن النضر بن

٢١٩ -
١٩٥ - باب التيمم في الدخر -حديث رقم ٣١٢
شميل كما تقدم ، وعن عبد الله بن هاشم ، عن يحيى القطان ، عن
شعبة ، عن الحكم ، عن ذَرّ بهذا، قال الحكم : وحدثنيه ابن
عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، قال شعبة : وحدثني سلمة ، عن ذر
بهذا .
وأخرجه (د) فيه عن محمد بن كثير ، عن سفيان ، عن سلمة بن
كهيل ، عن أبي مالك ، عن عبد الرحمن بن أبزى به ، وعن محمد بن
العلاء ، عن حفص بن غياث ، عن الأعمش ، عن سلمة ، عن ابن أبزى
عن عمار ، ولم يذكر أبا مالك ، وعن محمد بن بشار ، عن محمد بن
جعفر ، وعن علي بن سهل الرَّمْلي ، عن حجاج بن محمد كلاهما عن
شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، وعن مُسدد ، عن يحيى ، عن شعبة ، عن
الحكم كلاهما عن ذر ، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، وعن
محمد بن المنهال ، عن يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن
عَزْرَةً، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه مختصرا ، وعن
موسى بن إسماعيل ، عن أبان ، قال : سئل قتادة عن التيمم في السفر ؟
فقال : حدثني مُحَدِّث ، عن الشعبي ، عن عبد الرحمن بن أبزى ، عن
عمار بن ياسر،: أن رسول الله عَّه قال: ((إلى المرفقين)) قال أبو داود :
ورواه وكيع ، عن الأعمش ، عن سلمة بن كهيل ، عن سعيد بن
عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه . ورواه جرير ، عن الأعمش ، عن
سلمة ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه . ورواه شعبة ،
عن حُصين ، عن أبي مالك ، قال : سمعت عمارا يخطب .
وأخرجه (ت) فيه عن أبي حفص عمرو بن علي ، عن يزيد بن زريع
بإسناده: ((أن النبي ◌َّ أمر بالتيمم للوجه والكفين)) وقال : حسن
صحيح .

- ٢٢٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وأخرجه (ق) فيه عن بندار ، عن غندر ، عن شعبة ، عن الحكم ،
عن ذر ، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه به ، وبعضهم يزيد على
بعض في الحديث (١).
المسألة الرابعة : حق هذا الحديث كما قال السندي : أن يذكر تحت
ترجمة ((باب التيمم للجنابة )) وهي ستأتي ، ولعل المصنف أخذ جواز
التيمم في الحضر من تيمم النبي ◌َّ للتعليم في الحضر، وذلك أنه عَلَّمَه
تعليما مطلقا ، بحيث لم يخص به سفرا من حضر ، فلو كان التيمم لا
يجوز إلا في السفر لبَيّنه له ، وقال : إن هذا التيمم بهذه الكيفية خاص
بمن كان في السفر ، والله أعلم .
المسألة الخامسة : في بيان فوائده :
منها : أنه يدل على جواز الاجتهاد في زمن النبي ◌َّ﴾.
قال العلامة المحقق ابن دقيق العيد رحمه الله عند قوله (( فتمرغت في
الصعيد كما تمرغ الدابة )) ما نصه : كأنه استعمال لقياس لابد فيه من تقدم
العلم بمشروعية التيمم ، وكأنه لما رأى أن الوضوء خاص ببعض
الأعضاء، وكان بدله - وهو التیمم - خاصا وجب أن يكون بدل الغسل
الذي يعم جميع البدن عاما لجميع البدن .
قال أبو محمد بن حزم الظاهري : في هذا الحديث إبطال القياس ،
لأن عمارا قَدَّر أن المسكوت عنه من التیمم للجنابة حكمه حكم الغسل
للجنابة ، إذ هو بدل منه ، فأبطل رسول الله عَّ ذلك ، وأعلمه أن لكل
شيء حكمه المنصوص عليه فقط .
(١) أفاده المزي فى تحفة الأشراف جـ ص٤٧٩-٤٨١.