Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١ -
١٩١ - باب بول ما يؤكل لحمه - حديث رقم ٣٠٦
يرى نجاسة الأبوال والأزبال إلا ما ورد النص بنجاسته ، كبول الآدمي ،
والروث ، سواء في ذلك مأكول اللحم وغير مأكوله ، لعدم نص قاطع
يزيل البراءة الأصلية ، وهو رأي وجيه ، وبحث نبيه لا يظهر لي غيره ،
وبالله التوفيق ، وعليه التكلان .
وقد ذكر أبو بكر بن المنذر رحمه الله المسألة ، وحقق الخلاف فيها ،
ورَجَّحَ قول من قال: بطهارتها ، وبينه أتم بيان في كتابه الأوسط ،
فارجع إليه تزدد علما(١).
٣٠٦ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْب، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي
أبُو عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيَدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ طَلْحَةَ
ابْنِ مُصَرُِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ،
قَالَ: قَدِمَ أَعْرَابٌ مِنْ عُرَيْنَةَ إِلَى النَِّّنَّهُ فَأَسْلَمُوا ،
فَاجْتَوَوُ المَدينَةَ، حَتَّى اصْفَرَّتْ أَلْوَانُهُمْ، وَعَظُمَتْ
بُطُونُهُمْ، فَبَعَثَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِلَّهُ إِلىَ لِفَاحِ لَهُ، وَأَمَرَهَمْ
أنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وأبْوَلِهَا، حَتَّى صَحُوا، فَقَتَلُوا
رَعَهَا، واسْتَاقُوا الإِبلَ، فَبَعَثَ النَِّيَّ ◌َهُ فِي طَبِهِمْ فَأُتِيَ
بِهِمْ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ))
(١) الأوسط جـ٢ ص ١٩٥ - ٢٠٠.

- ١٤٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قَالَ أَميرُ المُؤْمِنِينَ عَبْدُ المَلِكِ لأَنَسِ ، وَهُوَ يُحَدِّثُهُ هَذَا
الحَدِيثَ : بِكُفْرٍ أُمْ بِذَنْبٍ؟ قَالَ : بِكُفْر .
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لاَ نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ: عَنْ يَحْيَى،
عَنْ أَنَسٍ فى هَذَاَ الحَدِيثِ غَيْرَ طَلْحَةً، والصَّوَابُ عنْدِي -
واللهُ تَعَالَى أَعْلمُ - يَحْتَى ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسِبِ مُرْسَلٌ.
رجال هذا الإسناد : سبعة
١- (محمد بن وهب) بن عمر بن أبي كريمة ، أبو المُعَافَى الحَرَّاني.
روى عن عَتَّاب بن بشير ، وعيسى بن يونس ، ومحمد بن سلمة ،
ومسکین بن بکیر ، وغيرهم .
وعنه المصنف ويعقوب بن يوسف الشيباني ، ومحمد بن علي بن
حبيب الطرائفي ، وأبو خيثمة علي بن عمرو الحرّاني ، وغيرهم .
قال المصنف : لا بأس به ، ومرة قال : صالح ، وذكره ابن حبان في
الثقات ، وقال مسلمة : صدوق . مات في رمضان سنة ٢٤٣ ، انفرد به
المصنف من بين الستة .
٢- (محمد بن سَلَمَة) بن عبد الله الباهلي أبو عبد الله الحرّاني.
روى عن خاله أبي عبد الرحيم خالد ، ومحمد بن إسحاق ،
وخُصیف ، وابن عجلان وغيرهم .

١٤٣
١٩١ - باب بول ما يؤكل لحمه-حديث رقم ٣٠٦
وعنه أحمد بن حنبل ، وعبد الله بن محمد النفيلي ، وأحمد بن
شعيب الحراني ، وعمرو بن خالد ، والعلاء بن هلال وغيرهم .
وثقه النسائي ، وقال ابن سعد : ثقة عالم ، له فضل ، ورواية
وفتوى، وذكره ابن حبان في الثقات ، قال أبو عروبة : أدركنا الناس لا
يختلفون في فضله وحفظه ، ووثقه العجلي ، وفي الزهرة روی له مسلم
١٢ حديثا، مات سنة ١٩١، وقيل: ١٩٢، وقيل: ١٩٣، أخرج له
مسلم والأربعة .
٣- (أبو عبد الرحيم) خالد بن يزيد ، ويقال : ابن أبي يزيد ، وهو
المشهور ، ابن سِمَاك بن رستم ، قاله ابن أبي عروبة ، وقال الدار قطني :
ابن سَمَّال - بفتح السين وتشديد الميم ، وباللام - الأموي مولاهم ، أبو
عبد الرحيم الحراني .
روى عن زيد بن أبي أنيسة ، وعبد الوهاب بن بخت ، وجهم بن
الجارود ، ومكحول الشامي ، وعدَّة . وعنه ابن أخته محمد بن سلمة
الحراني وموسى بن أعين ، وعيسى بن يونس ، ووكيع ، وغيرهم .
قال أحمد وأبو حاتم : لا بأس به ، وقال ابن الجنيد عن ابن معين :
ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال : حسن الحديث متقن فيه ،
وثقه أبو القاسم البغوي ، مات سنة ١٤٤ ، أخرج ه البخاري في الأدب
المفرد ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي .
٤ - (زید بن أبي أنيسة) واسم أبيه زيد الجزري أبو أسامة الرَّهاوي (١)
كوفي الأصل الغَنَوي مولاهم .
روى عن أبي إسحاق السبيعي ، وعطاء بن السائب ، وأبي الزبير ،
(١) بضم الراء وفتح الهاء نسبة إلى مدينة من الجزيرة . لباب جـ ٢ ص ٤٥.

١٤٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وأبي الزناد ، والحكم بن عُتيبة ، وسعيد بن أبي بردة ، وطلحة بن
مصرف ، وأبي زيد عبد الملك بن ميسرة الزَّرَّاد ، وعدي بن ثابت .
وعنه مالك ، ومسعر ، ومعقل بن عبيد الله ، وأبو عبد الرحيم
الحراني ، وعبيد الله بن عمرو الرقي ، وهو راويته .
وروى عنه مجالد بن سعيد ، وهو في عداد شيوخه .
قال ابن معين : ثقة ، وقال النسائي : ليس به بأس ، وقال عمرو بن
عبد الله الأودي حدثني وكيع وجعفر بن برقان عن زيد بن أبي أنيسة
وكان ثقة . قال ابن سعد : كان يَسْكُن الرَّها ، ومات بها ، وكان ثقة
كثير الحديث، فقيها ، راوية للعلم . وقال عبيد الله بن عمرو : أتيت
الأعمش ، فحدثني عشرة أحاديث ، فاستزدته ، فأبى ، فقيل له : إنه
صاحب زيد بن أبي أنيسة قال : فحدثني بنحو خمسين حديثا . ووثقه
العجلي ، وابن حبان ، وقال : كان فقيها وَرَعًا ، ووثقه أبو داود ،
ويعقوب بن سفيان ، وعن أحمد قال : حديثه حسن مقارب ، وإن
فيها(١) لبعض النكرة ، وهو على ذلك حسن الحديث ، وقال المروزي :
سألته عنه ؟ فحرك يده ، وقال : صالح ، وليس بذاك ، ووثقه الذهلي ،
وابن نمير ، والبَرْقيّ. مات سنة ١١٩، وقيل: ١٢٥، وقيل : ١٢٤،
وقيل: إنه ولد سنة ٩١ ، أخرج له الجماعة .
٥- ( طلحة بن مصرف) بن عمرو بن كعب بن جخدب بن معاوية
ابن سعد بن الحارث ، الهمداني اليمامي أبو محمد، ويقال : أبو عبد الله
الكوفي .
روى عن أنس ، وعبد الله بن أبي أوفى، وقُرَّة بن شَراحيل،
وخيثمة بن عبد الرحمن ، وزيد بن وهب ، وأبي صالح السمان ،
وغيرهم .
(١) هكذا نسخة ((تت)) فيها بضمير المؤنث، والظاهر أن يقول: فيه بضمير المذكر الراجع إلى
((حديثه)) . فيحرر .

١٤٥ -
١٩١ - باب بول ما يؤكل لحمه-حديث رقم ٣٠٦
وعنه أبو إسحاق السَّبيعي ، وهو أكبر منه ، وإسماعيل بن أبي
خالد، وزيد بن الحارث اليامي ، والأعمش ، وهم من أقرانه ، وابنه
محمد ، ومالك بن مغْوَل ، ومنصور ، وشعبة ، وآخرون .
وثقه ابن معين ، وأبو حاتم ، والعجلي ، وقال أبو معشر : ما ترك
بعده مثله ، وأثنى عليه ، وقال عبد الله بن إدريس: ما رأيت الأعمش
يثني على أحد أدركه إلا على طلحة بن مصرف . قال ابن إدريس : كانوا
يسمونه سيد القراء ، وقال العجلي : كان عثمانيا ، وكان من أقرإ أهل
الكوفة وخيارهم ، قال : واجتمع القراء في منزل الحكم بن عتيبة ،
فأجمعوا على أن طلحة أقرأ أهل الكوفة ، فبلغه ذلك ، فغدا إلى
الأعمش يقرأ عليه ليذهب ذلك الاسم عنه . وقال عبد الملك بن أبجر :
ما رأيت مثله ، وما رأيته في قوم إلا رأيت له الفضل عليهم ، وقال ابن
سعد : كان ثقة ، وله أحاديث صالحة ، وذكره ابن حبان في الثقات ،
وقال ابن أبي حاتم في المراسيل : قيل لابن معين : سمع طلحة من أنس ؟
فقال : لا ، وسمعت أبي يقول : طلحة أدرك أنسا ، وما ثبت له سماع
منه، مات سنة ١١٢، وقيل: ١١٣، أخرج له الجماعة. وفي ((ت)) ثقة
فاضل قارئ - ٥ - .
٦- ( يحيى بن سعيد) الأنصاري أبو سعيد المدني القاضي ، ثقة ثبت
من [٥] تقدم في ٢٣/٢٢.
٧- ( أنس بن مالك) الأنصاري أبو حمزة الخادم الصحابي الجليل
رضي الله عنه ، تقدم في ٦/ ٦ .
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سباعياته ، وأن رواته كلهم ثقات ، وأنهم ما بين
حرانيينَ ، وهم الثلاثة الأولون ، ورُهَاويّ ، وهو زيد ، وكوفي ، وهو

- ١٤٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
طلحة ، ومدنيين ، وهما يحيى وأنس ، وهو أيضا بصري .
ومنها : أن خمسة منهم هذا الباب أولُ محلّ ذكرهم من هذا الكتاب
وهم مَنْ قَبْلَ يحيى .
ومنها : أن فيه رواية تابعي ، عن تابعي ، طلحة ، عن يحيى .
ومنها : أن أنسا أحد المكثرين السبعة روى ٢٢٨٦ حديثا .
قال الجامع عفا الله عنه : شرح الحديث ، ومتعلقاته تقدمت في
الحديث الماضي فلا داعي إلى إعادتها ، غير أنه ينبغي التنبيه على بعض
الألفاظ الغريبة التي لم يسبق لها ذكر وهي :
قوله (أعراب ) - بفتح الهمزة -: وهم سكان البادية ، واحده
أعرابي بالياء ، وتقدم تفسيره في ٤٥/ ٥٣ . وقوله (من عُرينة) -
بالتصغير - قبيلة معروفة ، وتقدم الكلام في اختلاف الروايات هل هم
من عُكل ، أو عرينة ، أو منهما ، في الحديث الماضي .
وقوله (حتى اصفَرَّت ألوانهم) أي تغيرت بسبب المرض ، لعدم
ملائمة الهواء ، والأغذية لهم .
وقوله (إلى لقاح) - بكسر اللام جمع لَقوح - بفتحها ، أو ◌ِقْحَة
بكسرها ، قال الفيومي : اللّقحة - بالكسر - الناقة ذات اللبن ، والفتح
لغة ، والجمع ◌ِفَح، مثل سدْرَة وسِدَر ، أو مثل فَصْعَة وقِصَع ، واللَّقوح
بفتح اللام مثل اللقحة ، والجمع لقاح ، مثل قَلُوص وقلاص ، وقال
ثعلب : اللقاح جمع لقحة ، وإن شئت : لقوح ، وهي التي نُتجَت ،
فهي لقوح ، إلى شهرين ، أو ثلاثة ، ثم هي لبون بعد ذلك. انتهى (١).
قال الجامع: قد تقدم الكلام في الجمع بين رواية ((أنها لقاح له عَّه))
(١) المصباح جـ٢ ص ٥٥٧ .

١٤٧ -
١٩١ - باب بول ما يؤكل لحمه-حديث رقم ٣٠٦
وبين رواية ((أنها من إبل الصدقة)) في كلام الحافظ رحمه الله وأما ما كتبه
بعض من كتب على النسائي في وجه الجمع ههنا فغير صحيح فتنبه(١).
( قال أمير المؤمنين عبد الملك) بن مروان بن الحكم بن أبي العاص
الأموي ، أبو الوليد المدني ، ثم الدمشقي ، كان طالب علم قبل الخلافة،
ثم اشتغل بها ، فتغير حاله ، مُلُّكَ ١٣ سنة استقلالا ، وقبلها منازعا لابن
الزبير تسع سنين ، ومات سنة ٨٦ ، وقد جاوز الستين (٢).
( لأنس) الصحابي رضي الله عنه (وهو يحدثه) جملة في محل
نصب على الحال من ((أنس)) ( هذا الحديث ) أي حديث العرنيين (بكفر أم
بذنب؟) متعلق بمحذوف مقول لقال ، أي أعُوقُبُوا هذا العقاب بسبب
كفرهم ، أم بسبب ذنبهم ، فأم عاطفة للجار والمجرور الثاني على
الأول، وحذفت الهمزة لعدم الخفاء ، كما قال ابن مالك في الخلاصة :
أوْ هَمْزَةٍ عَنْ لَفْظ أيِّ مُغْنِيَهْ
وَأُمْ بِهَا اعْطِفْ إِثْرَ هَمْزِ التَّسْويَهْ
كَانَ خَفَا الْمَعْنَى بِحَذْفِهَا أُمِنْ
وَرَبَّمَا أُسْقِطَتِ الْهَمْزَةَ إِنْ
( قال) أنس رضي الله عنه مجيبا له ( بكفر) أي عوقبوا هذا العقاب
بسبب كفرهم ، وارتدادهم بعد الإسلام ، وللبخاري : قال أبو قلابة :
((فهؤلاء سرقوا ، وقتلوا ، وكفروا بعد إيمانهم ، وحاربوا الله ورسوله)).
( قال أبو عبد الرحمن) النسائي رحمه الله ( لا نعلم أحدا قال : عن
يحيى ، عن أنس في) رواية ( هذا الحديث غير طلحة) بالنصب مفعول
ثان لنعلم ، وجملة ((قال)) في محل نصب صفة ((أحدا)) يعني أن طلحة
ابن مصرف تفرد بروايته عن يحيى ، عن أنس مخالفا لغيره من الثقات ،
(١) البعض المذكور هنا هو الشيخ محمد مختار الشنقيطي رحمه الله .
(٢) تقريب التهذيب ص ٣٣٠.

- ١٤٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
فإنهم رووه عن سعيد بن المسيب ، مرسلا ، وهو الصواب عند المصنف،
كما أوضحه بقوله (والصواب) مبتدأ (عندي) متعلق بالصواب ، وقوله
( والله أعلم) جملة معترضة بين المبتدأ والخبر، أتَى بها تبرئة لنفسه عن
دعوى العلم ، والخبر قوله ( يحيى، عن سعيد بن المسيب) بن حَزْن بن
أبي وهب المخزومي المدني أحد العلماء الأثبات والفقهاء الكبار ، من
كبار الطبقة الثانية ، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل ، وقال ابن
المديني : لا أعلم في التابعين أوسع علما منه ، مات بعد ٩٠ ، وقد ناهز
٨٠، وقوله (مرسل) هكذا نسخ المجتبى ((مرسل)) بالرفع، وفي
الكبرى (( مرسلا )) بالنصب وهو ظاهر ، وللرفع أيضا وجه ، وهو أنه
خبر لمحذوف ، أي هو مرسل ، ويحتمل أن يكون منصوبا حَالاً ، إلا أنه
على لغة ربيعة ، فإنهم يُجْرُون المنصوب المنون مَجْرى المرفوع ،
والمجرور، فيقفون عليه بالسكون ، أي حال كون الحديث مرسلا .
تنبيهات :
الأول : هذا الحديث بهذا السند من أفراد المصنف عن أصحاب
الأصول أخرجه هنا - ١٩١ / ٣٠٦ - والكبرى - ١٧١ / ٢٩٥ - بالسند
المذكور ، وهو عندي صحيح وإن رجح المصنف إرساله لما سيأتي قريبا إن
شاء الله .
الثاني : رواية ابن المسيب التي أشار إليها المصنف هنا : أخرجها هو
في المحاربين من المجتبى [٤٠٣٦/٩] عن أحمد بن عمرو بن السرح ،
عن ابن وهب ، عن يحيى بن أيوب ، ومعاوية بن صالح ، كلاهما عن
يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: (( قدم ناس من العرب
على رسول الله :* فأسلموا، ثم مَرضَوا، فبعث بهم رسول الله عَُّ إلى

١٤٩ -
١٩١ - باب بول ما يؤكل لحمه-حديث رقم ٣٠٦
لقاح ، ليشربوا من ألبانها ، فكانوا فيها ، ثم عَمَدوا إلى الراعي غلام
رسول الله عَّة، فقتلوه، واستاقوا اللقاح، فزعموا أن رسول الله عَّه.
قال: اللهم عَطِّش من عَطَّشَ آل محمد الليلةَ، فبعث رسول الله عَّ في
طلبهم ، فأخذوا، فَقَطَّعَ أيديَهُم وأرجلهم ، وسَمَل أعينهم )) وبعضهم
يزيد على بعض إلا أن معاوية قال في هذا الحديث: (( استاقوا إلى أرض
الشرك)) .
الثالث : أن المصنف يرى ترجيح كون هذا الحديث مرسلا ، لمخالفة
طلحة ليحيى بن أيوب ، ومعاوية بن صالح كما مر آنفا .
قال الجامع : عندي أن مخالفته لهما لا تضر في وصله ، فيكون من
زيادات الثقات ، فإنّ طلحة ثقة حافظ ، فيكون الحديث موصولا
صحيحا عن طريقه ، والله أعلم .
الرابع : اختلف أهل العلم في الحديث المرسل في موضعين :
الأول : في تعريفه ، قال النووي في تقريبه : اتفق علماء الطوائف
على أن قول التابعي الكبير: قال رسول الله عَليه كذا، أو فَعَلَهُ يسمى
مرسلا ، فإن انقطع قبل الصحابي (١) واحد ، أو أكثر ، قال الحاكم وغيره
من المحدثين : لا يسمى مرسلا ، بل يختص المرسل بالتابعي عن النبي ◌َّ﴾
فإن سقط قبله ، فهو منقطع ، وإن كان أكثر فمعضل ومنقطع ، والمشهور
في الفقه والأصول أن الكل مرسل ، وبه قطع الخطيب ، وهذا اختلاف
في الاصطلاح والعبارة ، وأما قول الزهري وغيره من صغار التابعين :
قال رسول الله عَّه، فالمشهور عند من خَصَّه بالتابعي أنه مرسل كالكبير ،
وقيل : ليس بمرسل ، بل منقطع . انتهى .
(١) في التقريب : قبل التابعي ، والإصلاح من التدريب جـ١ ص ١٩٥.

- ١٥٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
الثاني : في حكمه : قال النووي رحمه الله : ثم المرسل حديث
ضعيف عند جماهير المحدثين ، والشافعي وكثيرين من الفقهاء وأصحاب
الأصول ، وقال مالك ، وأبو حنيفة في طائفة: صحيح ، فإن صَحّ
مخرجُ المرسل بمجيئه من وجه آخر مسندا ، أو مرسلا أرسله من أخذ عن
غير رجال الأول كان صحيحا ، ويتبين بذلك صحةُ المرسل ، وأنهما
صحيحان لو عارضهما صحيح من طريق رجحناهما عليه ، إذا تعذر
الجمع . وقد ذكر السيوطي رحمه الله عشرة أقوال في الاحتجاج بالمرسل
في تدريبه ، فراجعه (١).
وقد نظم في ألفيته ما تقدم مع بيان الأشياء التي يَعْتَضِدُ بها المرسل
عند من لا يحتج به إلا بالاعتضاد ، فقال :
الْمُرسَلُ المَرْفُوعُ بِالتَّابع أوْ
ذي كبَرٍ أو سَقْطُ رَاوٍ قَدْ حَكَوْا
به رأى الأئمَّةُ الثَّلاثَةُ
أشْهرُهَا الأوَّلُ ثُمَّ الحُجَّةُ
كالشَّافعي وأهْل علْم الخُبَرِ
وَرَدُّهُ الْأقْوَى وَقَوْلُ الأَكْثَرِ
بمرْسَل آخَرَ أو بُسنَدَ
نَعَمْ بِهِ يُحْتَجُ إِنْ يَعْتَضدِ
قَيْسٍ، ومَنْ شُرُوطه كَمَا رَأَوْا
أوْ قَوْلِ صَاحب أو الجُمْهُورِ أوْ
وَإِنَّ مَشَى مَعْ حافظٍ يُجَارِي
كَونُ الذي أُرْسَلَ منْ کبَارِ
كَنَّهِي بَيْع اللحْم بالأصِلِ وَفَا(٢)
ولَيْسَ مِنْ شُيُوخه مُنْ ضُعّفَا
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب )) .
(١) تدريب جـ١ ص ٢٠٢ .
(٢) راجع شرحي للألفية المذكورة المسمى ((إسعاف ذوي الوطر بشرح نظم الدرر في علم
الأثر)) جـ ١ ص ١١٧ - ١٢٣.

١٥١ _
١٩٢ - باب فرث ما يؤكل لحمه يصيب الثوب-حديث رقم ٣٠٧
١٩٢ - بابُ فَرْت مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ يُصيبُ الثَّوْبَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم فرث الحيوان الذي يَحلِّ
أكله ، إذا أصاب الثوب .
والفَرْتُ : -بفتح فسكون - السُّرجين ما دام في الكَرش ، والجمعِ
فُرُوث ، كفَلْس وفُلُوس ، قال ابن سيده : الفَرْتُ: السُّرْقين، والفَرتُ
والفرثة : سرقين الكَرش (١).
وقال الفيومي : والسرجين : الزِّبلُ، كلمة أعجمية ، وأصلها :
سركين بالكاف ، فعُرِّبت إلى الجيم والقاف ، فيقال : سرقين أيضا ،
وعن الأصمعي : لا أدري كيف أقُوله؟ وإنما أقول : رَوْث ، وإنما كسروا
أوله لموافقة الأبنية العربية ، ولا يجوز الفتح ، لفقد فَعلين - بالفتح -
على أنه قال في المحكم سرْجين ، وسَرْجين ، يعني بالكسر والفتح (٢).
وجملة: ((يصيب الثوب)) في محل نصب على الحال من فَرْث.
٣٠٧- أخْبَرَنَا أحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بنِ حَكِيمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ -
يَعْنِي ابْنَ مَخْلَدٍ - قَالَ: حَدَثْنَا عَلِيٍّ - وَهُوَ ابْنُ صَالِحٍ -
عَنْ أبي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرو بْنِ مَيْمُونٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا
عَبْدُ اللَّهِ فِي بَيْتِ المَالِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِعَّهُ يُصَلِّي
عنَدَ البَيْت، وَمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ جُلُوسٌ وَقَدْ نَحَرُوا جَزُورًا ،
(٢) المصباح جـ١ ص ٢٧٣ .
(١) المصباح جـ٥ ص٣٣٦٩ .

- ١٥٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَيُّكُمْ يَأْخُذُ هَذَاَ الفَرَتَ بَدَمِهِ ، ثُمَّ يُمْهِلُهُ
حَتَّى يَضَعَ وَجْهَهُ سَاجِدًا فَيَضَعُهُ - يَعْنِي عَلَى ظَهْرِهِ؟ قَالَ
عَبْدُ اللَّه: فَانْبَعَثَ أشْقَاهَا فَأَخَذَ الفَرْتَ فَذَهَبَ بِهِ ، ثُمَّ
أمْهَلَهُ، فَلَمَّا خَرَّ سَاجِدًا وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ ، فَأُخْبِرَتْ
فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللّهِ عَّهُ وَهِيَ جَارِيَّةٌ، فَجَاءَتْ تَسْعَى
فَأَخَذَتْهُ مِنْ ظَهْرِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ، قَالَ: (( اللَّهُمَّ
عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ )) ثَلاَثَ مَرَاتِ ((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِبِي جَهْلِ بْنِ
هِشَامٍ ، وَيَةَ بْنِ رَبِيعَةً ، وَعُتْبَهَ بَنِ رَبِيعَةَ، وَعُقْبَةَ بنِ أبِي
مُعَيِّط )) حَتَّى عَدَّ سَبْعَةً مِنْ فُرَيْشٍ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَالَّذِي
أُنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتَابَ لَقَدْ رَأيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدِرٍ فِي قَلِيبٍ
وَاحد .
رجال الإسناد : ستة
١ - (أحمد بن عثمان بن حكيم) الأودي ، أبو عبد الله الكوفي ثقة
من [١١] ت سنة ٢٦١، وتقدم في ١٦١/ ٢٥٢.
٢- (خالد بن مَخْلَد) القَطَوانيُّ، أبو الهيثم البَجَليّ مولاهم
الكوفي، وقَطَوان بفتحتين : موضع بالكوفة .

١٥٣ _
١٩٢ - باب فرت ما يؤكل لحمه يصيب الثوب-حديث رقم ٣٠٧
روی عن سلیمان بن بلال ، وعبد الله بن عمر العمري ، ومحمد بن
جعفر بن أبي كثير ، ومالك ، وعبد الرحمن بن أبي الموالي ، وجماعة .
وعنه البخاري ، وروی له مسلم ، وأبو داود في مسند مالك ،
والباقون بواسطة محمد بن عثمان بن كرامة ، وأبي کریب ، وابن نمير ،
والقاسم بن زكريا ، وعبد بن حميد ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، وأحمد بن
عثمان بن حكيم الأودي ، وصالح بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان
وآخرون . قال عبد الله بن أحمد ، عن أبيه : له أحاديث مناكير ، وقال
أبو حاتم : يكتب حديثه ، قال الآجري عن أبي داود : صدوق ولكنه
يتشيع ، وعن ابن معين : ما به بأس ، وقال ابن عدي : هو من المكثرين،
وهو عندي إن شاء الله لا بأس به ، وقال أيضا بعد أن ساق له أحاديث :
لم أجد في أحاديثه أنكر مما ذكرته ، ولعلها توهما منه ، أو حملا على
حفظه . وقال ابن سعد : كان متشيعا مُنكر الحديث مُفرطا ، وكتبوا عنه
للضرورة . وقال العجلي : ثقة فيه قليل تشيع ، وكان كثير الحديث ،
وقال صالح بن محمد جزرة : ثقة في الحديث ، إلا أنه كان مُتَّهما
بالغلو. وقال الجوزجاني : كان شَتَّاما، معلنا لسوء مذهبه ، وقال
الأعين : قلت له عندك أحاديث في مناقب الصحابة ؟ قال : قل في
المثالب أو المثاقب - يعني بالمثلثة لا بالنون - وحكى أبو الوليد الباجي في
رجال البخاري عن أبي حاتم أنه قال لخالد بن مخلد أحاديث مناكير ،
ويكتب حديثه . وفي الميزان للذهبي : قال أبو أحمد : يكتب حديثه ،
ولا يحتج به ، وقال الأزدي : في حديثه بعض المناكير ، وهو عندنا في
عداد أهل الصدق ، وقال ابن شاهين في الثقات : قال عثمان بن أبي
شيبة : هو ثقة صدوق . وذكره الساجي ، والعقيلي في الضعفاء ،
وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال : كان يكره أن يقال له القَطَوَاني .

- ١٥٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قال الحافظ : وقال البخاري في تاريخه : كان يغضب من القطوان ،
ويقال : إنما قطوان بَقَّال ، وزعم الباجي : أن قطوان قرية بالقرب من
الكوفة ، وبه جزم ابن السمعاني. مات سنة ٢١٣ ، وقيل : ٢١٤(١).
٣- (علي بن صالح) بن صالح بن حيّ الهمداني ، أبو محمد،
ويقال : أبو الحسن الكوفي أخو الحسن بن صالح ، وهما توأمان .
روى عن أبيه ، وأبي إسحاق السبيعي ، وسلمة بن كُهَيل ،
وغيرهم. وعنه أخوه ، وابن عيينة ، ووكيع ، وأبو أحمد الزّبيري ،
وخالد بن مخلد ، وغيرهم .
وثقه أحمد وابن معين والنسائي وابن حبان ، وقال علي بن المنذر عن
عبيد الله بن موسى: سمعت الحسن بن صالح يقول: لما حُضِرَ أخي
رفع بصره ثم قال : ﴿ مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين
.. ﴾ إلى آخر الآية [ النساء الآية ٦٩ ]، ثم خرجت نفسه.
له في مسلم حديث أبي هريرة في البيوع: (( خياركم أحسنكم قضاء»
وقال العجلي : كوفي ثقة . وقال عثمان الدارمي عن ابن معين : ثقة
مأمون ، وقال ابن سعد : كان صاحب قرآن ، وكان ثقة إن شاء الله قليل
الحديث ، وقال الساجي : سمعت مُثَنَّى يقول : ما سمعت يحيى ، ولا
ابن مهدي حدثانا عن علي بن صالح بشيء قط . ونقل الساجي أن ابن
معین ضعفه . مات سنة ١٥١ ، وقیل ١٥٤ (٢).
٤ - ( أبو إسحاق) السَّبيعي عمرو بن عبد الله الهمداني الكوفي ، ثقة
مكثر عابد من [٣] اختلط بآخرة. تقدم في ٤٢/٣٨.
٥- (عمرو بن ميمون) الأودي ، أبو عبد الله ، ويقال : أبو يحيى ،
(١) تت جـ٣ ص١١٧-١١٨ بتصرف.
(٢) تت جـ٧ص٣٣٢ -٣٣٣.

١٥٥ -
١٩٢ - باب فرث ما يؤكل لحمه يصيب الثوب-حديث رقم ٣٠٧
ملالله
أدرك الجاهلية، ولم يَلْقَ النبي ◌َّه.
روى عن عمر ، وابن مسعود ، ومعاذ ، وأبي ذر ، وأبي مسعود ،
وسعد بن أبي وقاص ، ومعقل بن يسار ، وعائشة ، وأبي هريرة ، وابن
عباس وغيرهم . وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى والربيع بن خُثَيم وهما
من أقرانه ، بل أصغر منه .
وروى عنه سعيد بن جبير ، والربيع بن خثيم ، وأبو إسحاق
السبيعي، وغيرهم .
قال العجلي : كوفي تابعي ثقة ، وعن أبي إسحاق السبيعي : كان
أصحابُ النبي ◌َّه يرضون بعمرو بن ميمون ، وعنه أيضا : إذا دخل
عمرو بن ميمون المسجد فرئي ذُكرَ اللهُ ، وعن عمرو بن ميمون قال :
قدم علينا معاذ اليمن ، رسولَ رسولِ الله عَّه من السَّحَر رافعا صوته
بالتكبير ، أجَشَّ الصوت ، فَأَلِّقِيَت عليه محبتي .. الحديث . ووثقه ابن
معين ، والنسائي، وابن حبان، وقال ابن عبد البر: أدرك النبي عَلّ ،
وصَدَّقَ إليه (١)، وكان مسلمًا في حياته ، أخرج له الجماعة . مات
سنة ٧٤ ويقال : ٧٥ (٢).
وفي (ت)) مخضرم مشهور ثقة عابد نزل الكوفة .
٦- (عبد الله) بن مسعود بن غافل الهُذكي ، أبو عبد الرحمن
الصحابي الجليل ت سنة ٣٢ ، أو في التي بعدها بالمدينة ، وتقدم في
٣٩/٣٥ .
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سداسياته ، وأن رواته كلهم ثقات ، وإن كان فيهم
(١) أي أدَّى إليه الصدقة .
(٢) تت ج٨ص١٠٩ - ١١٠.

- ١٥٦ .
-
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
بعض خلاف كما سبق .
ومنها : أنه مسلسل بالكوفيين .
ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي ، أبو إسحاق ، عن عمرو بن
ميمون .
ومنها : أن خالدا ، وعلي بن صالح ، وعمرو بن ميمون هذا الباب
أولُ محلّ ذکرهم .
ومنها: أن في قوله: ((يعني ابن مخلد)) وقوله: ((هو ابن صالح))
لطيفة ظريفةً ، وهي أن شيخه لما لم ينسبه إلى أبيه ، وأراد هو أن ينسبه
إليه إيضاحا زاد كلمة - يعني -، وكذا ((هو)) لفصل ما زاده على شيخه
لئلا يكون زائدا عليه ، وإلى ذلك أشار السيوطي في ألفيته حيث قال :
وَلاَ تَزِدْ فِي نَسَبٍ أوْ وَصْفُ مَنْ فَوْقَ شُوخِ عَنْهُمُو مَا لَمْ يُبَنْ
أمَّا إِذَا أتَمَُّهُ أوَّلَهُ
بنَحْو يَعْنِي أَوْ بأنَّ، أَوْ بِهُو
وَالْفَصْلُ أوْلَى قَاصرَ الْمَذْكُورِ
أَجِزْهُ في الْبَاقِي لَدَی الجمهورِ
ومنها : أن عبد الله هنا هو ابن مسعود رضي الله عنه ، لأن الراوي
عنه كوفي ، كما قال في الألفية السيوطية :
وَحَيْثُمَاَ أطلقَ عبْدُ اللَّه في طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرَ وَإِنْ يَفي
بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنَ مَسْعُود يُرِىَ
بِمِكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيرِ أوْ جَرَى
وَالشَّامِ مَهْمَا أَطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو
وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعندَ مصْرِ
وقد تقدم هذا غير مرة ، وإنما أعدته تذكيرًا لطول العهد به . والله
أعلم .

١٥٧ -
١٩٢ - باب فرث ما يؤكل لحمه يصيب الثوب-حديث رقم ٣٠٧
شرح الحديث
(عن عمرو بن ميمون) الأودي (قال : حدثنا عبد الله) يعني ابن
مسعود رضي الله عنه ( في بيت المال) أي في محل أُعدَّ لحفظ مال
المسلمين ، الذي أُعدَّ لمصالحهم ونوائبهم كالخَرَاج والعُشُور ، وما يأخذه
الإمام من هدایا أهل الحرب ، ونحو ذلك (قال) عبد الله (كان رسول
الله 4 عند البيت) أي الحرام، لأنه المراد عند الإطلاق، لكونه علما
بالغلبة عليه ، كما قال في الخلاصة :
وَقَدْ يَكُونُ عَلَمَا بِالْغَلَبَهْ مُضَافٌ أَوْ مَصْحُوبُ الْ كَالْعْقَبَهْ
وإن كان أصل البيت يطلق على المسكن (وملأ) الواو حالية، ((وملأ))
مبتدأ لوصفه بالجار والمجرور، والخبرقوله: ((جلوس)).
قال الفيومي: ((الملأ)) - مهموز - أشراف القوم، سُمّوا بذلك
لملاءَتهم بما يُلتمس عندهم من المعروف، وجودة الرأي، أو لأنهم يملأون
العيون أَبَّهَةً، والصدور هَيْبةً، والجمع أمْلاء، مثل سَبَب وأسْبَاب (١).
أي والحال أن جماعة ( من قريش) بصيغة التصغير - القبيلة
المعروفة، وهو النضر بن كنانة ، ومن لم يلده فليس من قريش ، وقيل :
قريش هو فهر بن مالك ، ومن لم يلده فليس من قريش ، نقله السهيلي ،
وغيره ، والثاني أصح ، وإن كان الأول قول الأكثرين ، كما قال الحافظ
العراقي في ألفية السيرة :
أمَّا قُرَيْشٌ فَالأَصَحُّ فِهْرُ جَمََّعُهَا وَالأَكْثَرُونَ الَّنَضْرُ
وأصل الْقَرْش : الجمع ، وتقرشوا : إذا اجتمعوا ، وبذلك سميت
(١) المصباح جـ٢ ص ٥٨٠.

- ١٥٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قريش ، لتجمعهم إلى مكة من حواليها بعد تفرقها في البلاد حين غلب
عليها قصي بن كلاب ، وبه سمي قصي مُجَمِّعًا ، وقيل : قريش دابة في
البحر ، لا تدع دابة إلا أكلتها ، فجميع الدواب تخافها ، ومنه اشتق
قريش ، قال الشاعر :
وَقُرَيْشُ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحْــَ بِهَا سُمَّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشاً
وقيل : سميت بقريش بن مخلد بن غالب بن فهر ، كان صاحب
وغيرهم ، فكانوا يقولون : قدمت عير قريش ، وخرجت عير قريش ،
وقيل : سميت بذلك لتَجْرهَا وَتَكَسَّبِهَا ، وضربها في البلاد تبتغي
الرزق، وقيل : سميت بذلك لأنهم كانوا أهل تجارة ، ولم يكونوا
أصحاب زرع وضرع ، من قولهم : فلان يقترش المال ، أي يجمعه ،
قال سيبويه: ومما غلب على الحي قريش ، وإن جعلت قريشا اسم قبيلة
فعربي (١) وقال الجوهري : إن أردت بقريش الحي صرفته وإن أردت
القبيلة لم تصرفه ، وفي التهذيب إذا نسبوا إلى قريش قالوا قُرَشي بحذف
الزيادة ، وللشاعر إذا اضطر أن يقول : قريشي (٢).
والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لملأ .
والمراد بالملأ هنا هم السبعة الذين دعا عليهم النبي عليه في الآتي ، كما
بينه البزار في روايته .
وقوله ( جلوس) جمع جالس خبر المبتدإ (و) الحال أنهم ( قد نحروا)
من باب نَفَع ، يقال : نَحَرِه نَحْرا : ضربه في نحره ، وذبحه ، أي ذبحوا
(جزورا) بفتح الجيم : هو البعير ذكرا كان أو أنثى ، إلا أن اللفظة مؤنثة ،
تقول : هذه الجزور ، وإن أردت ذَكِّرْه ، قاله في النهاية .
(١) هكذا نسخة لسان العرب، ولعل الصواب: فغير منصرف . فليحرر.
(٢) لسان جـ ٥ ص٣٥٨٦ بتصرف، واختصار، وزيادة من المصباح.

١٥٩ -
١٩٢ - باب فرت ما يؤكل لحمه يصيب الثوب- حديث رقم ٣٠٧
والجمع : جُزُر - بضمتين - کرَسُول ورُسُل ، ويجمع أيضا على
جُزُرات ، ثم على جزائر ، وقيل : الجزور : الناقة التي تنحر ، قاله
الفيومي .
وقال ابن منظور : والجزور : الناقة المجزورة ، والجمع جزائر ،
وجُزُرُ، وجُزُرات جمع الجمع، كطُرُق وطُرُقَات، وأجزَرَ القومَ:
أعطاهم جَزُورا . والجزور : يقع على الذكر والأنثى ، وهو يؤنث ، لأن
اللفظة مؤنثة ، تقول : هذه الجزور ، وإن أردت ذكراً ، وقال الليث :
الجَزُور إذا أُفرد أنّث ، لأن أكثر ما ينحرون النُّوق (١).
والجملة عطف على جملة الحال قبلها (فقال بعضهم) هو أبو جهل
كما في صحيح مسلم ( أيكم يأخذ هذا الفرث بدمه ) أي مع دمه ، فالباء
بمعنى ((مع)»، وعند البخاري وغيره: ((أيكم يجيء بسَلىَ جزور بني فلان))
والسَّلى مقصورا - بفتح المهملة - هي الجلدة التي يكون فيها الولد من
البهائم، كالمشيمة للآدميات ، وقيل : يقال فيهن أيضا: سلى (٢).
( ثم يمهله) أي النبي ﴾ أي يتركه ، وينتظره ( حتى يضع وجهه)
الشريف حال كونه ( ساجدا ، فيضعه) أي الفرث ( يعني على ظهره) أتى
بالعناية إشارة إلى أن قوله: ((على ظهره )) لم يكن مذكورا في روايته ،
والقائل : يعني : إما المصنف ، أو أحد الرواة فوقه ، وعند البخاري:
((فيضعه على ظهر محمد إذا سجد )) .
(قال عبد الله) بن مسعود رضي الله عنه (فانبعث ) أي قام مسرعًا ،
لأن انبعث للمطاوعة ، يقال : بَعَثْتُهُ: إذا أثَرْتَهُ ، فانبعث (أشقاها) أي
أشد قريش شَقَاوة ، وإنما أنث الضمير باعتبار القبيلة ، كما تقدم ، وعند
البخاري ((فانبعث أشقى القوم)).
(١) لسان جـ١ ص ٦١٤.
(٢) أفاده في الفتح جـ ١ ص ٤١٧.

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
- ١٦٠
والمراد به عُقبة بن أبي مُعَيط - بمهملة مصغرا - فقد بينه أبو داود
الطيالسي في مسنده ، وقال: ((فجاء عقبة بن أبي معيط ، فقذفه على
ظهره)) .
وإنما كان أشقاها مع أن فيهم أبا جهل ، وهو أشدهم كفراً ، وأذىّ له
عَّة لكون عقبة باشر العملَ، فالشقاء هنا بالنسبة إلى هذه القضية ، فإنهم
اشتركوا في الأمر والرِّضى، ولكن انفرد عقبةُ بالمباشرة ، فكان أشقى ،
ولهذا قُتُلُوا في الحرب ، وقُتل هو صبرا ، أفاده في الفتح .
(فأخذ الفرث) أي فرث الجزور المذبوحة ( فذهب به) أي بالفرث (ثم
أمهله) أي انتظر النبي عَّه (فلما خر ساجدًاً وضعه على ظهره) الشريف
وعند البخاري((فنظر حتى إذا سجد النبي ﴾ وضعه على ظهره بين كتفيه،
وأنا أنظر، لا أُغني شيئا، لو كانت لي مَنَعَةٌ ، قال : فجعلوا يضحكون ،
ويُحيلُ بعضهم على بعض ، ورسول الله عَّه ساجد لا يرفع رأسه)).
( فأخبرت) بالبناء للمفعول ( فاطمةٌ) بالرفع نائب فاعل ((أخبرت ))
(بنت رسول الله #) بدل من فاطمة ، أي أخبرها بعض الناس بما فعلوا
بأبيها ، ويحتمل أن يكون المخبرُ هو ابن مسعود رضي الله عنه (وهي
جارية) جملة حالية من فاطمة رضي الله عنها ، أي والحال أنها جارية ،
أي صغيرة السن ، سميت جارية لخفّتُهَا ونَشَاطها .
قال الفيومي رحمه الله : والجارية : السفينة ، سميت بذلك لجريانها
في البحر ، ومنه قيل : للأمة جارية على التشبيه لجريها مُسَخَّرَةً في
أشْغَال مواليها ، والأصل فيها الشابة لخفتها ، ثم توسعوا حتى سَمَّوا كل
أمة جارية ، وإن كانت عجوزا لا تقدر على السعي تسميةً بما كانت عليه،
والجمع فيهما الجَواري (١).
(١) المصباح جـ١ ص٩٨.