Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ -
٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥
محتسبا بعثك الله صابرا محتسبا ، وإن قاتلت مرائيا مكاثرا بعثك الله
مرائيا مكاثرا على أي حال قاتلت أو قُتلت بعثك الله بتلك الحال)).
وخرّج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: سمعت النبي علّ
يقول: ((إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استُشهد فأتيَ به
فعرفه نعمه فعرفها ، فقال : ما عملت فيها ؟ قال : قاتلت فيك حتى
استشهدتُ ، قال : كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء ، فقد قيل ،
ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ، ورجل تعلم العلم
وعلمه ، وقرأ القرآن ، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها ، فقال : ما عملت
فيها؟ قال : تعلمت العلم وعلمته ، وقرأت القرآن فيك ، قال :
كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ ،
فقد قيل ، ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار ، ورجل وسع
الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتى به فعرفه نعمه فعرفها ، فقال: فما
عملت فيها ؟ فقال : ما تركت من سبيل تحب أن يُنْفَق فيه إلا أنفقت فيها
لك ، قال : كذبت ، ولكنك فعلت ليقال جواد ، فقد قيل ، ثم أمر به
فسحب على وجهه حتى ألقى في النار)) وفي الحديث أن معاوية لما بلغه
الحدیث بکی حتی غُشي علیه ، فلماأفاق قال : صدق الله ورسوله ، قال
الله عز وجل ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها
وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار ﴾
[هود: آية١٥] .
وقد ورد الوعيد على تعلم العلم لغير وجه الله ، كما أخرجه الإمام
أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، عن
النبي : (( من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب
عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة )) يعني ريحها .
- ٢٦٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وخرَّج الترمذي من حديث كعب بن مالك، عن النبي #قال: (( من
طلب العلم ليماري به السفهاء أو يجاري به العلماء أو يصرف وجوه
الناس إليه ، أدخله الله النار)) وخرجه ابن ماجه بمعناه من حديث ابن
عمر، وحذيفة ، وجابر رضي الله عنهم، عن النبي ◌َّله، ولفظ حديث
جابر: ((لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ، ولا لتماروا به السفهاء ، ولا
تَخیرُوا به المجالس ، فمن فعل ذلك فالنار النار »
فقال ابن مسعود : لا تعلموا العلم لثلاث : لتماروا به السفهاء ، أو
لتجادلوا به الفقهاء ، أو لتصرفوا وجوه الناس إليكم ، وابتغوا بقولكم
وفعلكم ما عند الله فإنه يبقى ، ويذهب ما سواه .
وقد ورد الوعيد على العمل لغير الله عموما، كما أخرج الإمام
أحمد من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي ◌َّهقال: ((بَشِّرْ
هذه الأمة بالسناء والعز والرفعة والدين والتمكين في الأرض ، فمن
عمل منهم عمل الآخرة للدنيا ، لم يكن له في الآخرة من نصيب )).
واعلم أن العمل لغير الله أقسام :
فتارة یکون ریاء محضا بحیث لا يراد به سوى مرئيات المخلوقين ،
لغرض دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم ، قال الله عز وجل : ﴿وإذا
قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤن الناس ﴾ [النساء: آية ١٤٢] وقال
تعالى ﴿ فويل للمصلين﴾ [الماعون: آية ٤]، وكذلك وصف الله تعالي
الكفار بالرياء المحض في قوله ﴿ ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم
بطرا ورثاء الناس ﴾ [الأنفال: آية ٤٧] وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر
من مؤمن في فرض الصلاة والصيام ، وقد يصدر في الصدقة الواجبة ،
والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة ، والتي يتعدى نفعها فإن
الإخلاص فيها عزيز ، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط ، وأن
٢٦٣ -
٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥
صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة .
وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء ، فإن شاركه من أصله
فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضا وحبوطه ، وفي صحيح
مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: (( يقول الله تبارك
وتعالى : أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملا أشرك معي فيه
غيري تر كته وشركه » و خرجه ابن ماجه ولفظه « فأنا منه بريء ، وهو
الذي أشرك)) وأخرج الإمام أحمد عن شداد بن أوس عن النبي عَّه قال:
(( من صلى يرائي فقد أشرك ، ومن صام يرائي فقد أشرك ، ومن تصدق
يرائي فقد أشرك ، فإن الله عز وجل يقول : أنا خير قسيم لمن أشرك بي
شيئا ، فإن جدة عمله قليله و کثیره لشريكه الذي أشرك به ، أنا عنه غني ))
وخرّج الإمام أحمد ، والترمذي ، وابن ماجه من حديث أبي سعيد بن
أبي فضالة، وكان من الصحابة قال: قال رسول الله عَ: ((إذا جمع الله
الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد : من كان أشرك في عمل
عمله لله فليطلب ثوابه من عند غير الله عز وجل ، فإن الله أغنى الشركاء
عن الشرك )) وخرج البزار في مسنده من حديث الضحاك بن قيس عن
النبي ◌َّ قال: ((إن الله عز وجل يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك
معي شريكا فهو لشریکه ، يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله عز وجل
فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له ، ولا تقولوا هذا لله
والرحم، فإنها للرحم وليس لله منها شيء ، ولا تقولوا هذا لله
ولوجوهكم، فإنها لوجوهكم وليس لله منها شيء)) وخرج النسائي
بإسناد جيد عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه: أن رجلا أتى النبي -{ 4}
فقال : يا رسول الله، أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر؟ فقال
رسول الله ﴾﴾: « لا شيء له ، فأعاد عليه ثلاث مرات ، يقول له رسول
الله عَل: ((لا شيء له)) ثم قال: ((إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له
- ٢٦٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
خالصا ، وابتغي به وجه الله )) وخرج الحاکم من حديث ابن عباس رضي
الله عنهما قال : قال رجل : يا رسول الله ، إني أقف الموقف أريد به
وجه الله ، وأريد أن يُرى موطني ، فلم يَرُدّ علیه رسول الله عنهشيئا حتى
نزلت: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه﴾ [الكهف: آية ١١٠].
وممن يروى عنه هذا المعنى أن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان
باطلا طائفة من السلف منهم : عبادة بن الصامت ، وأبو الدرداء ،
والحسن ، وسعيد بن المسيب ، وغيرهم، وفي مراسيل القاسم بن
مخيمرة عن النبي قال: (( لا يقبل الله عملا فيه مثقال حبة خردل من
رياء)) ولا نعرف عن السلف في هذا خلافا ، وإن كان فيه خلاف عن
بعض المتأخرين .
فإن خالط نيته الجهاد نية غير الرياء ، مثل أخذه أجرة للخدمة، أو أخذ
شيء من الغنيمة أو التجارة ؛ نقص بذلك جهاده، ولم يبطل بالكلية .
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، عن
النبي قال: ((إن الغزاة إذا غنموا غنيمة تعجلوا ثلثي أجرهم ، فإن لم
یغنموا شیئا تم لهم أجرهم » وقد ذكرنا فيما مضى أحادیث تدل على أن
من أراد بجهاده عرضا من الدنيا أنه لا أجر له ، وهي محمولة على أنه لم
يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا .
وقال الإمام أحمد : التاجر والمستأجر والمكاري ، أجرهم على قدر
ما يخلص من نيتهم في غزواتهم ، ولا يكون مثل من جاهد بنفسه وماله لا
يخلط به غيره ، وقال أيضا فيمن يأخذ جُعْلا على الجهاد ، إذا لم يخرج
إلا لأجل الدراهم فلا بأس أن يأخذ كأنه خرج لدينه ، فإن أعطي شيئا
أخذه ، وكذا روي عن عبد الله بن عمرو قال: إذا أجمع أحدكم على
الغزو فعوضه الله رزقا فلا بأس بذلك ، وأما أن أحدكم إن أعطی درهما
٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥
٢٦٥ -
غزا ، وإن منع درهما مكث ، فلا خير في ذلك . وكذا قال الأوزاعي إذا
كانت نية الغازي على الغزو ، فلا أرى بأسا ، وهكذا يقال فيمن أخذ
شيئا في الحج ليحج به إما عن نفسه أو عن غيره ، وقد روي عن مجاهد
أنه قال في حج الحمال وحج الأجير وحج التاجر : هو تام لا ينقص من
أجورهم شيء ، وهذا محمول على أن قصدهم الأصلي كان هو الحج
دون التكسب .
وأما إن كان أصل العمل لله ، ثم طرأت عليه نية الرياء فلا يضره ،
فإن كان خاطرا ودفعه فلا يضره ، بغیر خلاف، فإن استرسل معه فهل
يحبط عمله أم لا يضره ذلك ، ويجازَى على أصل نيته؟ في ذلك
اختلاف بين العلماء من السلف ، قد حکاه الإمام أحمد ، وابن جرير
الطبري، وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك وأنه يجازى بنيته الأولى ، وهو
مروي عن الحسن البصري ، وغيره ، ويستدل لهذا القول بما أخرجه أبو
داود في مراسيله عن عطاء الخراساني : أن رجلا قال : يا رسول الله ،
إن بني سلمة كلهم يقاتل ، فمنهم من يقاتل للدنيا ، ومنهم من يقاتل
نَجْدة، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله ، فأيهم الشهيد ؟ قال : كلهم إذا
كان أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا)) وذكر ابن جرير أن هذا
الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والصيام والحج ،
فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق المال ونشر العلم ، فإنه ينقطع
بنية الرياء الطارئة عليه ويحتاج إلى تجديد نية . وكذلك روي عن سليمان
ابن داود الهاشمي أنه قال : ربما أحدث بحديث ولي فيه نية ، فإذا أتيت
على بعضه تغيرت نيتي ، فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات ، ولا يرد
هذا على الجهاد كما في مرسل عطاء الخراساني ، فإن الجهاد يلزم بحضور
الصف ولا يجوز تر که حينئذ فیصیر کالحج .
فأما إذا عمل العمل لله خالصا ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب
1
- ٢٦٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
المؤمنين بذلك بفضل الله ورحمته واستبشر بذلك لم يضره ذلك .
وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر، عن النبي ◌َّه: أنه سئل عن
الرجل يعمل العمل لله من الخير، يحمده الناس عليه، فقال: ((تلك
عاجل بشرى المؤمن )) أخرجه مسلم ، وخرجه ابن ماجه وعنده : الرجل
يعمل فيحبه الناس عليه . ولهذا المعنى فسره الإمام أحمد وإسحاق بن
راهويه ، وابن جرير الطبري وغيرهم ، وكذلك الحديث الذي خرجه
الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : أن رجلا قال:
يا رسول الله ، الرجل يعمل العمل فيسره ، فإذا اطلع عليه أعجبه ،
فقال: ((له أجران أجر السر، وأجر العلانية)).
ولنقتصر على هذا المقدار من الكلام على الإخلاص والرياء فإن فيه
كفاية .
وبالجملة فما أحسن قول سهل بن عبد الله : ليس على النفس شيء
أشق من الإخلاص ، لأنه ليس لها فيه نصيب ، وقال يوسف بن الحسين
الرازي : أعز شيء في الدنيا الإخلاص ، وكم أجتهد في إسقاط الرياء
عن قلبي ، وكأنه ينبت فيه على لون آخر ، وقال ابن عيينة : كان من دعاء
مطرف بن عبد الله : اللهم إني أستغفرك مما تبت إليك منه ثم عدت فيه ،
وأستغفرك مما جعلتُهُ لك على نفسي ثم لم أوف به لك ، وأستغفرك مما
زعمت أني أردت به وجهك فخالط قلبي منه ما قد علمت . اهـ كلام
الحافظ بن رجب في جامع العلوم والحكم ، وهو كلام نفيس جداً ، والله
أعلم ص ١١ - ١٦ .
المسألة الثالثة والثلاثون :
قال الحافظ العراقي رحمه الله : اختلفت الأحاديث الواردة في
الهجرة هل انقطعت بفتح مكة أم هي باقية ؟
١
٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥
٢٦٧ -
ففي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله عليه: ((لا
هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا)) .
وروى البخاري عن ابن عمر قوله : لا هجرة بعد الفتح ، وفي رواية
له : لا هجرة اليوم ، أو بعد رسول الله عليه، وروى البخاري أيضا عن
عبيد بن عمير سأل عائشة عن الهجرة ، فقالت : لا هجرة اليوم ، كان
المؤمنون يفرُّ أحدهم بدينه إلى الله وإلى رسوله مخافة أن يُفْتَن عليه ، فأما
اليوم فقد أظهر الله الإسلام ، والمؤمن يعبد ربه حيث شاء ، ولکن جهاد
ونية .
وروى البخاري ومسلم أيضا عن مجاشع بن مسعود قال : انطلقت
بأبي معبد إلى النبي ◌ّاه ليبايعه على الهجرة قال: ((مضت الهجرة
لأهلها، أبايعه على الإسلام والجهاد )» وفي رواية أنه جاء بأخيه مجالد ،
وروی أحمد من حديث أبي سعيد الخدري ، ورافع بن خديج ، وزيد بن
ثابت أيضا : ((لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية )) فهذه الأحاديث
دالة على انقطاع الهجرة .
وروى أبو داود والنسائي من حديث معاويةقال : سمعت رسول الله
◌َّ يقول: (( لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ، ولا تنقطع التوبة حتى
تطلع الشمس من مغربها)) .
وروى أحمد من حديث ابن السعدي مرفوعا: (( لا تنقطع الهجرة ما
دام العدو يقاتل)) ورَوَى أيضا من حديث جنادة بن أبي أمية مرفوعا ((إن
الهجرة لا تنقطع ما كان الجهاد )) .
وجمع الخطابي في المعالم بين هذا الاختلاف بأن الهجرة كانت في
أول الإسلام فرضا ، ثم صارت بعد فتح مكة مندوبا إليها غير مفروضة .
قال : فالمنقطعة منها هي الفرض ، والباقية منها هي الندب ، قال : فهذا
- ٢٦٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وجه الجمع بین الحدیثین علی أن بین الإسنادین ما بینهما ، حديث ابن
عباس متصل صحيح ، وحديث معاوية فيه مقال انتهى .
وقال صاحب النهاية : إن الجمع بينهما أن الهجرة هجرتان إحداهما
التي وعد الله عليه بالجنة كان الرجل يأتي النبي ◌َّه ويدع أهله وماله، ولا
يرجع في شيء منه فلما فتحت مكة انقطعت هذه الهجرة ، والثانية من
هاجر من الأعراب وغزا مع المسلمين ولم يفعل كما فعل أصحاب الهجرة
وهو المراد بقوله: (( لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ، انتهى .
وفي حديث آخر ما يدل على أن المراد بالباقية هجر السيئات كما رواه
أحمد في مسنده من حديث معاوية ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعبد الله
ابن عمرو بن العاص، أن النبي عَّه قال: ((الهجرة هجرتان : إحداهما
تهجر السيئات ، والأخرى تهاجر إلى الله وإلى رسوله ، ولا تنقطع
الهجرة ما تقبلت التوبة ، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من
المغرب فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكُفَيَ الناسُ العملَ )).
وروى أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (( جاء
رجل أعرابي جَافٍ جريء ، فقال : يا رسول الله أين الهجرة إليك،
حيث كنت ، أم إلى أرض معلومة ، أو لقوم خاصة أم إذا مت انقطعت ؟
قال : فسكت رسول الله عليه ساعة ثم قال : أين السائل عن الهجرة ؟
قال : ها أنا ذا يا رسول الله قال: إذا أقمت الصلاة ، وآتيت الزكاة فأنت
مهاجر ، وإن مت بالحضرمة )) قال : يعني أرضا باليمامة ، وفي رواية له
((الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وتقيم الصلاة وتؤتي
الزكاة ، ثم أنت مهاجر وإن مت بالحضر )) اهـ طرح جـ ٢/ ص٢٤ .
المسألة الرابعة والثلاثون :
قال ابن دقيق العيد رحمه الله : المتقرر عند أهل العربية أن الشرط
٢٦٩ -
٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥
والجزاء ، والمبتدأ والخبر لابد وأن يتغايرا، وههنا وقع الاتحاد في قوله
((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله)) وجوابه أن التقدير : فمن كانت
هجرته إلى الله ورسوله نية وقصدا ، فهجرته إلى الله ورسوله حكما
وشرعا. أهـ إحكام جـ١ / ص ٨٠.
وقال في الفتح ما نصه : فإن قيل : الأصل تغاير الشرط والجزاء ،
فلا يقال مثلا من أطاع أطاع ، وإنما يقال مثلا من أطاع نجا ، وقد وقعا في
هذا الحديث متحدين فالجواب أن التغاير يقع تارة باللفظ ، وهو الأكثر ،
وتارة بالمعنى ، ويفهم ذلك من السياق ، ومن أمثلته قوله تعالى : ﴿ومن
تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا﴾ [ الفرقان: آية ٧١] وهو
مؤول على إرادة المعهود المستقر في النفس كقولهم : أنت أنت ، أي
الصَّديق الخالص ، وقولهم : هم هم أي : الذين لا يُقَدَّرُ قَدْرُهم ، وقول
الشاعر :
أنَا أبُو النَّجْمِ وَشعْري شعْري
أو هو مؤول على إقامة السبب مقام المسبب لاشتهار السبب ، وقال
ابن مالك : قد يقصد بالخبر الفرد بيانُ الشهرة وعدم التغير ، فيتحد
بالمبتدإ لفظًا كقول الشاعر ( من الطويل ) :
خَليلي خَليلي دُونَ رَيْب وَرَبَّمَا ألانَ امرُؤٌ قَوْلاً فَظُنَّ خَليلا
وقد يفعل مثل هذا بجواب الشرط كقولك : من قصدني فقد
قصدني، أي فقد قصد مَن عُرف بإنجاح قاصده ، وقال غيره : إذا اتحد
لفظ المبتدأ والخبر ، والشرط والجزاء عُلم منهما المبالغة إما في التعظيم ،
وإما في التحقیر . اهـ فتح جـ١ / ص٢٣ .
المسألة الخامسة والثلاثون :
قال العراقي : لم يقل في الجزاء فھجرتہ إلیھما ، وإن کان أخصر بل
- ٢٧٠ -
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
أتى بالظاهر فقال: ((فهجرته إلى الله ورسوله))، وذلك من آدابه عليه في
تعظیم اسم الله أن یجمع مع ضمیر غیرہ ، کما قال للخطيب ( بئس
الخطیب أنت )) حين قال : من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما
فقد غوی . وبیّن له وجه الإنكار فقال له : « قل ومن يعص الله ورسوله))
وهذا يَدْفَع قول مَن قال : إنما أنكر عليه وقوفه على قوله : ومن
يعصهما، وقد جمع رسول الله -** الضمير في موضع آخر ، فقال فيما
رواه أبو داود من حديث ابن مسعود أن رسول الله ع# كان إذا تشهد ..
الحدیث وفيه « من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر
إلا نفسه ، ولا يضر الله شيئا)) وقد ظهر بهذا أن ترك جمعهما في ضمير
واحد على وجه الأدب ، وأنه إنما أنكر على الخطيب ذلك تنبيها على
دقائق الكلام ، ولأنه قد لا يكون عنده من المعرفة بتعظيم الله تعالى ، ما
يعلمه عه من عظمته وجلاله، والله أعلم. اهـ طرح جـ ٢/ ص٢٤ .
المسألة السادسة والثلاثون :
قال الحافظ العراقي : الدنيا فُعْلى من الدنو وهو القرب ، سميت
بذلك لسبقها للآخرة ، وفي الدال لغتان الضم وهو الأشهر ، والكسر
حكاه ابن قتيبة وغيره ، وهي مقصورة ليس فيها تنوين بلا خلاف نعلمه
بين أهل اللغة والعربية ، وحكى بعضُ المتأخرين من شراح البخاري أن
فيها لغة عربية بالتنوين ، وليس بجيد ، فإنه لا يعرف في اللغة ، وسبب
الغلط أن بعض رواة البخاري رواه بالتنوين وهو أبو الهيثم الكشميهني ،
وأنكر ذلك عليه ، ولم يكن ممن يُرجع إليه في ذلك ، فأخذ بعضهم
يحكي ذلك لغة كما وقع لهم نحو ذلك في (( خُلوف فم الصائم )) فحكوا
فيه لغتين ، وإنما يعرف أهل اللغة الضم ، وأما الفتح فرواية مردودة لا
لغة. اهـ طرح جـ٢/ ص ٢٥ .
٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥
٢٧١ _
قال الجامع عفا الله عنه :
هذا الذي ادعى فيه الغلط من تنوين دنيا ثابت لغة ، فقد أثبته في
اللسان ، و((ق))، وعبارة اللسان: والدنيا : نقيض الآخرة انقلبت الواو
فيها ياء ، لأن فُعْلى إذا كانت اسما من ذوات الواو أبدلت واوها ياء ،
كما أبدلت الواو مكان الياء في فَعْلَى يعني بالفتح ، فأدخلوها عليها في
فُعْلى - يعني بالضم - ليتكافأ في التغيير ، قال: وحكى ابن الأعرابي :
ماله دنيًا ولا آخرة ، فنون دنيا تشبيها لها بفُعْلَل قال: والأصل أن لا
تصرف لأنها فُعْلى ، والجمع دُنَا مثل الكُبرى والكبر ، والصغرى
والصَّغَر . اهـ لسان باختصار .
وعبارة ((ق)) والدنيا نقيض الآخرة: وقد تُنَوَّن. اهـ.
وقال البدر العيني في شرح البخاري بعد ما نقل مثل ما تقدم عن
العراقي : ما نصه : جاء التنوين في دنيا في اللغة ، قال العجاج (من
الرجز) :
فِي جَمْعِ دُنْيَا طَالَ مَا قد عَنَّتِ
وقال المثلم بن رباح بن ظالم المري : (من الكامل) :
إِنِّي مُقَسِّمٌ مَا ملكتُ فَجَاعِلٌ أجرًاً لآخرَةٍ ودُنْيًا تَنْفَعُ
فإن ابن الأعرابي أنشده بتنوين دُنْيًا ، وليس ذلك بضرورة على ما لا
يخفى . اهـ جـ١/ ص٢٦ .
والحاصل أن التنوين ثابت عند أهل اللغة إلا أنه قليل ، فلا ينبغي أن
يعد غلطا فتبصر ، وقال ابن مالك : استعمال دنيا منكرا فيه إشكال ،
لأنها أفعل تفضيل ، فكان حقها أن تستعمل باللام نحو الكبرى
والحسنى، إلا أنها خُلعت عنها الوصفية رأسًا وأجري مُجرى ما لم يك
I
- ٢٧٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وصفا ، ونحوه قول الشاعر : (بسيط)
وإِنْ دَعَوْتَ إلى جُلَّى ومَكْرُمَة يَوْمًا سَرَاةَ كرَام النَّاس فادعينا
فإن الجُلَّى مونث الأجل ، فخلعت عنها الوصفية ، وجعلت اسما
للحادثة العظيمة .
قال البدر العيني : قلت : من الدليل على جعلها بمنزلة الاسم
الموضوع قلب الواو ياء لأنه لا يجوز ذلك إلا في الفُعْلَى الاسم ، وقال
التميمي : الدنيا تأنيث الأدنى لا ينصرف مثل حبلى لاجتماع أمرين فيهما
أحدهما الوصفية ، والثاني لزوم حرف التأنيث .
وقال الكرماني : ليس ذلك لاجتماع أمرين فيها إذ لا وصفية (١) هنا
بل امتناع صرفه للزوم التأنيث للألف المقصورة ، وهو قائم مقام العلتين
فهو سهو منه .
وتعقبه العيني قائلا : ليس بسهو منه لأن الدنيا في الأصل صفة لأن
التقدير الحياة الدنيا كما في قوله تعالى ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾
[آل عمران: آية ١٨٥] وتركهم موصوفها واستعمالهم إياها نحو الاسم
الموضوع لا ينافي الوصفية الأصلية اهـ عمدة جـ١/ ص٢٧ .
قال الجامع :
في تعقب العيني هذا نظر ، بل الصواب ما قاله الكرماني . والله
أعلم .
المسألة السابعة والثلاثون :
الجار والمجرور في قوله (( إلى الله ورسوله)) وفي قوله (( إلى دنيا))
يتعلق بالهجرة إن کانت کان تامة ، أو خبر لكان إن كانت ناقصة ، قال
(١) ولوقال: إذ لا اعتبار للوصفية هنا، بل امتناع صرفه الخ .. لكان أولى.
-٢٧٣
٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥
الكرماني : فإن قلت لفظ كانت إن كان باقيا في المضي فلا يعلم أن الحكم
بعد صدور هذا الكلام من الرسول عليه أيضا كذلك أم لا؟ وإن نقل بسبب
تضمين ((مَنْ)) لحرف الشرط إلى معنى الاستقبال فبالعكس ففي الجملة
الحكم إما للماضي أو للمستقبل ، قلت : جاز أن يراد به أصل الكون :
أي الوجود مطلقا من غير تقييد بزمان من الأزمنة الثلاثة ، أو يقاس أحد
الزمانين على الآخر ، أو يعلم من الإجماع على أن حكم المكلفين على
السواء أنه لا تعارض اهـ قال العيني : في الجواب الأول نظر لا يخفى ،
لأن الوجود من حيث هو لا يخلو عن زمن من الأزمنة الثلاثة . اهـ
جـ١ / ص٢٧ .
المسألة الثامنة والثلاثون :
إن قيل : ما فائدة التنصيص على المرأة مع كونها داخلة في مسمى
الدنيا ؟ أجيب من وجوه :
الأول : أنه لا يلزم دخولها في هذه الصيغة لأن لفظة دنيا نكرة وهي
لا تعم في الإثبات ، فلا تقتضي دخول المرأة فيها ، وتعقب بأنها في سياق
الشرط فتعم ، قاله في الفتح .
الثاني : أنه للتنبيه على زيادة التحذير فيكون من باب ذكر الخاص بعد
العام كما في قوله تعالى ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ﴾
[البقرة: ٢٣٨] .
الثالث : أنه إنما خص المرأة بالذكر من بين سائر الأشياء في هذا
الحديث لأن العرب كانت في الجاهلية لا تزوج المولى العربية ، ولا
يزوجون بناتهم إلا من الأكفاء في النسب ، فلما جاء الإسلام سَوَّى بين
المسلمین في مناکحهم ، وصار كل واحد من المسلمين كفؤا لصاحبه ،
فهاجر كثير من الناس إلى المدينة ليتزوج بها حتى سمي بعضهم مهاجر أم
- ٢٧٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قیس ، وتعقبه في الفتح بأنه یحتاج إلى نقل ثابت أن هذا المهاجر كان من
الموالي ، وأن المرأة كانت عربية ، وبأنه ليس ما نفاه عن العرب على
إطلاقه ، بل قد زوج خلق كثير منهم جماعة من مواليهم وحلفائهم قبل
الإسلام وإطلاقه أن الإسلام أبطل الكفاءة في مقام المنع . اهـ فتح
جـ١/ ص٢٤ .
الرابع : أن هذا الحديث ورد على سبب ، وهو أنه لما أمر بالهجرة من
مكة إلى المدينة تخلف جماعة عنها فذمهم الله بقوله ﴿إن الذين توفاهم
الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ [النساء: ٩٧-٩٨]، ولم يهاجر جماعة لفقد
استطاعتهم فعذرهم واستثناهم بقوله ﴿ إلا المستضعفين من الرجال ﴾
الآية ، وهاجر المخلصون إليه فمدحهم في غير ما موضع من كتابه ، وكان
في المهاجرين جماعة خالفت نيتهم نية المخلصين : منهم من كانت نيته
تزوج امرأة بالمدينة من المهاجرات يقال لها : أم قيس ، وادعى ابن دحية
أن اسمها قيلة ، فسمي مهاجر أم قيس ولا يعرف اسمه ، فكان قصده
بالهجرة نية التزوج لها ، لا لفضيلة الهجرة، فقال النبي # ذلك ، وبين
مراتب الأعمال بالنيات ، فلهذا خص ذکر المرأة دون سائرما ينوي به
الهجرة من أفراد الأغراض الدنيوية لأجل تبيين السبب لأنها كانت أعظم
أسباب فتنة الدنيا كما قال ##: ((ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من
النساء)» وذكر الدنيا معها من باب زيادة النص على السبب كما أنه لماسئل
عن طهورية ماء البحر زاد حل ميتته ، ويحتمل أن يكون هاجر لمالها مع
نکاحها، ویحتمل أنه هاجرلنكاحها ، وغیرُه لتحصیل دنيا من جهة ما
فعرض بها . أفاده العيني . جـ١/ ص٣١ .
قال الجامع عفا الله عنه :
يأتي الرد عليه في دعواه كون مهاجر أم قيس سببا لحديث النية في
المسألة التالية . إن شاء الله تعالى.
٢٧٥ -
٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥
المسألة التاسعة والثلاثون :
قد اشتهر بين الشراح أن سبب هذا الحديث قصة مهاجر أم قيس ،
رواه الطبراني في المعجم الكبير بإسناد رجاله ثقات ، من رواية الأعمش
عن أبي وائل عن ابن مسعود ، قال : كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها
أم قيس ، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر ، فتزوجها فكنا نسميه مهاجر أم
قيس . قاله العراقي .
قال الجامع عفا الله عنه :
قد تقدم عن الحافظ ابن رجب أن كونه سببا لهذا الحديث لا يصح .
والحاصل أن قصة مهاجر أم قيس روي بإسناد رجاله ثقات ، ولكن
كونه سببا لحديث إنما الأعمال الخ ، لا يثبت فتبصر .
ثم اعلم أنه لم يسم أحد ممن صنف في الصحابة هذا الرجل الذي
يقال له مهاجرأم قيس ، وأما أم قيس ، فقد ذكر أبو الخطاب ابن دحية أن
اسمها قيلة ، قاله العراقي .
المسألة الأربعون :
قال الحافظ العراقي : فإن قيل : ما وجه ما ذكره أبو عمر بن عبد البر
في الاستيعاب في ترجمة أم سليم أن أبا طلحة الأنصاري خطبها مشركا،
فلما علم أنه لا سبيل له إلا بالإسلام أسلم وتزوجها وحسن إسلامه ،
وهكذا روى النسائي من حديث أنس قال : تزوج أبو طلحة أمَّ سليم
فكان صداق ما بينهما الإسلام ، أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة
فخطبها، فقالت : إني قد أسلمت ، فإن أسلمت نكحتك ، فأسلم فكان
صداق ما بينهما ، بوّب عليه النسائي ((التزوج على الإسلام))، وروى
النسائي أيضا من حديثه قال : خطب أبو طلحة أم سليم فقالت : والله ما
- ٢٧٦ -
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
مثلك يا أبا طلحة يرد ، ولكنك رجل كافر ، وأنا امرأة مسلمة ولا يحل
لي أن أتزوجك ، فإن أسلمت فذاك مهري ، فلا أسألك غيره ، فأسلم ،
فکان ذلك مهرها ، قال ثابت : فما سمعت بامرأة قط کانت أکرم مهرا
من أم سليم ، الإسلام)) الحديث.
وأخرجه ابن حبان في صحيحه ، من هذا الوجه فظاهر هذا أن
إسلامه كان ليتزوج بها فكيف الجمع بينه وبين حديث الهجرة المذكورة مع
كون الإسلام أشرف الأعمال ؟
والجواب عنه من وجوه :
أحدها : أنه ليس في الحدیث أنه أسلم ليتزوجها حتی یکون معارضا
لحديث الهجرة وإنما امتنعت من تزوجه حتى هداه الله للإسلام رغبة في
الإسلام لا ليتزوجها ، ولا يظن ذلك بأبي طلحة أنه أسلم ليتزوج أم
سليم ، فقد كان من أجل الصحابة رضي الله عنهم .
قال الجامع عفا الله عنه :
وهذا الجواب من أبعد الأجوبة ، فإنه ينافيه سياق الحديث فتبصر .
والوجه الثاني : أنه لا يلزم من الرغبة في نكاحها أنه لا يصح منه
الإسلام رغبة فيه ، فمتى كان الداعي إلى الإسلام الرغبة في الدين لم
یضر معه کونه یعلم أنه يحل له بذلك نكاح المسلمات ، ولا ميراث مورثه
المسلم ولا استحقاق الغنيمة ونحو ذلك إذا كان الباعث على الإسلام
الرغبة في الدين . وذكر ابن بطال عند حديث ((الرجل يقاتل للمغنم)) من
كان ابتداؤه نية الأعمال لله تعالى لم يضره بعد ذلك ما عرض في نفسه
وخطر بقلبه من حديث النفس ووسواس الشيطان ، ولا يزيله عن حكمه
إعجاب اطلاع العباد عليه بعد مضيه إلى ما ندبه الله إليه ، ولا سروره
بذلك، وإنما المكروه ، أن يبدأ بنية غير مخلصة ، وحكاه أيضا في موضع
-٢٧٧ _
٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥
آخر عن الطبري ، وأنه حكاه عن قول عامة السلف رضي الله عنهم .
والحق في اجتماع الباعثين أو البواعث على الفعل الواحد أنه لا يخلو
إما أن يكون كل واحد منهما أو منها لو انفرد لكان كافيا في الإتيان بالفعل
أو يكون الكافي لذلك أحدهما أو لعلة أحدهما فإن کان کل واحد كافيا
بالإتيان به فهذا يضر فيه التشريك لقوة الداعي ، وإن غلب أحدهما بأن
يكون حصوله أسرع إلى وقوع المنوي ، وإن كان الباعث على الفعل
أحدهما بحيث لو عدم الآخر لم يتخلف عن المنوي فالحكم للقوي ،
كمن يقوم للعبادة وهو يستحسن اطلاع الناس عليه مع أنه لو علم أنه لو
لم يطلع عليه أحد لما صرفه ذلك عنها ولا عن الرغبة فيها فهذا لا يؤثر في
صحة عبادته ، وإن كان الأكمل في حقه التسوية بين اطلاع الناس وعدم
اطلاعهم والأسلم له عدم محبة اطلاعهم .
والوجه الثالث : أنه لا يصح هذا عن أبي طلحة ، والحديث وإن كان
صحيح الإسناد فإنه معلل يكون المعروف أنه لم يكن حينئذ نزل تحريم
المسلمات على الكفار إنما نزل بين الحديبية وبين الفتح حين نزل قوله تعالى
﴿ لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ [الممتحنة: آية ١٠] كما ثبت في
صحيح البخاري ، فقول أم سليم في هذا الحديث : ولا يحل لي أن
أتزوجك ، شاذ مخالف للحديث الصحيح ، وما اجتمع عليه أهل السنن
والله أعلم . اهـ طرح جـ٢/ ص٢٧ .
المسألة الحادية والأربعون:
في قول علقمة : سمعت عمر بن الخطاب على المنبر يقول ، ردّ على
من يقول إن الواحد إذا ادعى شيئا كان في مجلس جماعة لا يمكن أن
ينفرد بعلمه دون أهل المجلس لم يقبل حتى يتابعه غيره عليه كما قاله
بعض المالكية مستدلين بقصة ذي اليدين ، وذلك لأنه لا يصح من رواية
- ٢٧٨ -
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
أحد عن عمر إلا علقمة ، مع كونه حدث به على المنبر كما ثبت في
الصحيح بمحضر من الناس ، وانفرد علقمة بنقله مع كونه من قواعد
الدين بل ذكر ابن بطال أن النبي * خطب به حين وصل إلى دار الهجرة
وشهر الإسلام ، فإن ثبت ذلك فقد سمعه جمع من الصحابة ولم يروه
عنه غير عمر من وجه يصح كما تقدم ، وقد أجمع المسلمون على
صحته، فلو اشترط شرط متابعة الراوي لما حضره غيره ولم يقبل انفراده
به لما قبلوه والله أعلم .
وإنما استفهم النبي # في قصة ذي اليدين لأنه أخبره بخلاف ما كان
في ظنه فاحتاج إلى أن يسأل عنه وليس في حديث عمر هذا مخالفة لما
رواه غيره من الصحابة فوجب المصير إليه اهـ طرح جـ ٢/ ص٢٧ -٢٨ .
المسألة الثانية والأربعون :
قال ابن بطال (١): ومما يجري بغير النية ما قاله مالك: إن الخوارج إذا
أخذوا الزكاة من الناس بالقهر والغلبة أجزأت عمن أخذت منه ، ومنها
أن أبا بكر الصديق وجماعة من الصحابة أخذوا الزكاة من أهل الردة
بالقهر والغلبة ولو لم يجزئ عنهم ما أخذت منهم ، قال ابن بطال :
واحتج من خالفهم وجعل حديث النية على العموم أن أخذ الخوارج
للزكاة غلبة لا ينفك المأخوذ منه من النية لأن معنى النية ذكرها وقت
أخذها منه أنه عن الزكاة أخذها المتغلب عليه ، وقد أجمع العلماء أن أخذ
الإمام الظالم لها يجزئه ، فالخارجي في معنى الظالم لأنهم من أهل القبلة
وشاهدة التوحيد .
وأما أبو بكر فلم يقتصر على أخذ الزكاة من أهل الردة بل قصد
حربهم وغنيمة أموالهم وسبيهم لكفرهم ، ولو قصد أخذ الزكاة فقط لرد
عليهم ما فضل منها من أموالهم إلى آخر كلامه . اهـ. طرح .
(١) اسمه : علي بن خلف أبو الحسن القرطبي المتوفى ٤٤٩ هـ.
٢٧٩ -
٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥
المسألة الثالثة والأربعون:
فيه حجة على ابن القاسم في قوله : إن الرجل إذا أعتق عبده عن
غيره في كفارة الظهار بغير علمه أنه يجزئه في كفارته ، وإن كانت الكفارة
فرضا عليه فأسقط كفارة الظهار بغير نية من هي عليه ، وذهب أبو حنيفة
والشافعي وغيرهم إلى أنه لا يجزئه ذلك وكذلك خالفه من المالكية
أشهب وابن المواز والأبهري ، وقال القياس أنه لا يجزي لأن المعتق عنه
بغير أمره لم ینو عتقه ، والمعتق في الكفارات لا يجزي بغیر نية ولیس
كالميت يعتق عنه في الكفارة فإن نيته معدومة . اهـ طرح جـ ٢/ ص٢٩ .
المسألة الرابعة والأربعون :
استثنى بعض العلماء من هذا الحديث مما لا تجب فيه النية من
الواجبات ما إذا غاب عن المرأة زوجها مدة طويلة ومات ولم تعلم بموته
أن عدتها من يوم موته لا من يوم بلغتها وفاته ، فالعدة واجبة عليها وقد
سقطت عنها بغير نية ، كما اتفق عليه الحنفية والمالكية والشافعية فيما
حكاه ابن بطال ، وأجابوا عن الحديث بأن العدة جعلت لبراءة الرحم ،
وقد حصلت ، وإن لم تعلم المرأة بذلك ، وقد أجمعوا أن الحامل التي لم
تعلم بوفاة الزوج أو طلاقه تنقضي عدتها بالوضع لبراءة الرحم . اهـ
طرح جـ٢ / ص٢٩.
المسألة الخامسة والأربعون :
مما يستفاد من هذا الحديث :
أنه لا يجوز الإقدام على العمل قبل معرفة الحكم ، لأن العمل فيه
يكون منتفيا إذا خلا عن النية ، ولا يصح نية فعل الشيء إلا بعد معرفة
حكمه .
- ٢٨٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
ومنها : أن الغافل لا تكليف عليه لأن القصد يستلزم العلم بالمقصود،
والغافل غير قاصد .
ومنها: أن من صام تطوعا بنية قبل الزوال أنه لا يحسب له إلا من
وقت النية وهو مقتضى الحدیث لكن تمسك من قال بانعطافها بدلیل آخر،
ونظيره حديث (( من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها )) أي أدرك فضيلة
الجماعة أو الوقت ، وذلك بالانعطاف الذي اقتضاه فضل الله تعالى .
ومنها : أن ما ليس بعمل لا تشترط فيه النية ، ومن أمثلته : جمع
التقديم فإن الراجح من حيث النظر أنه لا تشترط له نية ، بخلاف ما
رجحه كثير من الشافعية ، قال الحافظ : وخالفهم شيخنا شيخ الإسلام
-يعني البلقيني - وقال: الجمع ليس بعمل، وإنما العمل الصلاة ، ويقوي
ذلك أنه عليه الصلاة والسلام جمع في غزوة تبوك ولم يذكر ذلك
للمأمومين الذين معه ، ولو كان شرطا لأعلمهم به .
ومنها : أنه يُستدل به على أن العمل إذا كان مضافا إلى سبب ،
ويَجمعُ مُتَعَددَهُ جنسٌ أن نية الجنس تكفي كمن أعتق عن كفارة ولم يعين
كونها عن ظهار أو غيره ، لأن معنى الحديث أن الإعمال بنياتها ، والعمل
هنا القيام بالذي يخرج عن الكفارة اللازمة وهو غير محوج إلى تعيين
سبب، وعلى هذا لو كانت عليه كفارة وشك في سببها أجزأه إخراجها
بغیر تعیین.
ومنها : أن فيه زيادة النص على السبب ، لأن الحديث سيق في قصة
المهاجر لتزوج المرأة فذكر الدنيا مع القصة زيادة في التحذير والتنفير .
قال الحافظ : وقال شيخنا شيخ الإسلام : فيه إطلاق العام وإن كان
سببه خاصا فيستنبط منه الإشارة إلى أن العبرة بعموم اللفظ لابخصوص
السبب . اهـ فتح جـ١ / ص٢٥ .