Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ - ٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ، وإلى رَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلىَ اللَّهِ وَإِلىَ رَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلى دُنْيا يُصيبُها، أو امْرَأةً يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلىَ مَا هَاجَرَ إِلَيْه)) . رجال الأسانيد [١١] شخصا ١- ( يحيى بن حبيب بن عربي) الحارثي ، أبو زكريا البصري ، عن يزيد بن زريع ، والمعتمر بن سليمان ، وطائفة ، وعنه مسلم ، والأربعة ، قال النسائي : ثقة مأمون ، قال السراج : مات سنة ٢٤٨ وقيل بعدها ، وفي ((ت)) ثقة من العاشرة ، أخرج عنه مسلم والأربعة . ٢ - (حماد) بن زيد بن درهم الأزدي ، أبو إسماعيل البصري ، ثقة ثبت [٨] تقدم في ٣/٣ . ٣ - (الحارث بن مسكين) بن محمد بن يوسف ، أبو عمرو المصري ثقة [١٠] تقدم في ٩ / ٩ . ٤ - ( ابن القاسم ) هو عبد الرحمن بن القاسم بن خالد ، أبو عبد الله المصري ثقة فقيه من كبار [١٠] تقدم في ٢٠/١٩. ٥ - ( مالك) بن أنس إمام دار الهجرة حجة ثبت فقيه [٧] تقدم في ٧/ ٧ . ٦ - (سليمان بن منصور) الدَّهني بضم المهملة أبو هلال ، ابن أبي هلال ، البلخي زرغنده ( بفتح الزاي والراء بعدها معجمة ، ثم نون ساكنة ) لقبه ، البزار ، عن أبي الأحوص ، وابن المبارك ، وعنه النسائي، - ٢٠٢ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة قال ابن حبان: مستقيم الحديث ، قيل توفي سنة ٢٤٠ . وفي ((ت)) لقبه زرغنده بفتح الزاي وسكون الراء بعدها معجمة مفتوحة ثم نون ساكنة ، ثقة لا بأس به من العاشرة ، وهو من أفراد المصنف . ٧ - (عبد الله بن المبارك) بن واضح ، المروزي ، الحنظلي ، الإمام ثقة حجة [٨] تقدم في ٣٦/٣٢. ٨ - ( يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني ثقة ثبت [٥] تقدم في ٢٢/ ٢٣ . ٩ - ( محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد بن صخر التيمي ، المدني ، أبو عبد الله ، أحد العلماء المشاهير ، عن أنس ، وجابر ، وعائشة في الترمذي، والنسائي، قال في ((صه)): فما أدري سمع منه(١) أم لا ، فأرسل عن أسامة ، وعنه یزید بن الهاد ، ویحیی بن أبي كثير ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، والأوزاعي ، وابن إسحاق وعدة ، قال ابن سعد : كان فقيها محدثا ، وقال أحمد : يروي أحاديث منكرة ، وثقه ابن معين ، والناس ، وتوفي سنة ١٢٠ ، أخرج له الجماعة ، وفي ((ت)) ثقة له أفراد من الرابعة . وفي تهذيب التهذيب : روی عن أبي سعيد الخدري ، وعمير مولی آبي اللحم ، وجابر بن عبد الله ، وأنس بن مالك ، وقيس بن عمرو الأنصاري ، ومحمود بن لبيد ، وعائشة ، وعلقمة بن وقاص الخ . ثم قال : قال ابن أبي حاتم : ، عن أبيه : لم يسمع من جابر ، ولا من أبي سعيد انتهى . وحديثه عن عائشة عند مالك ، والترمذي ، وصححه ، وعائشة ماتت قبل أبي سعید ، وجابر اهـ. (١) هكذا عبارة الخلاصة ، وفيها ركاكة ولعل الصواب، فما أدري سمع منها أم لا؟ وأرسل عن أسامة الخ . ٢٠٣ - ٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥ ١٠ - ( علقمة بن وقاص) الليثي المدني ، عن عمر، وعائشة ، وعمرو بن العاص ، وعنه ابناه عبد الله وعمرو ، ومحمد بن إبراهيم التيمي ، وثقه النسائي ، مات في خلافة عبد الملك ، وقيل إنه ولد في عهد النبي ﴾، أخرج له الجماعة، وفي ((ت)) ثقة ثبت من الثانية، وأخطأ من قال : إن له صحبة . ١١ - (عمر بن الخطاب) بن نُفَيل بن عبد العُزَّى العدوي ، أبو حفص المدني أحد فقهاء الصحابة ، وثاني الخلفاء الراشدين ، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، وأول من سُمِّيَ أمير المؤمنين ، له خمسمائة وتسعة وثلاثون حديثا ، اتفقا على عشرة ، وانفرد البخاري بتسعة ، ومسلم بخمسة عشر ، وعنه أبناؤه : عبد الله ، وعاصم ، وعبيد الله ، وعلقمة بن وقاص ، وغيرهم شهد بدرا ، والمشاهد إلا تبوك ، وولي أمر الأمة بعد أبي بكر رضي الله عنهما ، وفتح في أيامه عدة أمصار ،أسلم بعد أربعین رجلا . عن ابن عمر مرفوعا: ((إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه)) ولما دفن قال ابن مسعود : ذُهِبَ اليومَ بتسعة أعشار العلم ، استشهد في آخر سنة ٢٣ ، ودفن في أول سنة ٢٤ ، وهو ابن ٦٣ سنة، وصلى عليه صهيب ، ودفن في الحجرة النبوية ، ومناقبه جمة أخرج له الجماعة . لطائف الأسانيد منها: أن الأول والثالث من سداسياته ، والثاني من سباعياته ، وأن رواته كلهم ثقات ، وهم مابين بصريين وهما : يحيى بن حبيب ، وشيخه، ومصريينٍ: وهما الحارث وشيخه ، وبلخي وهو سليمان ، ومروزي ، وهو عبد الله ، ومدنیین، وهم الباقون . ومنها: ما في قوله: ((والحارث بن مسكين قراءة عليه، وأنا أسمع))، - ٢٠٤ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة وتقدم البحث عنه قریبا . ومنها : قوله : واللفظ له ، يعني أن حمادا ، ومالكا ، وابن المبارك ، رووا هذا الحديث عن يحيى بن سعيد ، إلا أن اللفظ المذكور هو لفظ ابن المبارك ، وأما لفظ حماد ، ومالك ، فغير هذا ، بل وافقاه في المعنى . والحاصل أن المصنف روى هذا الحديث هنا عن ثلاثة شيوخ : أحدها : عن شيخه یحیی بن حبیب ، عن حماد . والثاني : عن الحارث بن مسكين ، عن ابن القاسم ، عن مالك . والثالث : عن سليمان بن منصور، عن عبد الله بن المبارك، والثلاثة عن يحيى بن سعيد ، ثم إن اللفظ الذي ساقه هنا هولفظ ابن المبارك ، وأما الآخران فروياه بالمعنى . وهذا الذي سلكه من نسبة اللفظ لأحدهم هو الأحسن ، كما أشار إليه السيوطى في الألفية ، حيث قال : تَوَافَقَا مَعْنَى وَلَفْظٌ ما اتَّحَدْ ومَنْ رَوَى مَتْنًا عَنْ أشياخ وَقَدْ مُقْتَصراً بلَفْظ واحد وَلَمْ يُبَيّنِ اخْتِصَاصَهُ فَلَمْ یُلَمْ أوْ قَال قَدْ تَقَاربًا في اللَّفْظِ أوْ وَاتَّحَدَاً المعَنَى عَلى خُلْف حكَوْا وَإِنْ يَكُنْ للفظه يُبَيِّنُ مَعْ قَالَ أو قَالا فَذَكَ أَحْسَنُ وقد تقدم تمام هذا البحث ، وسيأتي أيضًا ، وسننبه علیه حیث یمر بنا إن شاء الله تعالى . ومنها : كتابة ((ح)) بين الإسنادين وتقدم البحث عنها قريبا . ومنها : أن إسناد حماد ، وعبد الله عالیان ، بخلاف إسناد مالك ، فإنه نازل بدرجة ، فقد وصل المصنف إلى يحيى بن سعيد ، بواستطين ٢٠٥ _ ٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥ فيهما ، وبثلاث فيه . ومنها : أن فيه رواية ثلاثة من التابعين ، بعضهم عن بعض ، وهم يحيى بن سعيد، ومحمد بن إبراهيم ، وعلقمة ، وهذا على قول الجمهور ، حيث إنهم لم يثبتوا صحبة علقمة ، وقيل : إن له صحبة ، فعلى هذا ففيه رواية صحابي عن صحابي ، والأول أصح . ومنها : أن فيه الإخبار ، والعنعنة ، والتحديث ، والإنباء ، وكلها من صيغ الاتصال في غير المدلس على الصحيح . فائدة : من ألطف ما وقع في الأسانيد رواية أربعة من الصحابة بعضهم عن بعض، أو خمسة ، ولا يوجد أكثر من ذلك ، قال السيوطي في ألفيته : وفي الصِّحَابِ أَرْبَعٌ فِي سَنَدٍ وخَمْسَةٌ وبَعْدَهَا لم يُزُدِ وقد أفرد الحافظ أبو موسى الأصفهاني جزءالرباعي الصحابة وخماسيهم ، ومن الغريب العزيز رواية ستة من التابعين بعضهم عن بعض ، وقد أفرده الخطيب البغدادي بجزء جمع اختلاف طرقه ، وهو حديث منصور بن المعتمر ، عن هلال بن يساف ، عن الرَّبيع بن خُثَّيْم ، عن عمرو بن ميمون الأودي ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن امرأة من الأنصار، عن أبي أيوب ، عن النبي ◌َّه في ((إن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن » . وقال يعقوب بن أبي شيبة : وهو أطول إسناد روي ، قال الخطيب : والأمر كما قال ، قال : وقد روي هذا الحديث أيضا من طريق سبعة من التابعين ، ثم ساقه من حديث أبيٍ إسحاق الشيباني ، عن عمرو بن مرة ، عن هلال ، عن عمرو ، عن الرّبيع ، عن عبد الرحمن ، فذكره ، قاله البدر العيني في العمدة ج١/ ص٢١ والله أعلم . - ٢٠٦ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة شرح الحديث (عن عمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنه أنه (قال: قال رسول الله ﴾: إنما الأعمال) جمع عمل ، مصدر قولك: عَملَ يَعْمَلُ عَمَلاً، والتركيب يدل على فعل يُفْعل ، ، والفرق بينه وبين الفعل كما قال الصغاني : أن الفعل أعم من العمل ، لأنَّ الفعل إحداث شيء من العمل وغيره ، أفاده العيني ، وفي ((ق)) وشرحه : العمل محركة : المهنة ، والفعل ، جمعه أعمال ، وزعم بعض أئمة اللغة والأصول : أن العمل أخص من الفعل ، لأنه الفعل بنوع مشقة ، قالوا : ولذا لا ينسب إلى الله تعالى ، وقال الراغب : العمل كل فعل يصدر من الحيوان بقصده ، فهو أخص من الفعل ، لأن الفعل قد ينسب إلى الحيوانات التي يقع منها فعل بقصد ، وقد ينسب إلى الجمادات ، والعمل قلما ينسب إلى ذلك، ولم يستعمل في الحيوانات إلا في قولهم الإبل والبقر العوامل ، وقال شيخنا: العمل حركة البدن بكله أو بعضه ، وربما أطلق على حركة النفس، فهو إحداث أمر ، قولا كان أو فعلا بالجارحة ، أو القلب ، لكن الأسبق للفهم اختصاصه بالجارحة وخصه البعض بما لا يكون قولا ، ونوقش بأن تخصيص الفعل به أولى من حيث استعمالهما متقابلين ، فيقال : الأقوال، والأفعال ، وقيل : القول لا يسمى عملا عُرْفا، ولذا يعطف عليه ، فمن حلف لا يعمل ، فقال ، لم يحنث ، وقيل التحقيق : إنه لا يدخل في العمل، والفعل إلا مجازا . اهـتاج العروس ج٨/ ص٣٤. ( بالنية) بالإفراد ، وسنبين اختلاف ألفاظه في المسائل إن شاء الله تعالى ، والنية : مصدر نَوَى ينوي ، قال الجوهري : نويت نيَّة ونواة ، أي عزمت ، وانتويت مثله ، وهي بالتشديد على المشهور ، وحكي تخفيفها کما تقدم في أول الباب . ٢٠٧ - ٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥ واختلفوا في تفسيرها : فقيل : هو القصد إلى الفعل ، وقال الخطابى: هو قصدك الشيء بقلبك وتحري الطلب منك له ، وقال التيمي: هنا وجهة القلب ، وقال البيضاوي : النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع ، أو دفع ضر ، حالا أو مآلا ، وقال النووي : النية القصد ، وهي عزيمة القلب ، وقال الكرماني: ليس هو عزيمة القلب ، لما قال المتكلمون : القصد إلى الفعل ، هو ما نجده من أنفسنا حال الإيجاد ، والعزم قد يتقدم عليه ، ويقبل الشدة والضعف بخلاف القصد ، ففرقوا بينهما من جهتين فلا يصح تفسيره به . قال البدر العيني : قلت : العزم هو إرادة الفعل ، والقطع عليه، والمراد من النية هنا هو هذا المعنى ، فلذلك فسر النووي القصد الذي هو النية بالعزم ، فافهم . على أن الحافظ أبا الحسن علي بن المفضل المقدسي قد جعل في أربعينه النية ، والإرادة ، والقصد والعزم بمعنى ، ثم قال : وكذا أزمعت على الشيء وعمدت إليه ، وتطلق الإرادة على الله تعالى ولا يطلق عليه غيرها . اهـ عمدة جـ١ / ص٢٦ . قال في الفتح : قال الكرماني : هذا التركيب يفيد الحصر عند المحققين ، واختلف في وجه إفادته ، فقيل: لأن ((الأعمال)) جمع مُحَلّى بالألف واللام ، مفيد للاستغراق ، وهو مستلزم للقصر ، لأن معناه كل عمل بنية ، فلا عمل إلا بنية ، وقيل: لأن ((إنما)) للحصر ، وهل إفادتها له بالمنطوق ، أو بالمفهوم ، أو تفيد الحصر بالوضع ، أو العرف ، أو تفيده بالحقيقة أو المجاز؟ ومقتضى كلام الإمام ، وأتباعه أنها تفيده بالمنطوق وضعا حقيقيا ، بل نقله شيخنا شيخ الإسلام عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة ، إلا اليسير كالآمدي ، وعلى العكس من ذلك أهل - ٢٠٨ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة العربية ، واحتج بعضهم بأنها لو كانت للحصر لما حسن ، إنما قام زيد ، في جواب هل قام عمرو ؟ وأجيب بأنه يصح أن يقع في مثل هذا الجواب ما قام إلا زيد ، وهي للحصر اتفاقا ، وقيل : لو كانت للحصر لاستوى إنما قام زيد ، مع ما قام إلا زيد ، ولا تردد في أن الثاني أقوى من الأول ، وأجيب بأنه لا يلزم من هذه القوة نفي الحصر ، فقد يكون أحد اللفظين أقوى من الآخر مع اشتراکهما في أصل الوضع کسوف والسين ، وقد وقع استعمال ((إنما)) موضع استعمال النفي والاستثناء كقوله تعالى: ﴿إنما تجزون ما كنتم تعملون﴾ [الطور: آية ١٦] وكقوله: ﴿وما تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾ [الصافات: آية ٣٩] وقوله: ﴿إنما على رسولنا البلاغ المبين﴾ [المائدة: آية ٩٢] وقوله: ﴿ما على الرسول إلا البلاغ﴾ [المائدة: آية ٩٩] ومن شواهده قول الأعشى : ولسْتَ بالأكْثَرِ مِنْهُمْ حَصىّ وَإِنَّمَا الْعِزَّةُ للكَاثِرِ يعني : ما ثبتت العزة إلا لمن کان أکثر حصی. اهـ فتح جـ١ / ص ١٨-١٩. وسيأتي مزيد بسط في هذا البحث في المسائل إن شاء الله تعالى . والمراد بالأعمال : الأعمال الصادرة عن المكلفين ، وهل تخرج أعمال الكفار ؟ الظاهر الإخراج ، لأن المراد أعمال العبادة ، وهي لا تصح من الكافر ، وإن کان مخاطبا بها معاقبا علی ترکها ، ولا يرد العتق، والصدقة ، لأنهما بدليل آخر . وقوله (بالنية) الباء للمصاحبة ، ويحتمل أن تكون للسببية بمعنى أنها مقومة للعمل ، فكأنها سبب في إيجاده ، وعلى الأول فهي من نفس العمل ، فلا يشترط أن لا تتخلف عن أوله . قاله في الفتح ، وسيأتي تمام البحث في المسائل إن شاء الله تعالى . (وإنما لامرئ) قال السندي رحمه الله : وقوله ( لامرئ)» بمعنی لکل ٢٠٩ _ ٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥ امرئ، كما جاء في الروايات، وذلك لأن ((إنما)) يتضمن الإثبات في أول الكلام والنفي في آخر جزء منه فالنكرة صارت في حيز النفي فتفيد العموم ، على أن النكرة في الإثبات قد يقصد بها العموم ، كما في قوله تعالى: ﴿علمت نفس﴾ [التكوير: آية ١٤] ولا يخفى أنه يظهر على هذا المعنى تفريع ((فمن كانت هجرته)) على ما قبله أشدَّ ظهور. اهـ. وفيه لغتان : امرء كزبْرج، ومَرْء كفَلْس ، ولا جمع له من لفظه ، وهو من الغرائب ، لأن عين فعله تابع للامه في الحركات الثلاث دائما ، وكذا في مؤنثه أيضا لغتان : امرأة ، ومرأة ، وفي هذا الحديث استعمل اللغة الأولى منهما من كلا النوعين إذْ قال: ((لكل امرئ)) ((وإلى امرأة)» قاله العيني . وقال العراقي : المعروف في الرواية كسر الراء من قوله ((لكل امرئ)) وعلى هذا فإعرابه بحرفين من آخره الراء والهمزة ، تقول امرؤ جيد برفع الراء ، ورأيت امرءا بنصبها ، وهذه هي اللغة الفصحى ، وفيه لغتان أخريان فتح الراء مطلقا ، حكاها الفراء ، وضمها مطلقا، وتكون حركات الإعراب في الهمزة فقط. اهـ طرح جـ٢/ ص١١ ( وإنما لكل امرئ ما نوى ) أي لكل رجل : الذي قصده ، وكذا لکل امرأة لأن النساء شقائق الرجال ، وفي ((ق)) المرأ مثلث الميم : الإنسان ، أو الرجل . وعلى القول بأن ((إنما)) للحصر، فهوهنا من حصر الخبر في المبتدإ ، أو يقال من قصر الصفة على الموصوف، لأن المقصور عليه في ((إنما)) دائما المؤخر ، قاله القسطلاني ، وفي هذه الجملة تحقيق لاشتراط النية ، والإخلاص في الأعمال ، قاله القرطبي . فتكون على هذا جملةً مؤكدةً لما قبلها ، وقال غيره : بل تفید غیر ما أفادته الأولى ، لأن الأولى نبهت على أن العمل تابع للنية ، ويصاحبها - ٢١٠ - شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة فيترتب الحكم على ذلك ، والثانية أفادت أن العامل لا يحصل له إلا مانواه . ثم فصل ما أجمله فيما تقدم بقوله ( فمن كانت هجرته ) بکسر الهاء فعلة من الهَجْر ، وهو ضد الوصل ، ثم غلب على الخروج من أرض إلى أرض ، وترك الأولى للثانية ، قاله في النهاية . وفي الشرع : مُفارقةُ دار الكفر إلى دار الإسلام خوفَ الفتنة ، وطلبَ إقامة الدين ، وفي الحقيقة مفارقة ما يكرهه الله إلى ما يحبه ، ومن ذلك سُمِّيَ الذين تركوا مكة وتحولوا إلى المدينة من الصحابة بالمهاجرين لذلك . قاله العيني . أي من کانت رحلته من بلد إلى بلد آخر ( إلى الله وإلى رسوله) بإعادة الجار ، وثبت في رواية بحذفها ، نيةً وقصدًا ( فهجرته إلى الله وإلى رسوله) عَّ حكما وشرعا، أو ثوابا وجزاء ، وإنما قدرنا ذلك ، ليتغاير الشرط ، والجزاء ، لأنه لابد من ذلك ، وإلالم يكن مفيدا ، وقيل: يجوز الاتحاد في الشرط والجزاء ، والمبتدأ والخبر ، إذا قصد التعظيم ، أو التحقير كأنت أنت ، أي العظيم ، أو الحقير ، ومنه قول أبي النجم : وشعري شعري ، أي العظيم ، وقيل : الخبر محذوف في الجملة الأولى منهما : أي فهجرته إلى الله ورسوله محمودة أومثاب عليها ، وفهجرته إلى ما هاجر إليه مذمومة أو قبيحة ، أو غير مقبولة . اھ نیل جـ١/ ص٢٠٢ . ( ومن کانت هجرته إلی دنیا ) بضم الدال ، وحکی ابن قتيبة کسرها وهي فُعلی من الدنوّ ، أي القرب ، سميت بذلك لسبقها الأخرى ، وقيل لدنوها إلى الزوال ، وهي غير منونة على الأشهر ، وحكي تنوينها، وجمعها دنا ، کگبر جمع گُبْرى ، والنسبة إلیھا دنيوي ، ودنياوي ، ودنْيِيّ، بقلب الواو ياء فتصير ثلاث ياءات ، واختلف في حقيقتها ، -٢١١ - ٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥ فقيل: ما على الأرض من الهواء والجوّ، وقيل: كل المخلوقات من الجواهر والأعراض ، والأول أولى ، لكن يزاد فيه مما قبل قيام الساعة ، ويطلق على كل جزء منها مجازا . اهـ فتح جـ١/ ص٢٣ -٢٤ . ( يصيبها) جملة في موضع جر صفة لدنيا ، أي يحصلها، لأن تحصيلها كإصابة الغرض بالسهم بجامع حصول المقصود . اهفتح . ( أو امرأة ينكحها) أي يتزوجها ، كما في الرواية الأخرى ، وخص المرأة بالذكر بعد ذكر ما يعمها وغيرها للاهتمام بها ، والتحذير عنها لأن الافتتان بها أشد (فهجرته إلى ما هاجر إليه) من الدنيا والمرأة . وبالله التوفيق ، وعليه التكلان . مسائل تتعلق بحديث الباب المسألة الأولى : في درجته : حديث الباب متفق عليه . المسألة الثانية : فيمن أخرجه : أخرج حديث عمر الأئمة الستة ، فأخرجه مسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير ، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة كلاهما عن يزيد ابن هارون ، فوقع بدلا لهما عاليا بدرجتين ، واتفق عليه الشيخان من رواية مالك ، وحماد بن زيد ، وابن عيينة ، وعبد الوهاب الثقفي . وأخرجه البخاري ، وأبو داود ، من رواية الثوري ، ومسلم من طريق الليث ، وابن المبارك ، وأبي خالد الأحمر ، وحفص بن غياث ، والترمذي من رواية عبد الوهاب الثقفي ، والنسائي من طريق مالك وحماد بن زيد ، وابن المبارك ، وأبي خالد الأحمر ، وابن ماجه أيضا من رواية الليث ، عشرتهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، أورده البخاري في سبعة مواضع من صحيحه في بدء الوحي ، والإيمان ، والنكاح ، والهجرة ، وترك الحيل ، والعتق ، والنذور . - ٢١٢ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة ومسلم في الجهاد ، وأبو داود في الطلاق ، والترمذي في الجهاد ، والنسائي في أربعة مواضع في الطهارة ، والإيمان ، والعتاق ، والطلاق، وابن ماجه في الزهد . اهـ طرح جـ١ / ص٣ بزيادة من العيني. ورواه أحمد في مسنده ، والدارقطني ، وابن حبان ، والبيهقي ، ولم يبق من أصحاب الكتب المعتمد عليها من لم يخرجه سوى مالك ، فإنه لم يخرجه في موطئه ، ووهم ابن دحية الحافظ فقال في إملائه على هذا الحديث أخرجه مالك في الموطأ ، ورواه الشافعي عنه ، وهذا عجيب منه . اهـ عمدة القاري ج١/ ص٢٤ . المسألة الثالثة : في بيان اختلاف ألفاظه : قال البدر العيني: قد حصل من الطرق المذكورة أربعة ألفاظ (( إنما الأعمال بالنيات)) ((والأعمال بالنية)) (( والعمل بالنية)) وادعى النووي في تلخيصه قلَّتَهَا، والرابع ((إنما الأعمال بالنية)) وأورده القضاعي في الشهاب بلفظ خامس ((الأعمال بالنيات)) بحذف إنما ، وجمع ((الأعمال)) ((والنيات)) قلت : هذا أيضا موجود في بعض نسخ البخاري، وقال الحافظ أبو موسى الأصفهاني : لا يصح إسنادها وأقره النووي على ذلك في تلخيصه ، وغيره وهو غريب منهما ، وهي رواية صحيحة أخرجها ابن حبان في صحيحه عن علي بن محمد العتابي ، ثنا عبد الله بن هاشم الطوسي ، ثنا يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن محمد، عن علقمة، عن عمر، قال: قال رسول الله عَّ: ((الأعمالُ بالنيات)) الحديث ، وأخرجه الحاكم أيضا في كتابه الأربعين في شعار أهل الحديث، عن أبي بكر بن خزيمة ، ثنا القعنبي : ثنا مالك ، عن يحيى بن سعيد ، به سواء ، ثم حكم بصحته ، وأورده ابن الجارود في المنتقى بلفظ سادس عن ابن المقري: حدثنا سفيان ، عن يحيى به ((إن الأعمال بالنية، ٢١٣ - ٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥ وإن لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا)) الحديث ، وأورده الرافعي في شرحه الكبير بلفظ آخر غريب وهو: (( ليس للمرء من عمله إلا ما نواه )) وفي البيهقي من حديث أنس مرفوعا (( لا عمل لمن لا نية له )) وهو بمعناه لكن في إسناده جهالة . اهـ عمدة جـ١/ ص٢٤ . المسألة الرابعة : قال الحافظ العراقي : هذا الحديث من أفراد الصحيح لم يصح عن النبي ◌َّه إلا من حديث عمر، ولا عن عمر، إلا من رواية علقمة ، ولا عن علقمة إلا من رواية محمد بن إبراهيم التيمي ، ولا عن التيمي إلا من رواية يحيى بن سعيد الأنصاري ، قال أبو بكر البزار : في مسنده : لا نعلم يُروَى هذا الكلام إلا عن عمر بن الخطاب ، عن النبي ◌َّه بهذا الإسناد . وقال الخطابي : لا أعلم خلافا بين أهل الحديث في أنه لم يصح مسندا عن النبي ◌َ﴾ إلا من رواية عمر ، وقال الترمذي بعد تخريجه : هذا حديث صحيح ، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سعيد ، وقال حمزة ابن محمد الكناني : لا أعلم رواه غير عمر ، ولا عن عمر غير علقمة ، ولا عن علقمة غير محمد بن إبراهيم ، ولا عن محمد بن إبراهيم غيريحيى بن سعيد ، وقال محمد بن عتاب : لم يروه غير عمر ، ولا عن عمر غير علقمة ، إلى آخره اهـ طرح جـ٢/ ص٣ . المسألة الخامسة : قال العراقي أيضا : ما ذكره هؤلاء الأئمة من كون حديث عمر فردا هو المشهور ، وقد روي من طرق أخرى رأيت ذكرها للفائدة ، فوقفت عليه مسندا من غير طريق عمر من حديث أبي سعيد الخدري ، وأبي هريرة ، وأنس ، وعلي . فحديث أبي سعيد رواه الخطابي في معالم السنن ، والدار قطني في غرائب مالك ، وابن عساكر في - ٢١٤ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة غرائب مالك ، من رواية عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد . وهو غلط من ابن أبي رواد ، وقول الخطابي : إنه يقال : إن الغلط إنما جاء من قبل نوح بن حبيب الذي رواه عن ابن أبي رواد ، فليس بجيد من قائله ، فإنه لم ينفرد به نوح به عنه ، بل رواه غيره عنه ، وإنما الذي تفرد به ابن أبي رواد كما قال الدارقطني ، وغيره . وحديث أبي هريرة رواه الرشيد العطار في بعض تخاريجه ، وهو وهم أيضا . وحديث أنس : رواه ابن عساكر من رواية يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أنس بن مالك ، وقال : هذا حديث غريب جدا، والمحفوظ من حديث عمر انتهى . والمعروف من حديث أنس ما رواه البيهقي من رواية عبد الله بن المثنى الأنصاري ، قال : حدثني بعض أهل بيتي ، عن أنس فذكر حديثا فيه ((أنه لا عمل لمن لا نية له )) الحديث. وحديث علي : رواه محمد بن ياسر الجياني في نسخة من طريق أهل البيت إسنادها ضعيف . اهـ طرح جـ ٢ / ص٤ . وقال العيني : وقال ابن منده : رواه عن النبي 4# غير عمر ، سعد بن أبي وقاص ، وعلي بن أبي طالب ، وأبو سعيد الخدري ، وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عمر ، وأنس ، وابن عباس ، ومعاوية ، وأبو هريرة ، وعبادة بن الصامت . وعتبة بن عبد الأسلمي ، وهزال بن سويد، وعتبة بن عامر ، وجابر بن عبد الله ، وأبو ذر ، وعتبة بن المنذر ، وعقبة بن مسلم ، رضي الله عنهم . وأيضا قد توبع علقمة ، والتيمي ، ويحيى بن سعيد على رواياتهم ، ٢١٥ _ ٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥ قال ابن منده : هذا الحديث رواه عن عمر غير علقمة ، ابنه عبد الله، وجابر ، وأبو جحيفة ، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وذو الكلاع ، وعطاء بن يسار ، وواصل بن عمر ، والجذامي ، ومحمد بن المنكدر . ورواه عن علقمة غير التيمي سعيد بن المسيب ، ونافع وتابع يحى ابن سعيد على روايته عن التيمي محمد بن محمد بن علقمة أبو الحسن الليثي ، وداود بن أبي الفرات ، ومحمد بن إسحاق ، وحجاج بن أرطأة وعبد الله بن قيس ، اهـ. عمدة جـ١ / ص٢٢ . وقال العراقي : وأما من تابع علقمة عليه ، فذكر أبو أحمد أن موسى ابن عقبة رواه عن نافع وعلقمة ، وأما من تابع يحيى بن سعيد عليه ، فقد رواه الحاكم في تاریخ نيسابور، من رواية عبد ربه بن سعید عن محمد بن إبراهيم ، وأورده في ترجمة أحمد بن نصر بن زياد ، وقال: إنه غلط فيه، وقال : وإنما هو عن يحيى بن سعيد ، لا عن عبد ربه بن سعيد ، وذكر الدار قطني أنه رواه حجاج بن أرطاة عن محمد بن إبراهيم ، وأنه رواه سهل بن صقير عن الدَّراورديّ، وابن عيينة ، وأنس بن عیاض ، عن محمد بن عمرو بن علقمة ، عن محمد بن إبراهيم ، ووهم سهل على هؤلاء الثلاثة وإنما رواه الثلاثة ، وغيرهم عن يحيى بن سعيد . ورأيت في كتاب المستخرج من أحاديث الناس للفائدة لعبد الرحمن ابن منده أنه رواه سعبة عشر من الصحابة غير عمر ، وأنه رواه عن عمر غير علقمة ، وعن علقمة غير التيمي ، وعن التيمي غير يحيى بن سعيد ، وبلغني أن الحافظ أبا الحجاج المزي سئل عن كلام ابن منده هذا ، فاستبعده . وقد تتبعت كلام ابن منده فوجدت أكثر الصحابة الذين ذکر حديثهم في الباب إنما لهم أحاديث أخرى في مطلق النية ، لا هذا الحديث بعینه ، کحدیث (( یبعثون علی نیاتهم )» وحدیث « ليس له من غَزَاته إلا ما - ٢١٦ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة نوى)) ونحوذلك ، وهكذا يفعل الترمذي حيث يقول : وفي الباب عن فلان وفلان ، فكثيرا ما يريد بذلك أحاديث غير الحديث الذي يسنده في أول الباب ، ولكن بشرط كونها تصلح أن تورد في ذلك الباب. وهو عمل صحيح إلا أن أكثر الناس إنما يفهمون إرادة ذلك الحديث المعين . والله أعلم . اهـ طرح جـ ٢/ ص٥ . المسألة السادسة : قال العراقي : أطلق بعضهم على هذا الحديث اسم التواتر، وبعضهم اسم الشهرة ، وليس كذلك ، وإنما هو فرد ، ومن أطلق ذلك فمحمول على أنه أراد الاشتهار ، أو التواتر في آخر السند ، من عند يحيى بن سعيد . قال النووي: هو حديث مشهور بالنسبة إلى آخره ، غريب بالنسبة إلى أوله ، قال : وليس متواتراً لفقد شرط التواتر في أوله : رواه عن يحيى بن سعيد أكثر من مائتي إنسان أكثرهم أئمة ، قال العراقي : روينا عن الحافظ أبي موسى محمد بن عمر المديني : أنه رواه عن يحيى بن سعيد سبعمائة رجل اهـ طرح جـ١ / ص٥ . وقال البدر العيني : قال أبو سعيد محمد بن علي الخشاب الحافظ : روی هذا الحدیث عن یحیی بن سعید نحو مائتين وخمسين رجلا . وذكر ابن منده في مستخرجه فوق الثلاثمائة ، وقال الحافظ أبو موسى الأصفهاني : سمعت الحافظ أبا مسعود عبد الجليل بن أحمد يقول : في المذاكرة : قال الإمام عبد الله الأنصاري : كتبت هذا الحديث عن سبعمائة رجل من أصحاب يحيى بن سعيد ، وقال الحافظ أبو موسى المديني ، وشيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي : أنه رواه عن یحیی سبعمائة رجل . فإن قلت : قد ذكر في تهذيب مستمر الأوهام لا بن ماکولا أن یحیی ابن سعيد لم يسمعه من التيمي ، وذكر في موضع آخر أنه يقال : لم ٢١٧ - ٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥ يسمعه التيمي ، عن علقمة . قلت : رواية البخاري عن يحيى بن سعيد أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي ، أنه سمع علقمة ترد هذا . اهـ عمدة جـ١/ ص٢٣ . المسألة السابعة : هذا الحديث قاعدة من قواعد الإسلام حتى قيل فيه : إنه ثلث العلم ، وقيل : ربعه ، وقيل : خمسه ، وقال الشافعي ، وأحمد : إنه ثلث العلم ، قال البيهقي : لأن كسب العبد بقلبه ولسانه ، وجوارحه ، فالنية أحد الأقسام وهي أرجحها ، لأنها تكون عبادة بانفرادها ، ولذلك كانت نية المؤمن خيرًا من عمله ، وهكذا أوله البيهقي . وكلام الإمام أحمد يشعر بأنه أراد بكونه ثلث العلم معنى آخر ، فإنه قال : أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث (( إنما الأعمال بالنية)). وحديث عائشة « من أحدث في أمرنا هذا ما لیس منه فهو رد)) وحديث النعمان بن بشير ((الحلال بَيِّن، والحرام بَيِّن)). وقال أبو داود : اجتهدت في المسند فإذا هو أربعة آلاف حديث ، ثم نظرت فإذا مدارها على أربعة أحاديث ((الحلال بين)) ((والأعمال بالنية)) وحديث أبي هريرة ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا)) وحديث (( من حسن إسلام المرء تركه ما لا یعنیه » هکذا روی ابن الأعرابي عنه ، و روى ابن داسة عنه نحوه إلا أنه أبدل حديث ((إن الله طيب)) بحديث: ((لا يكون المرء مؤمنًا حتى لا يرضى لأخيه إلا ما يرضى لنفسه )) وجعل بعضهم مکان هذا الحدیث الذي تردد كلام أبي داود فيه حديث : (( ازهد في الدنيا يحبك الله ، وازهد فیما في أيدي الناس يحبك الناس » . وروي عن أبي داود أيضا: الفقه يدور على خمسة أحاديث ((الحلال بين)) ((والأعمال - ٢١٨ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة بالنیات)» « وما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)) ((ولا ضرر ولا ضرار)). اهـ طرح ٦/٢ . وقال البدر : قال الشافعي ، وغيره : يدخل فيه أي حديث الباب ، سبعون بابا من الفقه . وقال النووي : لم يرد الشافعي رحمه الله تعالى انحصار أبوابه في هذا العدد ، فإنها أكثر من ذلك ، وقد نظم طاهر بن مفوز الأحاديث الأربعة : ( من الخفيف) عُمْدَةُ الدِّينِ عنْدَنَا كَلِمَاتٌ أَرَبَعٌ مِن كَلامِ خَيْرِ البَريَّهِ اتَّقِ الشُّبُهَاتِ وازْهَدْ ودَعْ مَا لَيْسَ يَعْنيكَ واعْمَلَنْ بنيَّهُ اهـ عمدة ، ج١/ ص ٢٤ . المسألة الثامنة: قال العراقي: كلمة ((إنما)) للحصر على ما تقرر في الأصول ، ومعنى الحصر فيها إثبات الحكم في المذكور ونفیه عما عداه ، كقوله تعالى: ﴿إنما إلهكم الله﴾ [طه: آية ٩٨] ولكن دلالتها على النفي فيما عداه هل هو بمقتضى موضوع اللفظ ، أو بطريق المفهوم ؟ فيه كلام لبعض المتأخرين ، واستدل على وفاقهم أنها للحصر أن ابن عباس فهمه من قوله تعَّ: ((إنما الربا في النسيئة )) فاعترضه المخالفون له بدلیل آخر يقتضي تحريم ربا الفضل ، ولم يعارضوه فيما فهمه من الحصر ، لاتفاقهم عليه . اهـ طرح جـ ٢/ ص٦ . وقال الحافظ في الفتح : واختلفوا هل هي بسيطة أو مركبة ؟ فرجحوا الأول ، وقد يرجح الثاني ، ويجاب عما أورد عليه من قولهم : إنّ((إنّ) للإثبات و(( ما)) للنفي ، فيستلزم اجتماع المتضادين على صدد واحد بأن يقال مثلا : أصلهما کان لإثبات والنفي ، لکنهما بعد التركيب لم يبقيا على أصلهما بل أفادا شيئا آخر ، أشار إلى ذلك الكرماني ، قال : وأما قول من قال : إفادة هذا السياق للحصر من جهة أن فيه تأكيدا بعد تأكيد، ٢١٩ - ٦٠ - باب النية في الوضوء - حديث رقم ٧٥ وهو المستفاد من ((إنما))، ومن الجمع ، فمتعقب بأنه من باب إيهام العكس، لأن قائله لما رأی أن الحصر فیه تأکید علی تأکید ظن أن کل ما وقع كذلك يفيد الحصر. وقال ابن دقيق العيد: استدل على إفادة ((إنما)) للحصر بأن ابن عباس استدل على أن الربا لا يكون إلا في النسيئة بحديث (( إنما الربا في النسيئة)) وعارضه جماعة من الصحابة في الحكم ، ولم يخالفوه في فهمه ، فكان كالاتفاق منهم على أنها تفيد الحصر : وتعقب باحتمال أن يكونوا تركوا المعارضة بذلك تنزلا ، وأما من قال : يحتمل أن يكون اعتمادهم على قوله (( لا ربا إلا في النسيئة )) لورود ذلك في بعض طرق الحديث المذكور ، فلا يفيد ذلك في رد إفادة الحصر ، بل يقويه ويشعر بأن مفاد الصيغتين عندهم واحد ، وإلا لما استعملوا هذه موضع هذه . وأوضح من هذا حديث ((إنما الماء من الماء )) فإن الصحابة الذين ذهبوا إليه لم يعارضهم الجمهور في فهم الحصر منه ، وإنما عارضم في الحكم من أدلة أخرى كحديث (( إذا التقى الختانان)). قال ابن عطية: ((إنما)) لفظ لا يفارقه المبالغة والتأكيد ، حيث وقع ، ويصلح مع ذلك للحصر إن دخل في قصة ساعدت عليه ، فجعل وروده للحصر مجازا يحتاج إلى قرينة ، وكلام غيره على العكس من ذلك ، وأن الأصل ورودها للحصر . لكن قد يكون في شيء مخصوص ، كقوله تعالى: ﴿إنما الله إله واحد﴾ [النساء: آية ١٧١] فإنه سيق باعتبار منكري الوحدانية، وإلا فلله سبحانه وتعالى صفات أخرى كالعلم والقدرة.، وكقوله تعالى: ﴿إنما أنت منذر﴾ [الرعد: آية ٧] فإنه سيق باعتبار منكري الرسالة، وإلا فله ءلهصفات أخرى كالبشارة إلى غير ذلك من الأمثلة ، وهي فيما يقال : السبب في قول من منع إفادتها للحصر مطلقا . اهـ فتح جـ١ / ص١٩. - ٢٢٠ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة وقال العراقي : إذا تقرر أنها للحصر ، فتارة تقتضي الحصر المطلق ، وهو الأغلب الأكثر ، وتارة تقتضي حصرا مخصوصا ، كقوله تعالى ﴿إنما أنت منذر﴾ وقوله ﴿إنما الحياة الدنيا لعب ولهو﴾ [محمد على: آية٣٦] فالمراد حصره في النذارة لمن لا يؤمن، ونفي قدرته على ما طلبوا من الآيات، وأراد بالآية الثانية الحصر بالنسبة إلى من آثرها، أو هو من باب تغليب الغالب على النادر، وكذا قوله في الحديث ((إنما أنا بشر)) أراد بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن الخصوم ، وبالنسبة إلى جواز النسيان عليه . قال ابن دقيق العيد : ويفهمُ ذلك بالقرائن والسياق . اهـ طرح جـ ٢ / ص٦ . المسألة التاسعة: قال العراقي : المراد بالأعمال هنا : أعمال الجوارح كلها حتى تدخل في ذلك الأقوال ، فإنها من عمل اللسان ، وهو من الجوارح ، قال ابن دقيق العيد : ورأيت بعض المتأخرين من أهل الخلاف خَصَّصَ الأعمال بما لا يكون قولا ، وأخرج الأقوال من ذلك ، قال : وفي هذا عندي بُعْد ، ولا تردد عندي في أن الحديث يتناول الأقوال أيضا . اهـ ، طرح جـ٢/ ص٧. قال الجامع عفا الله عنه : ويتناول الحديث أيضا التروك لأنها أفعال ، قال الشيخ إبراهيم الكردي : الترك إذا أريد به كف النفس ، فهو فعل اختياري ، وكل فعل اختياري يختلف باختلاف النيات ، وقد صح (( إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة)) إلى قوله ((وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة )) . ومفهومه أنه إذا لم یتر کها من أجل الله لا تكتب له حسنة ، وهو كذلك كما قاله الغزالي وغيره .