Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١٠ -
٤٩ - باب الوضوء بماء الثلج - حديث رقم ٦١
واستغفر منه ، وحكى الوجوه المتقدمة عنه ، وعن غيره ، وقال الحارث
المحاسبي : خوف الأنبياء والملائكة خوف إعظام وإجلال ، وإن كانوا
آمنين من عذاب الله تعالي، وقيل : يحتمل أن هذا الغين حالة حسنة
وإعظام يغشى القلب ويكون استغفاره شكرا كما قال: ((أفلا أكون عبدا
شكورا)) اهـ تفسير الخازن من سورة محمد عَّ بزيادة شيء يسير في أوله.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى : في درجته : حديث عائشة رضي الله عنها صحيح .
المسألة الثانية : هذا الحديث من أفراد المصنف رحمه الله ، أخرجه
هنا ٧١ وفي ٣٣٢ بالسند المذكور ، كما أشار إليه الحافظ المزي في تحفته
جـ١٢ / ص١٢٥ . وأخرجه في الكبرى ٥٩ بهذا السند أيضا .
وأخرجه مطولا في كتاب الاستعاذة في الباب ٢٦ (( الاستعاذةُ من شر
فتنة الغنى)) الحديث ٥٤٧٧ بهذا السند نفسه ولفظه : أخبرنا إسحاق بن
إبراهيم ، قال : حدثنا جرير عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ،
قالت: كان رسول الله عَّه يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر،
وفتنة النار ، وفتنة القبر ، وعذاب القبر ، وشر فتنة المسيح الدجال ،
وشر فتنة الغنى ، وشرفتنة الفقر ، اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج
والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس ،
اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم والمغرم والمأثم)).
المسألة الثالثة: من فوائد هذا الحديث :
استحباب ملازمة الاستغفار للإنسان ، وقد جاءت أحاديث كثيرة
تحث على ذلك ، والدعاء بصفاء القلوب عن درن الذنوب ، وذلك لأنه
مَلِكُ الأعضاء ، مدار صلاحها عليه ، كما جاء في الحديث المتفق عليه :
((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت
فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب)) .
ومنها : ما ترجم له المؤلف وهو جواز الوضوء بماء الثلج ، وقد تقدم

- ١٠٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
تحقيق هذا في الباب السابق .
المسألة الرابعة : في بيان اختلاف العلماء في جواز اختصار الحديث ،
قال النووي في التقريب : اختلف العلماء في رواية بعض الحديث الواحد
دون بعض ، فمنعه بعضهم مطلقا بناء على منع الرواية بالمعنى ، ومنعه
بعضهم مع تجویزها بالمعنی إذا لم يكن رواه هو أو غيره بتمامه قبل هذا ،
وجوزه بعضهم مطلقا، وهذا مقيد بما إذا لم يكن المحذوف متعلقا بالمأتيّ
به تعلقا يُخلّ بالمعنى حذفُه كالاستثناء ، والشرط ، والغاية ، ونحو
ذلك، وإلا فممنوع اتفاقًا .
والصحيح التفصيل ، وهو المنع من غير العالم ، وجوازه من العالم
إذا كان ما تركه غير متعلق بما رواه بحيث لا يختل البيان ، ولا تختلف
الدلالة بتركه ، سواء جَوَّزنا الرواية بالمعنى أم لا ، رواه قبلُ تاما أم لا ،
لأن ذلك بمنزلة خبرين منفصلين ، هذا إذا ارتفعت منزلته عن التّهَمَة ،
فأما من رواه تاما فخاف إن رواه ناقصا أن يُتَّهَم بزيادة أوَّلا ، أو نسيان
الغفلة وقلة ضبط ثانيا فلا يجوز له النقصان ثانيا ولا ابتداء إن تعين عليه
أداء تمامه لئلا يخرج بذلك باقيه عن الاحتجاج به .
وأما تقطيع المصنف الحديث الواحد في الأبواب بحسب الاحتجاج به
في المسائل ، كلّ مسألة على حدة فهو إلى الجواز أقرب ، قال الشيخ ابن
الصلاح : ولا يخلو من كراهة ، قال النووي : وما أظنه يُوَافَقُ عليه ، فقد
فعله الأئمة : مالك ، والبخاري ، وأبو داود ، والنسائي، وغيرهم . اهـ
تقریب النووي بزيادة من شرحه التدریب جـ٢/ ص١٠٣-١٠٥ .
وإلى ذلك أشار السيوطي في ألفيته حيث قال :
إِنْ لَمْ يُخِلَّ البَاقِي عِنْدَ الأكْثِرَ
وَجَائزٌ حَذْفُك بَعضِّ الْخَبَرِ
وَأَمْنَعْ لِذِي تُهَمَةٍ فَإِنْ فَعَلْ فَلَا يُكَمِّلْ خَوْفَ وَصْفٍ بِخَلَلْ
وَالْخُلْفُ في التَّقْطِيعِ فِي التَّصْنِيفِ يَجْرِي وَأَوْلَى منهُ بالتَّخْفِيفِ
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت ،
وإليه أنيب .

٥٠ - باب الوضوء بماء البرد - حديث رقم ٦٢
١٠٣ -
٥٠ - بَابُ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَرَد
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز الوضوء بماء البَرَد ، والبرد
بفتحتين : حَبُّ الغَمَام ، وهو ما ينزل من السماء جامدا كالملح ، ثم
يذوب على الأرض ، بخلاف الثلج ، فإنه ينزل من السماء ماء ثم ينعقد
علی الأرض جامدا ، ثم يذوب .
٦٢ - أخبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ :
حَدَنَا مُعَاوِيَةٌ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ حَيِيبِ بْنِ عُيْدٍ، عَنْ جُبَيْرِ
ابْنِ نُغَيْرٍ ، قَالَ : شَهِدْتُ عَوْفَ بْنَ مَالكِ يَقُولُ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِلَّهُ يُصَلِّي عَلَى مَيْتٍ، فَسَمِعْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ
يَقُولُ: ((اللَّهُمّ اغْفِرْ لَهُ وَرْحَمْهُ، وَعَافِه وَاعْفُ عَنْهُ،
٠٠
وَأَكْرِمْ ثُزْلُهُ، وَأَوْسِعْ مَدْخَلَهُ ، وَاغْسِلْهُ بِالماءِ والتَّلْجِ
وَالْبَرَدَ، وَنَقُّهُ مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثُوْبُ الأبْيَضُ منَ
الدَّنَسِ)) .
رجال الإسناد : ستة
١- (هارون بن عبد الله) بن مروان الحَمَّال بمهملة البزاز أبو موسى ،

- ١٠٤ -
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
الحافظ البغدادي ، عن ابن عيينة ، وعبد الله بن نمير ، وأبي أسامة ،
وخلق ، وعنه مسلم ، والأربعة ، وخلق ، وثقه الدار قطني ، والنسائي،
توفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين ، وقد ناهز الثمانين ، وفي (ت) ثقة من
العاشرة .
٢ - (معن) بفتح فسكون بن عيسى بن يحيى ، الأشجعي مولاهم ،
أبو يحيى المدني ، ثقة ثبت ، قال أبو حاتم : هو أثبت أصحاب مالك ،
من كبار العاشرة مات سنة ١٩٨ أخرج له الجماعة .
٣ - ( معاوية بن صالح) بن حُدَير بضم المهملة الأولى الحضرمي ،
أبو عبد الرحمن الحمصي ، أحد الأعلام ، وقاضي الأندلس ، عن
مكحول ، وربيعة بن يزيد ، وخلق ، وعنه الثوري ، والليث ، وابن
وهب وخلق ، وثقه أحمد ، وابن معين ، وقال ابن عدي : هو عندي ثقة
إلا أنه يقع في حديثه إفرادات ، قال أبو صالح الفراء: مات سنة ١٥٨
أخرج له مسلم والأربعة ، وفي (ت) صدوق له أوهام ، من السابعة .
٤ - (حبيب ) مكبرا (بن عبيد) مصغرا الرَّحَبي بمهملتين مفتوحتين
أبو حفص الحمصي .
عن العرباض بن سارية ، وعوف بن مالك ، وعنه يزيد بن خُمَير،
ومعاوية بن صالح ، وثقه النسائي ، وأخرج له البخاري في الأدب
المفرد، ومسلم ، والأربعة ، وفي (ت) ثقة من الثالثة.
٥ - (جبير بن نفير) بنون وفاء مصغر الاسمين الحضرميّ، أبو
عبد الرحمن ، الشامي ، مخضرم أسلم في زمن أبي بكر ، عن عبادة ،
ومعاذ بن جبل ، وخالد بن الوليد ، وأبي الدرداء وأبي ذر ، وعنه ابنه
عبد الرحمن ، وخالد بن مَعْدان ، ومكحول ، وطائفة وثقه أبوحاتم ،
قال أبو حسان الزيادي : توفي سنة ٧٥ ، أخرج له البخاري في الأدب

١٠٥ _
٥٠ - باب الوضوء بماء البرد - حديث رقم ٦٢
المفرد، ومسلم والأربعة ، وفي (ت) ثقة جليل من الثانية ، ولأبيه
صحبه، ت سنة ٨٠ ، وقيل : بعدها .
٦ - (عوف بن مالك) بن أبي عوف الأشجعي ، الغطفاني ، أبو
عبد الرحمن ، ويقال : أبو عبد الله، ويقال : أبو محمد ، ويقال : أبو
حماد ، ويقال : أبو عمرو ، شهد فتح مكة ، يقال : كانت معه راية
أشجع، ثم سكن دمشق ، روى عن النبي عليه، وعن عبد الله بن سلام.
وعنه أبو مسلم الخولاني ، وأبو مليح ، وجبير بن نفير ، وعاصم بن
حميد السكوني ، وكثير بن مرة ، وأبو إدريس الخولاني ، وأبو المليح بن
أسامة ، وسيف الشامي ، وشداد بن عمار ، وعبد الرحمن بن عامر
وحبيب بن عبيد ، وراشد بن سعد وجماعة ، قال الواقدي : شهد خيبر
ونزل حمص وبقي إلى خلافة عبد الملك ، ومات سنة ٧٣ وفيها أرخه غير
واحد وذكر ابن سعد أن النبي # آخي بينه وبين أبي الدرداء ، أخرج له
الجماعة . اهـ تهذيب التهذيب ج٨/ ص١٦٨ .
لطائف الإسناد
منها : أنه من سداسياته ، وأن رواته كلهم ثقات ، وكلهم شامیون إلا
شيخ المصنف ، فإنه بغدادي ، وشيخ شيخه فمدني ، وفيه رواية تابعي ،
عن تابعي مخضرم . وفيه الإخبار ، والتحديث ، والعنعنة ، والسماع ،
وفيه استعمال القاعدة المشهورة عند المحدثين وهي أن الراوي إذا قرأ
بنفسه على الشيخ يقول : أخبرني ، وإذا سمع قارئا يقرأ على الشيخ
يقول: أخبرنا ، كما يستحسن لمن سمع من الشيخ وحده أن يقول :
حدثني ، ومع غيره : حدثنا .
وإلى ذلك أشار السيوطي في ألفيته ، حيث قال :
وَأَسْتَحْسَنُوا لُفْرَد حَدَّثْنَي وَقَارئ بنَفْسه أخْبَرَني

-- ١٠٦ -
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً حَدَّثَنَاً وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِثًا أخْبَرَنَا
شرح الحديث
(عن جير بن نفير) الحضرمي الشامي ، قال ( شهدت ) أي حضرت
(عوف بن مالك ) الأشجعي الغطفاني رضي الله عنه ( يقول) حال من
عوف ( سمعت رسول اللهټے) أي كلامه ( يصلي) حال من رسول الله
أي حال كونه مصليا ( على ميت) بتشديد الياء وتخفيفها للتخفيف ، وقد
جمعها الشاعر فقال : (من الخفيف) :
لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَحَ بِمِيْتٍ إنَّا الميْتُ مَيْتُ الأَحْيَاءِ
وأما الحي ، فميت بالتشديد لا غير ، وعليه قوله تعالى : ﴿ إنك
ميت وإنهم ميتون﴾ [الزمر: ٣٠] أي ستموتون. أفاده في المصباح.
وفي القاموس : مات يموت، ويَمَات ، ويَمِيتُ، فهو مَيْت ، ومَيِّت:
ضد الحي ، ومات سكن ، ونام ، وبَلِيَ ، أو الميْت مخففة الذي مات ،
والميِّت والمائت: الذي لم يمت بعدًا هـ .
قال المرتضى : قال الخليل : أنشدني أبو عمرو : (من الطويل)
أَيَاَ سَائِلِي تَفْسِيرَ مَيْت وَمَيِّتٍ فَدُونَكَ قَدْ فَسَّرْتُ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ
فَمَنْ كان ذَا رُوحٍ فَذَلَكَ مَيِّتٌ وَمَا المَيْتُ إلَّ مَنْ إِلَى القَبْرِ يُحْمَلُ
وحکی الجوهري عن الفراء یقال لمن لم يمت : إنه مائت عن قليل ،
ومَيِّت ولا يقولون لمن مات : هذا مائت ، قيل : وهذا خطأ ، وإنما ميت
يصلح لما قدمات ، ولماسيموت ، قال الله تعالى: ﴿إنك ميت وإنهم
ميتون﴾ [الزمر آية رقم ٣٠]، وجمع بين اللغتين عَديّ بن الرَّعْلاء،
فقال: ( من الخفيف )
لَيْسَ مَنْ ماتَ فاسَتَراحَ بمْتٍ إنما الميْتُ مَيِّتُ الأحْيَاءِ
إِنَّمَا الَيْتُ مَنْ يَعيشُ شَقِيَّا كَاسِفًا بَالُهُ قَلِيلُ الرَّجَاءِ

٥٠ - باب الوضوء بماء البرد - حديث رقم ٦٢
١٠٧ _
فَأْنَسٌَ يَصُصُونَ ثِمَادًا وَأَنَاسٌ حُلُوقُهُم في المَاءِ
فجعل الميت كالميت .
وقال الزجاج : الميّت بالتشديد ، إلا أنه يخفف ، يقال: مَيِّت ،
ومَيْت ، والمعنى واحد ويستوي فيه المذكر والمؤنث ، قال تعالى :
﴿لنحيي به بلدة ميتا﴾ [الفرقان: ٤٩] ولم يقل: مَيْتَة اهـ.
وجمع الميت أموات، ومَوتَى ، ومَيْتُون، ومَيِّتُون، والأنثى مَيِّنَة
بالتشديد ، ومَيْتَة بالتخفيف ومَيْت بغيرها مشددا ، ومخففا ، والميتة ما لم
تلحقه الذكاة . اهـ(ق) وتاج باختصار وتغييريسير .
قال الجامع عفا الله عنه: فتحصل من مجوع ما تقدم أن الميت
مشددا، ومخففا ، يطلق على الذي خرجت روحه ، وعلى من سيموت،
وأنه يستوي فيه المذكر والمؤنث ، ويقال أيضا للأنثى : ميتة بهاء مشددا
ومخففا ، وأن فعله مثلث المضارع بالضم من باب قال ، يقول ، والکسر
كباع يبيع ، وهي لغة مرجوحة أنكرها جماعة كما في التاج ، والفتح ،
كخاف يخاف ، وفيه لغة أخرى مِتَّ بالكسر ، تموتُ بالضم ، وهي من
باب تداخل اللغتين والله أعلم.
(فسمعت من دعائه) ﴾ (وهو يقول) جملة حالية : أي كونه قائلا:
فقوله : فسمعت تفصيل وتفسير لسمعت الأول (اللهم) أي يا ألله ،
حذفت ((يا)) فعوض عنها الميم في الآخر ، ولا يجمع بينهما إلا في الشعر
كقوله : (من الرجز)
أُقُوُلُ ياللَّهُمَّ يَا اللَّهُمأَ
إِنِّي إِذَا مَا حَدَثٌ أَلَماً
وإلى ذلك أشار ابن مالك في ألفيته ، حيث قال :
وَالأَكْثَرُ الَّلهُمَّ بِالَّتَعْوِيضِ وَشَدَّيا اللَّهُمَّ في قَریضٍ
(اغفر له) أي لهذا الميت ، يقال : غفر الله له، غُفْرًا، من باب
ضرب ، وغُفرانا : صفح عنه . قاله في المصباح .
أ

- ١٠٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
( وارحمه) أي ارفق به، يقال : رحمتُ زيدا، رُحْمًا بضم الراء
ورَحمة، ومَرحمة ، إذا رفقت له وحننت . اهـ مصباح .
( وعافه) أي ادفع عنه المكروه ، ففي ((ق)) والعافية : دفاع الله عن
العبد ، ويقال عافاه الله تعالى عن المكروه عِفاء بالكسر، ومعافاة
وعافية: إذا وهب له العافية من العلل والبلاء، كأعفاه . اهـ ((ق)) وتاج
جـ١/ ص٢٤٨.
( واعف عنه) أي امح عنه ذنوبه ، يقال : عفا عنه ، وعفا له ذنبه
وعن ذنبه : تر که ولم يعاقبه .
والعفو : الصفح ، وترك عقوبة المستحق ، قال المرتضى : الصفح
ترك التَّأنيب ، وهو أبلغ من العفو ، فقد يعفو، ولا يصفح ، وأما
العفو، فهو القصد ، لتناول الشيء ، هذا هو المعنى الأصلي ، قال
الراغب: فمعنى عفوت عنك ، كأنه قصد إزالة ذنبه صارفا عنه فالمعفو
المتروك ، ((وعنك)) متعلق بمضمر ، فالعفو هو التجافي عن الذنب اهـ
«ق، و تاج)» باختصار وتغيير .
(وأكرم نزله) بضمتين ، ويخفف بتسكين ثانيه ، في الأصل طعام
الضيف الذي يُهَيَّا له ، والمراد هنا ما يعطيه الله لعبده، عند لقائه ، ممالا
عين رأت ، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .
( وأوسع مدخله) بفتح الميم ، وضمها أي محل دخوله ، وهو
القبر.
(واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا) أي طهره من الذنوب.
( كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ) أي كماينظف الثوب الأبيض
من الوسخ ، وتقدم وجه التشبيه به في شرح حديث أبي هريرة رضي الله
عنه ٤٨/ ٦٠ .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته : حديث عوف بن مالك رضي الله عنه
هذا أخرجه مسلم في صحيحه .
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه المصنف هنا
٦٢ وفي الجنائز ١٩٨٤ عن هارون بن عبد الله، عن معن بن عيسى،

٥٠ - باب الوضوء بماء البرد - حديث رقم ٦٢
١٠٩ -
عن معاوية بن صالح ، عن حَبيب بن عُبيد ، عن جُبير بن نُفَير ، عن
عوف بن مالك رضي الله عنه ، وفي الجنائز ١٩٨٣، وعمل اليوم
والليلة عن أبي الطاهر بن السرح عن ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ،
عن أبي حمزة بن سليم، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه،
عن عوف.
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه مسلم في الجنائز عن
هارون بن سعيد الأيلي ، عن ابن وهب ، وعن إسحاق بن إبراهيم، عن
عبد الرحمن بن مهدي ، كلاهما عن معاوية بن صالح ، عن حبيب بن
عبيد ، وعبد الرحمن بن جبير بن نفير كلاهما ، عن جبير بن نفير به ،
وعن نصر بن علي ، وإسحاق بن إبراهيم ، كلاهما عن عيسى بن
يونس، وعن هارون بن سعيد ، وأبي الطاهر بن السرح ، كلاهما عن ابن
وهب ، عن عمرو بن الحارث ، كلاهما عن أبي حمزة بن سليم ، عن
عبد الرحمن بن جبير بن نفير به .
وأخرجه الترمذي في الجنائز عن ابن بشار ، عن ابن مهدي ، عن
معاوية ، عن عبد الرحمن ، نحوه ، وقال : حسن صحيح ، قال محمد :
هذا أصح شيء في هذا الباب . أفاده الحافظ المزي في التحفة
ج٨/ ص٢١٠.
المسألة الرابعة : في فوائده :
يستفاد من هذا الحديث مشروعية الصلاة على الجنائز ، والجهر
بالدعاء له ، واستحباب الدعاء للميت بهذا الدعاء .
ويستفاد منه أيضا ما ترجم له المصنف ، وهو جواز الوضوء بماء
البرد، وقد تقدم البحث فيه في الباب السابق ، وسيأتي بأتم من هذا في
الجنائز إن شاء الله تعالى .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .

- ١١٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
٥١ - سؤر الكلب
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم سؤر الكلب .
قال في اللسان : السؤر: بقية الشيء وجمعه أسار ، وأسأر منه
شيئا: أبقى ، والنعت منه سأر على غير قياس ، لأن قياسه فيه مُسئر ،
وقال الجوهري : ونظيره أجبره ، فهو جبّار .
ويستعمل في الطعام والشراب وغيرهما ، وقال في التهذيب : وأما
قولهم : وسائر الناس هَمَج ، فإن أهل اللغة اتفقوا على أن معنی سائر
في أمثال هذا الموضع بمعنى الباقي من قولك : أسأرت سؤرا وسؤرة ، إذا
أفضلتها ، وأبقيتها ، والسائر: الباقي ، وكأنه من سَأرَ يَسْأَر فهوسائر،
قال ابن الأعرابي فيما رَوَى عنه أبو العباس : يقال : سأر وأسأر : إذا
أفضل فهو سائر ، جعل سار وأسار ، واقعین ، ثم قال : وهو سائر ، قال
- أي أبو العباس . قال ابن الأعرابي : فلا أدري أراد بالسائر الْمُسْتِر؟ وفي
الحديث: (( فضلُ عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)) (١)
أي باقيه ، والسائر ، مهموز : الباقي ، قال ابن الأثير : والناس
يستعملونه في معنى الجميع ، وليس بصحيح ، وتكررت هذه اللفظة في
الحديث ، وكله بمعنى باقي الشيء ، والباقي : الفاضل . اهـ المقصود من
اللسان باختصار .
والكلب : كل سبع عقور، وفي الحديث: (( أما تخاف أن يأكلك
كلب الله)) فجاء الأسد ليلا فاقتلع هامته من بين أصحابه . والكلب
معروف ، واحد الكلاب ، قال ابن سيده : وقد غلب الكلب على هذا
(١) صحيح أخرجه ابن ماجه من حديث أنس رضي الله عنه. انظر صحيح الجامع الصغير للشيخ
الألباني جـ٢/ ص٧٧٦ .

٥١ - سؤر الكلب - حديث رقم ٦٥,٦٤,٦٣
١١١-
النوع النابح ، وربما وصف به ، يقال : امرأة كلبة ، والجمع أكلُب ،
وأكالبُ، جمعُ الجمع ، والكثير كلاب ، وفي الصحاح : الأكالب جمع
أكلُب ، وكلاب : اسم رجل سُمّ بذلك ، ثم غلب على الحي ،
والقبيلة اهـلسان.
قال الجامع عفا الله عنه: المراد في حديث الباب هو الحيوان النابح
المعروف ، لا كل سبع عقور ، والله أعلم .
٦٣ - أخْبَرَنَا قُتِبَةُ، عَنْ مَالِكِ ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ ، عَنِ الأعْرَجِ ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ عُّْ قَالَ: ((إذَا شَرَبَ
الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أحَدِكُمْ فَلَيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ » .
٦٤ - أخبَرَ نِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الحَسَنِ ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، قَالَ :
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَخْبَرِي زِيَاهُ بْنُ سَعْدٍ، أنَّ ثَابِتَا مَوْلَى
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْرَهُ، أَنَّه سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة يَقُولُ : قَالَ
رَسُولُ اللَّه ◌َّهُ: ((إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ في إِنَاءِ أحَدِكُمْ فَلَغْسِلْهُ
سَبْعَ مَرَّاتٍ)) .
٦٥ - أخبَرِنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ :
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَخْبَرِنِي زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ هلالُ بْنُ
:

- ١١٢ ٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
أسَامَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ أبَا سَلَمَةَ يُخْبِرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النّبي
عَِّ مِثْلَهُ .
رجال السند الأول : خمسة
١ - ( قتيبة) بن سعيد بن جميل بن طَريف ، أبو رجاء الثقفي
البَغْلاني ثقة ثبت من [١٠] تقدم في ١/ ١ .
٢ - ( مالك) بن أنس أبو عبد الله إمام دار الهجرة الحجة الثبت من
[٧] تقدم في ٧/ ٧ .
٣-( أبوالزناد ) عبد الله بن ذكوان الأموي مولاهم ، المدني ، یکنی
أبا عبد الرحمن ، كان أحد الأئمة ، عن أنس ، وابن عمر ، وعمر بن أبي
سَلَمة مرسلا ، وعن الأعرج فأكثر ، وابن المسيب ، وطائفة ، وعنه
موسى بن عقبة ، وعبيد الله بن عمر ، ومالك ، والليث ، والسفيانان ،
وخلق، قال أحمد : ثقة أمير المؤمنين، وقال أبو حاتم : ثقة فقيه صاحب
سنة ، وقال البخاري : أصح الأسانيد أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي
هريرة ، وقال الليث : رأيت أبا الزناد ، وخلفه ثلاثمائة طالب ، قال
الواقدي: مات فجأة سنة ١٣٠ ، قال عمرو بن علي ، وابن معين ، سنة
إحدى ، قال الحافظ شمس الدين الذهبي : ولي بعض أمور بني أمية
فتُكُلِّم فيه لأجل ذلك ، وهو ثقة حجة لا يعلق به جرح ، والله أعلم ،
أخرج له الجماعة ، اهـصه ، وفي (ت) ثقة فقيه من الخامسة .
٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز ( بضم الهاء والميم بينهما راء
ساكنة) الهاشمي مولاهم ، أبو داود المدني ، الأعرج القارئ ، عن أبي
هريرة ومعاوية ، وأبي سعيد ، وعنه الزهري ، وأبو الزبير ، وخلق ، وثقه

١١٣ -
٥١ - سور الكلب - حديث رقم ٦٥,٦٤,٦٣
جماعة . قال أبو عبيد : توفي سنة ١١٧ بالإسكندرية ، أخرج له
الجماعة، وفي (ت) ثقة عالم ثبت من الثالثة .
٥ - ( أبو هريرة) عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه ،
تقدم في ١ / ١ .
رجال السند الثاني : ستة
١ - (إبراهيم بن الحسن) بن الهيثم الخَتْعَمي بمثلثة أبو إسحاق
المقْسَمي بكسر الميم ، المصيصي ، عن مَخْلد بن يزيد ، والحارث بن
عطية، وعنه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، في تفسيره ، وثقه
النسائي. مات سنة ٢٢٩ قاله أبو إسحاق إبراهيم بن الأدهم السوقيني ،
وفي (ت) ثقة من الحادية عشرة .
٢ - (حجاج) بن محمد الأعور المصيصي ، أبو محمد الترمذي
الأصل، نزيل بغداد، ثم المصيصة ، ثقة ثبت من [٨] تقدم في ٣٢/٢٨ .
٣ - ( ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم
أبوالوليد ، وأبو خالد المكي الفقيه أحد الأعلام ، عن ابن أبي مليكة
وعكرمة ، وعن طاوس مسألة ، ومجاهد ، ونافع ، وخلق ، وعنه یحیی
ابن سعيد الأنصاري أكبر منه ، والأوزاعي ، والسفيانان ، وخلق . قال
ابن المديني : لم يكن في الأرض أحد أعلم بعطاء من ابن جريج . وقال
أحمد : إذا قال : أخبرنا وسمعت حسبك به . وقال ابن معين : ثقة إذا
رَوَى من الكتاب . وقال أبو نعيم : مات سنة ١٥٠ أو بعدها وقد جاز
٧٠، أخرج له الجماعة . اهـصة ، وفي (ت) فقیه فاضل ، وکان یدلس،
ويرسل من السادسة .
٤ - ( زياد بن سعد) الخراساني أبو عبد الرحمن المكي نزيل اليمن ،
عن الزهري ، وأبي الزبير ، وعنه ابن جريج ، وهمام بن يحيى ،

- ١١٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
ومالك . قال النسائي : ثقة ثبت أخرج له الجماعة اهـصة ، وفي (ت)
ثقة ثبت ، قال ابن عيينة : أثبت أصحاب الزهري من السادسة .
٥ - ( ثابت مولى عبد الرحمن بن زيد) هو ثابت بن عياض الأحنف
المدني ، مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي ، عن أبي
هريرة، وعنه سليمان الأحول ، ومالك ، قال أبو حاتم : لا بأس به ،
وقال النسائي : ثقة أخرج له البخاري ومسلم ، وأبوداود ، والنسائي .
اهـصة ، وفي (ت) ثقة من الثالثة .
٦ - (أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في ١/١.
رجال الإسناد الثالث : سبعة
كلهم تقدموا في السند الذي قبله إلا اثنين :
١ - (هلال بن أسامة) هو هلال بن علي بن أسامة نسب إلى جده ،
ويقال ابن هلال القرشي ، العامري ، المدني ، عن أنس وعطاء بن يسار ،
وعنه سعيد بن أبي هلال ، ومالك، وفليح ، قال النسائي : ليس به
بأس، قال الواقدي : مات في آخر خلافة هشام بن عبد الملك ، أخرج له
الجماعة . اهـ صة بزيادة .
وقال الحافظ في تهذيب التهذيب : هلال بن علي ، ويقال هلال بن
أبي ميمونة ، وهلال بن أبي هلال العامري مولاهم المدني، وبعضهم نسبه
إلى جده ، فقال : ابن أسامة ، روى عن أنس بن مالك ، وعبد الرحمن
ابن أبي عمرة ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، وعطاء بن يسار ، وأبي
ميمونة المدني . وروى عنه يحيى بن أبي كثير ، وزياد بن سعد ، ومالك،
وفليح ، وسعيد بن أبي هلال ، وعبد العزيز بن الماجشون . قال أبو
حاتم: شیخ یکتب حديثه ، وقال النسائي : ليس به بأس ، وذكره ابن
حبان في الثقات . وقال الدارقطني : هلال بن علي ثقة ، وقال مسلمة في

٥١ - سور الكلب - حديث رقم ٦٥٫٦٤,٦٣
١١٥-
الصلة : ثقة قديم اهـ باختصار ، وفي (ت) ثقة من الخامسة مات سنة
بضع عشرة ومائة . أخرج له الجماعة .
٢ - ( أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني ، أحد
الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. ثقة ثبت فقيه من [٣] تقدم في ١ / ١.
لطائف الأسانيد الثلاثة
من لطائف الإسناد الأول : أنه من خماسيات المصنف .
ومنها : أن رواته كلهم مدنيون إلا شيخ المؤلف فهو بغلاني - قرية من
قری بلخ - .
ومنها : أنهم ثقات أجلاء ، حتى قال البخاري : أصح الأسانيد :
أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة .
ومنها : أن فيه مَنْ لُقِّب بكنية ، وله كنية أخرى ، وهو أبو الزناد ،
فإنه لقب لا كنية ، لقب به لسرعة فهمه ، وكنيته أبو عبد الرحمن .
ومنها : أن فيه ، الإخبار، والعنعنة .
ومنها : أن صحابيه أحد المكثرين السبعة ، بل هو أكثرهم رواية ،
فإنه روى [٥٣٧٤] حديثا، وإلى السبعة أشار السيوطي في الألفية حيث
قال :
أَبُو هُرَيْرةَ يَلِيه ابْنُ عُمَرْ
وَالْكْثُرُونَ فِي رِوَايَة الأثَرْ
وَجَابِرٌ وَزَوْجَةُ النَّبِيِّ
وَأَنَسٌ وَالبَحْرُ كَالْخْدُرِيٌّ
لطائف الإسناد الثاني :
منها : أنه من سداسياته .
ومنها : أن رواته كلهم ثقات ، وأنهم ما بين مصيصيينٍ -بكسر الميم

-
- ١١٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
والصاد المهملة المشددة ، وسكون الياء بعدها صاد مهملة : مدينة على
ساحل البحر ، قاله في اللباب - وهما شيخ المصنف ، وشيخه فإنه
مصيصي أيضا ترمذي الأصل ، نزيل بغداد ، ثم المصيصة كما تقدم ،
ومكيينٍ وهما ابن جريج ، وشيخه ، فهو خراساني ، ثم مكي ، ثم يمني
ومدنيين ، وهما ثابت ، وأبو هريرة ، وأن فيه الإخبار والتحديث ،
والسماع ، والعنعنة .
لطائف الإسناد الثالث :
منها : أنه من سباعياته ، وأن رواته كلهم ثقات ، وأنهم ما بين
مصيصين ، ومكيين ، ومدنيين ، وفيه رواية تابعي ، عن تابعي ، ، وفيه
راو هو أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال ، وتقدم غير مرة ، وهو
أبو سلمة ، وأن اسمه كنيته على الصحيح ، وفيه الإخبار والتحديث ،
والسماع ، والعنعنة .
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله قال: إذا شرب
الكلب في إناء أحدكم) ظاهره العموم في الآنية ، وهو يخرج ما كان من
المياه في غير الآنية .
وقيل : أصل الغسل معقول المعنى ، وهو النجاسة ، فلافرق بين
الإناء وغيره ، وقال : العراقي : ذكر الإناء خرج مخرج الغالب لا للتقييد
اهـنیل جـ١/ ص٣ .
وقال بعض المحققين : الإضافة هنا مُلْغى اعتبارها ، لأن الطهارة لا
تتوقف على ملکه ، وكذا قوله ((فلیغسله )) لا يتوقف أن یکون هو
الغاسل ا هـ.
وفي الرواية الثانية (إذا ولغ الكلب ) أي شرب منه بلسانه ، يقال :
u

١١٧ -
٥١ - سور الكلب - حديث رقم ٦٥,٦٤,٦٣
وَلَغَ الكلبُ يَلَغُ وَلَغًا ووُلُوغا من بابي نفع وشرب ، وحذفت واوه في
المضارع ، كما في يقع ، وولغَ يَلَغ من بابي وعد وورث لغة ، ويولّغ مثل
وَجِل يَوْجَل لغة أيضا ، ويتعدى بالهمزة ، يقال : أولغته : إذا سقيته ،
ويتعدى أيضا بالباء ((ومن)) ((وفي)) يقال: وَلَغ الكب بشرابنا ، ومن
شرابنا ، وفي شرابنا ، قال ابن الأثير : وأكثر ما يكون الولوغ في السباع
اهـ. وقال في الفتح: وَلَغْ يَلَغ بالفتح فيهما : إذا شرب بطرف لسانه فيه
فحركه ، وقال ثعلب : الولوغ أن يدخل لسانه في الماء ، وغيره من کل
مائع فیحركه ، زاد ابن درستويه : شرب أو لم يشرب ، قال ابن مكي :
فإن كان غير مائع يقال : لعقه ، وقال المطرزي : فإن كان فارغا يقال :
لحسه اهـ المنهل جـ١/ ص٢٥٢ .
( فيغسله سبع مرات) قال أبو البقاء : أصله مرات سبعا على الصفة،
فلما قدمت الصفة وأضيفت إلى المصدر نصبت المصدر .اهـ زهر
جـ١ / ص٥٣
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى : في درجته : حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا
حدیث متفق عليه .
المسألة الثانية: فيمن أخرجه : أخرج هذا الحديث كماقال العراقي:
الأئمة الستة خلا الترمذي ، من طريق مالك هكذا ، إلا أنه ليس في
رواية اللؤلؤي ، وابن داسة ، وابن الأعرابي ، عن أبي داود ، وإنما هوفي
رواية أبي الحسن بن العبد عنه .
وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي ، وأخرجه الترمذي من رواية
محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، ورواه النسائي من رواية ثابت بن
عياض الأحنف ، وأبي سلمة عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، وأخرجه
ابن ماجه أيضا من رواية أبي رزين عنه. اهـ طرح جـ١/ ص١١٩ ،

- ١١٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وأخرجه الطحاوي ، والبيهقي ، والدار قطني .
المسألة الثالثة : قال العراقي : قال ابن عبد البر في التمهيد : هكذا
يقول مالك في هذا الحديث : ((إذا شرب الكلب)) وغيره من رواة حديث
أبي هريرة هذا بهذا الإسناد ، وبغيره على تواتر طرقه وكثرتها عن أبي
هريرة وغيره كلهم يقول: ((إذا ولغ الكلب )) ولا يقولون شرب الكلب ،
وهو الذي يعرفه أهل اللغة ، اهـ .
وسبقه إلى ذلك الحافظان أبوبكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي ،
وأبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده ، فقالا: إن مالكا تفرد بقوله :
((شرب)) ، وليس كما ذكروا ، فقد تابع مالكا على قوله ((شرب)) مغيرة بن
عبد الرحمن الحزامي ، وورقاء بن عمر ، كما بينه ابن دقيق العيد في
الإمام، على أن بعض الرواة عن مالك رواه عنه بلفظ ((ولغ)) كما رواه
غيره ، ورواه ابن ماجه من رواية روح بن عُبادة عن مالك هكذا في بعض
نسخ ابن ماجه ، وفي بعضها ((شرب)) ، وذكر أبو العباس أحمد بن طاهر
الداني في أطراف الموطأ أن أبا علي الحنفي رواه عن مالك بلفظ ((ولغ)).
والمعروف عن مالك ((شرب)) كما اتفق عليه رُوَاةُ الموطأ اهـكلام
العراقي طرح . جـ ١ ص ١٢٠ .
المسألة الرابعة : استدل بالأمر بالغسل من ولوغ الكلب على نجاسة
سؤره ولعابه ، وهو قول سفيان الثوري ، وأبي حنيفة وأصحابه ،
والليث بن سعد ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي عبيد ، وأبي
ثور ، ومحمد بن جرير الطبري ، وأكثر أهل الظاهر .
وذهب مالك وداود إلى طهارته ، قال ابن عبد البر : جملة ما ذهب
إليه مالك ، واستقر عليه مذهبه عند أصحابه أن سؤر الكلب طاهر ،
ويغسل الإناء من ولوغه سبعا تعبدا ، واستحبابا أيضا لا إيجابا ، قال :

١١٩ _
٥١ - سور الكلب - حديث رقم ٦٥,٦٤,٦٣
ولا بأس عنده بأكل ما ولغ فيه الكلب من اللبن والسمن ، وغير ذلك ،
ويستحب أن يهريق ما ولغ فيه من الماء ، وقال في هذا الحديث : ما
أدري حقيقته؟ وضعفه مرارا فيما ذكره ابن القاسم عنه أنه لا يغسل الإناء
من ولوغ الكلب إلا في الماء وحده ، وروى ابن وهب أنه يغسل من الماء
وغيره، ويؤكل الطعام، ويغسل الإناء بعدُ تعبدا، أولا يراق شيء من
الطعام ، وإنما يهراق الماء عند وجوده ليسارة مؤنته .
وقال داود : سؤره طاهر ، وغسل الإناء منه سبعا فرض ، ويتوضأ
بالماء ، ويؤكل الطعام والشراب الذي ولغ فيه .
ويرد قول مالك وداود ما ثبت في صحيح مسلم من الأمر بإراقته ،
رواه من رواية علي بن مسهر أخبرنا الأعمش ، عن أبي رزين ، وأبي
صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَّه: ((إذا ولغ الكلب في
إناء أحدكم فليُرُقْه ، ثم ليغسله سبع مرات)) ، قال النسائي : لا أعلم أحدا
تابع علي بن مسهر على قوله « فلیرقه)) وكذا قال أبو عبد الله بن منده أن
علي بن مسهر تفرد بالأمر بالإراقة فيه .
وقال ابن عبد البر: لم يذكره أصحاب الأعمش الثقات الحفاظ مثل
شعبة وغيره ، وكذا قال حمزة بن محمد الكناني : لم يروها غير علي بن
مسهر ، قال : وهذه الزيادة في قوله ((فليرقه)) غير محفوظة .
قال العراقي : قلت : وهذا غير قادح فيه فإن زيادة الثقة مقبولة عند
أكثر العلماء من الفقهاء والأصوليين ، والمحدثين ، وعلي بن مسهر قد
وثقه أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، والعجلي ، وغيرهم ، وهو أحد
الحفاظ الذين احتج بهم الشيخان ، وما علمت أحدا تكلم فيه ، فلا يضره
تفرده به . و کذلك ما حكاه ابن القاسم عن مالك من کونه ضعف أصل
الحدیث فما أدري ما وجه ضعفه ، وقد أنكر مالك رحمه الله على أهل

- ١٢٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
العراق ردهم لحديث المُصَرَّاة ، وهو بهذا الإسناد من رواية أبي الزناد ،
عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، فرَوَى ابنُ وهب عن مالك أنه قال : وهل
في هذا الإسناد لأحد مقال ؟ وصدق رحمه الله ، وقال البخاري: إن
هذا الإسناد أصح أسانيد أبي هريرة .
وقال ابن دقيق العيد : والحمل على التنجیس أولى لأنه متى دار
الحكم بين كونه تعبدا وكونه معقول المعنى ، فالمعقول المعنى أولى لندرة
التعبد بالنسبة إلى الأحكام المعقولة المعنى. اهـ طرح جـ١ / ص١٢٢ .
ونقل في المنهل جـ١/ ص٢٢٥ : إن في سؤر الكلب في مذهب مالك
أربعة أقوال :
أحدها : أنه طاهر ، وهو قول ابن وهب وأشهب ، لأن الكلب سبع
من السباع ، وهي طاهرة ، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة ، لكن
روايته عن مالك فيه أن الكلب ليس كغيره من السباع .
الثاني : أنه نجس كسائر السباع ، وهو قول مالك في رواية ابن وهب
عنه ، لما جاء عن النبي # من الأمربغسل الإناء سبعا من ولوغه فيه .
الثالث : الفرق بين الكلب المأذون في اتخاذه وغيره ، وهو أظهر
الأقوال لأن علة الطهارة التي نص النبي عليه عليها في الهرة موجودة في
الكلب المأذون في اتخاذه .
الرابع : الفرق بين البدوي والحضري ، وهو قول ابن الماجشون في
رواية أبي زيد عنه .
فمن رأى سؤر الكلب طاهرا قال: أمر النبي ◌َّ بغسل الإناء سبعا من
ولوغه فيه عبادة لا لعلة ، ومن رآه نجسا قال : ما يقع له الإنقاء من
الغسلات واجب للنجاسة ، وبقية السبع غسلات تعبد ، لا لعلة كالأمر