Indexed OCR Text
Pages 1-20
شرح سُبْنِ الْسَائِيّ المسَمّىَ ذخيرة العقبى في شرح المجتبى لجامِعة الفطير إلى مولاه الفني القدير محمد بن الشيخ العلامة علي بن أدم بن موسى الإ تربي الوَلَّرِي المدرش بُدار الحديث الخيرية بمكة المكرهة عفا الله عز وعن والسير آمين الجزء الثانى دَارُالَّرَج الدّولية النشر بسم الله الرحمن الرحيم طبعت بمطابع الفاروق الحديثة للطباعة والنشر خلف ٦٠ شارع راتب باشا حدائق شبرا ت: ٦٤٧٥٢٦ - ٢٠٥٥٦٨٨ القاهرة C شرح سْ النََّّائي حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م دار المعراج الدولية للنشر الرياض ١١٤٢١- ص.ب. ٨٥٨ - هاتف وفاكس ٤٠٢٦٢٧٨ المملكة العربية السعودية يروت - ص.ب. ٦٣٦٦ /١٤ - هاتف ٨٣١٣٣١ - فاكس ٦٠٣٣٣٣ القاهرة - ص.ب. ١٢٨٩ - هاتف ٣٩٠٠٣١٨ - فاكس ٣٩٢٦٢٥٠ ٥ ٤٤ - باب التوقيت في الماء - حديث رقم ٥٢ ٤٤ - بابُ التَّوْقِيتِ فِي الْمَاء أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على التوقيت أي التحديد في قدر الماء الذي یتنجس والذي لا يتنجس. والتوقيت: مصدر وقَّت الشيءَ: إذا عَيَّن له غايةً . قال في المصباح: الوقت مقدار من الزمن مفروض لأمر ما، وكل شيء قدرت له حينا فقد وقته توقيتا ، وكذلك ما قدرت له غاية ، ووقت الله الصلاة توقيتا ، وَوَقَتَهَا يَقِتُهَا من باب وعَدَ : حدد لها وقتا ، ثم قیل لكل شيء محدود : مَوقُوت ومُوَقَّت .ا. هـ باختصار. وقال العلامة السندي في شرحه : باب التوقيت في الماء : أي التحديد فيه بأن أيّ قدر يتنجس بوقوع النجاسات ، وأيّ قدر لا. ا.هـ. ٥٢ - أخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، والْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ ، عَنْ أَبِي أسَامَةَ، عَنِ الوَكِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِنْ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّه ◌َيُ عَنِ المَاءِ وَمَا يُنُوبُهُ مِنَ الدَّوَابِ والسََّاعِ، فَقَالَ : (إِذَا كَانَ الماءُ قُلَّتَيْنٍ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ)). رجال السند سبعة ١ - (هناد بن السري) بفتح الهاء وتشديد النون ، وبفتح السين وكسر -٦ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة الراء الخفيفة بن مصعب التميمي الدارمي ، أبو السري الحافظ الصالح ثقة من العاشرة ، عن شريك ، وأبي الأحوص، وابن عيينة ، وعَبْثَر ، وخلق وعنه ( عخ م ٤ ) وخلق ، وثقه النسائي ، قال السراج: مات سنة ٢٤٣، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد ، والباقون . ٢- (الحسين بن حُرَيْث) بالتصغير فيهما ، بن الحسن بن ثابت مولی عمران بن حُصَيْن أبو عمَّر الخُزاعي ، المروزي ، ثقة من العاشرة ، عن الفضل بن موسى ، والنضر بن شميل ، وفضيل بن عياض ، وابن المبارك، والوليد بن مسلم ، وخلق وعنه (خ م ت س ) و(د) بالإجازة ، وثقه النسائي ، مات راجعا من الحج سنة ٢٤٤ ، أخرج له الجماعة إلا ابن ماجَهْ. ٣- (أبو أسامة) (ع) حماد بن أسامة الهاشمي ، مولاهم الكوفي ، الحافظ ، ثقة من التاسعة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، والأعمش ، والأجْلَح ، وخلق ، وعنه أحمد ، وإسحاق ، وابن معين ، وابن المديني، وخلائق ، ، قال أحمد : ثقة ما كان أثبته ، لا يكاد يخطئ ، قال البخاري : مات بالكوفة سنة ٢٠١ وهو ابن ثمانين سنة فيما قيل ، أخرج له الجماعة . ٤- (الوليد بن كثير) القرشي مولاهم ، أبو محمد المدني ، صدوق عارف بالمغازي ، ورمي برأي الخوارج ، من السادسة ، عن بُشَير بن يسار، والأعرج ، وجماعة ، وعنه إبراهيم بن سعد ، وأبو أسامة ، والواقدي ، وطائفة ، وثقه ابن معین ، وأبو داود ، وقال ابن سعد : لیس بذاك . مات سنة ٢٥١ أخرج له الجماعة . ٥- ( محمد بن جعفر) بن الزبير بن العوام الأسدي المدني ، ثقة من السادسة، عن عمه عروة ، وابن عمه عباد بن عبد الله ، وعنه عبيد الله ٤٤ - باب التوقيت في الماء - حديث رقم ٥٢ ٧ - ابن أبي جعفر ، وابن إسحاق ، وجماعة ، وثقه النسائي ، وفي (ت) مات سنة بضع عشرة ومائة اهـ أخرج له الجماعة . ٦ - (عبد الله بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب العدوي ، أبو عبد الرحمن المدني ، ثقة من الثالثة ، وصيّ أبيه ، عن أبيه ، وأبي هريرة، . وعنه عبد الله بن أبي سلمة، والقاسم بن محمد، وثقه وكيع وأبوزرعة، وفي (ت) مات سنة ١٠٥ أخرج له الجماعة إلا ابن ماجه. ٧- (عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما، تقدم في ١٢/١٢. لطائف الإسناد ٨ منها: أنه من سداسياته ، وأن رواته ما بين كوفيين : وهما هناد ، وأبو أسامة ، ومروزي : وهو الحسين بن حريث ، ومدنيين : وهم الباقون ، وكلهم ثقات ، وأن فيه الإخبار في أوله ، والعنعنة في البواقي، وأن فيه رواية الابن عن أبيه . شرح الحديث (عن عبد الله بن عبد الله بن عمر) المكبر، وسيأتي عن الحافظ أن الصواب إذا كان عن محمد بن جعفر فهو عن عبيد الله المصغر ، وإذا كان عن محمد بن عباد بن جعفر فهو عن عبد الله المكبر فتفطن . (عن أبيه) ابن عمر رضي الله عنهما أنه (قال: سئل رسول الله عن الماء) أي عن حكمه هل هو طاهر أم نجس ؟ . ( و) سئل عن (ما) اسم موصول أي الشيء الذي (ينوبه) أي ينزل به ويقصده اهـ زهر ، وقال السندي: مِنْ ناب المكانَ ، وانتابه ، إذا تردد إليه مرة بعد أخرى ، ونَوبَةً بعد نَوْبة ، وهو عطف على الماء بطريق - ٨ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة البيان، نحو أعجبني زيد، وكرمُهُ . قال الخطابي: فيه دليل على أن سؤر السباع نجس ، وإلا لم يكن لسؤالهم عنه ، ولا لجوابه إياهم بهذا الكلام معنى ، قال السندي : قلت وكذا على أن القليل من الماء يتنجس بوقوع النجاسة ا. هـ كلام السندي ١ / ٤٧، وفي النيل وحكى الدار قطني أن ابن المبارك صحفه فقال (يثوبه ) بالثاء المثلثة ا. هـ ١/ ٥٩ . وقوله ( من الدواب والسباع) بيان لما ، والدواب جمع دابة ، وهي لغةً ما يدبُّ على وجه الأرض ، وفي العرف تطلق على ذوات الأربع ، مما يركب ، قال في الصحاح : الدابة التي تركب ، نقله في المنهل ٢٢٣/١. وفي المصباح : وكل حيوان في الأرض دابة ، وتصغيره دُوَيبة على القياس ، وسمع دُوَابَّة بقلب الياء ألفا على غير قياس ، وخالف فيه بعضهم ، فأخرج الطير من الدواب ، ورُدَّ بالسماع ، وهو قوله تعالى : ﴿والله خلق كل دابة من ماء﴾ [النور: ٤٥] قالوا : أي خلق الله كل حيوان مميِّزًاً كان أو غير مميز ، وأما تخصيص الفرس ، والبغل بالدابة عند الإطلاق ، فعرف طارئ، وتطلق الدابة على الذكر والأنثى ، والجمعُ دَوَابّ . اهـ. والسباع : جمع سبع بضم الباء ، قال في المصباح : وإسكان الباء لغة، حكاها الأخفش وغيره ، وهي الفاشية عند العامة ، ولهذا قال الصغاني : السبع يعني بالضم والسبع يعني بالسكون لغتان ، وقري بالإسكان في قوله تعالى ﴿ وما أكل السبع﴾ [المائدة: ٣] وهو مروي عن الحسن البصري ، وطلحة بن سليمان ، وأبي حيوة ، ورواه بعضهم عن عبد الله بن كثير أحد السبعة ، ويُجمع في لغة الضم على سباع ، مثل رجل ، ورجال ، لا جمع له غير ذلك ، على هذه اللغة ، قال الصغاني: ٤٤ - باب التوقيت في الماء - حديث رقم ٥٢ ٩ - وجمعه على لغة السكون في أدنى العدد : أسْبُع ، مثل فَلْس ، وأقْلُس، وهذا كما خفف ضبع ، وجمع على أضْبُع . ويقع السبع على كل ما له ناب يَعْدُو به ، ويفترس كالذئب ، والفهد والنمر ، وأما الثعلب : فليس بسبع ، وإن کان له ناب لأنه لا يعدو به ، ولا يفترس ، وكذلك الضبع ، قاله الأزهري . اهـ. المصباح باختصار. قال الجامع : فالعطف یکون من عطف الخاص على العام ، إن قلنا بعموم الدواب ، ومن عطف المغاير إن قلنا بالعرف الذي يخصه بذوات الأربع ، مما يركب . (فقال) ◌َّ مجيبا عن السؤال ((إذا كان الماء قلتين)) تثنية قلة ، بضم القاف وتشديد اللام ، وهي الجَرَّة العظيمة ، والجمع قلال مثل بُرْمَة وبرَام، أو قُلَل مثل غُرْفة وغُرَف . وقال في المصباح بعد ذكر نحو هذا ما نصه : قال الأزهري : ورأيت القلة، من قلال هَجَرَ، والأحْسَاء ، تَسَعُ ملء مَزَادة، والمزادة شطر الرواية ، كأنها سميت قُلَّة ، لأن الرجل القوي يُقلها أي يحملها ، وكل شيء حملته : فقد أقللته ، وأقَلْتَه عن الأرض : رفعته بالألف أيضا، ومن باب قتل لغة ، وفي نسخة من التهذيب قال أبو عبيد : والقُلَّة حُبّ كبير ، والجمع قلال ، وأنشد لحسان (من الطويل): وَقَدْ كَانَ يُسْقَى فِ قِلاَلٍ وَحَنْتَمِ وعن ابن جريج قال : أخبرني من رأى قلال هجر أن القلة تسع فَرَقا، قال عبد الرزاق : والفرق يسع أربعة أصواع بصاع النبي ١٤ هـ. عبارة المصباح . وقد اختلفوا في مقدار القلتين، فمنهم من قَدَّر بخمسٍقِرَب، ومنهم من قدر بخمسمائة رطل، وسیأتي مزيد بسط في كلام النووي رحمه الله - ١٠ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة وقال الخطابي رحمه الله : وقد تكون القلة الإناءَ الصغير الذي تُقله الأيدي ، ويتعاطى فيه الشراب ، كالكيزَان ونحوها ، وقد تكون القلة الجرة الكبيرة التي يقلها القوي من الرجال ، إلا أن مخرج الخبر قد دل على أن المراد به ليس النوع الأول ، لأنه إنما سُئل عن الماء الذي يكون بالفلاة من الأرض في المصانع ، والوهَاد ، والغُدْران ونحوها ، ومثل هذه المياه لا تُحمَل بالكوز والكوزين ، في العرف والعادة ، لأن أدنى النجس إذا أصابه نجسه فعلم أنه ليس معنى الحديث ، وقد روي من رواية ابن جريج مرسلا « إذا كان الماء قلتین بقلال هجر )) ، وقال : وقلال هجر مشهورة الصّنْعَة معلومة المقدار ، لا تختلف كما لا تختلف المكاييل والصِّيعَان ، والقرَب المنسوبة إلى البلدان المحدودة على مثال واحد» وهي أكبر ما يكون من القلال ، وأشهرها لأن الحد لا يقع بالمجهول ، ولذلك قيل قلتين على لفظ التثنية ، ولو كان وراءها قلة في الكبر لأشكلت دلالته فلما ثناها دلَّ على أنه أكبر القلال ، لأن التثنية لابد لها من فائدة ، وليست فائدتها إلا ما ذكرناه . اهـ. كلام الخطابي باختصار يسير . (لم يَحمل الخَبَث) بفتحتين، أي النجس ، كما وقع تفسيره بالنجس في الروايات الأخر ، والمعنى لم يَقبَل النجاسةَ ، بل يدفعها عن نفسه ، ولو كان المعنى أنه يضعف عن حملها لم يكن لتقييد بالقلتين معنى ، فإن ما دونها أولى بذلك ، وقيل : معناه : لا يقبل حكم النجاسة . اهـ نيل . مسائل تتعلق بحديث الباب المسألة الأولى في درجته : هذا الحديث صحيح ، قال الحافظ أبو الفضل العراقي في أماليه : قد صحح هذا الحديث الجم الغفير من أئمة الحفاظ : الشافعي ، وأبو عبيد ، وأحمد ، وإسحاق ، ويحيى بن معين ، وابن خزيمة ، والطحاوي ، وابن حبان ، والدار قطني ، وابن منده ، والحاكم، والخطابي ، والبيهقي، ١١ _ ٤٤ - باب التوقيت في الماء - حديث رقم ٥٢ وابن حزم ، وآخرون . كذا في قوت المغتذي ، وقال الحافظ في الفتح : رواته ثقات ، وصححه جماعة من أهل العلم . اهـ وقال في التلخيص : قال الحاكم : صحيح على شرطهما ، وقد احتجا بجميع رواته ، وقال ابن منده : إسناده على شرط مسلم ، وقال ابن معين : الحديث جيد الإسناد ، وقال ابن دقيق العيد : هذا الحديث قد صححه بعضهم ، وهو صحيح على طريق الفقهاء ، لأنه وإن كان مضطرب الإسناد ، مختلفا في بعض ألفاظه ، فإنه يجاب عنه بجواب صحيح ، بأن يمكن الجمع بين الروايات . اهـ تحفة الأحوذي ١/ ٢١٧. المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٤٤-٥٢ وفي الكبرى ٣٧/ ٥٠ عن هناد بن السَّري والحُسين بن حُريث ، كلاهما عن أبي أسامة ، وفي ٣٢٨ عن الحسين بن حریث عن أبي أسامة ، عن الوليد بن کثیر ، عن محمد بن جعفر ، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه . المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه أبو داود عن أبي كريب ، وعثمان بن أبي شيبة ، والحسن بن علي ، وغيرهم ، كلهم عن أبي أسامة ، عن الوليد بن كثير ، عن محمد ابن جعفر بن الزبير ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه ، وقال أبو داود بعد أن ساق الحديث ما نصه : هذا لفظ ابن العلاء - يعني أبا كريب- وقال عثمان ، والحسن بن علي عن محمد بن عباد بن جعفر ، قال أبو داود : والصواب محمد بن جعفر . اهـ . تنبيه : اختلف في سند هذا الحدیث مع کون مداره علی الوليد بن کثیر ، فقیل عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير ، وقیل عنه عن محمد بن عباد بن - ١٢ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة جعفر ، وتارة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ، وتارة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر ، والجواب : أن هذا ليس اضطرابا قادحا ، فإنه على تقدير أن يكون الجميع محفوظا ، انتقال من ثقة إلى ثقة ، وعند التحقیق: الصواب أنه عن الوليد بن کثیر عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر المکبر ، وعن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر المصغر، ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهمَ. وقد رواه جماعة عن أبي أسامة ، عن الوليد بن كثير على الوجهين ، وله طريق ثالثة رواها الحاكم وغيره ، من طريق حماد بن سلمة ، عن عاصم بن المنذر ، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، وسئل ابن معين عن هذه الطريق ، فقال : إسنادها جيد ، قيل له : فإن ابن علية لم يرفعه؟ فقال : وإن لم يحفظ ابن علية ، فالحديث جيد الإسناد . أفاده الحافظ في التلخيص ١/ ١٧ -١٨ . المسألة الرابعة : قد ذكر الإمام النووي رحمه الله في المجموع شرح المهذب ما يتعلق بحديث الباب من الكلام على الحديث سندا ، ومتنا ، ومن مذاهب العلماء في حكم المسألة ، وهاك نصه : قال رحمه الله : هذا الحدیث حديث حسن ثابت من رواية عبد الله ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، رواه أبوعبد الله الشافعي ، وأحمد، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجَهُ(١)، وأبو عبد الله الحاكم في المستدرك على الصحيحين ، قال الحاكم : هو حديث صحيح على (١) قلت بقي عليه المصنف فإنه أخرجه هنا، وفي ٣٢٨ . ١٣ - ٤٤ - باب التوقيت في الماء - حديث رقم ٥٢ شرط البخاري ، ومسلم ، وجاء في رواية لأبي داود وغيره (( إذا كان الماء قلتين لم يَنْجُس )) قال البيهقي وغيره : إسناد هذه الرواية إسناد صحيح ، والخَبَث بفتح الخاء والباء ومعناه هنا لم ينجس كما جاء في الرواية الأخرى . وأما حكم المسألة : وهي إذا وقع في الماء الراكد نجاسة ، ولم تغيره ، فحكى ابنُ المنذر وغيرُه فيها سبعة مذاهب للعلماء : أحدها : إن کان قلتین فأکثر لم ینجس وإن کان دون قلتین نجس ، وهذا مذهبنا ، ومذهب ابن عمر ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وأحمد، وأبي عبيد ، وإسحاق بن راهويه . الثاني : إنه إن بلغ أربعين قلة لم ينجسه شيء ، حكوه عن عبد الله ابن عمرو بن العاص ، ومحمد بن المنكدر . الثالث : إن کان گُرّا(١) لم ينجسه شيء ، روي عن مسروق ، وابن سیرین . الرابع : إذا بلغ ذَنُوبين لم ينجس ، روي عن ابن عباس ، وفي رواية، وقال عكرمة : ذنوبا أو ذنوبين . الخامس : إن كان أربعين دلوا لم ينجس ، روي عن أبي هريرة . السادس : إذا کان بحيث لو حرك جانبه تحرك الجانب الآخر نجس ، وإلا فلا ، وهو مذهب أبي حنيفة . السابع : لا ينجس كثير الماء ولا قليله إلا بالتغير ، حكوه عن ابن (١) بضم الكاف وتشديد الراء : ستون قفيزا ، والقفيز ثمانية مكاكيك والمكوك صاع ونصف ، فعلى هذا فهو اثنا عشر وَسْقًا، كل وَسْق ستون صاعاً. ا.هـ. من هامش المجموع. - ١٤ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة عباس ، وابن المسيب ، والحسن البصري ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وجابر بن زيد ، ویحیی بن سعيد القطان ، وعبد الرحمن بن مهدي . وهو مذهب مالك ، والأوزاعي ، وسفيان الثوري ، وداود ، ونقل عن أبي هريرة ، والنخعي . قال ابن المنذر : وبهذا المذهب أقول ، قال النووي : وهذا المذهب أصحها بعد مذهبنا، واحتج لأبي حنيفة بأشياء ليس في شيء منها دلالة، قال النووي : لكني أذكرها لبيان جوابها إن أوردت على ضعيف المرتبة : منها قوله: (( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ، ثم يتوضأ منه)) حديث صحيح متفق عليه ، قالوا : وروي أن زنجيا مات في زمزم ، فأمر ابن عباس بنزحها ، ومعلوم أن ماء زمزم يزيد على قلتين ، ولأنه مائع ينجس بورود النجاسة عليه ، إذا قل فكذا إذا كثر كسائر المائعات ، ولأنه تیقن حصول نجاسة فيه فهو كالقليل . واحتج أصحابنا يعني الشافعية على أبي حنيفة بحديث ابن عمر المذكور يعني حديث القلتين ، وبحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في وضوء النبي ◌َّ* من بئر بضاعة وكان يُلقَى فيها لحوم الكلاب ، وخرق الحيض ، وهو حديث صحيح ، وهذه البئر كانت صغيرة ، وهم لا يجيزون الوضوء من مثلها ، قالوا : إنما توضأ منها لأنها كانت جارية ، قال الواقدي : كان يسقى منها الزرع والبساتين ، ، وكذا قاله الطحاوي ونقله عن الواقدي ، قال أصحابنا : هذا غلط ، ولم تكن بئر بضاعة جارية بل كانت واقفة ، لأن العلماء ضبطوا بئر بضاعة ، وعَرَّفُوها في کتب مكة والمدينة ، وأن الماء لم یکن يجري . قال أبو داود في سننه : سمعت قتيبة بن سعيد يقول : سألت قَيِّم بئر ١٥ - ٤٤ - باب التوقيت في الماء - حديث رقم ٥٢ بضاعة عن عمقها ، قال : أكثر ما يكون الماء فيها إلى العانة . قلت : فإذا نقص؟ قال : دون العورة ، قال أبو داود : وقَدَّرت بئر بضاعة بردائي ، مددته عليها ، ثم ذرعته ، فإذا عرضها ست أذرع ، وقال لي الذي فتح لي الباب يعني باب البستان الذي هي فيه : لم يغيربناؤها عما كانت عليه ، قال : ورأيت فيها الماء متغير اللون . اهـ . وما نقل عن الواقدي فمردود ، لأن الواقدي ضعيف عند أهل الحديث ، وغيرهم، لا يحتج برواياته المتصلة فكيف بما يرسله ، أو يقوله عن نفسه ، ولو صح أنه كان يُسقَى منها الزرع ، لكان معناه أنه يُسقَى منها بالدلو والناضح ، عملا بما نقله الأثبات في صفتها . قال النووي : قال أصحابنا - يعني الشافعية - وعمدتنا حديث القلتين ، فإن قالوا : هو مضطرب ، لأن الوليد بن كثير رواه تارة عن محمد بن عباد بن جعفر ، وتارة عن محمد بن جعفر بن الزبير ، وروي تارة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، عن أبيه ، وتارة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، وهذا اضطراب ثان . فالجواب : أن هذا ليس اضطرابا ، بل رواه محمد بن عباد ، ومحمد ابن جعفر . وهما ثقتان معروفان ، ورواه أیضا عبد الله، وعبيد الله ابنا عبد الله بن عمر ، عن أبيهما ، وهما أيضا ثقتان ، وليس هذا من الاضطراب . وبهذا الجواب أجاب أصحابنا ، وجماعات من حفاظ الحديث ، وقد جمع البيهقي طرقه وَبَيّن رواية المحمدين وعبد الله ، وعبيد الله ، وذكر طرق ذلك كله ، وبينها أحسن بيان ، ثم قال : فالحديث محفوظ عن عبد الله ، وعبيد الله ، قال : وكذا كان شيخنا أبو عبد الله الحافظ الحاكم يقول : الحديث محفوظ عنهما ، وكلاهما رواه عن أبيه ، قال وإلى هذا - ١٦ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة ذهب كثير من أهل الرواية ، وكان إسحاق بن راهويه يقول : غلط أبو أسامة في عبد الله بن عبد الله ، إنما هو عبيد الله بن عبد الله بالتصغير، وأطنب البيهقي في تصحيح الحديث بدلائله ، فحصل أنه غير مضطرب. وقال الخطابي : ويكفي شاهدا على صحته أن نجوم أهل الحديث صححوه وقالوا به ، واعتمدوه في تحديد الماء ، وهم القدوة ، وعليهم الْمُعَوَّل في هذا الباب ، فممن ذهب إليه : الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق، وأبو ثور ، وأبوعبيد ، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ، وغيرهم ، وقال النووي : وقد سَلَّمَ أبو جعفر الطحاوي إمام أصحاب أبي حنيفة في الحديث ، والذاب عنهم ، صحة هذا الحديث ، لكنه دفعه، واعتذر عنه بما لیس بدافع ولا عذر ، فقال: هو حديث صحيح ، لكن تركناه لأنه روي قلتين أو ثلاثا ولأنا لا نعلم قدر القلتين ، فأجاب أصحابنا : بأن الرواية الصحيحة المعروفة المشهورة قلتين ، ورواية الشك شاذة غريبة فهي متروكة ، فوجودها كعدمها ، وأما قولهم : لا نعلم قدر القلتين ، فالمراد قلال هجر ، كما رواه ابن جريج ، وقلال هجر كانت معروفة عندهم مشهورة ، يدل عليه حديث أبي ذر في الصحيحين أن النبي ◌َّ أخبرهم ليلة الإسراء فقال: ((ورفعت لي سدرة المنتهى ، فإذا ورقها مثل آذان الفِيَلَة، وإذا نَبْقُهَا مثل قلال هَجَر )) فعلم بهذا أن القلال معلومة عندهم مشهورة ، وكيف يظن أنه معَّ يحدد لهم أو يمثل لهم بما لا یعلمونه ، ولا يهتدون إليه ؟ . فإن قالوا : روي أربعين قلة ، وروي أربعين غربا ، وهذا يخالف حديث القلتين، فالجواب: أن هذا لا يصح عن النبي عليه، وإنما نقل أربعین قلة عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وأربعین غربًا ،أي دلوا عن أبي هريرة ، وحديث النبي #مقدم على غيره ، وأجاب أصحابنا أيضا بأنه ليس مخالفا، بل يحمل على أن تلك الأربعين صغار تبلغ قلتين ١٧ - ٤٤ - باب التوقيت في الماء - حديث رقم ٥٢ بقلال هجر فقط . فإن قالوا : يحمل على الجاري ، فالجواب : أن الحديث عام يتناول الجاري ، والراكد ، فلا يصح تخصيصه بلا دليل ، ولأن توقيته بقلتين يمنع حمله على الجاري عندهم ، فإن قالوا: لا يصح التمسك به لأنه متروك بالإجماع في المتغير بنجاسة ، فالجواب أنه عام خصص في بعضه فبقي الباقي على عمومه ، كما هو المختار في الأصول . فإن قالوا : قد رَوى ابنُ عُليَّة هذا الحديث موقوفًا على ابن عمر ، فالجواب : أنه صح موصولا مرفوعا إلى النبي ◌َّه من طرق الثقات ، فلا يضر تفرد واحد بوقفه ، وقد روى البيهقي وغيره بالإسناد الصحيح عن يحيى بن معين إمام هذا الشأن ، أنه سئل عن هذا الحديث ، فقال : جيد الإسناد ، قيل له : فإن ابن علية لم يرفعه ؟ قال يحيى : وإن لم يحفظ ابن علية ، فالحديث جيد الإسناد . فإن قالوا : إنما لم يحمل الخبث لضعفه عنه ، وهذا يدل على نجاسته، فالجواب : أن هذا جهل بمعاني الكلام ، وبطرق الحديث ، أما جهل قائله بطرق الحديث ، ففي رواية صحيحة لأبي داود (( إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس)) فإذا ثبتت هذه الرواية تعين حمل الأخرى عليها ، وأن معنى لم يحمل خبثا لم ينجس ، وقد قال العلماء : أحسن تفسير غريب الحديث أن يفسر بما جاء في رواية أخرى لذلك الحديث . وأما جهله بمعاني الكلام ، فبیانه من وجهین : أحدهما : أنه ◌َب جعل القلتين حَدّاً ، فلو كان كما زعم هذا القائل ، لكان التقييد بذلك باطلا ، فإن ما دون القلتين يساوي القلتين في هذا . الثاني: أن الحمل ضربان : حمل جسم ، وحمل معنى ، فإذا قيل في حمل الجسم : فلان لا يحمل الخشبة مثلا ، فمعناه لا يطيق ذلك لثقلها ، - ١٨ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة وإذا قيل في حمل المعنى : فلان لا يحمل الضيم ، فمعناه لا يقبله ولا يلتزمه ، ولا يصبر عليه ، قال تعالى: ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها﴾ [سورة الجمعة: ٥] معناه لم يقبلوا أحكامها، ولم يلتزموها ، والماء من هذا الضرب لا يتشكك في هذا من له أدنى فهم ومعرفة ، والله أعلم . والجواب عما احتج به الحنفية من حديث (( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ، ثم يغتسل فيه )) من وجهين : أحدهما : أنه عام مخصوص بحديث القلتين . الثاني وهو الأظهر : أنه نهي تنزيه ، فيكره كراهة شديدة ، وسبب الكراهة الاستقذار لا النجاسة، ولأنه يؤدي إلى كثرة البول وتغير الماء به . وأما قولهم : أن زنجيا مات في زمزم فنَزَحَهَا ابن عباس ، فجوابه من ثلاثة أوجه ، أجاب بها الشافعي ثم أصحابه ، أحسنها : أن هذا الذي زعموه باطل لا أصل له ، قال الشافعي : لقيت جماعة من شيوخ مكة فسألتهم عن هذا ، فقالوا : ما سمعنا هذا ، وروى البيهقي ، وغيره عن سفيان بن عيينة إمام أهل مكة ، قال : أنا بمكة منذ سبعين سنة ، لم أر أحدًا لا صغيرًا ولا کبیرًا يعرف حديث الزنجي الذي يقولونه ، وما سمعت أحداً يقول : نُزُحَت زمزم ، فهذا سفيان كبير أهل مكة قد لقي خلائق من أصحاب ابن عباس ، وسمعهم ، فكيف يتوهم بعد هذا صحة هذه القصة التي من شأنها إذا وقعت أن تشيع في الناس لا سيما أهل مكة، لا سيما أصحاب ابن عباس ، وحاضروها ، وكيف يصل هذا إلى أهل الكوفة ، ويجهله أهل مكة ، وقد رَوَى البيهقي هذا عن ابن عباس من أوجه كلها ضعيفة ، لا يلتفت إليها . الثاني : لو صح لحمل على أن دمه غلب على الماء فَغَّيَّرَه . ١٩ - ٤٤ - باب التوقيت في الماء - حديث رقم ٥٢ الثالث : فعله استحبابا ، وتنظفا ، فإن النفس تعافه ، والمشهور عن ابن عباس أن الماء لا يتنجس إلا بالتغير كما نقله ابن المنذر وغيره. وأما قياسهم على المائع فجوابه من أوجه : أحدها : أنه قياس يخالف السنة فلا يلتفت إليه . الثاني : أنه لا يشق حفظ المائع وإن كثر ، بل العادة حفظه . الثالث : أن للماء قوة في دفع النجس بالإجماع ، وهو إذا كان بحيث لا يتحرك طرفه الآخر بخلاف المائع . الرابع : للماء قوة رفع الحدث ، فكذا له دفع النجس ، بخلاف المائع . وأما قياسهم على الماء القليل فجوابه ظاهر مما ذكرناه . قال النووي : قال أصحابنا : اعتبرُوا حدّاً واعتبرنا حدًا، وحَدُّنًا ما حدَّه رسولُ الله عَّ الذي أوجب الله تعالى طاعته وحرم مخالفته، وحدهم مخالف حده ◌ّ، مع أنه حد بما لا أصل له ، وهو أيضا حد لاضبط فيه فإنه يختلف بضيق موضع الماء وسعته ، وقد يضيق موضع الماء الكثير لعمقه ، ويتسع موضع الماء القليل لعدم عمقه . وأما مالك وموافقوه فاحتُجَّ لهم بقوله عَّه: (( الماء طهور لا ينجسه شيء)) وهو حديث صحيح ، وبالقياس على القلتين ، وعلى ما إذا ورد الماء على النجاسة . قال النووي : واحتج أصحابنا عليهم بحديث القلتين ، وقد وافقنا مالك رحمه الله على القول بدليل الخطاب ، وبحديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي ﴾قال: « إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا یغمس يده في الإناء حتى يغسلها ، فإنه لا يدري أين باتت يده )) رواه البخاري - ٢٠ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة ومسلم ، فنهاه عَّ عن غمس يده في الإناء وعلله بخشية النجاسة ، ويعلم بالضرورة أن النجاسة التي تكون على يده ، وتخفى عليه لا تغير الماء ، فلولا تنجيسه بحلول نجاسة لم تغيره لم ينهه ، وبحديث أبي هريرة أيضا أن النبي ◌ّقال: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا ))رواه الشيخان ، وفي رواية لمسلم: (( فليرقه ثم ليغسله سبع مرات )) فالأمر بالإراقة والغسل دليل النجاسة ، وبحديث أبي قتادة رضي الله عنه أنه كان يتوضأ ، فجاءت هرة ، فأصغى لها الإناء فشربت فتُعُجِّبَ منه ، فقال: سمعت رسول الله # يقول: ((إنها ليست بنجس ، إنها من الطوافين عليكم والطوافات)) حديث صحيح رواه مالك في الموطأ ، وأبو داود ، والترمذي ، وغيرهم ، قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وفيه دلالة ظاهرة أن النجاسة إذا وردت على الماء نجسته ، واحتجوا ، بغير ذلك من الأحاديث . وأما الجواب عن الحديث الذي احتجوا به فهو : أنه محمول على قلتين فأكثر ، فإنه عام ، وحديث القلتين خاص ، فوجب تقديمه جمعا بین الحدیثین . والجواب عن قياسهم على ما إذا ورد الماء على النجاسة ، من وجهين : أحدهما : من حيث النص، وهو أنهعَّ فرق بينهما، وذلك في حديثين: أحدهما ((إذا استيقظ أحدكم)) فمنع ◌ّ من إيراد اليد على الماء، وأمر بإيراده عليها ففرق بينهما ، والثاني أنه تمَّه أمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب لورود النجاسة ، وأمر بإيراد الماء على الإناء . والجواب الثاني : من حيث المعنى وهو أنا إذا نجسنا دون القلتين لورود النجاسة لم يشق ، لإمكان الاحتراز منها ، ولو نجسنا دون القلتين